
من مشاكل الأمة: التفرق والتنازع وغياب مفهوم الجسد الواحد
بقلم: بشرى الخطيب
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا يخفى ولا يستعصي على أحد إدراك أنّ الأمة الإسلامية اليوم تمرّ بمراحل شديدة وعصيبة يُمتحن فيها صدق أصحابها وصدق من يسير على نهج نبيها. وإنّ الحديث عن مشاكل الأمة والتحديات التي تمرّ بها باختلاف المناطق والمجتمعات أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة إلى مختلف المشاكل التي تمرّ بها الأمة مما يؤدي إلى تأخر النصر والفتح وغيرها من البشائر والفتوحات في مختلف السياقات.
تصنيف مشاكل الأمة
ومن الممكن أن نصنّف مشاكل الأمة إلى قسمين رئيسيين، وهما المشاكل الداخلية والمشاكل الخارجية.
- المشاكل الداخلية وهي المشاكل الكبرى التي تنتج عن أزمات وإشكالات داخل الوسط الإسلامي
ومنها تنشأ مشاكل فرعية عنها.
- المشاكل الخارجية وهي التي تنشأ بسبب عوامل خارجية أي خارج الوسط الإسلامي تأثر
بشكل عميق ومباشر في مختلف الأمور على الأوساط الإسلامية ومنها تنشأ مشاكل فرعية أخرى كذلك.
ومن أحد أخطر المشاكل الداخلية شيوعاً وتأثيراً في الأمة الإسلامية باختلاف المذاهب والجماعات التي تنسب نفسها للأمة هي:
مشكلة التفرق والتنازع وغياب مفهوم الجسد الواحد
ومن أحد أعظم أسباب تفشي هذه المشكلة وشدة تأثيرها هو حضور الدولة الحديثة حضوراً مباشراً في حياتنا وتأثيرها على أنفسنا أولاً ثم مجتمعاتنا وبيئاتنا ثانيًا. وهذا التأثير اليوم لا مفرّ منه فإن الدولة الحديثة تتغلغل مفاهيمها في دقائق تفاصيل حياتنا وداخل بيوتنا. المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الحديثة مثل الفردانية، والتعصب الإقليمي والمناطقي هو ما أنتجه هذا الفكر وما أدّى إلى تفشّي وشيوع مشكلة التفرق والتنازع.
لماذا نحتاج إحياء مركزية مفهوم اجتماع الكلمة؟
أولاً، لأن إحياء هذا المفهوم هو أحد مركزيات الدين؛ ولمعرفة ما هو مركزي من غيره يجب أن ننظر فيما تواترت عليه النصوص وكثُر في الوحي الحديث عنه من جهة ظواهره أو علاجه أو أسبابه. وقد استغرق الوحي كثيراً في معالجة مفهوم اجتماع الكلمة وخطر التفرق والتنازع فمنها قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ﴾ [الأنفال ٤٦]
وهذه الآية تدلُّ على أهمية اجتماع الكلمة ونبذ التفرق من وجوه عدة منها:
- أنّ الله تعالى أمرنا بعدم التنازع.
- أنّ طاعة الله تعالى وطاعة رسوله اقترنت باجتماع الكلمة وعدم التنازع والتفرق.
- أنّ نتيجة التنازع هي الفشل، وهذا يشمل الفشل المعنوي والحسيّ.
لا بدّ من تركيز الجهود نحو اجتماع الكلمة لأنه أحد مركزيات الدين، ومن غير اجتماع الكلمة سوف تتولد مشكلات ترسخ التفرق والتشتت، ومن غيرها لن يكون نصر. واجتماع الكلمة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم
والدليل الثاني الذي يبرهن على أهمية هذه المركزية في الإسلام هو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وجسد أمتنا اليوم ضعيفٌ هشّ لا يتحمل مزيدًا من التفرق والتنازع يفضي به إلى مزيدٍ من الضعف والانكسار. وهذا الحديث يدلّ على أهمية اجتماع كلمة المسلمين فيما يخصّ نصرة قضايا الأمة ونصرة المستضعفين من المؤمنين، وذلك لأنّ النصرة و(التداعي) للجسد لا يتحصل بالتنازع والتفرّق المذموم والمشؤوم وإنما صلاح الأمة وصلاح (جسدها) يكون بالاجتماع على الحق وعلى نصرة قضاياها الكبرى والمحورية.
والدليل الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ﴾ [الأنعام ١٥٩]
والشيع التي تفرّقت هنا ليست شيعاً وجماعات لا تنسب نفسها للإسلام كما قد يظن البعض، بل هي جماعات وشيع تنسب نفسها للإسلام وتقرّ بالانتماء إليه.
وفي هذا الدليل تبرئة الله لنبيه من كل من يتفرق ويكوّن جماعات وأحزاب تتقاتل وتتفارق فيما بينها. وقد ذكر ابن عاشور قولاً شاملاً ومباشراً لهذه الآية فقال: (والحاصِلُ أنَّ كُلَّ تَفْرِيقٍ لا يُكَفِّرُ بِهِ بَعْضُ الفِرَقِ بَعْضًا، ولا يُفْضِي إلى تَقاتُلٍ وفِتَنٍ، فَهو تَفْرِيقُ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ وتَطَلُّبٍ لِلْحَقِّ بِقَدْرِ الطّاقَةِ. وكُلُّ تَفْرِيقٍ يُفْضِي بِأصْحابِهِ إلى تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ومُقاتَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في أمْرِ الدِّينِ، فَهو مِمّا حَذَّرَ اللَّهُ مِنهُ، وأمّا ما كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ نِزاعًا عَلى المُلْكِ والدُّنْيا فَلَيْسَ تَفْرِيقًا في الدِّينِ، ولَكِنَّهُ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي لا تَسْلَمُ مِنها الجَماعاتُ.)
وهناك أدلة في هذا الباب كثيرة ومتشعبة أردت إفراد هذه الثلاثة فحسب لوضوحها وشموليتها.
ثانيًا، هذه المشكلة من المشاكل الكبرى التي تمرّ على المسلمين والأمة بشكل عام، فعنها تتفرع الكثير من أنواع التفرق منها:
- التفرق الإقليمي والمناطقي: تفرّق الأمم والشعوب بسبب المناطق الحدودية التي رسمتها الدولة الحديثة لهم.
- التفرق المذهبي: منها التيارات الفكرية المتناحرة.
- التفرق السياسي: كل دولة لها سياسات وتشريعات معينة تقيم فيها الدولة والقوانين.
- التفرق المنهجي: وذلك بأن تتخذ كل فرقة منهجًا معينًا ومختلفًا تؤمن به وتجعله حكماً وطريقاً لحلّ وتحليل الأمور والعوارض والمشاكل وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى مشاكل أخرى أيضاً.
ومن كل نوعٍ من أنواع التفرق، تنتج عنها مشكلة كبرى مشتركة بينها جميعاً وهي التعصب والتشدد لهذه الفرقة والجماعة المعينة مما يؤدي غالباً إلى تشاجر وتنابز بين هذه الفرق وقد يصل إلى مرحلة التقاتل الفعلي، كل فرقةٍ هدفها أن تنتصر على الفرقة الأخرى.
فإذا أدركنا خطر هذه المشكلة وعملنا على استبدالها بما هو خير كالاجتماع ونبذ هذا التفرق المذموم في مجتمعاتنا وفي أوساط مختلف الجماعات، سوف يسهل حلّ وإصلاح باقي المشاكل مما هو متفرع عن هذه المشكلة الكبيرة.
ثالثًا، من غير اجتماع الكلمة لن يحصل النصر أبداً
إنّ من شروط النصر أن يحصل هناك اجتماعٌ وائتلافٌ بين أصحاب من يريدون ويتشرفون لمقام النصر العظيم، فإذا كان كلُّ فرد من أفراد الجماعات المختلفة لا يستطيع أن يجتمع ولو على الأساسيات والأصول مع من يشاركه الهمّ، إذا كان عاجزًا عن التلاقي مع إخوانه في الأساسيات والأصول فهل ينتظر منه أي يكون شريك النصر والتمكين؟
رابعًا، لأن الاجتماع وعدم التفرق هو سمة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وسمة الرعيل الأول
إذ كان وعيهم بخطورة هذه الآفة والمشكلة واضحًا وبيّنًا ومتجذّرًا. فإذا أردنا أن نرى صور النجاح في نصرة الدين ونصرة قضاياه فلنمعن النظر في تاريخ تلك الحقبة ولنستمدّ السمات التي كانوا عليها، ونسقط ذلك على أنفسنا وفي واقعنا المعاصر الذي يفتقر لتطبيق تلك النماذج.
ومن النماذج البيّنة على هذه النقطة، اجتماع الصحابة في زمن الخلافة الراشدة على جمع القرآن في مصحفٍ واحد، ثم نسخ المصاحف وتوزيعها في الأمصار.
ختاماً، فإن مشاكل الأمة الإسلامية اليوم متشعبةٌ وكثيرةٌ وشديدة التأثير، ويبقى التحدي الأكبر اليوم هو اتخاذ خطوات عملية حقيقية ومؤثرة لحلّ وإصلاح هذه المشاكل على نور من الوحي وعلى علم وحكمة وصدق وإخلاص.
فالأعداء اليوم لا يفتأون يخرّبون ويهدّمون كل ما هو صالح في ديننا ودنيانا فعلينا أولاً الوعي بسبيل هؤلاء الأعداء ثم اتخاذ الحذر والعمل على إصلاح ما هو فاسد ومفسد وما يؤدي لتأخر النصر والفتح.
المصادر
تفسير ابن عاشور

