المقالات

الإسلامُ منهج تَغيِيرٍ  وليس مَحْض إيمانٍ قَلبِي

أثر مشكلات الحضارة في بناء الجانب العقدي والروحي وسلوك الفرد المسلم في المجتمع؟

د. إيناس محروس بوبس

يُشكِّلُ الإنسانُ في التَّصوُّرِ الإسلامي وحدةً متكاملةً من العقل والقلب والروح، ولا يمكن فهم سلوكه في المجتمع بمعزلٍ عن البناء العقدي والروحي الذي يحمله. فالعقيدة ليست مَحْضَ أفكارٍ نظرية، بل هي قوةٌ مُوَجِّهَةٌ للسلوك، والحالة الروحية للمسلم ليست حالةً وجدانيةً عابرةً، بل هي مصدر الدافعية الداخلية لديه.

لا بدّ من  تغذية الجانب العقدي لدى الإنسان حتى يمتلئ وينطلق بوصفه عنصراً فاعلاً في المجتمع الإسلامي الذي ننشده وننشد العيش في كنفه بأمنٍ وسلام وإنتاجيةٍ تُقدِّرُ طبيعة الإنسان وتفهم فطرته واحتياجاته، وتحترم حقوقه، وتحدّد له واجباته في ضوء الشريعة.

كيف السبيل إلى تغذية الجانب الروحي والعقدي لدى الإنسان؟

يقول ابن تيمية: “القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسرّ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه”.

إذن لا بد من التركيز على جانب العبادات أولاً؛ يقول تعالى في سورة الأعلى/14: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى*  وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾، وكيف تكون التزكية بغير التَّقرُّبِ إلى الله عز وجل بالعبادات والطاعات.

ويزداد اليقين وترتقي الروح في ملكوت الله بالتَّفكُّرِ في هذا الكون الذي يحيط بنا ولا نحيط به؛ يقول ابن القيم: “الفكر يفتح للعبد أبواب العلم والإيمان”. ويتبلور الفكر الإيماني باستحضار الإخلاص وبيان الوجهة، قال ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات”. ويأتي الثباتُ النفسيُّ نتيجةً حَتْمِيّةً للعبادة والتَّفكّر والإخلاص، لكن المرء لا يَسْلَمُ من خَلَجاتِ النَّفسِ فتأتي المجاهدة ومحاسبة النفس دليلاً على صِدْقِ المَسْعَى، ولتعزيز الفكر الإيماني، وتثبيت القلب. وكلُّ ما سَبَقَ يَتَضَلَّعُ بالصبر، فإن أَيقنَ المرءُ وصبر وأخلص؛ ثَبَت. يقول ابن القيم: “الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد”.

ما أَثَرُ تغذية الجانب العَقديِّ والرُّوحيّ في سلوك الفرد المسلم في المجتمع؟

يتجلَّى أثرُ ذلك في سلوك الفرد بدايةً، فَيَتَحَلَّى بالأمانة والاستقامة، ويَتَزَيَّنُ بالإحسان امتثالاً لقول النبي ﷺ: “إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء”. ويستشعر معنى الاستخلاف والسعي والعمل في الأرض، وفقاً لقوله تعالى في سورة البقرة/30: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. ويستحضر معنى العدل في كل تفاصيله، فالظلم يُؤذن بخراب العمران كما قال ابن خلدون في مقدمته. ثم يلتفت بعد ذلك إلى محيطه الاجتماعي فينهض بتأدية دوره في دوائره الاجتماعية التي يستطيع التأثير فيها بإحسان وإيجابية، فصلاح العباد لا يتحقق إلا بصلاح القلوب وتزكيتها، وكلّ فردٍ مسؤولٌ عن نفسه وعن محيطه الأقرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يقول تعالى في سورة الرعد/11: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

إنّ تغذية الجانب العقدي والروحي تعدُّ أساسًا لبناء الفرد المسلم وتوجيه سلوكه، وهذا البناء ينعكس انعكاسًا مباشرًا على المجتمع الإسلامي الذي نرنو إليه جميعًا.

كيف قرأ سيد قطب المشهد في (الإسلام ومشكلات الحضارة)؟

يذهب سَيِّد قطب في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) إلى أنّ الإنسان يتجه نحو تدمير ذاته وخصائصه الإنسانية بتحويل نفسه إلى آلةٍ من جهة والتركيز على الخصائص المشتركة مع الحيوان من جهة أخرى! (الخصائص الآلية والحيوانية)، ولا حلّ سوى الحفاظ على خصائص الإنسان وتنميتها في ضوء منهج الإسلام وفي مجتمع إسلامي يحيا حياة إسلامية صحيحة. وبذا يصبح العيش في ظلال الإسلام ضرورة إنسانية حتمية وفطرية.

ما الأسباب التي تدفع بالإنسان نحو التخلي عن خصائصه وتدمير ذاته؟

أولًا الجهل بطبيعة الإنسان، وثانيًا تخبط الحياة البشرية القائمة أساسًا على الجهل بطبيعة الإنسان أو محاولة تحريفها ووضعها في قوالب غريبة عنه، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة:  ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾.

لذلك على الرغم من أنّ كلّ ما في الكون مخلوقٌ ومُسخَّرٌ  لخدمة الإنسان غير أنه يبقى قاصراً عن الإحاطة بذاته إحاطة تمكنه من سَنِّ قوانين كونية تخصّه وتُؤطّر حركة العالم من حوله.

إنّ الإنسان” كائن معقد شديد التعقيد” كما يقول سيد قطب، لكنه وفقاً للرؤية الإسلامية مُسَلَّطٌ على عالم المادّة المُسَخَّرِ له أساساً، لكنه أُوتِيَ القدرة على معرفة النواميس الكونية اللازمة له في خلافته في الأرض فحسب، لذلك هو عاجزٌ عن معرفة ذاته بالوضوح نفسه الذي يعرف به نواميس المادة، وقد أكرمه الله وأعانه بوضع منهج حياتي مناسب له لكيانه وفطرته ووظيفته في الأرض، وما عليه سوى اتباعه.

ماذا عن طبيعة الإنسان وتفرُّده وخصائصه؟

الإنسان كيانٌ مُتَفرِّدٌ، وهو نتيجةُ عواملَ عِدَّة؛ الوراثة والجينات، والأُسرةُ وآليَّاتُ تفكيرها، والبيئةُ المحيطة، وعادات المجتمع، وأساليب التفكير النمطية المحيطة به. وهو أَسِيرُ البَدَنِ الذي وُهِبَه، وهو نفسه مَنْ يُحدِّدُ كيفيَّةَ تعامُلِهِ مع جسده، فيجعل منه مُعِيناً أو عائقاً في مسالك الحياة المختلفة. وهو المسؤول عن التَماهِي مع الحياة العَصْرِيَّةِ وما فيها من غَزْوٍ تكنولوجي؛ بالاستفادة من منظوماتها، وتحييد غير المشروع منها.

يتحدث د. ألكسيس كاريل عن مخالفة البشر لقوانين الطبيعة التي نسميها نحن –المسلمين- قوانين الفطرة، ويتحدث عن عواقب مخالفة هذه القوانين التي تتمثل بدايةً بعدم التناسق في دُنْيَا الشُّعُور، وتناقص حادٍّ في إنجاب المبدعين الموهوبين! وكأنّ العصر كلما تَطَوَّرَ وتقدَّمَ تراجعَ تَطَوُّرُ الإنسان!

حذَّرنا الله تعالى في كتابه الكريم من عواقب الإعراض عن منهجه، والحَيْدِ عن قوانين الفطرة وسُنَنِ الكون، حين قال في سورة الأنعام/44-45: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.

فردانية الإنسان وتميزه

كيف ينطلق الإنسان نحو دوره الفاعل ويحققه في هذه الحياة قبل أن يدرك معنى وجوده، ويتفقه بنفسه ليعرف طبيعتها وآليات تحفيزها، وتحريكها بالاتجاه الذي يتوافق مع تصوره العقدي ورؤاه الشرعية؟

يقول تعالى في سورة الذاريات/21: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

يستشهد سيد قطب بقول د. كاريل:

“وتطبع الفردية جميع أجزاء الجسم المركبة، فهي موجودةٌ في العمليات الفيزيولوجية، كما هي موجودةٌ في التركيب الكيماوي للأخلاط والخلايا، ولهذا فإنّ كلّ شخص يتفاعل بطريقته الخاصة مع أحداث العالم الخارجي، مع الضوضاء والخطر والطعام والبرد وهجمات المكروبات والفيروسات… تمتزج الفرديات العقلية والتركيبية بطريقة غير معروفة، وتحمل كل منها للأخرى العلاقات نفسها التي تحملها وجوه النشاط الفيزيولوجي… إنَّها تَهَبُنَا وَحْدَانِيَّتَنا، وتجعل من كل إنسان أن يكون نفسه، وليس شخصاً آخر… كلّ فرد يدرك أنه فريد، وهذه الوحدانية حقيقية”.

في الحديث عن فردانية الإنسان وتميزه استناداً إلى الحقائق الثلاث المتمثلة بأن الإنسان كائن فذٌّ في هذا الكون، وأنه معقَّدٌ شديد التعقيد، وأنه يشتمل على عوالم متفردة تميزه من غيره؛ يقول سيد قطب: ” هذه الحقائق تقتضي منهجاً للحياة الإنسانية يرعى تلك الاعتبارات كلها”، أي يرعى تميز الإنسان وتفرّده في طبيعته وتركيبه ووظيفته وغاية وجوده، ومآله ومصيره، وتعقيده وتنوع أوجه نشاطه. باختصار يُراعِي  فرديته في حياته الجماعية.

هل الإنسان جاهل بنفسه حقاً؟

نظراً لجهالتنا بالإنسان يرى سيّد قطب أنّ مناهج الحياة التي يتخذها البشر لم تستطع أن تُراعي اعتبارات التكوين الإنساني المتشعبة، والمنهج الوحيد الذي يُراعي الاعتبارات المتشابكة كلها هو المنهج الذي وضعه الخالق، الخبير به، العالم بأطواره وتكوينه وطاقاته، وبهذا المنهج وحده يحقق الإنسان غاية وجوده وفرديته.

هل من حضارة لا تُوائم الإنسان؟

معظم الحضارات التي تَهَاوَتْ وانتهت قامت في أساسها على أركان لا تُوائِمُ الإنسان، وتُسْفِرُ عن جهل بطبيعته وخصائصه، فاختلطت مفاهيم الأنوثة بالرجولة على سبيل المثال، وتَقَوّضَتْ أَعْمِدَةُ الأُسْرَةِ، وتَاهَ الإنسانُ في مجتمعاتٍ تنظر إليه بوصفه آلةً لا كياناً مُكرَّماً فَذّاً بمكنوناته وخاصاً بطبيعته.

عَطَّلَ الإنسانُ فِطرَتَهُ وخَصَائِصَهُ الإنسانية، وحَصَرَ طاقتَهُ في التَّصَوُّراتِ المادِّيَّةِ والإنتاج، وكَبَتَ جَوانِبَهُ الحِسِّيَّةَ اللَّطِيفَةَ التي وَهَبَهُ اللهُ تعالى إيّاها، ومَكَّنَهُ بِوَساطَتِها من تحقيق التَّوافُقِ والانسجام بين المتناقضاتِ التي تُكَوِّنه وتُؤَلِّفُ حقيقته الفَذَّةَ في تناسق بديع.

يَصِف سيد قطب شرود الإنسان عن منهج الله بأسلوب بديع، إذ يقول: “شَرَدَ الإنسانُ عن ربِّه ومنهجه وهُداه، وعَبَدَ نفسَه واتَّخذَ إلهَهُ هَواه. وجَهِلَ نفسَهُ وراح يخبط في التيه بلا دليل، وأمام منهج حياته على قواعد من هذا الجهل، واعتدى على فطرته… لم يكن بدٌّ وقد رفض الإنسان تكريم ربِّه له، فاعتبر نفسَه حيواناً، وقد أراده اللهُ إنساناً، وجعل نفسه آلةً وقد أراده الله مهندساً للآلة… بل جعل الآلهةَ إلهاً يحكم فيه بما يُريد، وجعل المادّة إلَهاً يحكم فيه بما يُريد، وجعل الاقتصادَ إلَهاً يحكم فيه بما يُريد، وقد أرادَ له ربُّهُ أن يكون سَيِّدَ المادَّة وسَيِّدَ الاقتصاد، لكنه رفض هذا التكريم كلّه لينجو فقط من الكنيسة وآلهتها”.

تكمن المشكلة الحقيقية في الحضارات التي لا تلائم الإنسان المسلم في فكرة واحدة؛ هي اتخاذ مناهج حياتية من صنع البشر. هناك حضارات سابقة أنكرت وجود الإله، لكن هناك حضارات أخرى لم تنكر وجود الإله، بل آمنت به، لكنها لم تقبل بمنهجه المُرسَل منهجاً للحياة، والسؤال الذي يُواجهنا في هذه النقطة:

هل رفضُ منهج الله يُعدّ رفضاً لألوهيته قطعاً كما يقول سيد قطب؟

قد يبدو سؤالاً بسيطاً للوهلة الأولى، لكنَّهُ زَلْزَلَةٌ حقيقيَّةٌ إذا ما وقف المرءُ مع نفسِه وسألَها إن كانت تُؤمن بِمَنهج الله كاملاً؛ بكل ما فيه من تفصيلات، أو تَقبلُ منهُ وتردُّ بَعضَه!

كيف كان يبدو الإنسان في الحضارات الأخرى؟

في الأساطير الإغريقية جميعها كان الإنسان يبدو نداً للآلهة، يُعاندها ويدخل معها في صراع لا يكاد ينتهي ساخطاً ومنكراً.

أما في العهد الروماني-الذي يُعَدُّ بداية الحضارة الأوروبية- فقد صار الإنسان عبداً لنفسه وشهواته، وبقيت الآلهة على ألسنة الحكام. لكن حين سيطرت النصرانية كما صورتها الكنيسة وقتذاك صار الإنسان ذليلاً غارقاً في وحل الخطيئة، وتؤكد هذه النظرة كثيرٌ من الهياكل والتماثيل التي بقيت من ذلك العهد تحمل صورة الإنسان وانكساره استناداً إلى خطيئة آدم عليه السلام وَفْقاً للتَّصَوُّرِ الكَنَسِيِّ الذي لوَّن البشر جميعاً بِلَونِ الذَّنْبِ والخَطِيئة.

يقول سيد قطب: “كانت الطامة الكبرى يوم وقفت الكنيسة بِمَا تَبَنَّتْهُ من آراء علمية خاطئة وخرافات وأساطير شائعة، واعتبرته جزءاً من الدين والعقيدة.. يوم وقفت بهذا الغثاء في وجه المنهج العلمي التجريبي الذي تسرَّب من الجامعات الإسلامية إلى التلامذة الأوروبيين”.

وبعد ثورة العقل على الكنيسة بدأ عصر التنوير في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وصار العقل مَحَلَّ تمجيد، ومَنْطِقُهُ مَسَارَ حَياةٍ، وبِذَا انتهى دور الدِّين في تَسْيِيرِ الحياة.

ومع بداية القرن التاسع عشر تَلَقَّى العقلُ ضربةً قويةً من الفلسفة الوَضْعِيَّةِ التي أَعْلَتْ من شأن المادَّةِ وتَفَوُّقِها على العقل في الوَضْعِ والتَّصَوُّر، وصارت المادَّةُ إَلَهاً يُتَّبَع، وتراجع العقلُ وتَضاءَلت مَكانةُ الإنسان بِوَصْفِهِ مُفكِّراً ومُوَجِّهاً في طُرُقاتِ الحياة. وازداد حُضورُ هذه النَّظْرَةِ نَحْوَ الإنسان مع ظهور نظرية حيوانية الإنسان على يَدِ داروين وكتابيه (أصل الأنواع) و(أصل الإنسان). وزاد الطِّينَ بِلّةً نظريةُ فرويد عن الميول الجنسية لدى الإنسان، إذ صار الحيوان أرفع قدراً من الإنسان لأن غرائزه تُحرِّكه بدون تفكير، أما الإنسان فيتحرك وَفْقَ غرائزه مع قدرته على إعمال العقل. ثم جاء التَّوَجُّهُ الماركسيُّ الذي رأى الإنسان ضئيلاً وسلبياً في عالمٍ تَحْكُمُهُ المادَّةُ ويُسَيِّرُهُ الاقتصادُ العالمي وآلاتُ الإنتاج!

كلُّ ما سَبَقَ من أفكارٍ يُؤَكِّدُ جَهلَ العالَمِ بالإنسانِ، وجَهْلَهُ بطبيعته وطبيعة الحياة التي أُعِدَّتْ من أَجْلِهِ في التَّصَوُّرِ الإسلامي.

ماذا عن صراع الإنسان مع الحضارة المادية التي لا تلائمه؟

يقال “إنّ روح الإنسان هي سيدة مصيره”، والروح دوماً في شوقٍ متجدد إلى ما يلم شتاتها في عالم المادة الغريب عنها، وهذا ما يفسر قولنا: إنّ أساس الحافز الديني لدى الإنسان هو رغبته واشتياقه الكامن للاتصال بشيء أعلى من نفسه.

يرى سيد قطب في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) أنّ الإنسان خُلق وفقاً للتصور الإسلامي خلقة خاصة مقصودة، له وظائف واضحة، ولوجوده غاية محددة، وهو مُبتلى بالحياة مُختَبرٌ فيها، مُحاسَبٌ في النهاية على سلوكه فيها، وسلوكه وتصرفاته تحدد مصيره وجزاءه في النهاية. وينقل عن العالم الفرنسي الشهير ألكسيس كاريل، صاحب كتاب (الإنسان ذلك المجهول) بعض أفكاره التي تتقاطع مع الرؤية الإسلامية للحياة في كثير من مفاصلها الدقيقة.

يقول سيد قطب في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة): “الإنسان في التصور الإسلامي هو سيد هذه الأرض بخلافته فيها، وكل ما فيها مسخر له، بقدرة الله تعالى، وقد أوتي إمكان العلم بشؤونها هبة من الله سبحانه، والاستمتاع بطيباتها وجمالها”.

ماذا عن نظرة الفلسفة الماركسية لمنهج الحياة؟

رأت الماركسية استناداً إلى الواقع التاريخي أنَّ الاقتصاد وحده هو الإله المُتَصَرِّفُ في أقدار البشر، وأمعنت بِجَعْلِ ذلك بعيداً عن إرادة الإنسان نفسه، وفطرته، واستعداداته وطاقاته، فنَظْرَتُها للحياة والإنسان كانت خاضعة لِحَتْمِيَّةِ العوامل الاقتصادية أو ناشئة منها. وبسبب تغير أدوات الإنتاج تقلَّبت الأفكار الماركسية في أطوار مختلفة أدت إلى حتمية تغير الارتباطات في المجتمع باستمرار وَفْقاً لحركة الإنتاج وعجلة الاقتصاد العالمي. لكن ما سكت عنه ماركس هو مصدر التقلبات والثورات والانقلابات المستمر في حياة الفكر الماركسي، أليس الإنسان نفسه؟!

إنَّ أيَّ منهج للحياة مِنْ صُنْعِ الإنسان لا يُعَوَّلُ عليه مهما امتَدَّ أثرُهُ ومفعولُه، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك، وشاهدٌ على جهل الإنسان بنفسه وطَبِيعته، وإن أحاط ببعضِها غاب عنه بعضُها على اختلاف الطَّبائِعِ والمَشَارِبِ والبيئات، فهو أسيرٌ لأهوائه ورغباته ما لم يُحَرِّرْ نفسَهُ مِنْها، ومُثْقَلٌ بِضَعْفِهِ وتَقَلُّباتِهِ ما لم يجد سكينَتَهُ في نظامٍ يَضْبِطُ اندفاعاتِهِ البشرية، ويُغذِّي فيه الروحَ، ويُشبِعُ الجسدَ، ويُطَمْئِنُ القلبَ.

جاءنا الإسلام بِمَنْهَجٍ واضِحٍ وصَرِيحٍ، لا يتطلَّبُ عَناءً أو جُهْداً للبحث والتَّقَصِّي والإدراك، فَمَهَمَّةُ المسلمِ بعد أن يُوقِنَ ويُؤمِنَ ويعتقد ويُسَلّم أن يُطبّق ما جاء به الإسلام من قواعد تضمن له سلامه وسلامته، وتحفظه وتحفظ حقوقه، وتَحْدُو به نَحْوَ عالمٍ أفضل، يكاد يكون كاملاً لولا أنَّها حياتُنا الدُّنيا، وفيها ما فيها من تَمْحِيصٍ وابتلاءات! وكلُّ ما جاءت به أنظمةُ الإنسان في محاولة للعدول عن منهج الله باءت بالفشل من عهد الرّقِّ الرُّومانيّ إلى الإقطاع والرأسمالية، ثم الماركسية والنازية، كلها غُلُوٌّ بِغُلوٌّ، وظُلمٌ وظُلُمات، لم تستطع الصمود طويلاً جَرّاءَ ثورة الطبقات التي خَلّفَتْها في المجتمعات.

ما الذي يميز الإسلام من غيره من الديانات؟

إذا كنت مسلماً بحق فأنت تؤمن أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ مَنهجٌ مُوائِمٌ للفطرةِ والطَّبيعةِ الإنسانيَّةِ في الحياة، والدَّلائِلُ على ذلك أكثرُ من أن تُحصَى، فمنهج الإسلام يُنير الدرب بقواعد تقوم على العلم المطلق بفطرة الإنسان وتكوينه وطبيعته وحاجاته الحقيقية.

إنّ أي ديانة غير الإسلام لم تستطع أن تثبت جدارتها في كونها شريعة ومنهاجاً ومحركاً، لا في أوروبا ولا في أمريكا. يقول أبو الحسن الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟): إنَّ الدِّينَ السَّائدَ في أوروبا اليوم هو المادِّيةُ لا النصرانية، ويعلم ذلك كلُّ مَنْ عَرَفَ النَّفْسِيَّةَ الأوروبية عن كَثَبٍ، فالمظاهر الدينية عندهم مَحْضُ شَكليَّات تزيد أُبّهة الدولة، ويجد فيها الشعبُ تَنَوُّعاً وتَروِيحاً عن النَّفْسِ. ويُؤَيِّدُ قَولَهُ ما جاء على لسان سَيِّد قطب بحسب مشاهداته عن التدين في أمريكا: “ليس هناك من هو أبعد من الأمريكي عن الشعور بروحية الدِّين واحترامه وقداسته، وليس أبعد من الدين عن التفكير الأمريكي وشعوره وسلوكه… وإذا كانت الكنيسة مكاناً للعبادة في العالم النصراني –على تفاوت- فإنها في أمريكا مكان لكل شيء إلا للعبادة، وإنه لَيَصْعُبُ عليك أن تُفَرِّقَ بينها وبين أي مكان آخر مُعَدٍّ لِلَّهْوِ والتَّسلية”.

كَيفَ الخَلاصُ؟

يُعَنْوِنُ سَيِّد قطب فَصْلَهُ الأخيرَ من كتابه الإسلام ومشكلات الحضارة بِسُؤالِهِ: كَيفَ الخَلاصُ؟ ويستحضر جواب د. كاريل، الثائر على الحضارة الصناعية، في كتابه (الإنسان ذلك المجهول)، إذ يرى أنه لا بدّ من توليد وإنتاج مزيد من علوم الإنسان لفهمه، لكنّ سيد قطب يرى أنّ ذلك على أهميته لن يكفي، غير أنَّه يُعَرِّفُنا حدودَ قُدراتِنا واستطاعتنا البشرية، عَلَّنا بعد ذلك نُدرِكُ الحدود التي لا يُمْكِنُنا تَخَطِّيها بالعلوم مهما فعلنا.يقول: “نحن أصحاب المنهج الإسلامي للحياة ندرك أننا وحدنا مُكَلَّفُونَ أن نتقدّم لِحَملِ العبْءِ، ولِنَدُلَّ البشريَّةَ على طريق الخلاص، ولِنُنْشِئَ هذا الطريق أيضاً…”.

منهجنا في الحياة لا يُعادي العلم مطلقاً، لكنه في الوقت نفسه لا يترك له وحده تحديد الوُجهة وبناء الحياة، بل يجعله في إطارٍ عامٍّ وآمنٍ وَفْقَاً للرؤية الإسلامية، ووَفْقاً لِمَا بَيَّنَهُ لنا خالقُ الإنسان –عَزَّ وجَلّ- العالِمُ بِطَبيعتهِ وفِطرتِه وإمكانياته ومصالحه.

فالدِّينُ عندنا نحن –المسلمين- ليس مَحْضَ نشاطٍ روحيٍّ، بل هو المِحْوَرُ الأَمْتَنُ والآمَنُ الذي تدور حوله الحياةُ بِكُلِّ ما فيها. إن منهجنا “يبدأ من نقطة تصحيح مركز الإنسان في هذا الوجود، وتعيين مكانه ودوره، ووظيفته وحقوقه وواجباته”.

إنما الإنسان هو سيّد هذه الأرض، مُسَلَّطٌ عليها، ومُسَخَّرٌ له كلُّ ما فيها. عليه أن ينمو ويرقى فيها، وهو مُعانٌ على استغلالها بما وهبه الله من طاقات، وبما في نواميس هذا الكون من عَونٍ وُجِدَ مِنْ أَجْلِهِ.

إنّ بناء المجتمع الإسلامي هو طريق الخلاص الوحيد، فهو استجابة لنداء الفطرة.

يقول سيد قطب عن تحقيق المجتمع الإسلامي: “لستُ أزعُمُ أنها مسألةٌ سهلة، ولا معركة قصيرة، لكنها مضمونة النتيجة، كلُّ شيءٍ يُؤَيِّدُها، كلُّ شيءٍ حقيقيٍّ وفطريّ، في طبيعة الإنسان والكون. ويُعارِضُها رُكامٌ كثير، ويقفُ في وجْهِهَا واقعٌ بَشَريٌّ ضَخم، ولكنه غُثاء! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يوسف 21

أ. بكر علوش

طالب في تخصص العلاقات الدولية في جامعة سكاريا صانع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي في مجال الفكر والسياسة وحاصل على دبلوم في الإدارة وآخر في الإعلام.

أ. بكر علوش

طالب في تخصص العلاقات الدولية في جامعة سكاريا صانع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي في… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى