
أطفالنا على منصاتنا: حينما يصبح الطفل محتوى!
في لحظةٍ شغوفة، تُمسك الأم بهاتفها، وتفتح بثًا مباشرًا لحفل الكشف عن جنس الجنين، وسط زينة بالوردي والأزرق، وعيون المتابعين تترقب “اللون النهائي”. لا تنتهي القصة هنا. فبمجرد الولادة، يُنشأ للطفل حساب على إنستغرام، تتدفق فيه الصور الأولى، والضحكات الأولى، والخطوات الأولى… كل ما كان يومًا يخص الدفء العائلي والخصوصية الحميمة، أصبح الآن مادة مرئية يستهلكها جمهور لا يُحصى.
هذا ليس خيالًا غربيًا، بل واقع يتسلل إلينا
نعم، قد نظن في لحظة أن هذه الظاهرة محصورة بثقافة “الغرب”، لكن النقرات العربية حاضرة بقوة. ففي عالمنا، لم تعد هذه الممارسات مجرد استعراض، بل أصبحت نوعًا من تثبيت الهوية الأبوية في الفضاء الرقمي، حيث يبحث كثيرون عن قبول مجتمعي، و”إعجابات” تؤكد نجاحهم التربوي.
لقد بتنا نرى في بيئتنا العربية حسابات لأطفال لم يتجاوزوا عامهم الأول، يتابعهم عشرات الآلاف، وتُنشر عنهم تفاصيل الحياة اليومية، والوجبات، والضحكات، وربما لحظات المرض والتعب.
الإيجابي في الصورة: التوثيق والارتباط العاطفي
لا يمكن إنكار أن هذه المنصات تمنح الأهل أدوات مدهشة لتوثيق نمو أطفالهم، وربط الجيل الجديد بأدوات عصره، بل وتكوين أرشيف بصري جميل يحتفي بالتجربة الإنسانية في رقتها وتفاصيلها. كما أن بعض الحسابات تتحول إلى منصات ملهمة لمشاركة أفكار تربوية وتجارب عائلية إيجابية.
ولكن، أين الحدود؟
ربما يكون السؤال الأبسط هو: “هل يرضى هذا الطفل، حين يكبر، أن تكون هذه الصور قد عُرضت؟”
تُحذر تقارير طبية، ومنها تقرير حديث لـMichigan Medicine، من أن الطفل، قبل أن يكوّن وعيه، أصبح “محتوىً عامًا” دون إذنه. صور الطفولة، التي كانت محفوظة في ألبومات أسرية، تُخزَّن الآن في خوادم شركات تكنولوجيا، وقد تعود لتلاحقهم مستقبلاً في العمل، أو الدراسة، أو العلاقات.
بل إن الأطفال، حين يكبرون، قد يجدون أنفسهم عالقين في هوية رقمية لم يختاروها، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل من حقنا كآباء أن نقرّر صورتهم العامة قبل أن ينضجوا لاختيارها بأنفسهم؟
في مجتمعاتنا… التحدي مضاعف
في بيئتنا العربية، التي تُعلي من الخصوصية، وتُحاط فيها الطفولة بهالة من الحماية الاجتماعية، تبرز هذه الظاهرة كتناقض صارخ. كيف نوفق بين ثقافتنا التي تقدّس الحياء والحشمة، وممارسات عرض الحياة الخاصة بكل تفاصيلها أمام ملايين الغرباء؟
ثم إن بعض هذه الممارسات تأخذ منحى تجاريًا، حيث يُستخدم الطفل كوسيلة للترويج للمنتجات، أو كأداة للربح من الإعلانات، وهو ما يحوّل مفهوم “الأمومة” و”الأبوة” من علاقة إنسانية إلى مشروع رقمي ربحي.
دعوة للتأمل والتوازن
لستُ هنا لأُدين كل مشاركة، ولا لأرفع راية العزلة الرقمية. إنما أدعو، كما أفعل دومًا في مقالاتي، إلى وعيٍ تربوي رصين، يزن الأمور بعقلٍ وقلبٍ. فلنحتفِ بأطفالنا، نعم، لكن دون أن نُسلمهم طواعية لعدسة لا ترحم، وجمهور لا نعرف نواياه.
ربما يكون السؤال الأبسط هو: “هل يرضى هذا الطفل، حين يكبر، أن تكون هذه الصور قد عُرضت؟”



