
الدولة والحرب
تَكادُ تَكونُ أَكبَرَ أَزَماتِ الفِكرِ الإِسلاميِّ هِيَ أَزمَةُ التَّصَوُّراتِ عَنِ الإِسلامِ، وَلا أُبالِغُ إِن قُلتُ إِنَّ بَينَ ما نَفهَمُهُ عَنِ الإِسلامِ، وَما نُمارِسُهُ في حَياتِنا مَسافَةً شاسِعَةً مِنَ الِاختِلافِ، تَبلُغُ حَدَّ التَّناقُض
وَأَهمُّ هذِهِ التَّصَوُّراتِ الَّتي شابَها الخَلَلُ وَالعِلَلُ، وَفَسادُ التَّصَوُّرِ وَالمُمارَسَةِ، وَاعتَراها الكَثيرُ مِن سَقيمِ الفَهمِ وَقِلَّةِ العِلمِ، هِيَ مَسأَلَةُ الجِهادِ الَّتي تَحَدَّثَ عَنها القُرآنُ الكَريمُ طَويلًا في مُحكَمِ تَنزيلِهِ.
وَقَد تَشَعَّبَت مَذاهِبُ البَعضِ؛ فَبَينَ مَن يَدعُو إِلى قِتالِ البَشَرِيَّةِ بِحَربٍ شامِلَةٍ مَفتوحَةٍ عَلى كُلِّ مَن لَيسَ بِمُسلِمٍ، لِتَنظيفِ الأَرضِ مِنَ “الكُفّارِ”، وَمَن يَقتُلُ أَقرَبَ النّاسِ مِنَ الأَهلِ وَالأَرحامِ بِحُجَّةِ أَنَّهُم كُفّارٌ مُرتَدّونَ عَن دينِ اللهِ، وَبَينَ مَن يَرى قِتالَ الأَنظِمَةِ في الدُّوَلِ الإِسلامِيَّةِ بِحُجَّةِ الجِهادِ، وَيُقَدِّمُ قِتالَ العَدُوِّ القَريبِ عَلى العَدُوِّ البَعيدِ، وَبَينَ مَن يُدينُ بِمَذهَبِ ابنِ آدَمَ الأَوَّلِ، وَلَو كانَ العَدُوُّ يَستَبيحُ النَّفسَ وَالحَياةَ، وَبَينَ مَن يُلغِي مَفهومَ الدَّولَةِ وَالشَّوكَةِ مِنَ الإِسلامِ نِهائيًّا وَيَدينُ بِالسَّلامِ.
بَينَ كُلِّ هؤُلاءِ وَبَينَ الفَهمِ الحَقيقيِّ لِلإِسلامِ مَسافَةٌ شاسِعَةٌ، وَمِن دُونِ رَدمِ هذِهِ الهُوَّةِ العَظيمَةِ تَضيعُ مَعالِمُ الإِسلامِ، وَتَختَفي فِكرَةُ الرَّحمَةِ، بَعدَ أَن قَرَّرَ البَعضُ أَنَّ كُلَّ آياتِها مَنسوخَةٌ بِآيَةِ السَّيفِ، وَالَّتي لا يُعرَفُ ما هِيَ عَلى وَجهِ الدِّقَّةِ. فَالمُهِمُّ عِندَهُم أَنَّهُ لا رَحمَةَ في القُرآنِ، وَكُلُّ ما يَدعُو إِلى العَفوِ وَالرَّحمَةِ وَالصَّفحِ وَالصَّبرِ مَنسوخٌ تَمامًا، وَلَم يَبقَ مِنهُ إِلّا السَّيفُ وَضَربُ الرِّقابِ، وَالبَدءُ بِالعَدُوِّ القَريبِ، وَهُوَ المُسلِمُ المُرتَدُّ حَسَبَ مَقاييسَ خاصَّةٍ لِهذَا “المُجاهِدِ” المُتَشَبِّعِ بِمَفهومِ آيَةِ السَّيفِ.
إِنَّ أَسَّ فَسادِ هذَا التَّصَوُّرِ المُغالِي هُوَ اتِّخاذُ القُرآنِ عُضينَ، وَفَهمُ النُّصوصِ القُرآنيَّةِ بِشَكلٍ مُبَعثَرٍ مُشَتَّتٍ، مَنزوعَةٍ مِن سِياقِها وَسِباقِها، مُنفَكَّةٍ عَن عِلَلِها وَأَسبابِها. وَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ فَهمَ النِّظامِ الحَربيِّ وَالدِّفاعيِّ في الإِسلامِ لا يَستَقيمُ بِالطَّريقَةِ المُجتَزَأَةِ، وَدونَ عَرضِ النُّصوصِ الجُزئِيَّةِ ضِمنَ النَّسَقِ الكُلِّيِّ الَّذي يُظهِرُها بِشَكلٍ بِنائيٍّ مُتَراصٍّ، يُؤَلِّفُ مِنها وَحدَةً مَوضوعِيَّةً لا تَفَاوُتَ فيها وَلا فُطورَ
إنَّ الخَلَلَ التَّرْبَوِيَّ الَّذي نَجْنِيهِ على المُتَلَقِّينَ اليومَ لِلْخِطَابِ الإسلاميِّ، هو نَتيجَةٌ طَبيعيَّةٌ لِخَلَلٍ في النَّسَقِ الَّذي تُعرَضُ فيهِ العَلاقةُ بينَ الدَّولةِ والحَربِ، وهوَ ما يَنتُجُ عنهُ مِن خَلَلٍ نَفسيٍّ وسُلوكيٍّ يَدفعُ بِصاحِبِهِ نَحوَ الغُلُوِّ والتَّطَرُّفِ، فما كانتْ مُشكِلَةُ الغُلاةِ إلّا بِسَقيمِ الفَهمِ.
لقد أَبدَعَ بعضُ الفُقَهاءِ المُعاصِرينَ في تَحويلِ بعضِ مَباحِثِ الفِقهِ إلى نَظَريّاتٍ فِقهيَّةٍ مُتَكَلِّمَةِ البُنيانِ، لا ثَغَراتَ فيها ولا ثُقوبَ، كما في نَظَريَّةِ الضَّمانِ ونَظَريَّةِ الضَّرَرِ، ضِمنَ نَسَقٍ مَعرِفيٍّ يَحُلُّ الشُّبُهاتِ الَّتي قد تَرِدُ على المُتَلَقِّي لها.
وحتى نَعرِفَ ما هوَ المَقصودُ بِالنَّسَقِ: هوَ كُلٌّ تَتَفاعَلُ أَجزاؤُهُ ويَدعَمُ بَعضُها بَعضًا، لِيَقومَ بِوَظيفَةٍ مُعيَّنَةٍ، واختِلالُ أيِّ جُزءٍ منهُ يُؤثِّرُ على بَقيَّةِ الأَجزاءِ، فهوَ كُلٌّ مُتَكامِلٌ.
فلِلنَّسَقِ مُدخَلاتٌ تأصيليَّةٌ، ولهُ عَمليّاتُ تَفعيلٍ في الواقِعِ، ولهُ مُخرَجاتٌ ونَتائجُ، وهيَ وَظيفَتُهُ، ولهُ كذلكَ نِظامُ تَحكُّمٍ يَسمَحُ لهُ بِالتَّعديلِ والضَّبطِ والسَّيطَرَةِ عندَ مَأسَسَةِ هذهِ القِيَمِ.
إنَّ كثيرًا مِنَ الدُّعاةِ يَختَلُّ عندَهم النَّسَقُ القِيَميُّ أثناءَ عَرضِهم لِلدَّعوةِ، وتَضيعُ عندَهم البوصَلَةُ؛ فَبَينَ مَن يَدعو إلى الإسلامِ الجُزئيِّ، فيَضطَرِبُ عندَهُ الخِطابُ الدَّعويُّ الكُلِّيُّ بِسَبَبِ اقتِطاعِ تَوجِيهٍ إلهيٍّ مِنَ النَّسَقِ القُرآنيِّ الكُلِّيِّ لِلنَّظَريَّةِ، فيُركِّزُ دَعوَتَهُ على حُكمٍ جُزئيٍّ واحِدٍ دونَ الأَخذِ بِعينِ الاعتِبارِ باقي العَناصِرِ المُؤثِّرَةِ في الحُكمِ والتَّوجُّهِ، وكأنَّ هذا الحُكمَ الجُزئيَّ والفَهمَ المَقلوبَ هوَ كُلُّ الإسلامِ وقُطبُ راحاهُ الأَعظمُ دونَ سِواهُ.
وأحيانًا يَقومُ الداعيةُ بِالدَّعوةِ إلى اللهِ تعالى بِمَفهومِ الإسلامِ الشُّموليِّ، لكنَّ دَعوَتَهُ بِالطَّريقةِ المَنكوسَةِ؛ فيَعكِسُ نَسَقَ الواجباتِ الشَّرعيَّةِ، فيُقدِّمُ ما حَقُّهُ التَّأخيرُ، ويُؤخِّرُ ما حَقُّهُ التَّقديمُ، فيَضيعُ سُلَّمُ الأَولويّاتِ، ويُضخِّمُ الفَرعَ على حِسابِ الأَصلِ، ويَضَعُ خِطابَ الدَّعوةِ في مَقامِ الحَربِ، فيَضطَرِبُ النَّسَقُ في تَصَوُّرِ ومَسامِعِ المُتَلَقّينَ لهذا الخِطابِ.
وحتى نُفَكِّكَ العلاقةَ بين الدولةِ والحربِ، لا بُدَّ من سَردِ تَسَلْسُلِ الواجباتِ الشرعيةِ التي جاء بها الإسلامُ، فنَضَعَ الحربَ وخياراتِها في سياقِها الصحيحِ.
وهذه الواجباتُ منها ما هو واجبٌ لتحديدِ الانتماءِ ومناطقِ الاشتباكِ العقديِّ في العلاقةِ بين المسلمينَ وبين الآخرِ.
واجباتٌ تتعلّقُ بالانتماءِ والهُويّةِ
وهي واجباتٌ تَستندُ إلى مفهومِ الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخرِ والعملِ الصالحِ، وفيها أنَّ الدينَ جاءَ رحمةً للعالمين.
فما البسملةُ والفاتحةُ، ولا سلامُ المؤمنِ على غيرِه من البشرِ بقوله: (السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ) بعبثٍ، بل هي أمرٌ مقصودٌ.
فـ”بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ” لها مدلولُها في مركزيةِ قيمةِ الرحمةِ، و”الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ” تحملُ في مدلولِها أنَّ الإسلامَ رسالةٌ للعالمينَ، تتجاوزُ العصبيّاتِ والألوانَ والأعراقَ.
و”السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتهُ” لها مدلولُها في قيامِ العلاقةِ بين الناسِ على السلامِ والرحمةِ.
وما وصفُ مهمّةِ الرسولِ بأنّها “رحمةٌ للعالمينَ” بقولٍ عابثٍ؛ فعلى بساطِ الرحمةِ تتحرّكُ بقيّةُ المعاني القرآنيةِ.
والرحمةُ عطاءٌ وليستْ أخذًا، وهي عطفٌ وليستْ قسوةً.
وهنا يمكنُ أن نربطَ الحربَ بالرحمةِ، وهي كفُّ يدِ الجبّارينَ والمعتدينَ أن تَمتدَّ إلى المستضعفينَ والمساكينَ.
وهنا تبدو قسوةُ الحربِ عينَ الرحمةِ؛ لأنّها تقتلُ العدوانَ ليعيشَ الناسُ بسلامٍ.
إنّها مبدأُ فرضِ السلامِ والرحمةِ بالقوّةِ، وردعُ الطواغيتِ عن طغيانِهم.
تأسيسُ العيشِ المُشتركِ
يطرحُ القرآنُ نتائجَ كلِّ مقرّراتِ العُمقِ بالتمييزِ التامِّ بين مستوى حالةِ السِّلمِ وحالةِ الحربِ؛ فالعلاقاتُ بين البشرِ لا تمرُّ بمستوى واحدٍ، ولا بمستويينِ حدّيّينِ: إمّا الحربُ وإمّا التحالفُ، بل إنّ بين هذينِ الحدّيّينِ مستوياتٍ كثيرةً من التعاونِ، والتسامحِ، والتعايشِ، والتساكنِ، والتراحمِ، والتحالفِ، والعداءِ، والحذرِ، والقتالِ، وكلُّ هذه العلاقاتِ محكومةٌ بمبرّراتِها في القرآنِ، وليس حكمًا مُسبقًا.
لذلك يُؤسّسُ القرآنُ الكريمُ العلاقةَ مع المواطنينَ من غيرِ المسلمينَ على أساسِ العدلِ كقاعدةٍ لفصلِ الحقوقِ، والإحسانِ كإطارٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ يمدُّ جسورَ البرِّ لكلِّ أبناءِ المجتمعِ من كلِّ الأديانِ، كما في قولهِ تعالى:
﴿ لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة 8).
لكنْ عندما تتحوّلُ هذه المجموعةُ السكّانيةُ إلى قوّةٍ مُزعزِعةٍ للسِّلمِ الأهليِّ، فإنّ ضرورةَ الضغطِ عليها لأطرِها على الحقِّ تَفترضُ تعاملًا مختلفًا، بيّنهُ القرآنُ الكريمُ في قولهِ تعالى:
﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة 9).
إنّ العيشَ المُشتركَ، والذي هو الأصلُ الذي تقومُ عليه الحياةُ، يَنبني على ذِراعَينِ ممدودتَينِ لكلِّ البشرِ، وهما: البِرُّ والقِسطُ.
فما هو البِرُّ؟ البِرُّ نوعانِ: صِلَةٌ، ومَعروفٌ.
لكنَّ البعضَ يطرحُ إسلامًا ميكانيكيًّا خاليًا من الروحِ، حيثُ يُريدُ علاقةً بالآخرينَ لا تَسكنُها مشاعرُ الوُدِّ ولا البِرِّ، ومبنيّةً على العدلِ القانونيِّ، دونَ الإحسانِ والقِسطِ، ومبنيّةً على العُزلةِ النفسيةِ والاجتماعيةِ، التي من شأنِها أن تُعزِّزَ بُؤَرَ التوتّرِ والتوجّسِ بين أطيافِ الشعبِ المُتنوّعِ.
التفاعلُ الثقافيُّ
إنّ البشرَ في عيشِهم المُشتركِ، واختلافِ أديانِهم وأفكارِهم وثقافاتِهم، لا بُدَّ أن تَدورَ بينهم حواراتٌ؛ فالكُلُّ يُحبُّ أن يُقنِعَ غيرَهُ بما يَراهُ.
وفي أعلى درجاتِ الحواراتِ المُستمِرّةِ بين البشرِ، يأتي حوارُ أهلِ الأديانِ.
فما هي طبيعةُ هذا الحوارِ في القرآنِ؟ وكيف وجّهَ اللهُ رسولَهُ لإدارتهِ والتفاعلِ معهُ؟
أربعُ آفاتٍ تَعتري الدُّعاةَ لمُختلِفِ المِلَلِ وتُهدِّدُ السِّلمَ الاجتماعيَّ:
– ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ – الغاشية 22
– ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ – ق 45
– ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ – الأنعام 107
أربعةُ أفكارٍ قاتلةٍ للدعوةِ: السيطرةُ، التجبّرُ، دعوى الحفظِ، دعوى الوكالةِ.
عندما يأتي داعيةٌ جاهلٌ قد أخذَ الإسلامَ مُجَزَّأً، ولا يَعرِفُ من هذه الأجزاءِ إلّا قيمَ الحربِ، فيرى أنَّ النسقَ لا يخدمُ المفهومَ الذي يَفهمُهُ عن الإسلامِ، فيَنسِفُ هذا النسقَ بحُجّةِ نَسخِ كلِّ هذه النصوصِ بآيةِ السيفِ، ويَختصرُ طريقَ التفاعلِ الثقافيِّ والدعويِّ إلى خيارِ السيفِ مباشرةً، فيَختلُّ السِّلمُ الاجتماعيُّ، ويَنعدِمُ الاستقرارُ، فتَضعُفُ الدولةُ أمامَ أعدائِها، ثمَّ يأتي التدخّلُ الخارجيُّ بحُجّةِ حمايةِ الأقليّاتِ، فتَذهبُ السيادةُ والشوكةُ والاستقرارُ، وتُصبِحُ الدولةُ في مأزقٍ أمنيٍّ خطيرٍ قد يَنتهي بالتقسيمِ أو الحربِ الأهليّةِ التي لا تنتهي، خصوصًا عندما يُوجَدُ من يُذَكِّيها من الخارجِ بدَعمِ كلِّ الأطرافِ المُتصارِعةِ.
خيارُ الحربِ
في حالِ انزلقَ المجتمعُ إلى أُتونِ الحربِ، فما هو موقفُ الإسلامِ من هذه المساحةِ؟ وما علاقتُها بالمساحاتِ الثلاثِ السابقةِ؟ وكيف عبّرَ عنها القرآنُ؟
التدافعُ بين البشرِ مُطَّرِدٌ؛ فالحربُ شكلٌ من أشكالِ التدافعِ، وهي واردةٌ، خصوصًا عندما تكونُ بين قُوى الخيرِ والشرِّ.
ويُفترضُ دائمًا أنَّ المسلمينَ في معسكرِ الخيرِ والعدلِ، وضدَّ الشرِّ والظلمِ، ليُشكِّلوا قوّةً رادعةً ومُدافِعةً ضدَّ الباطلِ.
– ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ – البقرة 251
إنَّ أفضلَ وسيلةٍ لِوَقفِها هو الإعدادُ الأقصى لها، لإقناعِ الخصمِ بعدمِ المُجازفةِ بإعلانِها؛ فـالاستعدادُ للحربِ يمنعُ الحربَ، ويُشكِّلُ قوّةً رادعةً للعدوِّ.
فالضَّعفُ والكفُّ العزلاءُ هما أكثرُ ما يُغري الطامعينَ بالاعتداءِ، لانخفاضِ كُلفتِه وكثرةِ غنائمِه.
قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ الأنفال 60
والقضيةُ الأُخرى هي أنَّ الحربَ مَكروهةٌ عندَ اللهِ تعالى، ولا توجدُ حربٌ مُقدَّسةٌ في الإسلامِ، ولا جهادٌ مُقدَّسٌ.
فـ”الحربُ المُقدَّسةُ” هي مصطلحٌ صليبيٌّ تمَّ اجتراحُهُ في القرونِ الوسطى، للتعبئةِ والحشدِ ضدَّ المسلمينَ في الحروبِ الصليبيةِ:
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ – المائدة 64
والنفسُ البشريّةُ تَكرهُها، والصحابةُ كانوا يَكرهونَها، وقد نهى رسولُ اللهِ عن تمنّي لقاءِ العدوِّ؛ لأنَّه من جنسِ تمنّي وقوعِ البلاءِ والمُصابِ، وهو مَنهِيٌّ عنهُ في الإسلامِ:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ – البقرة 216
ولكنْ، لو قُوتِلْتَ فقاتِلْ، ودافِعْ عن نفسِكَ، وما عليكَ من إثمٍ.
عندَ ذلك، لا يكونُ من حيلةٍ إلّا مواجهةُ الاعتداءِ، وعدمُ الاستسلامِ للمُعتدي.
وهو ما يُؤكِّدُ أنَّ الجهادَ في الإسلامِ نظامٌ دفاعيٌّ عن حريةِ الناسِ وعن المستضعفينَ، وليس حربًا مفتوحةً على العالمِ:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ – الحج 39
لكنْ أثناءَ القتالِ، وردِّ الصيالِ، وكفِّ الاعتداءِ، لا بُدَّ من قواعدِ اشتباكٍ واضحةٍ وصارمةٍ:
فلا إسرافَ في القتلِ، ولا اعتداءَ على الأطفالِ والنساءِ والرهبانِ، ولا تدميرَ للبيئةِ والثروةِ.
بل يكونُ ردُّ العدوانِ بمِثلِهِ، دونَ إسرافٍ في الردِّ:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ – البقرة 194
وهنا، عندما يأتي داعيةٌ جاهلٌ قد أخذَ الإسلامَ مُجَزَّأً، ولا يَعرِفُ من هذه الأجزاءِ إلّا آياتِ الحربِ، فيرى أنَّ النسقَ لا يخدمُ المفهومَ الذي يَفهمُهُ عن الإسلامِ، فيَنسِفُ هذا النسقَ بحُجّةِ نسخِ كلِّ هذه النصوصِ بآيةِ السيفِ، فإنَّهُ يَضربُ النسقَ القرآنيَّ تمامًا، وتُصبِحُ الدعوةُ خارجَ الإسلامِ؛ لأنَّ النسقَ مُختَلٌّ.
مشكلةُ هؤلاءِ أنَّ لديهم إيديولوجيّةً عنيفةً سابقةً على فهمِهم للإسلامِ، وعندما يَأتونَ لقراءةِ القرآنِ، فإنَّهم يَفهمونَ النصوصَ على هواهم.
وطالما أنَّهُ يَهوى القتلَ، فلا بأسَ عندَهُ بِتَجريفِ نصوصِ الرحمةِ والعفوِ والصفحِ بنسخِها، ولو بدليلٍ ظنّيٍّ.
وهو من جنسِ مَن جعلَ إلهَهُ هواهُ.
البحثُ عن السلامِ هو الأصلُ
إنَّ العلاقةَ مع الآخرِ في أصلِها هي السِّلمُ، وإنَّ علّةَ القتالِ والحربِ هي ردُّ العدوانِ، وليس اختلافَ الدينِ.
ولو كانَ اختلافُ الدينِ مُبرِّرًا للحربِ، لما عاهَدَ رسولُ اللهِ اليهودَ والنصارى والصابئينَ.
لذلك، لا يمكنُ اعتبارُ الحربِ هي الأصلَ في العلاقاتِ الدوليةِ، ولا في العلاقاتِ الداخليّةِ بين مكوّناتِ الشعبِ الواحدِ.
فإذا اقتنعَ الخصمُ بخطأِ مسارِ الحربِ، وأرادَ العودةَ إلى السِّلمِ، قال تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ – الأنفال 61
لكنْ، قد تكونُ الدعوةُ إلى السِّلمِ مجرّدَ مُناوَرةٍ ومُخادَعةٍ، لِالتقاطِ الأنفاسِ وترتيبِ الأوراقِ، وليس خيارًا استراتيجيًّا.
فإنِ استشعرنا منهم غدرًا وتبييتًا للعدوانِ، قال تعالى:
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ – الأنفال 58
هكذا نَجِدُ أنَّ مفاهيمَ الحربِ في الإسلامِ تتناسقُ مع:
– بُنيةِ العُمقِ المُعتقَدِ والإيمانِ
– بُنيةِ التساكنِ البشريِّ والعيشِ المُشتركِ
– بُنيةِ الدعوةِ
ومن هنا نَفهمُ لماذا أصرّت مدرسةُ الحربِ والفوضى على فكرةِ النسخِ المُوسَّعِ، وقالت إنَّ آيةَ
السَّيفُ (المجهولةُ)، والتي نُسِخَت بها آياتُ الرحمةِ، فبدونِ هَدمِ النسقِ القرآنيِّ لا يمكنُ العبورُ إلى فكرةِ الحربِ المفتوحةِ على العالمينَ، وجَرِّ المسلمينَ إليها.
وبين مدرسةِ الكفِّ التي عطَّلت مفهومَ التدافعِ، واكتفَت بدعوى السِّلمِ، حتى مع من يَرقُبونَ عهدًا ولا ميثاقًا.
وهنا قد يَرمي البعضُ بشُبهةٍ: “ما تقولونَ بجهادِ الطلبِ؟ أَلَم يأمرْنا اللهُ تعالى بقتالِ المشركينَ كافّةً؟”
نقولُ له: أولًا، أَكمِلِ الآيةَ: ﴿كما يُقاتلونَكم كافّةً﴾، فهي نصٌّ في سياقِ الدفاعِ عن النفسِ وردِّ العدوانِ.
ثم يقول: “ماذا تقولونَ بالفتحِ الإسلاميِّ؟ أَلَم تَمتدَّ الدولةُ من الصينِ إلى فرنسا في العصرِ الأمويِّ؟ وهل ذهبَ المسلمونَ إلى هذه البلادِ لردِّ العدوانِ أم لفتحِ البلادِ؟”
الحقيقةُ أنَّ جهادَ الطلبِ الذي تحدّث عنه الفقهاءُ كان ضمن سياقِ العُرفِ الدوليِّ في ذلك العصرِ؛
فقد كان الفتحُ والتوسّعُ هو قاعدةَ الاشتباكِ المعترفِ بها بين الإمبراطورياتِ لحمايةِ نفسها من الأعداءِ،
ولم تكن آنذاك قد عُرِفَت الدولةُ القُطريّةُ التي لها حدودٌ دوليّةٌ معترفٌ بها كما هو الحالُ اليوم.
وبالتالي، فإنَّ قضيةَ جهادِ الطلبِ هي مسألةٌ تاريخيّةٌ متعلّقةٌ بظروفِها التاريخيّةِ،
حيثُ كان النظامُ العالميُّ السائدُ يقومُ على هذا الأساسِ،
لكنَّ ما فعلهُ المسلمونَ كان ضمن حريةِ التدينِ للأقوامِ التي يَسيطرونَ على أرضِها،
وضَبطَ القتالَ بضوابطٍ أخلاقيّةٍ.
أما الآن، وقد تغيّرَ النظامُ العالميُّ، والتزمتِ الدولُ الإسلاميّةُ بالمعاهداتِ والمواثيقِ الدوليّةِ التي تَحترِمُ سيادةَ الدولِ،
فإنَّ واجبَنا كمسلمينَ هو احترامُ هذه العهودِ والمواثيقِ،
طالما أنَّ حريةَ المسلمينَ في أداءِ الشعائرِ والدعوةِ لدينِهم مضمونةٌ ومصانةٌ.



