المقالات

الدولة في فلسفة ابن خلدون

يشكّل ابن خلدون (1332–1406م) واحدًا من أبرز المفكرين المسلمين الذين وضعوا مقدمة في علم التاريخ شكلت نقطة تحول في مجال البحث العلمي، حيث تحول التاريخ معه من مجرد سرد قصصي إلى تفسير سنني للتاريخ. لقد كان ابن خلدون لا يكتفي بسرد الأحداث، وإنما بتعليلها وبحث سياقاتها الاجتماعية والفكرية. لقد استطاع ابن خلدون مبكرًا تفسير نشوء الدولة وسقوطها تفسيرًا علميًا قائمًا على الملاحظة والاستقراء لشأن كل الأمم والدول البائدة وصراع العصبيات في بلاد المسلمين. وقد تنبّه ابن خلدون إلى أن ما طرحه من دورة تاريخية لا يخص أمة بعينها، بل هو نمط يتكرر في تاريخ العرب والبربر والفرس والروم وغيرهم. وقد طبّق هذه الرؤية على الدولة الأموية، والعباسية، والدول المغاربية، ووجد أن جميعها خضعت لمسار يشبه نظريته. كما قدّم تحليلاً لنشوء وسقوط الدول بناءً على هذه الدورة، فرأى أن الدولة العباسية مثلًا نشأت بعصبية الفرس، لكنها ما لبثت أن ترفّهت وفسدت، ثم سقطت بعد ضعف العصبية واستيلاء الأتراك على السلطة الفعلية.

وقد وضع في كتابه الشهير “المقدمة” أسس علم جديد سماه “علم العمران البشري”، تناول فيه القوانين التي تحكم المجتمعات والدول. ومن أبرز ما طرحه في هذا الإطار هو نظريته حول نشأة الدولة واندثارها من خلال مفهوم “العصبية” والدورة التاريخية.
يرى ابن خلدون أن الدولة كيان اجتماعي وسياسي لا بد منه لتنظيم حياة الناس وتحقيق مصالحهم، لكنها لا تنشأ عشوائيًا، بل تتكوّن نتيجة لقانون اجتماعي صارم، هو قانون العصبية. ولذا فإن الدولة في فكره ليست مجرد بناء سياسي يتشكل بناءً على نظرية سياسية، بل هي كائن اجتماعي يخضع لقوانين العمران البشري، وهي انبثاق ضروري عن تعقّد العلاقات.
في هذه المقالة سنتناول مفهوم العصبة والدولة في الفكر الخلدوني مع تطبيقات معاصرة لبعض المعاني والمفاهيم التي لا تزال تكتسب صلاحية قوية في نظام الدولة الحديثة، الذي لم يُلغِ دور العصبات في بناء الدولة، وإنما شكل أمامها ستارًا من مؤسسات وهياكل، بحيث باتت العصبة تتوارى كقوة فاعلة وراء هذا الحجاب السميك من أقنعة الدولة الحديثة، التي تُخيّل لمن يراها بأنها دولة مواطنة محايدة.

أولاً: مفهوم العصبية عند ابن خلدون


ابن خلدون ينطلق في تصوره للعصبية من أنها “الوازع” أو الردع الذي يدفع العدوان الواقع على أحياء البدو من الخارج، وهذا يعني أن العصبية باعتبارها وازعًا ظاهرة خاصة بالبدو.
وذلك لأن الوازع الذي يدفع عدوان الناس بعضهم على بعض في المدينة، والذي يردّ العدوان الواقع عليها من خارج، هو الدولة ونظمها الدفاعية (حامية، أسوار، …). فنظام العصبة في الحالة البدوية هو ما يقابل نظام الدولة في الحالة المدنية، فكما أن مهمة العصبة هو التناصر والتعاضد ضد الخطر الخارجي من خلال الشوكة، كذلك مهمة الدولة في حالة العمران المدني هو حماية المدينة من خلال المنظومة الدفاعية من قلاع وأسوار ونظام جندية وجباية لتمويل الجندية.
إن العصبية في فلسفة ابن خلدون الاجتماعية هي حجر الزاوية في نظريته السياسية ورؤيته للدولة، ويقصد بها “النعرة القبلية” أو رابطة الولاء والانتماء التي تجمع أفراد الجماعة على أساس القرابة أو الحماية أو الغاية المشتركة.
والعصبة ليست مجرد شعور بالعصبة، بل قوة اجتماعية ونفسية تدفع الأفراد للدفاع عن بعضهم البعض، وتحقيق مصالحهم كجماعة. وبهذا المفهوم يمكن أن تكون الرابطة الوطنية في الدولة الحديثة رابطة عصبية، حيث يتناصر أبناء الوطن الواحد مهما تعددت أديانهم وأقوامهم ضد العدو الخارجي الذي يستهدف الوطن، وبهذا الإسقاط تبقى نظرية ابن خلدون قابلة لأن تكون مدخلاً ومنهجًا تحليليًا حتى للدولة الوطنية والهوية الوطنية في حال تحولت إلى رابطة جامعة بين أبنائها، وهو معنى مهم لحفظ الدولة من الخطر الخارجي، وهنا يقول ابن خلدون: “العصبية هي استعداد طبيعي في البشر يدفعهم للتناصر والتدافع، وبه تقوم الدولة وتُحفظ”.
وهو يميز بين عصبية النسب (القرابة) وعصبية الولاء (كالتبعية الدينية أو السياسية)، وكلاهما قادر على إنتاج القوة التي تقيم الدولة، طالما وُجدت دوافع التماسك والتضحية في سبيل الجماعة. وبالتالي فإن الولاء للدولة الوطنية يشكل بديلاً قويًا عن رابطة النسب والقرابة في حالة الدولة الوطنية الحديثة، وبذلك تصبح الدولة كرابطة ولائية لأبناء الوطن قادرة على إدارة العصبات النسبية المتعددة ضمن منظومة الدولة.
وهكذا يمكن القول إن النسب عند ابن خلدون لا يعني ضرورة القرابة الدموية، بل إنه فقط العلامة المميزة للجماعة “الهوية”. فهو بمثابة ورقة تعريف جماعية لا غير. أما العصبية، التي يقول عنها إنها ثمرة النسب، فهي في الحقيقة ثمرة الانتساب إلى عصبة معينة تتميز عن غيرها من العصبات، بتلك العلامة المميزة: النسب. ومن هنا كان تعصب الفرد لعصبته إنما يرجع إلى الألفة وطول المعاشرة، وما ينتج عن ذلك من تشبعه بعاداتها وتقاليدها، وبالروح الجمعية السائدة فيها، ومن ارتباط مصلحته بمصلحتها ووجوده بوجودها. وبعبارة أخرى، إنه لا معنى لكونه من هؤلاء أو هؤلاء إلا جريان أحكامهم وأحوالهم عليه، وكأنما التحم بهم وصار منهم بحكم اتحاد الثقافة والعيش المشترك، وتسرب العادات والتقاليد والأذواق والأخلاق بين شعب ما، بحيث يتحول هذا الشعب إلى وحدة عصبية ولو لم يكن من عرق أو دين واحد.
وهذا ما يؤيده البيان القرآني في تفسير ائتلاف قريش الاجتماعي في مكة، رغم أنهم من بطون شتى وقبائل عدة، وهو تحقق النظام الدفاعي والأمن الغذائي، كما ذكر الله تعالى ذلك في سورة قريش: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، فيتضح من ذلك أن التناصر والتعصب بين بطون قريش كان عاملاً هامًا في عملية تشكل العقد الاجتماعي، الذي تحول إلى نظام سياسي يقرر بالشورى في دار الندوة ويقسم الصلاحيات والسلطة بين بطون قريش، فمنهم من يأخذ الرفادة، ومنهم السقاية، ومنهم السدانة، ومنهم راية الحرب وهكذا.

يمكن اعتبار العصبة في الدولة الحديثة والمجتمعات المدنية هي القوة السياسية والاقتصادية الحاملة للحزب السياسي الذي يريد الوصول إلى السلطة، وما يستتبع ذلك من قوة ناعمة وإعلام وجماعة ضغط سياسي قادرة على صناعة رأي عام.

ثانيًا: نشأة الدولة بالعصبية


الدولة في الفلسفة الخلدونية هي الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبية ما. ومن هنا يمكن تصنيف آرائه في مسألة الدولة إلى قسمين:

  • ما يتناول امتداد الدولة في المكان، أي مدى نفوذها واتساع رقعتها.
  • وما يتناول استمرارها في الزمان، أي مختلف المراحل التي يجتازها حكم العصبية الحاكمة من يوم استلامها السلطة إلى يوم خروجها من يدها.
    وهكذا، فإذا نظر ابن خلدون إلى الدولة من حيث امتداد حكم العصبية الغالبة في المكان، ولنقل من الناحية الأفقية، وجدها نوعين: دولة خاصة وسلطة خاصة، ويقصد بها حكم عصبية خاصة في إقليم معين، تابع ولو نظريًا لحكم عصبية عامة تمتد سلطتها إلى أقاليم عديدة، فتشكل هكذا الدولة العامة. وهو ما يقابل تمامًا الدولة الفيدرالية في الشكل الحديث للدولة، حيث يتمتع كل إقليم بحكم ذاتي وبرلمان وحكومة إقليمية خاصة وعصبة اجتماعية وسياسية تحكمها، مع ارتباطها بالدولة المركزية ببعض الجوانب المتعلقة بالثقافة أو الحدود السياسية أو النظام الدفاعي عن الدولة بكل أقاليمها.
    فالدولة البويهية مثلاً هي دولة خاصة بالنسبة إلى الدولة العباسية التي كانت تشملها وتشمل غيرها من الإمارات، مما جعل منها دولة عامة. فالدولة العامة إذن هي الدولة التي لا تخضع لغيرها بشكل من أشكال الخضوع، والتي قد تمتد سلطتها فعليًا.
    يرى ابن خلدون أن العصبية هي القوة التي تُمكّن جماعة ما من التغلب على غيرها وفرض سلطتها. فحين تشتد العصبية في قبيلة أو جماعة، تنشأ لديها القدرة على التوسع، والسيطرة، والسعي للملك. ولأن الإنسان بطبعه اجتماعي، ويحتاج إلى من يدفع عنه العدوان ويقيم له العدالة، فإن الجماعة القوية بعصبيتها هي التي تؤسس الدولة. ولذلك يقول: “الملك لا يحصل إلا بالعصبية، وإذا فقدت العصبية لم يحصل الملك”. وهنا يمكن اعتبار العصبة في الدولة الحديثة والمجتمعات المدنية هي القوة السياسية والاقتصادية الحاملة للحزب السياسي الذي يريد الوصول إلى السلطة، وما يستتبع ذلك من قوة ناعمة وإعلام وجماعة ضغط سياسي قادرة على صناعة رأي عام. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين العصبة في العصر الحديث مع العصبة في زمن ابن خلدون، حيث باتت العصبة تتسم بحالة من السيولة وسرعة التفكك والتشكل المستمر تبعًا لقوة تأثير النخبة السياسية القادرة على التأثير في الرأي العام من خلال ما تمتلك من أدوات، أضف لذلك تحالفات العصبة المحلية مع عصبات الدولة. ففي عصر العولمة، باتت قضية السيادة الوطنية، حتى في الدول العظمى، قضية نسبية، فما من دولة إلا وتؤثر وتتأثر بمحيطها.
    لقد عالج ابن خلدون مسألة سيولة العصبة في عصره، إذ أكد أن القبائل التي تعيش في البداوة غالبًا ما تمتلك عصبية قوية لأنها تعتمد على التضامن والتكافل لمواجهة الحياة القاسية، بخلاف الجماعات الحضرية التي تضعف فيها العصبية نتيجة الترف والانفصال عن أصول القوة، وهو ما يؤدي إلى اضمحلالها وصعود عصبة جديدة تسلم السلطة وفق فلسفة الدولة التاريخية التي تحدث عنها ابن خلدون.

ثالثًا: مراحل الدولة (الدورة التاريخية)


كما قدم أفلاطون تصورًا للدولة يشبه الكائن الحي من حيث البنية العضوية لجسم الإنسان، فقد قدم ابن خلدون تصورًا دورانيًا لمسيرة الدولة من حيث الامتداد الزماني للدولة، يشبه دورة حياة الكائن الحي، وهو تصور سبق به العديد من المفكرين الغربيين. حيث تنقسم هذه الدورة إلى خمس مراحل أو أطوار:

  1. مرحلة النشأة والظفر “مرحلة الطفولة والشباب المبكر”
  2. مرحلة الاستقرار والتنظيم “مرحلة النضج والرجولة”
  3. مرحلة الرفاه والترف “مرحلة الطيش”
  4. مرحلة الفساد والانحدار “مرحلة الشيخوخة والهرم”
  5. مرحلة الانهيار والزوال “مرحلة الوفاة والتحلل”

خاتمة:


نظرية ابن خلدون حول الدولة والعصبية والدورة التاريخية تمثّل نقلة نوعية في فهم السياسة والتاريخ في الفكر الإسلامي والعالمي. فقد تجاوز التفسيرات التقليدية، وأسس لرؤية تحليلية تعتمد على الملاحظة والاستقراء، وتربط بين الاجتماع البشري والدولة، والسلطة والاقتصاد والعمران.
ومن هنا، فإن ابن خلدون لم يكن مجرد مؤرخ، بل واضع لأحد أهم النماذج التفسيرية في علم الاجتماع السياسي، ما جعل العديد من المفكرين الغربيين، كـماركس، وهيغل، وتوينبي، يقفون باهتمام أمام نظرياته. وهو ما يستدعينا للقول إن نظام العصبات في تشكيل الدول لم ينتهِ، لكن شكل العصبات هو الذي اختلف. فمع عصر الإيديولوجيات الشمولية، شكّلت تيارات سياسية من القومية والشيوعية والإسلامية عصبات سياسية حاولت أن تتضافر وتتحالف لتحقيق حضور سياسي لها في الدول التي تنتشر فيها. واليوم يُعاد تشكيل العالم على أساس العصبات العابرة للدولة، فتيار مثل اليسار العالمي، أو النسويات والجندر، باتت تتناصر فيما بينها وتظهر الولاء المطلق لمن يشبهها حتى في أقاصي الأرض. حتى حركة الإلحاد الجديد لم تعد مجرد موقف من الإيمان، وإنما حركة عنيفة ضد المؤمنين ومواجهة الإيمان بقوة العنف. ويمكن تعديد عشرات المشاريع السياسية العابرة للحدود التي تحاول بناء منظومة عصبية تهدم البنى الاجتماعية القائمة على النسب والعشيرة والقوم، لتشكّل مكانها عصبات جديدة يمكن التحكم بها من خلال القوة الناعمة، وجعلها أدوات مؤثرة لبسط سيطرة الشركات العالمية التي تأتلف حول هوية اقتصادية “الماركة”، ليصبح الإنتاج والاستهلاك هو أهم العناوين التي يجتمع تحتها الموالون لهذه الشركات.

عباس شريفة

إجازة في القانون والشريعة كاتب وباحث مهتم بالفلسفة والفكر الإسلامي

عباس شريفة

إجازة في القانون والشريعة كاتب وباحث مهتم بالفلسفة والفكر الإسلامي المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى