
قيمة العطاء في المنظور الديني الإسلامي
قراءة في ضوء حديث (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليفعل)
د. مجد عبد المجيد قمر
يحفل الخطاب الإسلامي بنماذج سامية تؤصل لمعاني العمل والعطاء، فتارةً نرى توجيهًا بالسعي في الأرض ابتغاء الفضل، وتارةً نقرأ دعوةً إلى البذل والإحسان بوصفهما عنوانًا للإيمان.
غير أنّ من أبلغها وأعمقها دلالةً ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المسند (جـ 3، ص 184، برقم 12981) والإمام البخاري في الأدب المفرد (ص 198، برقم 479)، عن سيدنا أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليفعل” وفي لفظ البخاري “فليغرسها).
إنّ وقوفنا أمام هذا النص النبوي يضعنا أمام فلسفةٍ فريدة لمعنى العطاء الإنساني في الهدي النبوي، ويضع العمل والإنتاج في صميم الرسالة الإنسانية، بل يجعل من العطاء قيمةً ذاتيةً لا ترتهن بنتائجها الظرفية. إنها دعوة صريحة لتجاوز منطق “المردود المباشر” إلى أفق أوسع.
التأصيل القرآني لقيمة العطاء والسعي
وقبل التعمق في أبعاد الحديث النبوي، ينبغي أن نستحضر ما قرّره القرآن الكريم من تأصيلٍ لقيمة العمل والعطاء، فقد جاءت النصوص القرآنية لتؤكد أنّ الإنسان خُلق لغايةٍ ساميةٍ تتجاوز حاجاته الآنية.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
وهذه العبادة في مفهومها الشامل لا تقتصر على المناسك، بل تشمل عمارة الأرض والقيام بمقتضى الاستخلاف، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61). فلفظة “استعمركم” تحمل دلالة التكليف بالبناء والتعمير، وهي تتفق تمامًا مع روح الحديث الذي يأمر بالغرس ولو في آخر لحظة من عمر الدنيا.
كما يضرب القرآن الأمثال لمن أحسن العمل ومن أساء، فيقول تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2). وهنا لفتةٌ دقيقةٌ، فالآية لم تقل “أكثر عملاً” بل “أحسن عملاً”، وهو ما يتّسق مع مغزى الحديث، وأيّ إحسان أكثر من غرس فسيلةٍ في ظروفٍ لا يعلم الغارس إن كان سيبلغ ثمارها أم لا، لكن لمجرد أن ينتفع منها أحد فليبادر الغارس بذلك إذن، وفق الهدي النبوي.
أبعاد الحديث في شرح العلماء
لقد أفاد شراح الحديث معانيَ متعددةً مستنبطَة منه، تظهر غزارة مضامينه واتساعها.
فقد أشار بدر الدين العيني في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) (جـ 12، ص 155) إلى فضل الغرس والزرع، وحصول الأجر للزارع والغارس لوصول نفعه إلى غيره.
وهذا الفقه يتّسق مع ما ورد في أحاديث أخرى كقوله ﷺ: (ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة” (رواه البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس، برقم 2322).
غير أنّ عبد الرؤوف المناوي في (فيض القدير شرح الجامع الصغير) (جـ 3، ص 30) يضيف بُعدًا أكثر شمولية في تفسيره للحديث، فيقول: “والحاصل أنه مبالغة في الحثّ على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به، فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة“.
هذا التأويل يفتح أمامنا بابًا واسعًا لفهم العطاء كمسؤولية حضارية وليس مجرد فعل فردي. إنه يؤسس لمبدأ التلاحم بين الأجيال، حيث يصبح عمل المرء امتدادًا في الزمان، حتى بعد غيابه. وبهذا المعنى، يصبح الحديث نافذة على مفهوم “الاستخلاف” في الأرض، حيث يُكلَّف الإنسان بأن يكون عامل بناء، لا مجرد مستهلك أو عابر سبيل.
تحويل المقاييس: العطاء غاية لا وسيلة
إذا انطلقنا من مفردات الحديث وكلام الشراح، فإننا نقف مبهورين أمام أفقٍ من الإيجابية لا يبلغه مبلغٌ من العطاء، فالحديث لم يعد مجرّد دعوة إلى العمل، بل صار درسًا في الوجود ذاته.
إنه يؤصل لقيمة السعي بوصفها غاية قائمة بذاتها، ويجعل من الأخذ بالأسباب عبادةً متصلةً حتى مع انقطاع غاياتها الدنيوية.
إنه تصويرٌ بليغ لعلاقة المؤمن بالكون، قوامها العمارة لا الانتظار، والفعل لا الجمود. بل إنّ الأمر يصل إلى أبعد من هذا الحد، فيجعل من مفهوم السعي والإيجابية نمط حياة، ومبدأً ثابتًا عن المؤمن، ومرتبطًا بالهدف من وجوده في عمارة الكون، حتى يجعل من العطاء والسعي قيمةً متأصلةً في نفس العبد المؤمن وإن عدمت أسباب وجودها في الخارج؛ فالمؤمن هنا أشبه بالنهر الذي لا يتوقف عن الجريان مهما بدت النهاية قريبة؛ لأنّ قيمته تنبع من داخله، لا مما ينتظره في المصب.
نقد واقع التقاعس
إنّ واقعنا المعاصر يشهد أنّ كثيرًا من الناس يتخذون من البطالة أو الكسل عذرًا، أو يلقون باللائمة على بيئة العمل المثبطة، متنصلين بذلك من مسؤوليتهم في صنع التغيير. لكن هذا الحديث يأتي ليعلن أنّ البيئة، مهما كانت، لا تسلب الإنسان قدرته على المبادرة؛ لأنّ مفهوم العطاء عنده بات جزءًا من تكوين ذاته، فما دامت الفسيلة في يده، وبقيت له ذرة من قوة، فإن العطاء يبقى ممكنًا، بل واجبًا.
ويزداد صدق هذا المعنى وضوحًا عندما ننظر إلى طبيعة المشهد الذي رسمه النبي ﷺ. ويظهر صدق ذلك في هذا التصوير البديع للمشهد في الحديث الشريف، وهل ثمَّة تصوير أبلغ من هذا المشهد؟ إنّ فيه إعلاءً لفعل “الغرس” الذي يعني الاستثمار الحقيقي والعمل المؤسس، في مقابل ثقافة الاستهلاك السريع أو البحث عن المكاسب الآنية.
الغرس استبصار بالمستقبل، وإيمان بأنّ قيمة الإنسان تكمن في ما يبذله، وليس في ما يحوزه.
المقصد الأعمق: تجاوز النفعية إلى الإخلاص
لعلّ أعمق أبعاد الحديث يظهر في توقيته؛ فقد جاء الحديث في سياق ذكر “قيام الساعة”، والمراد بها ظهور أماراتها، كما أفاده الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (بيروت: دار الكتب العلمية، جـ 4، ص 63) فقال: “لَعَلَّهُ أَرَادَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ: أَمَارَتَهَا، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ: (إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمْ بِالدَّجَّالِ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِزْهَا، فَإِنَّ لِلنَّاسِ عَيْشًا بَعْدُ). وهي أمارات النهاية المحققة للدنيا بكل ما فيها، فما جدوى غرس فسيلة لا يكاد يدرك ثمرتها؟
إنّ السرّ هنا يكمن في تحويل المقاييس، العبد في هذا المقام ليس مسؤولًا عن نتائج سعيه بقدر ما هو مسؤولٌ عن صدق توجهه وجودة فعله، فقد لا تنبت تلك الفسيلة، وقد يدرك صاحبها القيامة قبل أن تمد جذورها في الأرض، لكن أجر السعي الصادق يبقى ناميًا عند الله، لا تبليه أعاصير الفناء، ولا توقفه حدود الزمن.
إنه درسٌ في تجاوز النفعية الضيقة، وتربيةٌ للنفس على أنّ القيمة الحقيقية للعمل ليست في ما تتركه من أثرٍ مرئي وحسب، بل في ما تحققه من امتثالٍ وإخلاص وأداءٍ للأمانة الكونية. فالمؤمن يعمر الأرض وإن رأى السماء تزول، ويغرس الفسيلة وإن أيقن أنّ القيامة آتية، لأن العمران عنده فريضة، والأمل منهج، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
دمشق: 11/نيسان/ 2026م.



