المقالات

خصائص الحضارة الإسلامية

الخاصية الرابعة عالمية الرسالة  الإسلامية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مقدمة

تُعد عالمية الرسالة من أبرز خصائص الحضارة الإسلامية، فهي لم تُرسل لقومٍ بعينه، بل جاءت رسالةً إنسانيةً عامةً موجهةً إلى جميع البشر، تتخطى الحدود الجغرافية والعرقية، وتشمل الإنس والجن، وتصلح لكل زمان ومكان.

إنّ هدف الإسلام هو الهداية لجميع البشر، ويضع أساسًا للعيش المشترك على القيم الأخلاقية والاجتماعية، ما يجعل رسالته عالميةً في مخاطبتها وقابلةً للتطبيق على جميع الشعوب والأمم.

عالمية الرسالة الإسلامية ليست مجرّد وصفٍ نظري، بل حقيقة تؤكدها طبيعة هذه الرسالة ومضمونها وأهدافها. فالإسلام منذ ظهوره أعلن أنه رسالةٌ موجهةٌ إلى الإنسانية كلها، تتجاوز حدود المكان والزمان، وتخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا لا بوصفه منتميًا إلى جنسٍ أو أمة معينة.

إنّ امتداد الرسالة  لتكون عالميةً يستند إلى مجموعةٍ من المقومات التي جعلت الإسلام قادرًا على مخاطبة البشر جميعًا والاستجابة لحاجاتهم الروحية والأخلاقية والاجتماعية عبر العصور المختلفة، ومن أهم هذه المقومات:

  • عموم خطابها للإنسانية
  • شمولية منهجها للحياة
  • موافقتها للفطرة الإنسانية
  • مبدأ التوازن والاعتدال
  • الجمع بين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع
  • تأسيسها على قيم إنسانية عامة كالعدل والرحمة

دلائل عالمية رسالة الإسلام

أولًا: الخطاب القرآني منذ بدايات الدعوة

جاء الخطاب القرآني منذ نزول الوحي مؤكدًا أنّ الرسالة الإسلامية رسالةٌ عالميةٌ لا تقتصر على أمة بعينها، بل تتوجه إلى البشرية كلها. قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾(الفرقان: 1).

لقد نزلت هذه الآيات في وقتٍ كان فيه المسلمون في غاية الضعف، يتعرضون للاضطهاد والملاحقة، حتى حوصروا في شِعب أبي طالب يعانون الجوع والحرمان. ومع ذلك كان القرآن يعلن منذ البداية أنّ هذا الدين رسالةٌ للعالمين، وأنه سيبلغ الآفاق. وقد أخبر النبي ﷺ أنّ هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار.

انطلقت الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا كي تبلغ رسالة التوحيد وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، ليكون الإنسان حرًّا في اختياره وعقيدته بعيدًا عن القهر الفكري أو السلطان الجائر.

ويروي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أصاب كسرة خبزٍ في أيام الحصار فى شعب بني طالب والذي استمرَّ ثلاث سنوات، فشواها ليُسكت بها جوعه، ثم مضت الأعوام، فإذا به في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقود جيش المسلمين في القادسية، المعركة التي كانت مفتاح بلاد فارس ونهاية الدولة الفارسية.

كما أخبر النبي ﷺ عن فتح المدن العظيمة، فسُئل: أي المدينتين تُفتح أولًا القسطنطينية أم روما؟ فقال: «مدينة هرقل تفتح أولًا» أي القسطنطينية.

وقال ﷺ: »لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش. »

فتنافس المسلمون عبر القرون لينالوا شرف هذا الفتح، وكان من بينهم الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي خرج مجاهدًا حتى توفي ودُفن عند أسوار القسطنطينية، فبقي قبره شاهدًا على حرص هذه الأمة على تبليغ رسالة الإسلام.

وهكذا انطلقت الفتوحات الإسلامية شرقًا وغربًا لا لفرض الدين على الناس، وإنما لإيصال رسالة التوحيد وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، ليكون الإنسان حرًّا في اختياره وعقيدته بعيدًا عن القهر الفكري أو السلطان الجائر.

ثانيًا: شمول الرسالة للإنس والجن

ومن دلائل عالمية الرسالة الإسلامية أنّ خطابها لم يتوجّه إلى الإنسان وحده، بل شمل كذلك عالم الجن، وهو عالمٌ غيبي خلقه الله كما خلق الإنسان، وجعله مكلفًا بالإيمان والطاعة. وهذا يدلّ على أنّ رسالة الإسلام ليست رسالةً قوميةً ولا إقليمية، بل رسالةٌ كونيةٌ تتجاوز حدود المكان والزمان، وتشمل كل من كان أهلاً للتكليف.

وقد صرّح القرآن بذلك في مواضع عديدة، منها قول الله تعالى:

﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾.

فهذه الآيات تبين أنّ الجنّ سمعوا القرآن، وأدركوا ما فيه من هداية، فآمنوا به وأقرّوا بصدقه.

كما قال تعالى على لسانهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾  وهذا يدلُّ على أنهم داخلون في دائرة التكليف، شأنهم شأن الإنس، فيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي.

إنّ شمول الرسالة للإنس والجن يكشف بوضوح عن الطبيعة الكونية للإسلام؛ فهو رسالة هداية لكل من خُلق للتكليف.

ولم يقتصر الأمر على مجرد سماعهم للقرآن، بل إنهم عادوا إلى قومهم دعاةً ومبلّغين، كما أخبر الله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾  فصاروا بعد سماعهم للحق دعاةً إليه، يحملون الرسالة إلى قومهم، كما يفعل البشر حين يؤمنون بالهداية.

إنّ شمول الرسالة للإنس والجن يكشف بوضوح عن الطبيعة الكونية للإسلام؛ فهو رسالة هداية لكل من خُلق للتكليف، لا يحده جنس ولا شعب ولا عالم. وإذا كانت الرسالات السابقة قد أُرسلت إلى أقوام مخصوصين، فإن رسالة الإسلام جاءت خاتمةً شاملةً، تتوجه إلى كل العوالم المكلفة بالإيمان بالله واتباع هديه.

ثالثًا: عموم الرسالة لجميع البشر

لم تقتصر رسالة الإسلام على شعب أو قوم معين، بل جاءت شاملة لكل البشر، كما جاء في القرآن الكريم:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف:158)

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28 )

  وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا لمن أطاعك، ونذيرًا لمن كذبك ( تفسير الطبري )

ويؤكد هذا الخطاب وحدة الأصل الإنساني وكرامة الإنسان بغض النظر عن أصله أو جنسه، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات 13)

وهكذا تؤكد الشريعة أنّ الرسالة الإسلامية عالمية بطبيعتها، تستهدف كل إنسان، وتحرر البشر جميعًا من القيود التي يفرضها الانتماء القومي أو الطبقي، لتصبح التقوى والعمل الصالح هما معيار الكرامة الحقيقية عند الله.

رابعًا: اللغة العربية وسيلة لفهم عالمي، لا معيار للفضل

لم يخصّ الإسلام العرب وحدهم برسالته، رغم أنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، وأنّ العرب كانوا أوّل من تلقّى هذا الوحي وحمله إلى الناس. فقد جاء القرآن بالعربية ليكون واضحًا بيّنًا في بيئته الأولى، كما قال تعالى:

﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (فصلت: 3)

 فكانت العربية وعاءً للرسالة، وأداةً لفهمها، لا معيارًا للتفاضل بين الناس.

وعلى هذا، فإنّ مكانة اللغة العربية في الإسلام تنبع من كونها لغة الوحي، التي تُمكّن من فهم النصوص الشرعية فهمًا دقيقًا، لكنها لا تمنح أهلها فضلًا ذاتيًا لمجرد الانتماء إليها. فالإسلام لم يجعل الانتماء العرقي أو اللغوي أساسًا للتفاضل، بل قرر موازين أسمى وأعدل، في مقدمتها التقوى، ثم الأهلية والكفاءة في حمل المسؤولية وأداء الرسالة.

وقد أكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

كما قال النبي ﷺ: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، إلا بالتقوى«

اللغة العربية وسيلة لفهم الدين العالمي، وجسر للتواصل مع نصوصه الأصلية، لكنها ليست شرطًا لنيل الفضل، ولا حاجزًا أمام انتماء الشعوب إلى الإسلام.

ولقد شهد التاريخ الإسلامي على عالمية هذه الرسالة، حيث لم تقتصر على العرب، بل حمل لواءَها علماء وقادة من مختلف الأمم والشعوب، فأسهموا في نشر الإسلام، وبناء حضارته، وخدمة علومه، حتى أصبحت الأمة الإسلامية نموذجًا إنسانيًا عالميًا، تتجاوز فيه الروابط اللغوية والعرقية، وتتوحد فيه القلوب على أساس الإيمان والقيم.

ومن هنا، فإن اللغة العربية تظل وسيلةً لفهم هذا الدين العالمي، وجسرًا للتواصل مع نصوصه الأصلية، لكنها ليست شرطًا لنيل الفضل، ولا حاجزًا أمام انتماء الشعوب إلى الإسلام، بل يبقى الميزان الحق هو الإيمان الصادق، والعمل الصالح، والقدرة على خدمة هذا الدين وفق منهجه القويم.

خامسًا: وصف القرآن والرسول بوظيفة البشير والنذير

إنّ وصف القرآن والرسول بوظيفة البشارة والإنذار يدل على عمومية الرسالة:

﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا﴾

هذه الآيات تؤكد أنّ الرسالة الإسلامية موجهةٌ للبشرية كلها، وليست مقصورةً على أمةٍ أو شعبٍ محددٍ. فوظيفة الرسول ﷺ والقرآن شاملة لكل البشر، والرسالة العالمية لا تفرّق بين الناس، وكل فرد مسؤول عن إدراكها والعمل بها.

يتضح من هذا العرض أنّ الإسلام رسالةٌ عالميةٌ شاملةٌ لكل البشر والجن ،قائمةٌ على القيم الإنسانية العليا ،تصلح لكل زمانٍ ومكانٍ، لا تقبل التجزئة أو الانحياز الجزئي.

وتؤكد الحضارة الإسلامية منذ بداياتها على شمولية الفكر والرسالة، مما يجعلها قادرة على الاستمرار والتأثير في حياة الإنسان عبر العصور والثقافات المختلفة.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى