
بنغالور مدينة الحدائق والسليكون
هل تقع مسؤولية التنمية والنهضة على عاتق الدولة فحسب؟
من البداهة أن تحمل الدولة على عاتقها مسؤولية التنمية فهي تملك الموارد المتاحة وغير المتاحة، وتستطيع وزارات عديدة أن توحد خططها لإحداث التغيير، فمثلًا حين تسعى دولة مثل سوريا إلى إحداث تغيير في الوعي المجتمعي باتجاهٍ ما، لا بدّ أن تتضافر جهود وزارات عديدة كوزارة التعليم والتعليم العالي والثقافة والإعلام معًا لتحقيق القيمة المضافة، والانتقال من ردم الحفر إلى البناء، ومن الانشغال بإطفاء الحرائق إلى برامج استراتيجية تحقق النهضة مستفيدة من الموارد المتاحة (طبيعية، بشرية، مادية) وتضيف إليها الموادر غير المتاحة (المعرفة، التخصص، التشبيك) في معادلة يكون طرفها الثاني هو منتوج حضاري. وبالتأكيد فإن أهم العوامل المؤثرة في هذه المعادلة هي الروح التي تدفع إلى الإنجاز، وتسعى إلى هدفٍ سامٍ.
وحين تريد دولة مثل تركيا أن تصنع فارقًا في عالم المسيّرات وأنظمة الدفاع الجوي فلا بدّ أن تبدأ الخطة من مقاعد الدراسة في المراحل الأولى، وعبر مسابقات تكنوفيست السنوية، ثم في ساحات الجامعات حيث تتشكل المعرفة عند الشباب وتتحول إلى تطبيق، وتشترك وزارة الصناعة والاتصال والدفاع، ثم تأتي شركات خاصة عملاقة مثل بايكار لتضع مهارات الشباب على خطوط الإنتاج.
الشباب المبدع هو الذي يفكر دائمًا بمستقبل مختلف، ويوظف المعلومة لتخدم المستقبل وترسم الاستراتيجيات التي تمشي بهدوء بطريقة غير اعتيادية من أجل تحقيق أهداف غير مألوفة.
ولا يتوقف الأمر عند تعاون الشركات الخاصة فحسب بل يتعدى إلى المبادرات الفردية، التي لا تقل أهميةً عن جهود الشركات إلى جانب القطاع العام، فأصحاب الخبرة يستطيعون إنتاج الماضي بسهولة، أما الشباب المبدع فهو الذي يفكر دائمًا بمستقبل مختلف، ويوظف المعلومة لتخدم المستقبل. وتأتي مبادرات العقول العابرة للماضي والحاضر لترسم الاستراتيجيات التي تمشي بهدوء بطريقة غير اعتيادية من أجل تحقيق هدف غير مألوف (وغير مكرر).
وادي السليكون الهندي
تعد تجربة بنغالورBengaluru في الهند واحدةً من أبرز التجارب التي عكست المبادرات الفردية وأثرها في إحداث الفارق، فقد تحولت المدينة المعروفة بكثرة حدائقها إلى وادي السليكون الهندي في بضع سنين، وقد بدأت الشرارة الأولى من مبادرات فردية وجدت في الشباب فرصةً لإحداث التغيير، إلى جانب شركات خاصة سارت جهودها في مجرى عام رسمته الدولة لتصب في أشهر واد تكنولوجي في القارة الآسيوية.
لقد اتفق سبعة من الأكاديميين الهنود الذين كانوا يدرّسون و يعملون في جامعات أمريكية وكندية في مجال المعلوماتية على تشغيل الشباب الهندي بالمعرفة كقيمة مضافة، وهي إحدى الموارد غير المتاحة هناك حينذاك، فإذا كانت الموارد الطبيعية والبشرية والمادية متاحة، فإن موارد مثل المعرفة والتخصص النادر والعلائقية تعتبر موارد غير متاحة، فإذا جرى استغلالها تنتج القيمة المضافة التي تحقق التنمية.
المعرفة والتخصص النادر والعلائقية هي موارد غير متاحة، فإذا جرى استغلالها تنتج القيمة المضافة التي تحقق التنمية.
وما توجه هؤلاء الأكادميون نحو الشباب إلا نتيجة إيمانهم المطلق بقدراتهم على الإبداع، حين يكونون مسؤولين عن المستقبل، ويعتنقون المسؤولية، فعادة الشباب المبدع أن يفكر بطريقة مختلفة، وينتقل من العمل التقليدي إلى الابتكار.
وكان السؤال الأول هو: كيف نحول المعرفة إلى التطبيق؟
إذ إن المعرفة النظرية المجردة عن التطبيق سرعان ما تتلاشى فلا يبقى لها أثر.
وكان الحل بأن يقوموا بتجربة عملية بتأسيس مركز تقني في بنغالور يدربون فيه مجموعة من الشباب وفق منهاج محدد بهدف الوصول إلى القيمة المضافة بعد نقل المعرفة إلى التطبيق.
وبطبيعة الحال فإن وجودهم بعيدين عن بنغالور كان التحدي الأبرز أمام إنجاز الخطة، فكل خطوة تحتاج وجود أحدهم هناك – على الأرض- كي تسير الأمور وفق ما هو مخطط لها.
استطاع الأكادميون السبعة تجاوز هذه المعضلة ببساطة، فهم يملكون وفق أنظمة العمل هناك أخذ إجازة لمدة سنة كاملة، يستطيعون خلالها فعل ما يشاؤون.
سبعة أكادميين أي سبع سنوات من العمل التطوعي الدؤوب.
وهكذا قسّموا السنوات السبع فيما بينهم حسب الترتيب اللازم، من تأسيس المكان هندسيًا، إلى تزويده بالأجهزة والتقنيات، إلى إطلاق التعليم، وتحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية، وإنجاز برمجيات احترافية غير مسبوقة، إحداها إنتاج برنامج أوفيس بلغة سانسيكريتية محلية.
حين ترعى الدولة مبادرات أفرادها وتحفزها وتوفّر قاعدةً علميةً قويةً بالإضافة لسياسات التحرير الاقتصادي فإنها تفتح الباب للنهضة على مصراعيه.
ولأن جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الأول وفّر الدعم الحكومي للتعليم والبحث وأسس المعهد الهندي للعلوم في بنغالور، ما وفّر قاعدةً علميةً قويةً بالإضافة لسياسات التحرير الاقتصادي فقد كان الاستثمار في بنغالور متاحًا أمام الشركات الأجنبية.
وكان الوقت قد حان ليعرضوا ذلك الإنجاز على بيل غيتس صاحب العملاقة مايكروسوفت، الذي انبهر بما رأى، برنامج متكامل بلغة محلية وبلا أخطاء، أي أنه جاهز لإطلاقه في الأسواق. ولأن السوق الهندي متعطش لبرنامج أوفيس بلغات عديدة فقد طمع بيل غتس بالمزيد، فطلب منهم إنتاج أوفيس بسبع لغاتٍ هندية مختلفة.
وبدأت مايكروسوفت بتأسيس فرعها في بنغالور اعتمادًا على وجود الموارد التي نقلت المعرفة إلى التطبيق، وأنشأت مركزًا للبحث والتطوير (Microsoft India Development Center) ليكون قاعدةً لتطوير البرمجيات وخدماتها في آسيا. هذا الفرع لعب دورًا رئيسيًا في جذب شركات أخرى إلى المدينة من مثل جوجل وفيسبوك، وآي بي إم إضافة إلى آلاف الشركات المحلية الناشئة التي جعلت من بنغالور القلب النابض لصناعة البرمجيات لتصبح”وادي السيليكون الهندي”
أبرز الأمثلة على هؤلاء الأكاديميين
• البروفيسور راج ريدي (Raj Reddy) أستاذ في جامعة كارنيغي ميلون (أمريكا) في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي، ساهم في تأسيس معهد المعلومات الدولي في الهند، وكان له دور في ربط الأكاديميا بالصناعة.
• البروفيسور ڤي راجا رامان (V. Rajaraman) درس في الولايات المتحدة ثم عاد ليصبح أحد رواد علوم الحاسوب في الهند، كتب كتبًا تعليمية أساسية في البرمجة ساعدت آلاف الطلاب.
• البروفيسور ك. راما مورثي (K. Ramamurthy) عمل في جامعات كندية قبل أن يعود إلى الهند ويشارك في تطوير برامج تعليمية في الهندسة والبرمجيات.
• البروفيسور ڤي. ك. سامبت (V. K. Sampath) من الأكاديميين الذين نقلوا خبراتهم من أمريكا الشمالية وأسهموا في تأسيس أقسام علوم الحاسوب في الجامعات الهندية.
لقد قام هؤلاء الأكادميون بنقل المعرفة فجلبوا أحدث المناهج والطرق البحثية من أمريكا وكندا إلى الهند وشاركوا في بناء معاهد مثل المعهد الهندي للعلوم (IISc) ومعاهد التكنولوجيا الهندية (IITs) التي خرجت أجيالًا من المهندسين الذين أصبحوا لاحقًا قادة في شركات مثل Infosys وWipro
كما جعلوا الشركات العالمية تثق في بنغالور كمركز للابتكار، فكانوا الجسر الذي ربط الهند بالمعرفة العالمية وحوّل بنغالور إلى “وادي السيليكون الهندي”.
التنمية والعمل التقليدي
إنّ السير على خطط مستهلكة يوصلنا إلى حيث نقف الآن، وتجاهل ما يفعله بنا العدو يبقينا في دوامة ردم الحفر التي يحفرها لنا على الدوام، وإطفاء الحرائق التي يشعلها في بيوتنا هنا وهناك. وبرامج التنمية المستهلكة قد تنتج أرضًا بلا حفر، أو بيوتًا بلا حرائق، لكنها محصلة صفرية ليس فيها شيء من تنمية أو نهضة. فالنهضة لا تتوافق مع العمل التقليدي وتجريب المجرب، بل تستدعي التفكير بطريقة مختلفة، وتغيير سيناريوهات الماضي وتحديد البدائل، وتغيير الفكر المنظومي وآلياته وإنتاج ثقافةٍ جديدةٍ تحول المجتمع إلى يدٍ واحدةٍ تعمل باتجاهٍ واحدٍ وبروحٍ واحدةٍ، وإبتكار بدائل مستقبلية، وتشجيع النماذج التجريبية، وإعطاء مساحةٍ واسعةٍ للمبادرات الشبابية، والإيمان بقدراتهم على إحداث الفارق، وعدم تجاوز المعرفة التي جرى تحصيلها من جامعات عالمية، وتوظيف هذه المعرفة في حيز التطبيق والإنتاج.
فتجربة بنغالور تؤكد أنّ النهضة ليست حكرًا على الدولة وحدها، بل هي ثمرة تلاقي الإرادة الرسمية مع المبادرات الفردية، وتوظيف المعرفة في التطبيق العملي. فحين تتكامل جهود الوزارات مع الجامعات والشركات الخاصة والعقول الشابة، وتتوفر الرؤية الاستراتيجية والهدف الواضح، تتحول مدينة الحدائق إلى وادي السيليكون.
إن التنمية الحقيقية لا تُبنى على خطط مستهلكة أو محاولات لإطفاء الحرائق، بل هي نتاج ثقافة الإيمان بقدرة الإنسان على الإبداع، ومنح الشباب مساحةً للتجريب واعتناق مسؤولية صناعة المستقبل لتصبح النهضة فعلًا جماعيًا، وروحًا تسري في المجتمع، ونتاجًا حضاريًا يثبت أنّ الطريق إلى التغيير يبدأ من الإيمان بالمعرفة، وينتهي بتحويلها إلى إنجاز ملموس.



