المقالات البحثية

ما الفرق بين “الكتاب” و”القرآن”؟

دراسة في نقد التفريق الشحروري وبيان الفرق الاستعمالي العربي

    هذا المقال هو دراسة نقدية وبنائية في آن، فهو يفنّد التفريق الذي أحدثه المهندس محمد شحرور بين “الكتاب” و”القرآن”، ويقدّم في الآن نفسه المنهج الأسلم للتعامل مع الأسماء المختلفة التي تُطلَق على الشيء الواحد، ليكون هذا المنهج أداةً علميةً توضّح جانبًا من أساليب اللسان العربي الذي نزل به كتاب الله تعالى.

    وقد زعم شحرور أنّ لفظ “الكتاب” مختصّ بآيات “الرسالة”، وهي الحدود والعبادات والأخلاق وتعليمات عامّة، أما لفظ “القرآن” فهو عنده من “النبوّة”، وزعم أنّه لتصديق صحّة الرسالة، وأنّه مختصّ بقوانين الوجود والطبيعة وأفعال الإنسان الواعية والقصص وما شابه، وسيأتي تفصيل كلامه في المقال. فابتدع تقسيمًا جذريًّا لم يقل به أحدٌ من علماء العربية والتفسير، ولا جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا عن أحد من صحابته ممّن نزل القرآن بينهم وفيهم.

    وأخطر ما في هذا التقسيم ليس التفريق بين معنى المفردتين، فهذا حاصل عند علماء المسلمين من قديم، بل هو جعْل الفرق في المعنى الاشتقاقي (بين “كتب” و”قرأ”) ذريعةً للتفريق في المسمّى المقصود من كل لفظ، أي بكلمات أخرى: جعْل “الكتاب” يُعبّر عن محتوى معيّن من المصحف، بينما يعبّر “القرآن” عن محتوى آخر من المصحف.

    وهذا المقال هو متابعة لاهتمام سابق لي يتعلّق بلسان القرآن العربي، وذلك في سياق مواجهة خطابٍ يزعم أنّ علماء الأمة عبر القرون لم يفهموا بعض الاصطلاحات المركزية في كتاب الله، كالإسلام والإيمان، والنبي والرسول، والكتاب والقرآن، والنطق والقول، والمجيء والإتيان وغير ذلك. وقد تَزَعّم شحرور هذا التوجّه، وكنت قد كتبت سابقًا في الرد عليه عدّة مقالات، من بينها مقال بعنوان “هل هناك ترادف في القرآن؟” ناقشتُ فيه ببعض الإيجاز كلامه حول الفرق بين “النطق” و”القول”، وبيّنت الفرق الحقيقي بينهما بخلاف ما يزعم.

    لكنّني اليوم أقف مع تفريق مركزي حمله عنوان أول كتاب لشحرور، وهو كتاب “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة”، الذي وضع فيه نظريّاته الأساسية حول الدين. وسأبدأ أولا بتقرير قاعدة مهمة، لأنّي أرغب في أن يكون هذا المقال حاملًا لترسيخ المفاهيم العربية الصحيحة في التعامل مع كتاب الله، ولا يكون لمجرّد الردّ كما نوّهت.

    اختلاف الأسماء لا يستلزم اختلاف المسمّى

    هذه القاعدة هي أنّ الفرق في المعنى بين مفردتين لا يستلزم أنّهما تشيران إلى شيئين مختلفين حتمًا، فاختلاف الوصف لا يستلزم اختلاف الموصوف. فمثلًا: لو وصفتُ شخصًا بأنّه “رجل” أو “ذكر” أو “إنسيّ”، فهل تعدُّد هذه الأوصاف للشخص الواحد يعني أنّ المقصود بالرجل شخص آخر غير المقصود بالذَّكر وغير المقصود بالإنسيّ؟ لا يقول ذلك عاقل، بل سمّيناه رجلًا أو ذكرًا أو إنسيّا تبعًا للسياق والاستعمال والاعتبار، فحين يُرى في عتمةٍ مثلًا ويُسأل: إنسيٌّ أم جانّ؟ فقد سُمّي إنسيًّا طلبًا للأُنس به. ولو سُمّي في دراسة طبية ذَكَرًا فذلك للتأكيد على جنسه؛ لأنّ الدواء قد يضرّ بجهازه التناسلي مثلًا.

    ومن هنا تدرك ما غاب عن هؤلاء الذين تذرّعوا بمذهب منع الترادف ليَبنوا على ذلك تعدُّد الأشياء مع تعدّد الأسماء أو الأوصاف، مع أنّ الشيء الواحد قد يُسمّى بأسماء متعددة، كما سُمّي كتاب الله القرآن والفرقان والتنزيل والذِّكر وغير ذلك، ولكل اسم معنى مختلف، فليس ثمّة شيء يأتي عبثًا في كتاب الله تعالى، ولكنّ هذا لا يعني أنّ القرآن غير الكتاب غير الفرقان غير التنزيل غير الذكر؛ فاختلاف المعنى والدلالة بحسب الاستعمال لا يستلزم اختلاف المسمّى.

    آيات الكتاب هي آيات القرآن

    ومن هذا الباب يقول الإمام بيان الحقّ النيسابوري (توفي بعد 553 هـ) في كتابه “باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن” في قوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} (الحجر: 1): “جمع بين الكتاب والقرآن؛ لأنهما وصفان مختلفان معنًى وإنْ كان الموصوف واحدًا”. فهو يؤكّد اختلاف الوصفين، ولكنّه يؤكّد أيضًا أنّ الموصوف واحد.

    وهذه الآية التي تناولها الإمام النيسابوري تحتاج ببُنيتها النحوية إلى وقفة لدلالتها العظيمة التي تهدم ما يبنيه الذين يجهلون اللسان العربي ويقتحمون ما لا يجيدون. فالله عزّ وجلّ يقول فيها {تلك}، وأيًّا كانت الآيات المقصودة بقوله “تلك” فهي “آيات”، ثم يصف الله تلك الآيات نفسها بأنّها {آيات الكتاب} وبأنّها {وقرآنٍ مبينٍ}، ممّا يعني أنّ الموصوف واحد. وهنا يسقط تمامًا أي تفريق يزعم أنّ هناك آيات تُصنَّف ضمن “الكتاب” ولها وظيفة معيّنة، وآيات أخرى تُصنَّف ضمن “القرآن” ولها وظيفة أخرى؛ إذ الآيات نفسها موصوفة بأنّها “كتاب” وبأنّها “قرآن”.

    ولا يدعُنا كتاب الله في لبسٍ من أمرِنا، فالله عزّ وجلّ يقول في سورة النمل: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} (النمل: 1). فنجد التركيب نفسه ولكن حلّت {آيات القرآن} هنا مكان {آيات الكتاب} في آية الحِجر، وحلّت {وكتابٍ مبين} هنا مكان {وقرآنٍ مبين} في آية الحِجر، فأطلق عليهما وصف “مبين”؛ يُعلِمك أنّ المقصود بالكتاب والقرآن واحد.

    والكتاب والقرآن وصفان مختلفان لكلٍّ منهما معنى في العربية، ولكنّهما يصفان الشيء ذاته.

قال الإمام أبو حفصٍ النَّسَفي (461-537 هـ) في “التيسير في التفسير” في تفسير آية سورة الحِجر: “وقوله تعالى: {الكتابِ وقرآنٍ} هما واحد، وسُمّي باسمين لاختلاف المعنيين، فهو كتابٌ لأنه يُكتب ليكون مدوَّنًا مُخَلَّدًا، وقرآنٌ لأنه جمع فيه ما بِنا إليه حاجة اليوم وغدًا”.

    وقال الإمام أبو حفصٍ النَّسَفي في تفسير آية سورة النمل: {تلك آيات القرآن}: “أي: هذه آيات القرآن {وكتاب مبين} وهو القرآن، وإنما جمع بينهما لاجتماع الوصفين له، فإنه يُقرأ ويُكتب، والواو ليست للمغايرة بل للدلالة على الوصفين. وقيل: هو للمدح كما في قوله: {وسيّدًا وحَصورًا ونبيًّا} (آل عمران: 39)، وإنما عَرّف الأول ونَكَّر الثاني؛ لأنّ الأول كاسم العَلَم له، والثاني كالصفة له، ويجوز في صفة العَلَم التعريف والتنكير: زيدٌ رجل عاقل، وزيدٌ الرجل العاقل. وقال في سورة الحجر: {الر تلك آياتُ الكتابِ وقرآنٍ مبين} (الحجر: 1)، فعرّف الكتاب ونكّر القرآن، وهاهنا على قلبه؛ لأنّ كل واحد من الاسمين جُعل اسمًا له مطلقًا وفيه معنى الصفة، وأيهما جُعل اسمًا والآخر صفةً صحّ هذا”.

    وقد أحضر الإمام النَّسَفيُّ مثالًا جميلًا في وصف نبيّ الله يحيى عليه السلام: {وسيّدًا وحَصورًا ونبيًّا}، وهو ينسف ما قاله شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن”، حيث قال معلّقا على آية سورة الحِجر: “وهنا نلاحظ كيف عطف القرآن على الكتاب، وفي اللسان العربي لا تعطف إلّا المتغايرات، أو الخاص على العام”[1]. وهذا من جهله بالعربية وبكتاب الله تعالى، فلو قرأ آية آل عمران هذه أو تعلّم العربية لَما قال هذا الكلام!

    والآن علينا أن نتساءل: لماذا أراد شحرور التفريق بين “الكتاب” و”القرآن”؟

غاية التفريق بين الكتاب والقرآن عند شحرور

    أراد شحرور ذلك لأنّه أراد تغيير معاني كتاب الله تعالى بحسب مزاج العصر كما سيأتي بيانه والبرهنة عليه الآن. فقد اقتصر على مجموعة محكمات قليلة سمّاها “الكتاب”، وأما سائر “القرآن” فهو عنده “متشابه” قابل للتغيّر مع تغيّر العصر، كي يسهل عليه التملّص من بعض الحقائق الثابتة في كتاب الله بحجّة أنّها من المتشابه الذي يمثّل “ثبات النصّ وحركة المحتوى” على حدّ وصفه. أي بكلمات أخرى كما يقول هو نفسه: “ولهذا فالقرآن لا بدّ أن يكون قابلًا للتأويل، وتأويله يجب أن يكون متحرّكًا وفق الأرضية العلمية لأمّةٍ ما في عصرٍ ما على الرغم من ثبات صيغته”[2].

    أي إنّ شحرور اخترع هذا التقسيم الركيك الذي تخالفه آياتُ القرآن مع جهله باللسان العربي – كما رأينا وسنرى – ليُبدّل معاني القرآن التي لا تتوافق مع قيم العصر العلماني الذي نعيشه، فيصبح القرآن تابعًا لأمزجة الناس وأهوائهم، بعيدًا عن طبيعته التي قال الله فيها: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9).

    وهذه الآية تهدم رغبته في نفي المحتوى الفاعل للقرآن وجعله محتوى “متحرّكًا” بناءً على ما يسميه “الأرضية المعرفية المتغيرة والمتطوّرة للناس مع تطوّر الزمن”[3]، لأنّ الموصوف بالهدى هو القرآن، وهو يهدي للتي هي أقوم كلَّ الناس في كلّ عصر، فالآية مطلقة، ولا يمكن أن يهديَ للتي هي أقوم إذا كان عبارة عن مجرّد “صياغة” بلا قيم وأحكام ثابتة لكل عصر، تنتظر البشر ليضعوا فيها نظريّاتهم وكشوفاتهم كما سنرى عند شحرور في هذا المقال.

    ويؤكّد شحرور هذا الهدف “التحريفي” للقرآن، أي إعادة صياغة مفاهيمه لتتماشى مع آفاق البشر المعاصرين له، بقوله في كتابه “دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم” عن هدف منهجه المتّبع في فهم التنزيل الحكيم: “هدفه العمل على إعادة تأسيس فكر ديني معاصر لا يتناطح مع ما توصّلت إليه المعارف الإنسانية، باستعمال أرضية معرفية متطوّرة لفهم نصوص التنزيل الحكيم، وإعادة تأسيس فقهٍ إسلامي معاصر يقدّم رؤيةً مغايرةً لعملية التشريع التي يجب أن تتماشى مع التطوّر المعرفي لأيّ مجتمع”[4].

    ولا يخفى على العقلاء أنّ استعمال ألفاظ “العلم” و”المعرفة” و”التطوّر” يغري بعض القرّاء السذّج الجاهزين لهذا الخطاب؛ لأنّهم عالقون في مفهوم خاطئ يرى أنّ “التقدّم” يؤدّي دومًا إلى الأفضل، لا في المخترعات والكشوفات العلمية المادية فحسب، بل في القيم والأخلاق والتشريعات أيضًا، وهو مفهوم يدرك كل عاقل أنه مغلوط، وأنّ البشرية قد تتقدّم زمنيًّا وماديًّا وتقنيًّا ولكنّها تنحطّ قيميًّا وأخلاقيًّا وتشريعيًّا، تمامًا كما هو حاصل في “الحضارة” الغربية المعاصرة، ولي في ذلك مقالٌ آخر بإذن الله.

    ومن النماذج التي تدلّل على تكريس شحرور لهذا التفريق بين “القرآن” و”الكتاب” أنه حين أراد تفسير قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر: 1-2)، قال في لقاءٍ له على روتانا خليجية (عام 2017) إنّ المقصود بالفجر هو “الانفجار الكوني”، ثم سوّغ ذلك مباشرةً فقال: “ما له علاقة بصلاة الصبح، وليالٍ عشر ما لها علاقة بذي الحجّة، هذا قرآن يا ابني مو أحكام”[5].

    ومنها أيضًا تأويله الشهير للنساء والبنين في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} (آل عمران: 14) بأنّ المقصود بهما “الموضة” و”الأبنية”؛ في تأويل متكلّف سبق أن ناقشته وبيّنتُ فساده رغم فجاجته الظاهرة، لكنّ خلاصته أنّ المرأة أيضًا يجب أن تكون مخاطبة عند شحرور بقول الله تعالى {زُيّن للنّاس}، مع أنها مخاطبة بداهةً على نمط الأسلوب العربي البليغ، وكذلك فالمرأة والأبناء هنا وُضعا ضمن “أشياء” وفي هذا “تشييء” للإنسان في المزاج الليبرالي المعاصر. وهذه الحساسيات التي دفعته إلى هذا التأويل هي حساسيات ليبرالية علمانية أو Political Correctness غربية، وليس لها علاقة باللسان العربي أو بالفطرة البشرية، فلم تكن لدى أحدٍ من أهل الفطَر السليمة والعقول الكبيرة مشكلة مع الآية قبل الهيمنة الغربية على عالمنا العربي والإسلامي، وما تبعها من هيمنةٍ ثقافيةٍ وقيميةٍ وتشريعية.

    وهكذا يتحول “القرآن” في فهم شحرور إلى مادة “متشابهة” أو بمعنى أدق “قالب” يستوعب نظريات البشر ومعارفهم وقيمهم وأمزجتهم وشرائعهم في كل عصر، وخصوصا الغربيّون، لا مادةَ هدايةٍ للبشرية كما قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9).

تهافت النظرية الشحرورية في التفريق بين “الكتاب” و”القرآن”

    وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف، أي التماشي مع معارف العصر العلماني وقيمه، يحاول شحرور من خلال انتقائيةٍ فجّةٍ جعل القرآن موجَّهًا “للناس” والكتاب موجَّهًا “للمتقين”. يقول: “نلاحظ أنّه عندما ذكر الكتاب قال: {هُدى للمتّقين} لأنّ في الكتاب أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق، أي فيه التقوى بالإضافة إلى القرآن. وعندما ذكر القرآن قال: {هُدى للنّاس} ولفظة الناس تشمل المتّقين وغير المتّقين، فالمتّقون من الناس ولكن ليس كل الناس من المتّقين. وهذا وحده يوجب أن نميّز بين الكتاب والقرآن”[6].

    فتأمّل هذا المنهج الركيك الذي تهدمه آية واحدة، وهي قوله تعالى: {إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} (الزُّمَر: 41). فقد ذكر الله سبحانه هنا أنّ “الكتاب” للناس أيضًا، فهو والقرآن اسمان (أو قل “وصفان”) لشيء واحد هو التنزيل الحكيم.

    وقد جعل شحرور “الكتاب” مختصا بآيات “الرسالة”، وهي عنده الحدود والعبادات والأخلاق وتعليمات عامة وخاصة، وجعل القرآن جزءًا من “النبوة”، وهو عنده مصادق على صحّة الرسالة[7]، وهو مختصًّ بالقوانين الناظمة للوجود وأحداث الطبيعة وقوانينها الجزئية وأفعال الإنسان الواعية كالقصص[8]. ويقول ملخّصًا رؤيته:

    “أراد الله سبحانه وتعالى أن يبلّغ رسالته للناس (الأحكام) ليبيّن لهم فيها الفرق بين الحرام والحلال، ويبيّن لهم فيها العبادات والأخلاق وقواعد السلوك الإنساني. هذه الأحكام بمجموعها تسمّى “كتاب الله”، وهي بحاجة إلى توقيع ممّن أرسلها أي أن تكون مصدّقة منه “التوقيع والختم” ليعلم الناس أنها من عنده. فوقّع سبحانه وتعالى على هذه الرسالة بتوقيعه وكان توقيعه “القرآن والسبع المثاني” حيث جعل حقيقة الوجود تصديقًا لقواعد السلوك. فالرسالة هي كتاب الله “الأحكام”، والنبوة “القرآن” وفيه كلام الله “قوله الحقّ” الذي هو القوانين المطلقة للوجود. فصدّق القرآنُ كتابَه الذي هو قواعد السلوك الإنساني”[9].

    وبصرف النظر عن كونه قد قال هنا إنّ الكتاب الذي فيه الرسالة هو “للناس”، مناقضًا بذلك ما قرّره سابقًا! لكنّه احتاج إلى تسويد أكثر من مائة صفحة لإثبات هذا التفريق، وكلّما عارضتْه آيةٌ تصف شيئًا من القرآن بالكتاب أو شيئًا من الكتاب بالقرآن حاول تأويلها متكلّفًا بإضفاء معنى مختلِف على كل صيغة جاءت بالتعريف أو بالتنكير أو مصحوبة بصفة معيّنة كما سيأتي بيانه، ليُنشئ تقسيماتٍ وتفريعاتٍ عديدة غير واضحة في كتاب الله، فتكلّف تكلُّفًا ممجوجًا ركيكًا لا يناسب يُسر القرآن ووضوحه وبلاغته[10].

    ومن أمثلة تكلّفاته المتهافتة (وهي كثيرة) أنّه ذكر بأنّ “الكتاب” يمثّل الرسالة ومضمونُها الأحكام والعبادات والأخلاق وقواعد السلوك، وأنها تحتاج إلى أن تكون “مصدَّقة”، أي تحتاج توقيعًا وتصديقًا من “القرآن” كما ذكرنا قبل قليل، لكنه يصطدم بقوله تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة: 48)، فهنا وُصف “الكتاب” كلّه بأنّه “مصدِّق” {لِما بين يديه من الكتاب}، وعند شحرور حين يأتي لفظ “الكتاب” معرَّفًا فهو يعني كل آيات المصحف، ووظيفة “القرآن” هي التصديق على الكتاب، وهنا يوصف “الكتاب” كلّه بأنّه مصدِّق، فكيف يخرج من هذا التناقض؟

    للخروج من هذا المأزق لجأ شحرور إلى تكلُّف بتر عبارة غير مفيدة للمعنى المقصود من نسيج الآية وهي عبارة: “الكتاب بالحقّ” فقال: “والكتاب بالحقّ هو القرآن، وهو النبوة مع تفصيل الكتاب. هذا القرآن هو تصديق لِما بين يديه من الكتاب. وأم الكتاب هي من الكتاب حيث تُشكّل مع القرآن الكتاب. أي أنّ الوظيفة الثانية للقرآن بعد تصديق أم الكتاب “الذي بين يديه” هي الهيمنة على أم الكتاب. والهيمنة في اللسان العربي تعني الحفظ والرقابة”[11].

    وهنا تغافل شحرور عن أمرٍ بسيطٍ جدًا مع شدّة وضوحه، وهو أنّ قوله تعالى: {بالحق} تعني “أنزله بالحقّ” وأنّ الجملة كاملة هي {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ولا يمكن فصل كلمة “بالحقّ” عمّا هي متعلّقة به واختراع اصطلاح جديد وهو “الكتاب بالحقّ” كما فعل شحرور، فهذا تجاوز لأبسط قواعد العربية، وهو يعكس إمّا تلاعبه المقصود ليجعل القرآن تابعًا لنظريّته المتهافتة، أو جهله المفرط بالعربية، وفي كلا الحالين يؤكّد أنّه غير مؤهَّل للحديث عن معاني القرآن.

    وإلى جانب ذلك، فقد ورّط شحرور نفسه ورطةً كبيرةً حين استدلّ بهذه الآية، فالكتاب الذي أنزله الله بالحقّ ووصفه شحرور بأنّه “القرآن” هو كتاب فيه أحكام الحلال والحرام كما يدلّ السياق، والقرآن عند شحرور ليس كتاب أحكام وحلال وحرام، فكيف جعل الكتاب الذي أنزله الله بالحقّ هنا هو القرآن؟

    ولنقرأ السياق كاملًا كعادتنا في مثل هذه الدراسات، فهو يكشف تهافت هذه القراءة، كما يكشف خطأ تأويل شحرور وغيره لكلمة “الكتاب” وجعلها أمرًا آخر غير التوراة والإنجيل والقرآن، قال تعالى:

    {إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 44-50).

    وشحرور يرى أنّ “التوراة” و”الإنجيل” يمثّلان جانب “النبوة” تمامًا كما يرى بخصوص “القرآن”، فيقول بعد قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (آل عمران: 48): “لاحظ كيف أضاف التوراة والإنجيل إلى الكتاب والحكمة. إنّ مجمل هذه البنود الأربعة تشكّل الكتاب المقدّس عند النصارى. فالكتاب هو التشريع[12] والحكمة هي الوصايا والتوراة نبوة موسى والإنجيل نبوة عيسى”[13].

    ويؤكّد شحرور هذا ويوضّحه بعد أسطر قليلة فيقول: “وإذا نظرنا إلى الرسالة وجدناها مجموعةً كاملةً من التشريعات والتعليمات “كود تشريعي وأخلاقي” وإذا نظرنا إلى النبوة وجدنا فيها مجموعةً كاملةً من العلم والمعلومات، على هذا نفهم معنى الكتاب الذي جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلّم. فقد جاء إلى موسى مجموعةً كاملةً من التشريعات “الرسالة” وقد سمّيتْ الكتاب. كما جاءه مجموعةً كاملةً من المعلومات في النبوة وسمّيتْ “التوراة” وجاء هذا أيضًا إلى عيسى الرسالة في الكتاب والنبوة في الإنجيل وجاءت تشريعات كاملة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وسمّيتْ “أم الكتاب””[14].

    لكنّ آيات سورة المائدة السابقة تهدم هذا الاستنتاج تمامًا، وعلى أكثر من مستوى:

    الهدم الأول: التوراة كما ذكر الله {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا}، ثم ذكر سبحانه ما كتب عليهم في التوراة فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، والهاء في “فيها” تعود بوضوح إلى “التوراة”، وهذا مضمون واضح من الأحكام والتشريع، وهي عند شحرور وظيفة الكتاب! وكذلك ذكر الله تعالى مضمون الأحكام والتشريع في الإنجيل فقال: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ}. وبهذا نفهم أنّ مضمون التوراة والإنجيل ليس مجرّد علم ومعلومات كما ذكر شحرور، بل فيهما “تشريعات وتعليمات”، فيظهر فساد تقسيم شحرور الذي خصّ “التشريعات والتعليمات” بالكتاب والرسالة، وخصّ “العلم والمعلومات” بالتوراة والإنجيل والنبوة! بل تأمل وصفه للإنجيل بأنّه {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}، وقد رأينا إصرار شحرور سابقًا على جعل الكتاب موجّهًا “للمتّقين” استدلالًا بقوله تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، فقد جاء الإنجيل هنا أيضًا هدًى للمتّقين!

    الهدم الثاني: يزعم شحرور أنّ {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} في سياق ما أنزله الله على رسولنا صلّى الله عليه وسلّم هو “أم الكتاب”، أي أنّ {الكتاب بالحقّ} (وهو القرآن عنده) يُصدّق “أم الكتاب” والتي هي من ضمن “الكتاب” الذي في المصحف، فينفي بذلك أن يكون القرآن قد صدّق الكتب السابقة – وهي التوراة والإنجيل – وحَفِظ الحقّ الذي فيها. لكنّنا نقرأ في آيات المائدة عن عيسى عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ}، فالإنجيل بمضمونه الإخباري والتشريعي قد صدّق ما في التوراة، ثم ذكر تعالى بعد ذلك القرآن وقال عنه: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ}، فالقرآن بمضمونه الإخباري والتشريعي قد صدّق ما جاء في الكتب السابقة بما في ذلك التوراة والإنجيل، فدلّ التوالي في السياق والتعبير المشترك (مصدِّقًا لِما بين يديه) على أنّ المقصود بالكتاب هو الكتب السابقة.

    بل كيف يغيب عن شحرور قوله تعالى في سورة البقرة مخاطِبًا بني إسرائيل: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} (البقرة: 41)، أو قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} (النساء: 47). فهذه الآيات – فضلا عن سياق سورة المائدة – تُظهر بوضوح أنّ القرآن مصدّقٌ لكتب السابقين وليس مصدّقا لنفسه أو لجزء منه كما زعم شحرور! فقوله تعالى {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يفسّر قوله تعالى {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} بوضوح شديد.

    فحين نقرأ قوله تعالى في سياق المائدة: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ}، يكون المعنى: “أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حقٌّ من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها” كما يقول الإمام الطبري (224-310 هـ) في تفسيرها. وقد أجمع المفسّرون أنّ المقصود بقوله {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} هو الكتب السابقة كما ذكر الطبري وكما دلّت قبل ذلك آيات المائدة والبقرة والنساء في الفقرة السابقة. ذلك لتدرك عميقَ اهتمام المفسّرين بالسياق، وقوّة جمعهم للآيات ذات المعنى الواحد من القرآن كله، بخلاف شحرور الذي يعتمد منهج البَتر والانتقاء والاقتطاع من السياق وسائر القرآن كما رأينا، مهما نخرَ بغير ذلك وتبجّح، فالعبرة بالممارسة التفسيرية لا بالمزاعم القولية!

    فكما كان إنجيل عيسى مصدّقًا لما بين يديه من التوراة غير المحرّفة (وليس ما نُسب إليها من تحريفات)، فكذلك كان القرآن مصدّقًا لما بين يديه من الكتب السابقة ومنها التوراة والإنجيل بصورتها غير المحرّفة التي أنزلها الله بها بداهةً، وليس كما قال شحرور: “إني لأعجب تمام العجب كيف ظنّ الفقهاء والمفسّرون أنّ الذي بين يديه هما التوراة والإنجيل، فبذلك قصموا ظهر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حين أكدوا أنها ما جاءت إلا لتخبر الناس أنّ التوراة والإنجيل الموجودين في بداية القرن السابع الميلادي حين نزول القرآن هما صحيحان لا أكثر من ذلك”، ثم قال بعد كلام: “والأجدر بنا حينئذٍ نحن المسلمين أن نعتنق اليهودية أو النصرانية”[15]!

    فكأنّ التوراة والإنجيل الكاملَين بلا تحريف أو إخفاء عند شحرور ليسا حاضرَين عند الله عزّ وجلّ في كل وقت ومتاحَين لرسوله صلى الله عليه وسلم متى شاء سبحانه مهما أخفى منهما أهل الكتاب أو طمسوا، كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} (المائدة: 15)، فكيف غابت هذه الآية عن ذهن شحرور وهو يكتب؟! بل إنّ الإقرار بإخفائهم لبعض الكتاب وتحريفهم له لا يستلزم ذهابه وانطماسه كله وعدم بقاء بعض الحقّ فيه من الأخبار الغيبية ومن التشريعات التي جاء القرآن مصدّقًا لها ولِما أخفوه وطمسوه.

     كما أنّ كلام شحرور يعكس جهله بالقرآن تمامًا، فالله عز وجل يقول لأهل الكتاب كما تقدّم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} (النساء: 47)، فهل يحذف شحرور هذه الآية من كتاب الله تحت ظنّ فاسد بأنّها تستلزم تصديق القرآن للكتب المحرّفة التي “معهم”؟!

    ثم إنّ تصديق القرآن لما قبله من الكتب لا يستلزم الإقرار بما فيها من تحريفات، فهي مستثناةٌ بداهةً، وليس هذا هو المقصود من “التصديق”، بل هو على معانٍ كما قال الإمام ابن جُزيّ (ت 741 هـ) في تفسيره “التسهيل لعلوم التنزيل”:

    “وتصديق القرآن للتوراة وغيرها، وتصديق محمد صلّى الله عليه وسلّم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبيّن صدقهم في الإخبار به.

والآخر: أنه صلّى الله عليه وسلّم أخبر أنهم أنبياء وأُنزل عليهم الكتب، فهو مُصدِّق لهم أي شاهدٌ بصدقهم. والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع، فهو مُصدِّق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك”.

    وذَكر هذه المعاني الثلاثة أيضًا الإمام الماوردي (ت 450 هـ) في تفسيره “النكت والعيون” بألفاظ مختلفة. ففي جميع الأحوال والاحتمالات لا يتطرّق إلى الذهن أنّ التصديق يستلزم الإقرار بالتحريف، بل هو منصرف إلى غير ذلك تمامًا.

    الهدم الثالث: أنّ الله عزّ وجلّ بعد أن قال في آيات المائدة: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (والذي اعترف شحرور أنّ المقصود به هو “القرآن” وسمّاه “الكتاب بالحقّ”)، قال سبحانه: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، فأمره بحرف الفاء {فاحكم} التي هي رابطة لجواب شرط، أي: احكم بهذا الكتاب الذي أنزلناه بالحقّ، وهو القرآن، كما حكم النبيّون قبلك بالتوراة، وكما أُمر أهل الإنجيل بأنْ يحكموا بما أنزل الله فيه. وهذا حاسم في بيان احتواء القرآن (والتوراة والإنجيل كما تقدّم) على “الشرائع” وليس “المعلومات” فحسب كما زعم شحرور.

    ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (البقرة: 213). فحتى لو جارينا شحرور بهذا التركيب المبتور: “الكتاب بالحقّ”، والذي زعم أنه “القرآن” الذي يختصّ بقوانين الوجود لا بالتشريعات والأحكام وقواعد السلوك، فإنّ تقسيمه هذا يتهافت لأنّ “الكتاب بالحقّ” في هذه الآية وآية المائدة يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويشتمل على التشريعات وقواعد السلوك كما تقدّم.

“الكتاب المبارك” أم “الكتاب المتغيّر”؟

    وبعد تورّط شحرور بآيات سورة المائدة التي انقلبت أدلتها عليه كما رأينا، نجده يقفز إلى ورطةٍ جديدةٍ في سورة الأنعام. وقد كان بإمكانه طرح نظريّته التحريفية هذه دون تفريعٍ كثيرٍ وجرأةٍ على القرآن والعربية، ولكنّه حيثما عالج الآيات بفهمه السقيم أتعب مَن بعدَه بلملمة فظائع تأويلاته التي لا تستقيم مع عقلٍ ولا لسان! فقد زعم أنّ “الكتاب المبارك” هو “القرآن”، وربّما فعل ذلك لأنّه قرأ قوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الأنعام: 92). فقد وُصف “الكتاب” هنا بأنّه “مصدِّقُ الذي بين يديه” كما في آية سورة المائدة قبل قليل، ومذهب شحرور أنّ “التصديق” هي وظيفة “القرآن”، لكن المشكلة مجدّدا أنّه جاء باسم “الكتاب”!

    وهنا يتفتّق ذهن شحرور عن “تسويغ” جديد ليحاول فيه ترقيع تفريقه المتهافت بين “الكتاب” و”القرآن”، فيعقد فصلًا صغيرًا سمّاه “القرآن هو الكتاب المبارك”، ولا يخفى على القارئ أنّه وقع في هذا العنوان وما تلاه من شرح في ما يتهم غيره به من القول بالترادف، فها هو يفسّر “القرآن” بـ “الكتاب المبارك” ويجعلهما متطابقين، لكنه يرفض أن يقال إنّ “القرآن” و”الكتاب” هما اسمان لمسمًّى واحد!

    قال شحرور: “البركة في اللسان العربي تعني التكاثر والتوالد، وتعني الثبات كأنْ نقول: مَبْرَك الناقة وبِرْكة الماء “الماء الراكد”. ووصف الكتاب بأنّه “مبارك” يعني “ثابت النصّ”[16]. وبمعنى الثبات جاء قوله: {تبارك الله} (الأعراف: 54) أي ثبت ولم يتغيّر. وبما أنّ القرآن حقيقة مطلقة تُفهم فهمًا نسبيًّا، لذا فإنّ حركة المحتوى فيه دائمة “التبديل والتغيير”، فالعلماء يستنبطون من القرآن نظريات علمية على مرّ الزمن، والصحابة فهموه حسب أرضيّتهم العلمية، وبما أنّ معلومات الإنسان صاعدة إلى الأعلى بشكل دائم فإنّه على مرّ السنين سترى الأجيال معلومات جديدة في القرآن لم تكن الأجيال السابقة تعرفها. وهكذا فحسب نموّ المعرفة الإنسانية تتولّد المعلومات الجديدة والنظريات الجديدة، والنصّ القرآني يستوعبها كلها، ولهذا سمّى القرآن كتابًا مباركًا”[17].

    فتأمّل هذا الخلط العجيب؛ يجعل وصف “البركة” من الثبات، ثم يستنتج “التبديل والتغيير” في محتواه ويقول: “ولهذا سمّى القرآن كتابًا مباركًا”؛ أي بحسب شحرور فإنّ الله عزّ وجلّ سمّى القرآن “ثابتًا” لأنّ حركة المحتوى فيه دائمة “التبديل والتغيير”، ولله في خلقه شؤون!

ويجعل شحرور القرآنَ “مستوعبًا” للمعلومات الجديدة والنظريات الجديدة التي تحدث مع معلومات الإنسان الصاعدة! وهذا يؤكّد ما ذكرناه سابقا؛ أنّ غاية شحرور من هذه النظريات المتهالكة إفراغ القرآن من مضمونه الثابت الفاعل، فالمحتوى عنده “متغيّر” وتابع لتطوّر المعلومات البشرية، لكنه ينسب هذه المعلومات و”النظريات” إلى القرآن لأنّ الإنسان بعد أن يكتشفها بعقله وتجاربه سوف يتكلّف ملاءمتها لبعض الآيات!

    ولا يكتفي شحرور بهذا التناقض حين استدلّ على التغيّر والتبديل بأوصاف الثبات، بل يستمرّ في الاستدلالات العجيبة فيقول: “لذا قال عن القرآن: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام: 155). التقوى اتباع الحلال وترك الحرام، فهي في أم الكتاب لأنّها سلوك إنساني وليست معرفة الوجود، وبما أنّ القرآن فرَّق بين الحقّ والباطل والرسالة فرّقتْ بين الحلال والحرام، فإنّ القرآن ليس له علاقة بالتقوى. لذا قال كلمة {واتقوا} بعد كلمة {فاتّبعوه}. هنا أريد أن أؤكّد على نقطة في غاية الأهمية وهي أنّ القرآن كتاب الوجود المادي التاريخي، لذا فإنّه لا يحتوي على الأخلاق ولا التقوى ولا اللياقة ولا اللباقة”[18].

    فإذا كان “الكتاب المبارك” عند شحرور هو “القرآن”، فكيف لم يبصر ما تأمر به الآية بصراحة شديدة {فاتّبعوه واتّقوا} وارتباط ذلك بالقرآن؟! فالاتّباع يكون للشرائع والأحكام، وهو ينزع الشرائع والأحكام التي تفرّق بين الحلال والحرام عن القرآن وينسبها إلى الرسالة وأم الكتاب، ويجعل القرآن (الكتاب المبارك) مختصّا بمعرفة الوجود هنا، فكيف يكون الاتباع والتقوى اللذين أمر الله بهما تبعًا للقرآن بحرف الفاء واضح الدلالة؟ وكيف يجرؤ أن يخالف صريح الآية وهو يتحدث عنها، فالله عزّ وجلّ يقول: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وشحرور يقول: “القرآن ليس له علاقة بالتقوى”! بل يستدلّ بالآية نفسها وبوجود التقوى، تمامًا كما جعل البركة “الثبات” واستدل بها على “التبديل والتغيير”، فتأمّل انهيار منطق الاستدلال السليم لديه!

الاستدلال المبتور بالحديث النبوي لدعم مغالطاته

    والمضحك أنّ شحرور يحاول جلب كل نصّ يؤيّد تفريقه بين “الكتاب” و”القرآن”، فيستشهد بالروايات الحديثية التي يُكثر من التشكيك بمصداقيّتها ولا يجعلها أساسا في فهمه للدين، إلّا لو خدمتْ (مبتورةً عن سياقها) ما يريد الذهاب إليه. فيقول: “ويمكن أن نفهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم استعمل مفهوم الكتاب في حديثه بمعنى التشريع فقط في قوله “أوتيت الكتاب ومثله معه” حيث فصل هنا بين الكتاب والقرآن حيث قال في حديث آخر: “أوتيت القرآن ومثله معه””[19].

    وشحرور لا يشير إلى مصدر الحديث! وهذا دليل على انتفاء صفة العلمية عن نقوله، فكثيرًا ما تكون محرّفة أو مكذوبة عند الفحص في المصادر، والحديث كما رواه أحمد في “المسند”: “عن المقدام بن معد يكرب الكندي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانًا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، ألا لا يحلّ لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كلّ ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال مُعاهد إلّا أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروهم ، فإن لم يقروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم”.

    فلو أراد الاستدلال بالرواية وتصديقها فليذكرها كاملةً، فهي تذكر “الكتاب” و”القرآن” معًا والمقصود واحد بوضوح، وتُبيّن أنّ المقصود بقوله “ومثله معه” هو السنن التي تشمل ما أحلّ الرسول صلى الله عليه وسلّم وحرّم بإذن ربّه وليس في القرآن، كما قال تعالى في وصفه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157)، وقال سبحانه: {وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (التوبة: 29)، وقد ذكرت الرواية بعض هذه التحريمات الواردة في السنّة لا في القرآن؛ كحرمة أكل لحم الحمار الأهلي وكل ذي ناب من السباع وغير ذلك. بل الحديث ينسب “الحلال والحرام” إلى القرآن فيقول: “عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه”، أمّا عند شحرور فالقرآن لا يحتوي على حلال وحرام، فتأمّل كيف يورّط نفسه فيرتكب الكوارث الاستدلالية واحدةً تلوَ الأخرى!

    والعجيب أنّ شحرور يلجأ إلى المعنى الاشتقاقي فيقول “إنّ القرآن جاء من “قرن” وهو من جمع الجزء الثابت من قوانين الكون الموجود في (اللوح المحفوظ) مع الجزء المتغيّر الموجود في (الإمام المبين)”[20]. مع أنّ هذا “القَرن” أو “الجمع” يمكن أن يقال أيضًا عن جمع “الحقائق” و”الشرائع”، أو جمع “الأخبار” و”الأحكام”، باعتبارهما يشكّلان مضمون التنزيل الحكيم كلّه، وهو أمر ينطبق على “الكتاب” وعلى “القرآن”، بل يكون أليق وأوضح للمتدبّر من تفريعات شحرور المتكلّفة. فالشاهد أنّ اشتقاق كلمة “قرآن” لا يدلّ على ما ذهب إليه، بل نجد أنّ معنى “الجمع” متحقق في اشتقاق “كتاب” كما سيأتي معنا. ومن اللافت هنا أنّ شحرور ينسب كلامًا إلى ابن فارس دون ذكر المصدر فيقول: “فعند ابن فارس نرى أنّ فعل “قرأ” اشتق من فعل “قرن””[21]. وهنا تجدر الإشارة إلى عدم عثوري على ذلك عند ابن فارس بعد البحث.

آيات أخرى تدلّ على أنّ “الكتاب” هو “القرآن”

    رغم أنّ ما سبق من الآيات والأدلة كافٍ شافٍ في الإثبات بأنّ اسم القرآن واسم الكتاب يشيران إلى محتوى واحد هو كتاب الله تعالى وهو الذكر الحكيم وهو كل ما بين دفّتي المصحف اليوم، أذكر هنا بعض الآيات الأخرى التي تؤكّد هذا المعنى للتدبُّر والتفكُّر.

    قال تعالى في سورة يوسف: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} (يوسف: 1-3). فتأمّل كيف يعود الضمير في “أنزلناه” إلى “الكتاب المبين” في الآية السابقة، ثم وصفه بأنّه “قرآن” عربي، فالكتاب هو القرآن. ومثله قوله تعالى: {حم * تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (فصّلت: 1-3)، فوصفَ “التنزيل” بأنّه {كتاب فُصّلتْ آياته}، وجعل آيات الكتاب التي فُصّلتْ {قرآنًا عربيًّا}، حالًا أو مدحًا، وفي الحالتين كان القرآن وصفًا لآيات الكتاب، فهما شيء واحد.

    ويستدلّ شحرور بآية سورة يوسف: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} ليقول: “لقد أكّد في الكتاب أنّ القصص من القرآن”[22]، وجهلَ أنّ الله عزّ وجلّ جعل القصص في “الكتاب” أيضًا فقال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (مريم: 16)، وقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} (مريم: 41)، وذكر مثلها لموسى وإسماعيل وإدريس عليهم السلام، فالشاهد أنّه تعالى قصّ علينا قصصهم وجعلها في “الكتاب”، هكذا معرّفًا، وقصّ علينا قصص غيرهم وجعلها في “القرآن”، فمضمون القصص محتوى من نوع واحد، لكنّ الله تعالى نسبه إلى “القرآن” تارةً وإلى “الكتاب” تارةً أخرى بخلاف ما زعمه شحرور من أنّ “القصص من القرآن”.

    وقال تعالى في سورة الأحقاف: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} (الأحقاف: 29-30). وبالجمع بين الآيتين يظهر أنّهم استمعوا إلى “القرآن”، وحين أَخبروا قومهم قالوا {إنّا سمعنا كتابًا}، فالقرآن هو الكتاب. وفي سورة الجنّ ما يزيد تأكيد الأمر، قال تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} (الجنّ: 1-2). ففي سورة الجنّ قالوا {إنّا سمعنا قرآنًا}، وفي سورة الأحقاف قالوا: {إنّا سمعنا كتابًا}. وفي الحالتين هو كتابة “هداية”، {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} كما في آية الأحقاف، و{يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} كما في آية الجنّ، ولا شكّ أنّ ذلك يشمل الاعتقادات والأقوال والأفعال، ومن ضمنها القيم والأخلاق وأحكام الحلال والحرام، فهي من الهداية إلى الرُّشد والحقّ والطريق المستقيم، بخلاف ما زعمه شحرور من اختصاص القرآن بمعرفة الوجود وأنّه “لا يحتوي على الأخلاق ولا التقوى ولا اللياقة ولا اللباقة” كما تقدّم!

ما الفرق بين “الكتاب” و”القرآن”؟

    إنّ كل ما ذكرناه سابقًا من نقدٍ لتفريق محمد شحرور المتهافت كما رأينا لا يعني أنّ استعمال “الكتاب” في مواضع واستعمال “القرآن” في غيرها أمرٌ لا معنى له في كتاب الله، بل التفريق بينهما في الاستعمال شأنٌ بلاغيّ مهمّ يُظهر دقّة كلام الله تعالى في الوصف وأنّه ليس من كلام البشر القاصرين، فنظام القرآن نظامٌ فريد، لكل كلمة فيه موقعها المناسب، ولا تؤدّي أي كلمة أخرى عنها ذلك الموقع حتى لو كانت تشير إلى المسمّى نفسِه، ولكنّ هذا لا يعني أنّ كل ّكلمة منهما تشير إلى مسمًّى أو محتوًى مختلفٍ كما زعم شحرور ومن تبعه في ذلك ممن يجهلون أسس العربية.

    قال الإمام أبو سليمان الخطّابي (ت 388 هـ) في رسالته “بيان إعجاز القرآن”: “واعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزًا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمَّنًا أصحّ المعاني”، وقال في موضع سابق عن القرآن: “ولا ترى نَظْمًا أحسن تأليفًا وأشدّ تلاؤمًا وتشاكلًا مِن نَظْمِه”[23].

    وقال أيضًا: “ثم اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كلِّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصولُ الكلام موضعَه الأخصّ الأشكلَ به، الذي إذا أُبدل مكانَه غيرُه جاء منه: إمّا تَبدُّل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإمّا ذهاب الرَّونَق الذى يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أنّ في الكلام ألفاظًا متقاربةً في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مُراد الخطاب؛ كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والبخل والشحّ، وكالنعت والصفة، وكقولك: اقعد واجلس، وبلى ونعم، وذلك وذاك، ومِن وعَن، ونحوهما من الأسماء والأفعال والحروف والصفات مما سنذكر تفصيله فيما بعد، والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك؛ لأنّ لكلّ لفظةٍ منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإنْ كانا قد يشتركان في بعضها”[24].

    فأما التفريق بين “الكتاب” و”القرآن” من الناحية اللسانية الاشتقاقية فسأذكر هنا بعض كلام العلماء من أهل العربية، ثم أذكر بإذن الله ما ظهر لي من أسباب استعمال لفظ “الكتاب” في آيات ولفظ “القرآن” في آيات أخرى. وقد تقدّم كلام الإمام أبي حفصٍ النسَفيّ الذي قال عن جمع لفظَي “قرآن” و”كتاب” في آية واحدة: “وإنما جمع بينهما لاجتماع الوصفين له، فإنه يُقرأ ويُكتب”، فدلّنا على أساس الأمر.

    وقال أبو إسحاق الزجّاج (ت 311 هـ) في “معاني القرآن”: “ومعنى كتاب الله ههنا: القرآن، واشتقاقه من الكتب وهي جمع كتبة وهي الخرزة وكل ما ضَمَمْتَ بعضه إلى بعض على جهة التقارب والاجتماع فقد كَتَبْتَه. والكتيبة: الفرقة التي تحارب، من هذا اشتقاقها؛ لأنّ بعضها منضمٌّ إلى بعض. وسمّى كلام الله عزّ وجلّ الذي أنزل على نبيّه كتابًا وقرآنًا وفرقانًا، فقد فسّرنا معنى كتاب، ومعنى قرآن: معنى الجمع، يقال: ما قرأتْ هذه الناقة سلًى قطُّ، أي: لم يضطم رحمها على ولدٍ قطُّ. قال الشاعر: هجان اللون لم تقرأ جنينا. قال أكثر الناس: لم تجتمع جنينا أي لم تضمّ رحمَها على الجنين”.

    وقال الراغب الأصبهاني (من علماء القرن الرابع الهجري) في “مفردات ألفاظ القرآن” عن “الكتاب”: “النّظم بالخطّ”. وقال عن القرآن: “والقِرَاءَةُ: ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في التّرتيل، وليس يقال ذلك لكلّ جمع، لا يُقال: قرأتُ القومَ إذا جمعتهم، ويدلّ على ذلك أنه لا يُقال للحرف الواحد إذا تفوّه به قراءة، والْقُرْآنُ في الأصل مصدر، نحو: كفران ورجحان. قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 17-18) قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به”.

    وقال الإمام القرطبي (ت 671 هـ) في “الجامع لأحكام القرآن” في تفسير قوله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} (النمل: 1): “والكتاب هو القرآن، فجمع له بين الصفتين: بأنه قرآن وأنه كتاب؛ لأنه ما يظهر بالكتابة ويظهر بالقراءة”.

    والشاهد أننا إذا عدنا إلى اشتقاق كلمة “كتاب” وكلمة “قرآن” – مع الاختلافات الطفيفة بين المصادر – لا نجد ما يدلّ على المعنى الذي خصّ شحرور به كل واحدٍ منهما. أي لا نرى النبوّة وقوانين الوجود والطبيعة وأفعال الإنسان والتاريخ مختصّة بما اشتُقّت منه كلمة “قرآن”، ولا نرى الرسالة والأحكام والتشريعات والتعليمات مختصّة بما اشتقّتْ منه كلمة “كتاب”، فكل شيء من هذه الموضوعات مقروء ومكتوب، وكله منظوم ومضموم إلى بعضه بعضًا، فبطُل بذلك أي مناسبة لسانيّة بين ما زعمه شحرور من محتوى ينسبه للكتاب وآخر للقرآن وبين لفظَي “كتاب” و”قرآن”.

    ولعلّ أهم خلاصةٍ في الفرق بين اللفظين أنّ الكتاب يظهر بالكتابة المدوّنة، والقرآن يظهر بالقراءة المسموعة كما ذكر أبو حفصٍ النَسَفيّ وأبو عبد الله القرطبي. وهو عند التدبّر الفرق الأساسي الذي دلّنا عليه كتاب الله تعالى، فقال سبحانه عن لفظ “قرآن”: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (القيامة: 16-18). فذكره في سياق الكلام الصوتي المسموع باللسان. وقال عن لفظ “كتاب”: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} (البقرة: 79)، فذكره في سياق النصّ المكتوب بالأيدي. وقال: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} (الطور: 2-3)، والدلالة واضحة في كونه “مسطورًا” و”في رِقّ” بصرف النظر عن المقصود هنا من الكتاب، وهناك شواهد أخرى على ذلك من كتاب الله. فالخلاصة أنّ القرآن يشير إلى الطبيعة المقروءة المسموعة بالأذن، والكتاب يدلّ على الطبيعة المخطوطة المرئية بالعين.

الكتاب والقرآن ومناسبة اللفظ للاستعمال

    فأما إذا جئنا إلى سبب اختيار اسم “الكتاب” تارةً واسم “القرآن” تارةً أخرى؛ فقد لاحظتُ عند استقراء الآيات التي جاءت بلفظ “قرآن” أنّ هذا اللفظ يأتي عادة في سياقات تتداخل في أحيان كثيرة، لكنّا نُقسّمها هنا للتوضيح فحسب:

  • سياق القراءة الشفاهية والاستماع: كقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204)، وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (النحل: 98)، وقوله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّا رَجُلا مَسْحُورًا} (الإسراء: 45-47)، وقوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا} (الإسراء: 106-107)، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} (الانشقاق: 21). وهذه الآيات وأمثالها تتناول قراءة القرآن على قوم بصوتٍ مسموع، سواء كانوا مؤمنين أو كافرين، فكان الأليق هنا استعمال لفظ “قرآن”.
  • سياق البلاغ والإنذار والشفاء والموعظة والرحمة والتذكير والحجاج والتحدّي وأشباهها للتأثير في المستمع: وهو في معظمه موجّه إلى الكفّار، وهو مناسب جدّا لأنّ هؤلاء في العادة يصلهم القرآن مسموعًا بلسان النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس في صحف لا يطلبونها ولا يدرسونها، ومن ذلك قوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} (الأنعام: 19)، وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} (يونس: 15)، وقوله تعالى بعد ذلك في السورة نفسها: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس: 37)، وهو في سياق المحاججة، وتأمّل وصفه بأنّه {تفصيل الكتاب}، ففي القرآن تفصيل ما كُتب على هذه الأمة من الشرائع[25]، وقوله تعالى في الشفاء والرحمة: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلّا خَسَارًا} (الإسراء: 82)، وقوله تعالى في الهدى والشفاء أيضًا: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت: 44)، وقوله تعالى في سياق التحدّي والحجاج والبلاغ: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} (الإسراء: 88-89)، وقوله تعالى في التذكير: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (ق: 45)، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا} (الفرقان: 32)، وغيرها كثير.
  • سياق التعبّد والصلاة: لأنّ القرآن هنا يُقرأ غيبًا ومسموعًا. كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلّا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} (المزمّل: 1-4)، وقوله عزّ وجلّ في سياق قيام الليل والصلاة: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (المزمّل: 20)، وقوله سبحانه: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء: 78).
  • سياق عربية القرآن: فقد جاءت العربية في كتاب الله بوصفها “لسانًا” كما قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء: 195)، أي أنها منطوقةٌ بالألسنة وتَسمعها الآذان، ولذلك ناسب أن يُذكر “القرآن” في سياق وصفه بالعربي لأنّه يُقرأ باللسان وتَسمعه الآذان، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (يوسف: 2)، وقوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} (طه: 113)، ويُلاحظ هنا أيضًا مقام الوعيد والتذكير، إلى جانب غيرها من الآيات.
  • سياق التنزيل الكلّي من جهة الجريان في التلقّي والبلاغ والتفاعل والمضارعة والتصريف: فقد ذُكر القرآن باعتبار تنزيله وكونه وحيًا، ولكنْ ليس بوصفه بنية مستقرّة كما جاء مع لفظ “الكتاب” (سيأتي بيان ذلك بعد قليل)، بل بوصفه كلامًا يجري تلقّيه وقراءته وترتيله وتصريفه وإسماعه للناس على سبيل المضارعة والفاعلية، ويكثر مع ذكره ما يدلّ على التدرّج والحركة والتفاعل، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزيلًا} (الإنسان: 23)، وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} (النمل: 6)، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} (الفرقان: 32)، وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (النمل: 76)، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54)، وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9)، وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلّا خَسَارًا} (الإسراء: 82)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا} (الرعد: 31)، وقوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (المائدة: 101).

أما استعمال لفظ “كتاب” فيأتي في الغالب الأعم في السياقات التالية:

  • سياق نظمه وإحكامه وعدم اختلافه، والحديث عن نظامه الداخلي وتقسيمه وتفصيله وتبيانه وهداه: ومن ذلك مطلع البقرة: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 1-2)، فهو نظام محكم لا يتطرّق إليه الرّيب، ومنه قوله تعالى في الحديث عن تقسيمه وبنيته: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7)، وقوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1)، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).
  • سياق الحُكم والمرجعية والتشريع وإقامة الحقّ والعدل: فاسم الكتاب أليق بمقام المرجعية والثبوت والتقعيد، وحين يَذكر اللهُ تعالى الرجوعَ إليه وحاكميّته يذكره باسم “الكتاب”؛ لا لأنّ الكتاب غير القرآن، بل لأنّ هذا هو وصفه الأنسب في هذا الموضع، ومن ذلك قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (البقرة: 213)، وقوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25)، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} (النساء: 105)، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} (آل عمران: 23)، وقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا} (الأنعام: 114)، وغيرها من الآيات.
  • سياق التعلّم والتعليم: فذكر “الكتاب” أنسب لأغراض التعلّم، ومن ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران: 164)، وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} (النساء: 113)، وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79).
  • سياق التنزيل الكلّي من جهة الثبوت والبنية المحكمة والأصل الجامع: فحين يُذكر “الكتاب” في مقام التنزيل الكلي لم يكن ذلك لمجرّد الإخبار بأنه مُنزَل، فهذا مشترك بينه وبين لفظ “القرآن” كما تقدّم، ولكنّ الغالب في هذا المقام ذكرُه بوصفه النصّ الثابت المحرَّر المحكَم الجامع، كقوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (آل عمران: 3)، وقوله تعالى: {تَنْزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الزمر: 1، الجاثية: 2، الأحقاف: 2)، ومثلها قوله تعالى: {تَنْزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (السجدة: 2)، ومثلها قوله تعالى: {تَنْزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (غافر: 2)، وهذه الآيات في مطالع السور لها دلالتها في الحديث عن القرآن وتنزيله على مستوى “كلّي” ثابت جامع مرتبط بأسماء الله وصفاته. وفي الحديث عن “الكتاب” من جهة كلّيةٍ أيضًا قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} (القصص: 86)، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشورى: 52). فهذه المواضع وأشباهها لا يبرز فيها الوحي من حيث جريانه وتفاعله مع الواقع وتنزّله التدريجي، بل من حيث ثبوته وإحكامه وبوصفه أصلًا مجموعًا قائم البنية.

    وهذا جدول يلخّص السياقات الغالبة في استعمال لفظَي “القرآن” و”الكتاب”:

سياقات لفظ “القرآن”سياقات لفظ “الكتاب”
القراءة الشفاهية والاستماع: يتناول قراءة القرآن بصوت مسموع.نظمه وإحكامه: الحديث عن نظامه الداخلي وتقسيمه وتبيانه.
البلاغ والإنذار والحجاج: التأثير في المستمع (خاصة الكفار).الحُكم والمرجعية: يكثر في مقام التشريع والتحاكم وإقامة الحق والعدل.
التعبّد والصلاة: القراءة في مقام العبادة.التعلّم والتعليم: مقام دراسة الأحكام وتلقّي العلم.
عربية القرآن: وارتباط العربية في القرآن باللسان.ــــــــــــــــــــــــــــ
التنزيل الكلي (الجريان في التلقّي والعرض): من جهة التلقّي والبلاغ والتفاعل والتصريف والمضارعة.التنزيل الكلي (الثبوت في البنية والإحكام): من جهة كونه نصًّا ثابتًا وبنية محكمةً وأصلًا جامعًا.

    وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ غلبة استعمال لفظ “كتاب” لغرض الحكم والمرجعية والتشريع لا تعني أنّ الكتاب محتوى معيّن من المصحف مختصّ بالتشريع، بل تعني ملاءمة الاستعمال اللفظي لهذا الغرض. وكذلك الأمر بخصوص ملاءمة لفظ “قرآن” لغرض الإنذار والحجاج، فلا يعني ذلك اختصاص محتوى من المصحف اسمه “قرآن” بالبرهان. كما أنّ وصف “الجريان” في سياق لفظ “القرآن” لا يعني أنّ مضمونه متغيّر، ولفظ “الثبوت” في سياق لفظ “الكتاب” لا يعني أنّ غيره ليس ثابتًا، فـ “القرآن الحكيم” هو “الكتاب الحكيم”، كلاهما وُصف بالحكمة كما في كتاب الله تعالى، و”القرآن المبين” هو “الكتاب المبين”، كلاهما وُصف بالإبانة كما في كتاب الله تعالى، وكلاهما كلام الله سبحانه المحكَم المثبَت، وفي كليهما آياتٌ محكمات وأُخر متشابهات، وكلاهما وصف بالهُدى والرحمة، فهما اسمان لشيء واحد، لكنْ ناسبَ كلُّ لفظٍ منهما استعمالات ومقامات متنوّعة.

    والخلاصة

يُذكر لفظ “القرآن” عادةً في سياق القراءة الشفاهية والاستماع، وفي سياق البلاغ والإنذار والتذكير والشفاء والموعظة والرحمة والحجاج والتحدّي ومخاطبة الكفار عمومًا، وفي سياق التعبُّد في الصلاة، وفي سياق ذِكر عربية القرآن، وفي سياق التنزيل الكلّي من جهة الجريان في التلقّي والبلاغ والتفاعل والمضارعة والتصريف. وهي كلّها أغراض تتلاءم مع اقتران “القرآن” بـ “القراءة” والبُعد الصوتي الخطابي الواضح فيها.

    أمّا لفظ “الكتاب”، فهو يأتي عادةً في سياق كونه نظامًا محكمًا، وفي سياق كونه حكمًا ومرجعًا، وفي سياق إنزاله شريعةً يتحاكم إليها الناس عند اختلافهم، وفي سياق التعلّم والتعليم، وفي سياق التنزيل الكلّي من جهة الثبوت والبنية المحكمة والأصل الجامع. وهي كلّها أغراض تتلاءم مع اقتران “الكتاب” بـ “الكتابة” والبعد التدويني المرجعيّ الواضح فيها.

    ومن الملاحظ أنّ اسم “القرآن” يغلب على السور المكية بوضوح، ولعلّ ذلك لغلبة مواضيع الإنذار والبلاغ والتذكير والحجاج ومخاطبة الكفار عمومًا، بينما بات ذلك أقل في السور المدنية دون انعدام حضوره؛ لدخول مجال المرجعية والتشريع للأمّة الناشئة والمجتمع المسلم الجديد، مع حاجة “التعليم” ومخاطبة “أهل الكتاب” الذين لديهم “كتب” يعتدّون بها.

    على أنّني لا أزعم أنّ ما ذكرته أعلاه من استعمالات “القرآن” و”الكتاب” في المقامات المختلفة لمناسبة السياق أمرٌ قطعيّ، ولا أقول إنّ لفظ “الكتاب” لا يأتي في سياقات يأتي فيها لفظ “القرآن”، ولكني أتحدث من خلال استقراء الآيات وما يغلب على الاستعمال. ولا شكّ أنّ هناك لطائف قد يفتح الله تعالى بها على المتدبّرين بعلم.

    ومن ذلك على سبيل المثال ما ذكرناه سابقًا في آيتي الجنّ والأحقاف حول قصة الجنّ الذين سمعوا القرآن، فقد سمّاه في سورة الجنّ قرآنًا: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} (الجنّ: 1)، ولكنّه سمّاه قرآنًا في البداية في سياق الأحقاف: {يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ}، ثم سمّاه كتابًا في الآية التي تليها: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} (الأحقاف: 29-30). قلت: لعلّ ذلك لمناسبة “كتاب موسى” عليه السلام، فكان ذِكْر موسى والإشارة إلى كتابه وأنّ هذا القرآن “مصدّقٌ” له ولغيره من الكتب مناسبًا لتسمية القرآن هنا كتابًا، والله أعلم.

    ومن ذلك أيضًا أنّ لفظ “الكتاب” يكثر في مطالع السور بعد الحروف المقطّعة، كقوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: 1-2)، وقوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} (يونس: 1)، وقوله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (يوسف: 1)، وقوله تعالى: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} (القصص: 1-2). ولفظ “الكتاب” هنا مناسب لكون هذا الكتاب مؤلَّفًا من هذه الحروف المقطّعة، مع ما في الآيات من إشارة إلى ثبوته وإحكامه وإبانته. لكنْ وإنْ غلب ذلك على مثل هذه المطالع نجد استثناءات مثل قوله تعالى: {طه * مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} (طه: 1-3). ولعل مناسبة لفظ “القرآن” هنا اقترانه بغاية التذكير حصرًا كما تنصّ الآية، ومع استصحاب مكّية السورة ووظيفة التذكير ندرك أنّ لفظ “القرآن” المقروء المسموع في آذان النّاس هو الأنسب لمثل هذا المقام. وكذلك قوله تعالى: {يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} (يس: 1-7). فالسياق سياق إنذار واضح، ولفظ “قول” ملائم للقول المسموع الذي يخاطَب به الكفّار، وهو أنسب للفظ القرآن، والله أعلم.

    ومثل هذه المناسبات كثيرةٌ في كتاب الله عزّ وجلّ، والأهم في هذا الباب أن ندرك بأنّ اختلاف اللفظ بين “الكتاب” و”القرآن” لا يستلزم اختلاف المسمّى، ولا أنّ محتوى القرآن غير محتوى الكتاب، فقد بيّنّا فساد ذلك بما لا مجال لنكرانه، وظهر أنّ اختلاف الأسماء اختلاف مقامات واستعمالات، لا اختلاف مضامين ومسمّيات. وقل مثل ذلك عن ألفاظ “التنزيل” و”الذكر” والفرقان” وغيرها، فهي أسماء لكتاب الله تعالى ذُكرت في مواضعها مناسبةً للمقام والسياق والاستعمال، فهو “تنزيل” من جهة إنزاله من عند الله تعالى، وهو “ذِكر” من جهة تذكيره وتنبيهه وإحيائه، وهو “فرقان” لتفريقه بين الحقّ والباطل، وكذلك مع غيرها من الأسماء والأوصاف، فهو اختلاف المناسبة والمقام، مما يدلّ على دقّة القرآن وبلاغته وإحكامه، ويعزّز الإيمانَ بإلهية مصدره، وهي بعدُ لطائف لقلوب المؤمنين، يتبلّغون بها إلى أن يلقوا الله عزّ وجلّ.

شريف محمد جابر


[1] محمد شحرور، الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة (دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1990)، 57.

[2] المصدر السابق، 60.

[3] المصدر السابق، 60.

[4] محمد شحرور، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم (بيروت: دار الساقي، 2016)، 19.

[5] علمًا أنّ الفجر هو وقت عالمي، وأنّ الليالي العشر الأُوَل من ذي الحجّة وقت عالمي وتحلّ على جميع البشر. لكن شحرور وأمثاله مهووسون بإعادة تأويل أي آيات تشي بخصوصية إسلامية، وهو يتناقض مع مزاعمهم بأنّ الإسلام عالمي، فإذا كان الإسلام عالميًّا فهو وعقائده وشعائره وأحكامه عالمية جميعها، ونحن نرى اليوم البشر من المسلمين من كل أصقاع الأرض والقوميات يصلّون الفجر ويعتقدون بفضل الليالي العشر الأُول من ذي الحجّة. فالخلاصة: على المستوى الإنساني لا توجد خصوصية لوقت الفجر والليالي العشر، وعلى المستوى الإسلامي هي صالحة لكل البشر.

[6] شحرور، الكتاب والقرآن، 57.

[7] انظر: المصدر السابق، 90.

[8] انظر: المصدر السابق، 73-75، وانظر أيضا: المصدر السابق، 80-81

[9] المصدر السابق، 89.

[10] راجع: المصدر السابق، من بداية الكتاب حتى صفحة 143.

[11] المصدر السابق، 116.

[12] راجع لمعرفة معنى “الكتاب” في هذه الآية مقالي “كتاب عيسى وحكمته: دراسة في منهجية التفسير العلمي”، منشور على موقع غراس للإنتاج الفكري 1447-2026.

[13] شحرور، الكتاب والقرآن، 135-136.

[14] المصدر السابق، 136.

[15] المصدر السابق، 88.

[16] لا شكّ أننا لا نقرّ شحرور على هذا التأويل، جاء في معجم “مقاييس اللغة” لابن فارس: “قَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ: أَبْرَكَ السَّحَابُ: إِذَا أَلَحَّ بِالْمَطَرِ عَلَى الْمَكَانِ”. وجاء أيضًا: “قَالَ الْخَلِيلُ: الْبَرَكَةُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ”. وقال الراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن”: “والبَرَكَةُ: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. قال تعالى: {لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ} (الأعراف: 96)، وسمّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة. والمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير، على ذلك: {وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ} (الأنبياء: 50) تنبيهًا على ما يفيض عليه من الخيرات الإلهية، وقال: {كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ} (الأنعام: 155)”.

[17] المصدر السابق، 90-91.

[18] المصدر السابق، 91.

[19] المصدر السابق، 136.

[20] المصدر السابق، 80.

[21] المصدر السابق، 94.

[22] المصدر السابق، 75.

[23] أبو سليمان الخطّابي وآخران، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام (القاهرة: دار المعارف بمصر، 1976)، 27.

[24] المصدر السابق، 29.

[25] فلم يجعله شيئا آخر خاليًا من الشرائع وأحكام الحلال والحرام كما زعم شحرور!

أ. شريف محمد جابر

كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية إلى جانب إجازة في التعليم والتدريس والإرشاد من جامعة حيفا، ثم حصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة نفسها، وكانت أطروحته بعنوان "تفسير القرآن عند الحكيم الترمذي" (2021). له من الكتب: "الهوية والشرعية" (2011)، و"الخطاب المريض" (2015)، و"مفاتيح لفهم السنّة" (2018/2020)، و"الذرّة التائهة" (2021)، و"رسائل إلى سلمى" (2021)، و"العقائدية القاصرة" (2023)، و"منطق القرآن" (2023)، "ولماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان؟" (2024). إلى جانب عدد كبير من الدراسات والمقالات المنشورة في مختلف المواقع على الشبكة

أ. شريف محمد جابر

كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية… المزيد »

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى