
كيف نفكر بشكل موضوعي وسليم؟
في خضم الأحداث تتدفّق المعلومات والأخبار على عقل الإنسان بشكل مكثف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، وهو ما يجعل الناس يصدرون أحكامًا متسرّعة على الأحداث وتطوراتها ويتخذون مواقف من الأشخاص وانتماءاتهم، ويعتنقون مواقف في أغلبها لا تستند إلى منهجية علمية تحليلية ولا منطق معرفي ولا معيار ثابت، بل تستند إلى ضغط معلوماتي عام يُغَيِّب المنهجية العلمية في تلقي المعرفة، وتحليل يفتقد التفكير السليم للحكم على الأحداث والمواقف.
وبذلك تختلط التصورات عبر تشكل حالة من الخطابات الشعبوية التي تبني رؤيتها للعالم بناءً على الانطباعات السريعة، والانفعالات الحادة، والمواقف والأحكام المسبقة، والانحيازيات الإيديولوجية أو القطرية أو الخوف من سلطة الدولة والجمهور، لا على الفهم العميق والتأمل العقلاني والتفكير المنهجي المنظم، هذا المقال يحاول تحليل الجذور والآليات المعرفية والنفسية التي تؤدي إلى هذا الخطأ في قراءة الواقع، والخطأ في تبني وإصدار الأحكام، وما ينبني عليه من غياب التفكير الاستراتيجي الذي ينظر في مآلات الأحداث ومستقبلها.
وللانطلاق في عملية تفكير سليمة هناك عوامل مهمة إذا استند إليها التفكير يخرج بنتائج هي أقرب للحقيقة والواقع في توصيف الأحداث وتحليلها ورسم مسارات المستقبل، وتأتي على رأس هذه العوامل: المنهجية العلمية في التفكير، والمعيارية التي يتم الاستناد عليها في اتخاذ الأحكام، والتي تساهم في إبعاد العوامل التي تؤثر في مسار التفكير، كالعاطفة والتحيز الفكري والعقدي وتضخم الخوف من “السلطات” سواءً كانت سلطة سياسية، أو سلطة دينية، أو سلطة الجمهور، وهو ما يؤثر سلباً على نتائج عملية التفكير السليم، فمثلما يؤثر غياب المنهجية والمعيارية سلباً فإن حضورها يؤثر إيجاباً على الطريقة السليمة في التفكير المنهجي والمعياري الذي يعكس بناء تصورات صحيحة للواقع، ورسم استراتيجيات مستقبلية على أسس منهجية سليمة.
من يتأمل معظم الخطابات الشعبوية في الأحداث التي تدور في واقع الأمة، يجد أنها تفتقد إلى واحدة أو أكثر من هذه العوامل المعرفية التي توجه الأحكام والخطابات في اتجاهات تجانب الصواب دون أن يشعر الإنسان بها، فالمنهجية والمعيارية هي طرق معرفية توجه التفكير وتعدّ جزءًا من نظرية المعرفة كونها؛ تحدد طريقة الوصول إلى الحقيقة والمعرفة، ومع ذلك فإنها تلاقي قصوراً كبيراً في المناهج التعليمية العربية سواءً في المدارس أو الجامعات، وحتى الجامعات التي تدرك أهمية هذه المهارات وتدرّسها لطلابها نادراً ما يجد المشرفون على هذه الدروس حرصاً من قبل الطلاب الدارسين، وهو ما ينعكس على الواقع في ظهور فئات كبيرة من المتعلمين وأصحاب الشهادات العليا يفتقدون مثل هذه المهارات في التفكير، ما يجعل أفكارهم تتسم بالتسطيح والتبسيط والشعبوية.
فهي إذاً مهارات متعلقة بطريقة التفكير يمكن اكتسابها، كما أنها غير مقتصرة على عمليات إجراء البحوث العلمية والدراسات الأكاديمية كما يتعامل معها كثير من الباحثين والطلاب، بل هي أوسع وأشمل من ذلك، حيث تكمن أهميتها في أنها تدرّب العقل على طريقة التعامل مع المعلومات والمعارف بشكل سليم بدايةً من تلقي المعلومة والتأكد من صحتها وفهم سياقها العام والخاص، ونهاية بتحليلها بشكل منهجي استناداً للمعايير العامة والمتفق عليها، ثم تأتي المعايير التي يتفق عليها مجموعة من الناس يحملون نفس المرجعية الفكرية لإصدار الأحكام والمواقف بناءً على هذه العملية العلمية المتكاملة.
ويمكن شرح المعيارية والمنهجية كما يلي:
أولاً: المعيارية، المعيارية تسبق المنهجية في التفكير، فهي ليست طريقة في التفكير بقدر ما هي جذر قيمي أو موجّه معياري يوجّه التفكير، فهي تعبر عن المنظومة القيمية التي تحكم التفكير، ويمكن تقسيمها إلى قسمين: أولهما المعايير العامة الموحدة للتفكير والتي يجتمع عليها جميع المدارس الفكرية، وثانيهما المعايير الخاصة، وهي التي تختلف بين أصحاب المدارس الفكرية المختلفة، وتكون غالباً موحدة بين أصحاب المرجعية الفكرية الواحدة، وقد يكون هناك اتفاق على المعايير العامة بين أفراد المجتمعات المسلمة بغض النظر عن تطبيقاتها، ولكن المعايير الخاصة بالمعرفة في الفكر الإسلامي لا يتم التعامل معها كما يجب من قبل بعض المسلمين، فيتم تجاهلها بشكل متعمّد في التفكير وفي البحث والتحرير، ويتم تبني معايير اتجاهات فكرية معاصرة كاللبرالية والشيوعية والقومية وغيرها، وهو جزءٌ ناتج عن سيادة الفكرة العلمانية التي أثّرت على العقل المسلم في كل نواحي الحياة ومن ضمنها التفكير، فأصبح لدينا ما يمكن تسميته بعلمانية العقل أو علمانية التفكير، وهو أخطر أنواع العلمانية التي يمكن تطبيقها في حياة المسلم حين يفصل الإسلام عن منطلقات ومعايير تفكيره ونظرته للحياة، لأنها تسبق وتأسس للسلوك والتصرفات العلمانية التي تسود في المجتمعات وبين الأفراد في تنحية الإسلام عن الحياة.
- المعايير العامة الموحدة للتفكير: هي معايير منطقية للتفكير المنطقي السليم، وتُعد شبه متفق عليها بين المدارس الفكرية المختلفة، وتستخدم في تقييم الأبحاث والدراسات العلمية والأكاديمية ولا تقتصر عليها، فهي ضرورية في التفكير العلمي السليم، وأهمها:
- الوضوح، وهو أن تكون الفكرة مفهومة واضحة لا غبش عليها أو تورية فيها، بلا تلاعب بالألفاظ، أو تركيبات مبهمة أو معقدة دون حاجة، فالوضوح هو الخطوة الأولى لفهم أي فكرة وتحليلها ومناقشتها، وإذا لم تكن الفكرة واضحة، فلن نستطيع الحكم عليها بالصواب أو الخطأ، أو قبولها أو رفضها، أو حتى البناء عليها.
- الاتساق، وهو أحد المعايير الأساسية في التفكير المنطقي السليم، ويعني ألا تتناقض الفكرة مع ذاتها، ولا تتناقض مع ما سبق طرحه في السياق نفسه، وأن تكون منسجمة مع المبادئ والقيم التي ينطلق منها المتحدث أو الكاتب، مثال ذلك إذا قال شخص: “أنا أؤمن بحرية التعبير للجميع، لكن يجب أن نمنع المعارضين من الكلام”، فهذا تناقض واضح ويخرق مبدأ الاتساق.
ويأتي في هذا الباب ما يطلق عليها المغالطات المنطقية والتي تكثر في الخطابات الشعبوية، والمغالطة هي خطأ في الاستدلال أو الحُجّة يبدو منطقيًا من الظاهر، لكنه يحمل خللاً داخليًا يُفسد الفكرة أو يُضلل الجمهور، ومثال على مغالطة شعبوية، “إذا لم توافق على قرارات الحاكم فأنت خائن للوطن”، وهذه مغالطة تُسمى مغالطة التخيير الزائف، لأنها تجعل الشخص أمام خيارين فقط: إما الطاعة أو الخيانة، ولا تتيح مساحة للنقد العقلاني، حيث يمثل الخيار العقلاني أن يكون الإنسان مخلصًا لوطنه ومستقلًا برأيه وفكره، وهكذا يمكن قياسها على غيرها من الأمثلة، ومنها أنا يقول شخص: أنا مع مبدأ مقاومة المحتل ولكني ضد المقاومين بسبب انتماءاتهم الفكرية أو المذهبية، أو أنا مع المقاومة ولكن ضد نتائج أفعالها، حيث يستلزم الاتساق فهم أنّ المقاومة مرتبطة بحالة ضعف وكلفة عالية، لذلك قال تعالى: “أَحَسِبَ الذين أمنوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون”، وكقوله تعالى: “أحسبتم أنْ تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثلُ الذين من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا”، وغيرها من الآيات الكريمة التي أقرّت هذا الاتساق.
- الترابط المنطقي وهو أن تكون النتائج مستندة إلى مقدمات صحيحة ومترابطة، أي أن يكون هناك تسلسل منطقي في عرض الفكرة أو الحُجّة، بحيث لا تُقفز إلى نتائج غير مبررة أو استنتاجات قاصرة، فحين تصدر الأحكام على أحداث معقدة دون فهم جذورها، أو تشابكاتها، أو علاقاتها بغيرها، ولا يكون بينها ترابط منطقي، تكون الأحكام غير صائبة.
فهناك من يحكمون على القضايا المعقدة دون دراسة الأسباب والنتائج، كأن يتم محاكمة الماضي بمنطق الحاضر وهذه مغالطة تاريخية كأن يحاكم فعلٌ قبل مئة سنة بمعطيات اليوم وظروفه، مثل القضايا الاجتماعية كزواج القاصرات مثلًا، أو أن يتم اختزال القضايا المعقدة في مقارنات سطحية مثل قولهم: إذا كانوا على حق لماذا لم ينتصروا؟، أو لماذا لا يفعلون مثل دولة كذا، حين تتم مقارنة مقاومة شعب محاصر بدولة مستقلة غنية، ويتم تجاهل السياق والتشابك السياسي والاقتصادي والعسكري والبنيوي الذي تقوم عليه القضية.
حيث يتحقق الترابط المنطقي عند فهم جذور القضايا وليس مظاهرها فقط، وعند ربط كل عنصر في الحُجّة بما يسبقه ويتبعه، وعندما تكون الاستنتاجات نتيجة منطقية لما سبق وليست فرضيات منفصلة عن بعضها البعض.
- البرهان والدليل هو أن تُبنى الأفكار على أدلة واقعية وموثوقة، لا على الانطباعات، أو العواطف، أو الشائعات، أو التصورات الشعبية، ولا على مصادر غير موثوقة أو أهواء وتصورات عامة، وهنا تعامل هذه الأدلة والبراهين من خلال المنهجية العلمية السليمة، والمنهجية العلمية في البرهنة تتطلب الملاحظة الدقيقة، وجمع البيانات من مصادر موثوقة، وتحليلًا منطقيًا يقود إلى نتائج يمكن اختبارها، وإعادة التحقق من صحتها.
ومن الأمثلة على البراهين والحجج السليمة والخاطئة
حجة خاطئة أن يقول أحدهم: أغلب شعب غزة ضد المقاومة وحماس؟ ودليله أنه شاهد حسابات على وسائل التواصل تعارض المقاومة، ويعرف أشخاص ضد المقاومة، فهذه حجة خاطئة ولا تمثل دليلًا أو برهانًا يمكن الاعتماد عليه.
أما الحجة الصحيحة فهي أن يأتي بدراسة استطلاعية حديثة من مركز يظن فيه الحياد وكاستطلاع تم في يوليو يقول: وصل التأييد الأمريكي لعمل إسرائيل العسكري في غزة إلى32% فقط، وهو أدنى مستوى يُسجّل حتى الآن، فهذه حجة صحيحة ويمكن الاستشهاد بها، ولكن لا يتم الاعتماد عليها لوحدها لإصدار حكم عام، ولكن يتم جمع أكثر من دراسة إن وجدت حتى يتم استخلاص حجة قوية يمكن الاعتماد عليها في الحكم.
- عدم التحيّز وذلك بأن يفكّر الإنسان بعيدًا عن الميول الشخصية أو العاطفية أو الفكرية، فالخطاب الشعبوي يزدهر في بيئة تهيمن فيها العاطفة والإيديولوجيات العميقة، وتُختزل الأحداث الكبرى في خطابات وتصورات نابعة من تحيزات سواء كانت عرقية دينية مذهبية وطنية قومية … إلخ، فالخطأ في الحكم هنا لا يأتي فقط من الجهل بالوقائع والأحداث، بل من الانحياز المسبق الذي يؤثر على تفسير وزاوية الرؤية للأحداث، ففي بيئة الاستقطاب لا تُقيّم الأحداث لذاتها، بل لهوية الفاعل، ويُفصَل الإنسان عن مبدئه، ويُدمج في معسكره، وهذا ما يُنتج خطابات مزدوجة لا تخجل من التناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال، وهي تشبه المنهج الجاهلي كما في قول دريد ابن الصمة:
وما أنا إلا من غزيةَ إن غوتْ غويتُ، وإن ترشدْ غزيةُ أرشدِ
ومثالها في الغرب حين تحدث جريمة يُنظر في هوية الفاعل فإذا كان عربياً أو مسلماً صُنف العمل حدثاً إرهابياً، أما إن كان الفاعل منهم فيُصنف جريمة جنائية عادية، لذلك كان المنهج الإسلامي واضحًا في هذه المسألة، فكانت المعيارية الأساسية فيه قائمة على العدل كما جاء في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” سورة المائدة 8.
- العمق والشمول بحيث لا تكون الفكرة سطحية أو مجتزأة، والعمق يعني ألا تكون الفكرة سطحية أو مبسّطة تبسيطًا مُخلا، بل تُلامس جذور المشكلة أو القضية وتُظهر تعقيداتها، وتراعي مختلف العوامل المؤثرة فيها، والشمول يعني ألا تكون الفكرة مجتزأة أو أحادية النظرة، بل تشمل جميع الأبعاد المهمة المتعلقة بالموضوع، كالأبعاد الاجتماعية، الاقتصادية، النفسية، والثقافية… إلخ.
ومثال ذلك كأن يُنظر لنموذج دول الخليج في التنمية على أنها دول تحقق تنميةً جيدة، ويروّج كنموذج في المنطقة من خلال نظرة جزئية تنظر إلى المباني والأبراج واستخدام التكنولوجيا على أنها تنمية حقيقية، ولكن من خلال نظرة عميقة وشاملة يمكن الوصول إلى نتيجة مختلفة تكشف هشاشة النموذج التنموي القائم على الريع وعلى استخدام التكنولوجيا لا إنتاجها، وعلى تدمير الهوية الثقافية والبنية الديمغرافية في المجتمعات الخليجية.
فهذه المعايير مجتمعة تشكّل ما يُعرف بالمنطق النقدي، وهي تُستخدم في الجامعات ومعاهد الدراسات في تقييم الأبحاث والدراسات العلمية، وحتى في المحاكم والقوانين، وهي ما يجب أن تكون من الأدوات المهمة التي يجب أن يدرِّب الإنسان نفسه عليها في التفكير والتحليل بحيث يطبقها على جميع الأحداث والمواقف اليومية، بحيث تكون جزءًا من تكوينه العقلي والفكري، لنخرج بنموذج متكامل في نظرتنا للأحداث.
وحين يُفتقد المنهج، يصبح الحكم نتيجة انطباع أو مشهد مجتزأ أو رواية سائدة، فيظهر شيء من الجهل المركب، وهو أن يجهل الإنسان ويجهل أنه يجهل، وهذه مسألة خطيرة تأتي نتيجة غياب المنهجية في استقاء المعلومات وتحليلها، حيث تتعمد كثير من مصادر المعلومات تضليلَ الجمهور لخدمة مصالح وأهداف معينة
المعايير الخاصة بالعقل المسلم في التفكير، وهي الموازين أو القواعد التي يُوزن بها القول أو الفكرة أو الموقف، ويُحكم عليه بالصواب أو الخطأ عند المسلم من خلال نظرته للحياة ورؤيته للأحداث، بناءً على مصادرها التأسيسية وأصولها المنهجية، وأهم هذه المعايير:
- المرجعية العليا للوحي، القرآن والسنة، في الإسلام يعتبر الوحي هو المرجعية العليا التي تنظم بقية مصادر المعرفة كالعقل والحس والخبر والحدس، فكل فكرة تُعرض على نصوص الوحي لاستنباط الحكم بناءً على معيارٍ أساسي وواضح، ثم يأتي العقل تابعًا للوحي وليس حاكمًا عليه، وهو ما كان واضحاً عند علماء المسلمين وفقهائهم كما في قول الإمام الشافعي: ما وافق الكتابَ والسنة الصحيحة أُخذ به، وما خالفهما تُرك.
- التحاكم إلى مقاصد الشريعة، كمعيار يعني قياس الأفكار والمواقف والأحكام على ضوء الغايات الكبرى التي جاءت الشريعة لتحقيقها، وليس فقط على ظاهر النصوص أو الجزئيات، فكل فكرة يجب أن تبنى على معيار المقاصد الشرعية، منسجمة مع حفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) ثم الحاجيات ثم التحسينيات، والمرجعية المعيارية هنا ليست للنص فقط، بل تتجاوز ذلك إلى الغاية والمقصد من النص.
وعندما يراد إصدار حكم على موقف أو فكرة، تجدر الإجابة على هذه الأسئلة: هل هذا القرار يحقق مصلحةً معتبرة من مصالح الشريعة؟ هل يدرأ مفسدة أو ضررًا محرمًا؟ هل يتفق مع الغايات العليا للدين، لا فقط مع جزئية نصية قد يُفهم منها خلاف المقصد العام؟ وذلك لأن التحاكم إلى المقاصد يمنع الجمود على الجزئيات دون النظر للصورة الكلية، ويساعد في ترجيح الأقوال عند تعارض الأدلة الظاهرية، ويوفّر مرونة في التعامل مع النوازل والقضايا المستجدة.
- مراعاة فقه المآلات، فهو لا يقف عند حدود “الفكرة الصحيحة”، بل يراعي نتائجها وآثارها كما قال الشاطبي: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، ويعني أن الشريعة تأمر بموازنة الفعل مع ما سيترتب عليه من مصالح أو مفاسد، ومراعاة فقه المآلات يعني أن الفقيه أو المفكّر أو صاحب القرار لا يكتفي بالنظر إلى صحة الفكرة أو الفعل من حيث أصله، بل يدرس أيضًا في نتائجه وآثاره المتوقعة قبل الإقدام عليه، حتى لا يؤدي تطبيق ما هو صحيح إلى مفاسد أو أضرار أكبر.
- الميزان الأخلاقي والقيمي، فالفكر في الإسلام ليس محايدًا أخلاقيًا كما في بعض المدارس الغربية، بل الأخلاق تكون في صميم فكر الإنسان وسلوكه وفلسفة حياته، فحين تغيب القيم التي تُحدد الصواب من الخطأ، والمعايير التي تستند إليها مجموعة ما من الناس، يتحول التقييم إلى حالة مزاجية متعلقة بمصالح الإنسان ونطاقه الاجتماعي الذي يعيش فيه.
وهو ما يفتقد في الزمن الحاضر بسبب سيطرة الحضارة الغربية التي تقوم على المادية والمصلحة والمطلقة، ففي الإسلام يجب أن تخضع أي فكرة للقيم والأخلاق كمعيار أساسي وفق المفهوم الإسلامي لهذه القيم والأخلاق.
- الاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، عند عدم وجود نص صريح أو حكم منصوص، وهذا هو معناه في التعريفات الشرعية، ولكن الاجتهاد في المعرفة هو معيار منهجي في التفكير السليم فهو ليس مجرد نشاط فقهي، بل هو آلية تفكير تقوم على جمع المعلومات والأدلة المتاحة، وتحليلها في ضوء القواعد الكلية والمبادئ الحاكمة للوصول إلى حكم أو قرار في القضايا المستجدة، وذلك من خلال الاعتماد على مصادر موثوقة كالوحي والإجماع والقياس الصحيح والخبر المعتبر، مع التجرد من الأهواء الشخصية، ومراعاة الواقع في فهم الظروف المحيطة، وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة ضمن حدود الشريعة.
وبذلك فإن هذه المعايير تمثل منظومة متكاملة تضبط عقل المسلم في التفكير والحكم، حيث تجتمع في إطار منهجي واحد يستند إلى الوحي ويسترشد بالمقاصد ويستحضر المآلات ويلتزم بالقيم ويجتهد في تنزيل الأحكام على الواقع، وبهذا يتحقق التوازن بين الثبات على الأصول والمرونة في الفروع بما يضمن سلامة الرؤية وصحة الحكم ورشد الموقف، ليس فقط في المسائل الشرعية وإنما في كل مناحي الحياة.
ثانياً: المنهجية في التفكير، وهي العلم أو النظرية التي تدرس المناهج وتبحث في أسسها وأدواتها وضوابطها ومتى وأين يُستخدم كل منها، وتهتم بالجانب الفلسفي والتحليلي للمناهج، وتحدد المنهج الذي يجب اختياره لكل عملية تفكير سليمة، فهي ليست عملية التعقيد، بل هي عملية ترتيب التفكير وفق خطوات أساسية بدايةً من جمع المعطيات والتحقق من صحتها وفهم السياق الذي وردت فيه، ثم البناء عليها باستنتاجات منطقية، وفق منهج علمي محدد.
وفي التفكير السليم هناك مجموعة من المناهج التي تعتمد لضمان دقة النتائج وصحة الأحكام، أهمها:
- المنهج الاستقرائي (التام/الجزئي) وهو منهج يبدأ من الجزئيات والملاحظات الواقعية، ثم ينتقل لاستخلاص القواعد أو النظريات العامة، ويستخدم في العلوم التجريبية، الدراسات الميدانية، والتحقيقات التاريخية.
- المنهج الاستنباطي الذي ينطلق من القواعد أو المبادئ العامة للوصول إلى نتائج جزئية، ويستخدم في الفقه الإسلامي والمنطق والرياضيات.
- المنهج النقدي يقوم على فحص الأدلة وتحليل الحجج وكشف المغالطات وتقييم قوة البراهين، ويستخدم في الفلسفة والسياسة والدراسات الفكرية
- المنهج المقارن يقوم على مقارنة موضوعات أو نظم أو أفكار مختلفة لاستخلاص أوجه الشبه والاختلاف وأفضل البدائل، ويستخدم في الدراسات الفقهية والنظم السياسية والتاريخ والتربية.
- المنهج التاريخي يقوم بدراسة الماضي لفهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل، ويستخدم في العلوم الإنسانية، والتحليل السياسي والدراسات الحضارية.
- المنهج التجريبي يقوم بإجراء تجارب مضبوطة لاختبار الفرضيات، ويستخدم في العلوم الطبيعية والطبية والنفسية.
وحين يُفتقد المنهج، يصبح الحكم نتيجة انطباع أو مشهد مجتزأ أو رواية سائدة، فيظهر شيء من الجهل المركب، وهو أن يجهل الإنسان ويجهل أنه يجهل، وهذه مسألة خطيرة تأتي نتيجة غياب المنهجية في استقاء المعلومات وتحليلها، حيث تتعمد كثير من مصادر المعلومات تضليلَ الجمهور لخدمة مصالح وأهداف معينة، كأن يبني الإنسان أحكامه وتحليلاته على تصريحات السياسيين والتي لا تعدو كونها جزءًا من الحرب الإعلامية بين طرفين، أو عن صحف سواءً كانت أجنبية أو عربية، رسمية كانت أو شعبية، فالصحف والتصريحات العامة لا تعدّ مصدر للمعرفة والمعلومة، والمنهجية تقتضي التأكد والتوثق وفهم السياق الذي وردت فيه هذه المعلومات ومعالجتها ضمن أحد المناهج العلمية.
وتتعمد بعض الصحف المسيسة لخدمة أحزاب أو توجهات محددة إظهارَ جزء من المعلومة وإخفاء الجزء الذي يفسر الجزء الأول كمن يقرأ “ويلٌ للمصلين”، والمنهجية السليمة في التفكير تجعل المتلقي واعٍ للبحث عن الحقيقة كاملة.
ويعدّ الذكاء الاصطناعي من المصادر المهمة للمعلومات في الوقت الحالي، ولكن التسليم لكل ما يطرح في هذه البرامج يؤثر بشكل كبير على المنهجية والموضوعية، وليس هناك مشكلة في تناول معلومات هذه المصادر ولكن يجب التحقق منها والتأكد من صحتها ومعرفة مصادر الأصلية، فهي قاصرة في جوانب كثيرة وتشوه شكل المعرفة إذا تم التعامل معها بتسليم تام، كما أنها مؤثرة بشكل جدي في العقل الإعلامي ونخب الإعلام الجديد، فهم المؤثرون فعلياً على الجمهور في إصدار الأحكام، وهذا أمر يؤدي إلى سيطرة الخطابات الشعبوية على الساحة سواء كانت من قبل النخب أو الجمهور.
وهناك من يضيف بعض المبررات التي تؤدي إلى غياب المنهجية العلمية في التفكير، كالظروف العامة والواقعية والاضطرار، في حين أن الأحكام الموضوعية لا تتغير بالاضطرار، لذلك تنبه الفقهاء المسلمون لهذه المسألة وتعاملوا معها بشكل لا يخل بالموضوعية، ولا يغير الأحكام الأساسية، كما في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة (الضرورة تقدر بقدرها)، فانتفاء الضرورة يستلزم العودة إلى أصل الحكم، لا أن يجعل حكم الضرورة هو الأصل، وهو ما تناوله الفقهاء في مسائل كثيرة ومنها مسألة الحاكم المتغلب، فحكمه حكم اضطرار لا يغير من القواعد والتشريعات المتعلقة بالحكم في الإسلام والذي يقوم في أساسه على الشورى، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ويلاحظ أن المعارف التي تنتَج في ظل حكم الضرورة تتسم بغياب الموضوعية والمصداقية، فالتاريخ الذي يُكتب ضمن نظم سياسية تفتقد إلى الحرية يعاني من التزوير، والتحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتبلور في مجتمعات علمية يسودها الخوف وتدخل فيها الحسابات السياسية تفتقد إلى المصداقية والموضوعية، حتى الأحكام العامة في القضايا الشرعية أو المجتمعية التي تخضع لسلطة الجمهور العامة تفتقد إلى الصواب، وهذه الأعذار هي ما يتوجب على العقل العربي والمسلم التحرر منها في أحكامه وتحليلاته حتى يضمن الالتزام بالمعيارية والمنهجية في تفكيره للوصول إلى الحكم الصحيح. لذلك فإن المنهجية والمعيارية ليستا مجرد أدوات يستخدمها الباحثون والأكاديميون فحسب، بل هما أسلوب وطريقة تفكير ينبغي أن يتدرب عليها كل إنسان ويتبناها في نظرته للأحداث واتخاذه المواقف والقرارات، فحين يمتلك الفرد منهجًا واضحًا، ومعايير ثابتة يزن بها الأفكار والمواقف، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وأكثر وعيًا بمآلات أفعاله، وأقرب إلى تحقيق العدل والإنصاف في أحكامه.



