
الدولة بدون المجتمع الأهلي كيان أعرج
يتضح في آيات كثيرة من القرآن الكريم توجه الخطاب الربّاني إلى المجتمع الأهلي مباشرةً في قضايا الشأن العام، مثل قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لصيانة المجتمع من الفساد الأخلاقي، والدعوة للمبادرات الاجتماعية في إطعام الجائع والإحسان للمساكين والطبقات الضعيفة في المجتمع، بعيداً عن واجب السلطة، وبعيداً عن الفرائض الفردية التي تخص المسلم بالعبادات الشعائرية. لقد كان المجتمع الأهلي في تاريخ المسلمين النواة الصلبة للبناء الاجتماعي، والذي كان يتطلع بأدوار محورية لتقديم الخدمة وإدارة العمل الخيري والقيام بالشأن التربوي وصيانة القيم.
ولعلّ أهمّ ما يميز نظام الحكم في الإسلام والمعيار المحوري لتميز نظام الحكم إن كان إسلامياً أم لا ليس إقامة الحدود ولا النص في الدستور على إسلامية الدولة ولا مجرد اعتبار الشريعة مصدر من مصادر التشريع، وإنما هو دور المجتمع الأهلي ومركزيته في النشاط الاجتماعي، حيث لم يعرف المسلمون في تاريخهم شكل الدولة التي تتدخل في كل نواحي الحياة وتقدم كل الخدمات وتفرض كل الأنظمة وتمارس الوصاية على العلم والأدب والأوقاف والعمل الخيري، وتختص بتدوير عجلة التجارة والاقتصاد والإنتاج، وتفرض الضرائب لتمارس نوعاً من الطفيلية على المجتمع من أجل تأمين الأجور للجهاز البيروقراطي للدولة الذي يتضخم كلما تضخّم دور الدولة، على حساب دور المجتمع الأهلي الذي يؤدي عمله حسبة بلا أجر.
إنّ الدولة الحديثة اليوم لا تترك للمجتمع إلا مساحات هامشية للحركة في مجال جمع التبرعات؛ لتفريغ طاقاته المعطلة، كما هو الحال في الدولة المدنية الحديثة التي تمارس أقسى أنوع التدخل في شؤون الفرد، فهي تنمّط الفردَ والمجتمع في لباسه وطعامه وتعلّمه وعمله وصياغة قيَمه، وتختطف دور المجتمع الأهلي بحثاً عن توسيع مجالات تدخّل السلطة، وتعمل أساساً على هندسة المجتمع بما يتّسق مع مصالح السلطة.
يخطئ من يصف الدولة الأموية أو العباسية أو العثمانية بأنها دول شمولية ديكتاتورية، فهذا الأمر لم يكن بتاتاً لأن الدولة لم تتدخل في حياة المجتمع إلا في قضيتين هما الدفاع عن الثغور عبر تشكيل الجيش، وإعلان جهاد الدفع. وكان المجتمع الأهلي يتكفل بالجهاد من خلال بذل المال والنفس وحماية الأمن الداخلي عبر القضاء ونشر العسس لحماية الأنفس والمال والأعراض وحماية مساحة الفعل الاجتماعي من التدخل فيها، وباقي الواجبات التي تتحمل أعباءها اليوم منظومة الدولة الحديثة كان يقوم بها المجتمع الأهلي من خلال منظومة الوقف الشاملة.
الدور السياسي للمجتمع الأهلي
لقد أشار ابن تيمية -رحمه الله- إلى الدور السياسي للمجتمع الأهلي في كتابه ” السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” حينما فسّر معنى الأمانة في قوله تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا 58 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء: 58-59، بقوله: “قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قَسْمهم وحُكْمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله عز وجل، فإذا أمروا بمعصية الله عزّ وجلّ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردّوه إلى كتاب الله [1]
والذي أراه أنّ واجبَ أداء الأمانة بمعنى إسناد السلطة والقيادة إلى الحاكم هي من واجبات المجتمع الأهلي الذي يجب عليه تولية من توفرت فيه صفات ثلاث هي (القوة والأمانة والعلم) وهي بالمعنى المعاصر (القدرة والنزاهة والخبرة) كما جاء في النصوص القرآنية ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)سورة القصص، وقوله تعالى: ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) سورة يوسف.
إنّ دور المجتمع الأهلي لا يقتصر على كونه مانحاً للسلطة والشرعية ومسنداً لها عبر آليات الشورى واختيار أهل الحل والعقد، وإنما معيناً للسلطة ورافداً لها بالدعم والقيام بسد الثغور التي تعجز الدولة عن سدّها عبر منظومة الوقف وتفعيل الدور الاجتماعي للمال ومحاصرة الفساد عبر الضغط الاجتماعي، فقد عاقب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الذين تخلّفوا عنه في غزوة العسرة من غير عذر عبر تفعيل دور المجتمع الأهلي بمقاطعتهم وليس عبر منظومة السلطة والقضاء.
وللمجتمع الأهلي دور أساسي كذلك في ممارسة الرقابة على السلطة كما طلب الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه من الصحابة بعد مبايعته (فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم) [2]
وهنا يبرز دور المجتمع الأهلي جلياً في إسناد الدولة عبر
- أداء الأمانة باختيار الحاكم وفق معيار الخبرة والكفاءة والنزاهة والقدرة ومبايعته بناءً على ذلك
- تقديم العون والمساعدة للدولة عبر سد الثغور التي تعجز الدولة عن سدها.
- التسديد وإزجاء النصح عندما يتبادر الانحراف في مسلك السلطة.
- الامتناع عن طاعة الدولة عندما تخالف القانون والدستور.
وأبلغ ما جاء في خطبة الصديق رضي الله عنه هو ما حدّده من مهام السلطة والدولة إذْ حصره في مهمتين أساسيتين هما حفظ الأمن بصيانة الحقوق وحفظ الثغور بالجهاد فقال:
«والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقويُّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل»
ثم يضع الصديق يده على رأس الداء الذي به يتفكك المجتمع وتنحل الدول وتذهب ريح القوم حين قال: «ولا تشيع الفاحشة في قومٍ إلا عمّهم الله بالبلاء» معتبراً أن التربية الأخلاقية هي صمام أمان المجتمع والدولة على حدٍ سواء.
لذلك فمن غير الصوب تعليق أمر الشريعة على الدولة فقط، وحصر مهمة إقامتها بالسلطة السياسية واعتبار أن الشريعة ستكون معطلة في حال لم تتبناها الدولة، فإن في ذلك حيدة عن الأصل ولزوم ما لا يلزم من التكليف المناط بالمجتمع الأهلي.
المجتمع الأهلي وتحكيم الشريعة
يتعرَّض المسلمون لحرب مفاهيم شرسة باختزال مفاهيمَ شاملةٍ لتدلِّل على معانٍ جزئية، ومن هذه المفاهيم:
- مفهوم الشريعة، فقد أدى تأثر الكثيرين بالمنظومة القانونية للدولة الحديثة إلى اختزال الشريعة الإسلامية بالفقه وجعلها مجرد قانون منزوع من جذوره الإيمانية والعقدية مفصولة عن مقاصدها الأخلاقية.
- مفهومُ تطبيق الشَّريعة، فلم يرد في النصوص القرآنية نص يتحدث عن تطبيق الشَّريعة، وإنَّما عن إقامةُ الشَّريعة، لقوله تعالى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ١٣} (سورة الشُّورى). لأن التَّطبيق يأتي من نفسيَّةٍ تسلُّطيَّةٍ استبداديَّةٍ، وهي عبارةٌ تختزل الشَّريعة بالحدود، أمَّا الإقامة فهي عمليَّةٌ بنائيَّةٌ تُشبِهُ إقامة البنيان بالأساسات، إلى المراحل الَّتي تمرُّ لإنجاز البنيان من البناء الإيمانيِّ، إلى البناء التَّربويِّ، إلى البناء العلميِّ، ثمَّ تحقيق الضَّروريَّات للمجتمع، وهذا الواجب منوطٌ بالمجتمع ومؤسساته الأهلية التي تتولى مهمات أساسية مثل:
- نشر العلم الذي كان يؤديه المجتمع الأهلي عبر المؤسسات العلمائية المدعومة بالوقف الإسلامي الذي يتبرع به المجتمع،
- التربية الأخلاقية التي كان المجتمع يقوم بها من خلال غرس القيم في نفوس الأبناء من خلال الأسرة.
- تزكية النفس من خلال المربين ” التصوف”
- ترسيخ الإيمان.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جاء في الخطاب القرآني الذي يتوجه للمسلمين كمجتمع وليس إلى السلطة في قوله تعالى: ( ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران.
وهذه الواجبات من صلب تحكيم الشريعة وكلها منوطة بالمجتمع الأهلي، ثمَّ تأتي حماية المجتمع بِسُوْرِ من العقوبات الزاجرة من حدودٍ وقَصاصٍ وتعزيراتٍ، عندما يحاول أحاد الناس تجاوز الحدود الأخلاقية والتربوية، وهذه مهمة الدولة، إذ إن دورها هو ردع من يهدم بنيان الشريعة وليس في حمل الناس كرهاً على الفضيلة.
إنّ الشريعة الإسلامية منظور شامل للحياة وليس مجرد عقوبات مادية فيها حيث يُطعِم الجائعَ فيها قبل أن يحدَّ السَّارقَ، ويَعُفُّ العَزَبَ قبل أن يحدَّ الزَّاني.لأناليد الَّتي لا تجد لنفسها عملاً في الحلال لا بُدَّ أن تمتدَّ إلى الحرام.
ومن حكمة الشريعة أنها تعالج الجريمة من أسبابها وليس من مفرزاتها، فجريمة السَّرقة قد تكون من مفرزات الضَّياع الاجتماعيِّ والفقر المدقع والخلل التربوي.
وفي الزنا يتجلى المفهوم في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ٣٢} (سورة الإسراء)، ولم يقل: لا تزنوا.
يقول ابن قيم الجوزية في إلام الموقعين: «الشَّريعة رحمةٌ كلُّها، عدلٌ كلُّها، مصلحةٌ كلُّها، فأيُّ مسألةٍ خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرَّحمة إلى الشِّدَّة، فليست من الشَّريعة، وإنْ أُقْحِمَت فيها بألف دليلٍ ودليلٍ»
إنَّ الشَّريعة تعالج الجرائم بقطع أسبابها واقتلاع جذورها، وليس من نهايتها بإقامة العقوبات المادية والحدود فحسب، فإنَّ الحدود لا توجِدُ المجتمعَ الفاضل، وإنَّـما تحمِيْه، لذلك كانت التَّربيةُ الإيمانيَّةُ للمجتمع خطوةً غير منفصلةٍ عن إقامة الشَّريعة، والأمة بمجموعها هي المخاطَبة بالتشريع وهي المكلفة بالتطبيق وليس فردًا أو فئةً دون أخرى، وليست المسألة محصورةً بالسلطة وأجهزة الدولة فحسب.
وغالب التكاليف العامة في القرآن الكريم موجهة إلى الأمة بمجموعها وليس إلى فرد بعينه، لذلك فإن بدعة تأميم جهاد الدفع وتأسيس وزارة للأوقاف التابعة للسلطة وتأسيس مجلس الإفتاء التابع للسلطة ووزارة التعليم التي لا تقوم السلطة بتمويلها وإنما بخصخصة التعليم كقطاع اقتصادي وأدلجته لحساب توجه السلطة السياسي واحتكار مهمة الحسبة على المخالفات الأخلاقية، والحسبة على انحرافات السلطة بحيث تكون السلطة هي من تحاسب نفسها، كل ذلك في الأصل هو من مهام المجتمع الأهلي الذي كان يقيم 90 % من أحكام الشريعة، بينما لا يقوم منهاعلى عاتق الدولة أكثر من 10 %.
لذلك فمن غير الصوب تعليق أمر الشريعة على الدولة فقط، وحصر مهمة إقامتها بالسلطة السياسية واعتبار أن الشريعة ستكون معطلة في حال لم تتبناها الدولة، فإن في ذلك حيدة عن الأصل ولزوم ما لا يلزم من التكليف المناط بالمجتمع الأهلي.
لماذا المجتمع الأهلي وليس منظمات المجتمع المدني.
إنّ الفرق بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني مختلف في الكثير من الجوانب الجوهرية:
١. يقوم المجتمع الأهلي على التمويل الذاتي من الأوقاف أو من تبرعات أصحاب رؤوس الأموال من أهل الناحية والمنطقة التي يتساكن فيها المجتمع الأهلي نفسه، ولا يعتمد على الدعم الخارجي كما في حالة الكثير من منظمات المجتمع المدني التي تتمول من الخارج لتنفيذ أجندات خارجية وتتحول فيما بعد إلى أذرع للنفوذ الأجنبي في البلاد، ومنصة لترويج ثقافة الممول ضد المجتمع الأهلي.
٢. المجتمع الأهلي في نشاطه ومشاريعه الخيرية ينطلق من المبادرة الذاتية للشرائح الاجتماعية المتماسكة، ويقف على تقدير احتياجاته الحقيقة وليس بدافع من صناعة واجهات مدنية لجهات سياسية كما هو حال منظمات المجتمع المدني التي تدعي الاستقلالية عن السلطة والدولة لكنها تتمول منها وتشكل في غالبها أذرع مدنية للقوى السياسية التي تستخدمها للوصول إلى السلطة.
٣. أهم ما يميز هذه الجمعيات الأهلية أنها جمعيات خدمية تقدم مبادرات وحلول لمشاكل التجمعات الأهلية، وليست مجرد جماعات مطلبية بطريقة سلبية، فالمجتمع الأهلي يقوم بالواجبات الملقاة على عاتقه بينما منظمات المجتمع المدني هي منظمات مطلبية تطالب بحقوق بعض الشرائح التي تمثلها كالمرأة والطفل…
٤. الجمعيات الأهلية تتبنى مواقف واضحة من القضايا السياسية، وتقف موقفًا واضحًا ضد الظلم، بينما تحاول الكثير من الجمعيات المدنية تبني الحياد السياسي.
٥. تنطلق الجمعيات الأهلية من ثقافة المجتمع المحلي وقيمه وأخلاقه ومرجعياته الفكرية ولا تحمل أي أجندات خارجية كالكثير من منظمات المجتمع المدني التي تتبنى ثقافة مخالفة لثقافة المجتمع المحلي باستنساخ النموذج الغربي في القيم والعلاقات الاجتماعية والأسرية.
إن من أبرز مظاهر الخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع الأهلي، ما يمكن تسميته بـ”تأميم الشأن الديني والمجتمعي” فجرى تحويل مؤسسات مثل الحسبة، والإفتاء، والتعليم، وجباية الزكاة، إلى كيانات تابعة للسلطة بشكل مباشر، هذه المؤسسات كانت تقليدياً من صميم أدوار المجتمع الأهلي، ممولَة ومستقلة في قراراتها ورقابتها، لكنها اليوم أصبحت أذرعاً تنفيذية ضمن هيكل الدولة للسيطرة على المجتمع لصالح السلطة
كيف عقمت الدولة الحداثية المجتمع الأهلي وشلت فاعليته
تعاملت كثير من القوى الإسلامية مع مفهوم الدولة من خلال استدعاء النموذج الحداثي، لكن دون المرور بتجربة الحداثة نفسها. فجرى تبني شكل الدولة المدنية بمرجعية إسلامية، ولكن ما تم تطبيقه على الأرض لم يكن إلا نسخة مشوهة من الدولة الحديثة، تمثلت في هيمنة السلطة على كل مفاصل الحياة، مع غياب الضوابط الدستورية أو الشعبية وغياب كامل لدور المجتمع الأهلي.
لقد أدت سيطرة الدولة الحديثة على مؤسسة الأوقاف إلى إحجام الناس عن ممارسة سنة الوقف لفقد الثقة بإدارة الدولة للأوقاف، وما كان يعتري الكثير منها من فساد وسلب وتضييع وتسلط لأموال الأوقاف.
كانت الأوقاف الإسلامية الممولة من المجتمع الأهلي والتي كانت تدار منه نفسه تغطي حوالي 100 مجال من المجالات الخيرية والاجتماعية كما يذكر الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (العدالة الاجتماعية)، فكان هناك أوقاف لتمويل التعليم ومؤسسات التزكية والتربية ووقف للإصلاح الاجتماعي ووقف لتمويل الجهاد، ووقف للمشاريع الاقتصادية الاستثمارية أمن تمويلاً ذاتيًا واستقلالاً ماليًا للمجتمع الأهلي جعله غنيًا عن تمويل الدولة مما أضعف من تأثير السلطة عليه.
لكن مع سيطرة الدولة الحديثة على الأوقاف الإسلامية وحدها دون أوقاف باقي الطوائف، وحصر مصارف الأوقاف في المساجد فقط تم إفقار المجتمع الأهلي وتحجيم دوره وجعله بحاجة دائمة للدولة التي تمتلك المال، وبذلك تم تحييده عن دوره في الشأن العام، ما ألقى بالمزيد من الأعباء على كاهل الدولة، فلا استطاعت الدولة سدّ الثغور التي كان يقوم بها المجتمع الأهلي ولا تُرك المجتمع الأهلي يقوم بواجباته، الأمر الذي فاقم المشكلة في الكثير من البلاد المسلمة.
إن من أبرز مظاهر الخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع الأهلي، ما يمكن تسميته بـ”تأميم الشأن الديني والمجتمعي” فجرى تحويل مؤسسات مثل الحسبة، والإفتاء، والتعليم، وجباية الزكاة، إلى كيانات تابعة للسلطة بشكل مباشر، هذه المؤسسات كانت تقليدياً من صميم أدوار المجتمع الأهلي، ممولَة ومستقلة في قراراتها ورقابتها، لكنها اليوم أصبحت أذرعاً تنفيذية ضمن هيكل الدولة للسيطرة على المجتمع لصالح السلطة التي لا ترغب بأي نشاط اجتماعي مستقل عنها، وهو ما أفقدها روحها ووظيفتها الاجتماعية.
كما أن إنشاء وزارات ودوائر بيروقراطية باسم “الشؤون الإسلامية” أو “الأوقاف” دون استقلال حقيقي أو مشاركة مجتمعية في إدارتها، أدى إلى تعطيل المبادرات الذاتية واحتكار التوجيه الديني، مما أفقد العلماء دورهم الطبيعي كمحركين للضمير الجمعي ومراقبين على السلطة، وتحول بعضهم إلى أدوات تبريرية لسياسات السلطة.
المجتمع الأهلي كفاعل تاريخي في لحظات الظروف الطارئة
لا يمكن الحديث عن دور المجتمع الأهلي دون العودة إلى نماذج مشرقة في التاريخ الإسلامي، ومن أبرزها موقف العز بن عبد السلام، الذي رفض تمويل الجهاد ضد المغول من أموال الناس قبل أن تُسترجع أموال الأمراء التي جُمعت من بيت المال، هذا الموقف يبيّن كيف أنّ الإصلاح المالي والسياسي ليس ترفاً في وقت الحرب، بل شرط للنصر، وأنّ العدالة الاجتماعية مقدمة على التعبئة العسكرية، إذا كانت تعبئة قائمة على الظلم.
كان العز يرى أنّ الهزائم أمام المغول في حلب ودمشق وبغداد لم تكن فقط بسبب تفوق العدو، بل بسبب تفكك الجبهة الداخلية، وغياب العدالة، وإقصاء المجتمع الأهلي من أدواره في الحشد والتعبئة. وهو منطق ينطبق بدرجة كبيرة على ما نشهده اليوم من اختلال في العلاقة بين السلطات القائمة في الكثير من الدول المسلمة والمجتمعات المحلية، حيث تتغول الدولة بشكل كبير على المجال الحيوي للمجتمع الأهلي وهو ما يتسبب بتحمل الدولة للكثير من الأعباء وتحييد طاقات المجتمع الأهلي عن الفاعلية.
الخاتمة
إنّ الجهد الذي تبذله بعض القوى الإسلامية لاستعادة الحياة الإسلامية من خلال استعادة الدولة كهدف مركزي ستتحقق معه كل الأهداف الأخرى هو خطأ كبير؛ فكثير من هذه التجارب باءت بالفشل حتى مع وصول الإسلاميين في بعض هذه الدول إلى السلطة، لأنها لم تعمل على تفعيل دور المجتمع الأهلي الفاعل المركزي في استعادة معنى الرشد السياسي والخلاص من جحيم الدولة والسلطة.
لقد أدى تهميش المجتمع الأهلي وتعطيل دوره المحوري في مساندة السلطة والتكامل معها في رعاية مصالح الأمة إلى سلسلة من النتائج السلبية حيث انخفضت المبادرات الفردية والجماعية التي كانت تمثل عصب العمل الإغاثي والتعليمي والدعوي، نتيجة إحساس المجتمع بالعجز أو الخوف من الاصطدام بالسلطة. وظهر الاعتماد الزائد على الخارج، فمع تفكيك المنظومة الوقفية والأهلية، باتت السلطة والمجتمع على حدٍ سواء مرتهنين لتمويلات خارجية، ما أضعف الاستقلال المالي والسياسي للأمة وصار الفضاء الثقافي مخترقاً من الخارج.
كما أدى ذلك إلى غياب الشفافية والرقابة، وهو ما تسبب بأزمة ثقة بين المجتمع والسلطة تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتفتح الباب للاحتجاجات أو الانفجارات الشعبية والثورات المتكررة بسبب وقوف السلطة والمجتمع الأهلي على طرفي نقيض في صراع مستمر على حدود الصلاحيات والتخصص بدلاً من التكامل والمساندة.
[1] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لابن تيمية، ص (5).



