
السّياسة بين السّماء والأرض تفكيك تأصيلي جذري للفروق بين النظرية السّياسية في الإسلام والنّظريات الغربيّة
أيُّ كَونٍ هذا الذي نعيش فيه إذ تُصبح فيه السّياسة فنًّا للهيمنة لا فريضةً للعدل؟!
وأيُّ إنسانٍ هذا الذي يُقال له: “كن حرًّا”، فإذا حرّيته تعني الانفلات من كلّ معنى، والانفصال عن كلّ قداسة؟!
تتساقط الشعارات على أسماعنا كالمطر: “دولة القانون”، “الحريّة الفرديّة”، “فصل الدين عن الدّولة”، “الإرادة العامّة”، حتى نكاد نظنّ أن هذه المفاهيم هي نهاية العقل، ومنتهى الحكمة، وأقصى ما وصلت إليه الإنسانية من نضجٍ سياسيّ.
لكنّ أسئلةً حارقةً تقف لنا عند كلّ مفترق: هل هذه هي السياسة كما أرادها الوحي؟ أم أنها صناعةٌ أرضية لا تعرف السّماء؟ وهل ما نراه في نظريات العقد الاجتماعي، أو سيادة الأمة، أو اللّيبرالية السياسية، هو نهاية الطريق؟ أم بداية التّيه؟ وهل الإنسان هو مركز التشريع أم عبدٌ مكلّف؟ وهل الحرية حقٌّ مطلق، أم أمانة مشروطة؟ وهل الدولة في الإسلام سلطة أم رسالة؟ عدل أم مصالح؟ عبودية جماعية أم منافسة حزبية؟ وهل يجوز للمسلمين أن يستهلكوا النظريات الغربية كما تُستهلك البضائع، أم أنهم مطالبون بتفكيكها، ثم استنطاق الوحي ليبني لهم تصوّرًا نابعًا من عقيدتهم وغايتهم؟
هذا المقال ليس مقاربةً عابرةً بين مفاهيم سياسية متجاورة، ولا تمرينًا في البلاغة المقارنة، بل هو تفكيك تأصيليّ جذريّ للفروق الجوهرية بين النظرية السياسية في الإسلام والنظريات الغربية الحديثة؛ ينطلق من العقيدة، ويعتمد على المقاصد، ويستحضر التجربة، ويستمدّ نوره من القرآن والسنة وميراث الأمة في السياسة الشرعية وفلسفة العمران.
سنقف على مواطن التمايز الكبرى؛ في المصدر، والمقصد، وموقع الإنسان، وطبيعة الدولة، ومفهوم الحرية، ومكانة الدين في المجال العام، لنكشف العمق الفلسفي والرؤية الوجودية التي تجعل السياسة في الإسلام بابًا من أبواب العبودية لله، لا أداةً للتمكين البشري المنفصل عن السماء.
لا تقرأ هذا المقال لتعرف الفرق فحسب، بل لتعيد التفكير من الجذر؛ أين نقف؟ ما الذي نحمله؟ وإلى أيّ أفقٍ نريد أن نُعيد هندسة السّياسة؟
لماذا نقارن بين النظريّة السياسيّة في الإسلام والنظريات الغربيّة؟
المقارنة بين النّظرية السّياسية في الإسلام والنظريات الغربية ليست ترفًا بحثيًا ولا هي طارئة على الفكر أو طيف عابر في الأفق المعرفي، إنّما هي سؤالٌ مركزيٌّ في بنية الوعي الحضاري، وجسرٌ لا بدّ من عبوره لفهم طبيعة التمايز بين مشروعين وجوديين، يبدآن من منطلقين مختلفين، ويسيران في طريقين متنافرين، ويصوغ كلٌّ منهما الإنسان والدولة والكون بطريقة لا تلتقي في الجوهر وإن تشابهت في بعض القوالب والإجراءات.
فحين يقف المسلم في مفرق الطرق، بين فقه التنزيل وروح الاستيراد، بين مقاصد الوحي وغايات الفلسفة الإنسانية، بين العبودية بوصفها تكليفًا والسيادة بوصفها حقًّا مطلقًا، لا مفرّ له من أن يسأل بعمق: كيف نُنتج تصوّرنا السياسي؟ وعلى أيّ أرضية نقف؟ ومن أيّ نبع نستقي مفاهيمنا الكبرى؟
إذ إنّ السياسة ليست فقط نظام حكم، بل هي تعبيرٌ عن الرؤية الوجودية للإنسان وعلاقته بالله تعالى، وموقعه من الكون، ودوره في الأرض؛ فحين يقول المسلم: “الدولة الإسلامية”، فهو لا يتحدّث عن عَلمٍ ولونٍ وبرلمانٍ ودستور، بل يستحضر جملة من المسلّمات العقدية، والمقاصد الشرعية، والمعايير الأخلاقية، التي تُحدّد غاية العمران وحدود السلطة ووظيفة الإنسان.
وحين يقول الغربي: “دولة حديثة”، فهو لا يعبّر فقط عن نظام تشريعي، بل يُفصح عن إرثٍ فلسفي طويل بدأ من النزاع مع الكنيسة، وانتهى بفصل الإنسان عن الغيب، وجعل العقل معيارًا، واللّذة غاية، والإرادة الشعبية مصدرًا للشرعية.
ولهذا، فالسؤال لا ينحصر في شكل النظام أو توزيع السلطات، بل يتّسع ليشمل الأساس الفكري الذي يقوم عليه كل مشروع: هل تُؤسَّس السلطة على الوحي أم على الإرادة؟ وهل تُمارَس باعتبارها عبادة أم تُنتج بوصفها حاجة فحسب؟ وهل المجتمع جماعة مؤمنة موصولة بالسماء، أم أفرادٌ متنافسون تجمعهم المصالح وتفرّقهم الأهواء؟ وهل الإنسان مستخلفٌ في الأرض أم سيّدٌ على نفسه؟ وهل الشريعة فوق الجميع أم القانون مرآة لأغلبية لحظية؟ وهل الحرية مقيدة بالحق أم مطلقةٌ حتى في الباطل؟ وهل الغاية من الدولة إقامة القسط أم إدارة المصالح؟
إنّ غياب هذه الأسئلة عن كثير من الخطاب الإسلامي السياسي، هو ما جعل الحركات الإسلامية تتخبّط بين من يحاكي الغرب بنماذجه في أسلمة سطحية لا تتجاوز تغيير الأسماء، ومن يرفض الغرب دون وعي بالبدائل، فيعيد إنتاج الاستبداد باسم الشريعة.
المقارنة ليست تمرينًا بيانيًّا في وصف نظامين، بل هي اختبارٌ لصلابة المفاهيم، وتحقيقٌ لجذور الرؤية، ونقدٌ لمسارٍ طويل من التبعية في المفاهيم قبل أن تكون في السياسات.
إنّ من لم يُحرّر هذه المقارنة من داخل العقل الإسلامي سيتوه في مساحة رمادية يُلبّس فيها المصطلحات ثوبًا شرعيًّا وهي تحمل روحًا غربية خالصة، فيشرح “الدولة المدنية” وكأنها مضمون قرآني، ويُلبس الفلسفة الليبرالية عباءة المقاصد.
لهذا؛ فالبحث في هذه الفروق ليس ترفًا، بل فرضٌ منهجيّ لكلّ من أراد أن يُقيم بنيان الدولة على أساس الرسالة لا على أنقاضها، وأن يعيد تعريف السياسة بوصفها بابًا من أبواب العبودية وليست ذلك الميدان الذي تتسابق فيه الأنانيات المقنّعة.
أولًا: المصدر؛ الوحي الربّاني أم العقل البشري؟
إنّ أول ما يُميّز النظرية السياسية في الإسلام عن نظيراتها الغربية هو سؤال المصدر؛ من أين تستمدّ السلطة شرعيتها؟ ومن يملك الحقّ في التشريع؟
موقع العقل؛ أداةُ فهمٍ أم مشرّعٌ أعلى؟
في التصوّر الإسلامي لا يبدأ الجواب من الإنسان، بل من الله تعالى؛ فالله تعالى هو الخالق، والمالك، والحاكم، والسيادة المطلقة له وحده. قال تعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”[1]، فالحكم عند المسلمين ليس سلطةً بشرية محضة، بل تجلٍّ من تجليات العبودية وميدان من ميادين الامتثال لأمر الله.
ومن هنا فإنّ النظرية السياسية الإسلامية ليست مجرد أدوات تنظيمية، بل فرع من فروع العقيدة تُبنى على التوحيد، ويُؤسَّس فيها الحكم على أساس الأمانة والتكليف، لا الامتياز والتفويض الذاتي.
العقل في هذا السياق ليس غائبًا، بل هو الطريق إلى الفهم والمجتهد في التنزيل لكنه لا يكون مصدرًا للشرعية من ذاته، وإنما أداة لاستنطاق الوحي، واستكشاف المقاصد، وتحقيق المصالح في ضوء النص، ومن هنا نشأت مقولة: “العقل مناط التكليف” لا مصدر التشريع.
بقول الزركشي في “البحر المحيط”: ” مسألة (لا حاكم إلا الشرع) إذا تبين أن الحكم خطاب الشرع فلا حاكم على المكلفين إلا الشرع خلافا للمعتزلة؛ حيث حكّموا العقل، وقد اختلفت العبارات عن حكاية مذهبهم، (مذهب المعتزلة) فقال إلكيا الطبري: قالت المعتزلة: العقل يوجب، ولا يعنون هاهنا إيجابُ العلّة معلولها، أو أن العقل يأمر، فإن الاقتضاء منه غير معقول، وهو عرض والأمر يستدعي الرتبة فإذن المعني به: أن العقل يعلم وجوب بعض الأفعال عليه، والمعني بوجوبه علمه باقتران ضرر بتركه، وإليه يرجع معنى الوجوب والحسن والقبح”[2]
غير أنّ الدّكتور عبد العظيم الديب في تعليقاته على “الغياثي” للجويني يشير إلى نقطة مهمّة وهي أنّ المعتزلة أنفسهم الذين يعلون شأن العقل لا يعدّونه مشرّعا أو مصدرًا للتشريع في مصادمة الوحي؛ فيقول: “وجدنا معظمَ الأصوليين ــ في مبحث الحكم ــ يقولون: “لا حاكم إلا الله، خلافًا للمعتزلة؛ فإنّهم يحكِّمون العقل”، وعندما قُمنا بتتبُّع نصوص المعتزلة في كتبهم الأصيلة لم نجد هذا صحيحًا بهذا الإطلاق، وإنّما هذا قول المعتزلة قبل ورود الشّرع، أمَّا بعد ورود الشّرع، فلا حكم إلا لله، ولا يوجد مسلمٌ يقول بغير هذا. وعلى ذلك تخرج هذه المسألة من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدين”[3]
وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ الدولة الإسلامية ــ كما يتصورها الوحي ــ هي وظيفةٌ رساليّة لتحقيق قيمٍ غيبية تنطلق من العبودية لله تعالى، بينما الدولة الغربية الحديثة هي وظيفةٌ تعاقدية لضبط المجال العام بما يوافق التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات.
مرجعية التشريع في الغرب؛ من الإنسان تبدأ السيادة
أما في الفلسفة السياسية الغربية فقد تشكّلت النظرية السياسية على أنقاض الكنيسة، وفي سياق ثوراتٍ سعت إلى تحرير الإنسان من السلطة الدينية، فجاءت النماذج الجديدة ــ من هوبز ولوك وروسو إلى فوكو وراولز ــ على أساسٍ تعاقديٍّ صرف، جعل الإنسان هو صاحب السيادة، والعقل هو مصدر القانون، والشعب هو مرجعية الحكم المطلقة.
فأصبحت الدولة تُبنى على “العقد الاجتماعي”، والسلطة تُمنح عبر الإرادة الجمعية، والتشريع ينبع من الأغلبية لا من الوحي، وهكذا تحوّل الحكم من كونه طاعةً لله تعالى إلى كونه صدى لاتفاقٍ بشريٍّ متغيّر، يخضع للعرف، والتفاوض، والهوى السياسي.
الأثر الفلسفي العميق لاختلاف المصدر
هذا الفرق الجوهري بين المصدرين هو الذي يجعل النظرية الإسلامية تضبط نفسها بمقاصد ثابتة، وحدودٍ مرعية، بينما تظلّ النظرية الغربية أسيرةً لموازين القوة، ومتقلبةً بتقلب الإرادة البشرية؛ فبينما تتجاوز السياسة في الإسلام الأهواء الفردية لتُحيلها إلى قيمٍ عليا من العدل والرحمة والمصلحة العامة، تظلّ السياسة الغربية في جوهرها أداة تدبيرية لا تعبّدية، لا تعرف القداسة إلا لما تُجمِع عليه الإرادات.
إنّ إخراج الوحي من المعادلة ــ كما تفعل النماذج الغربية ــ لا يُنتج حيادًا معرفيًّا، بل يُنتج رؤيةً أخرى للإنسان والدولة والغاية، رؤيةً قد تُحسن التنظيم، لكنها تُفقِد السياسة روحها، وتفصلها عن معناها الأخلاقي والعبادي، فيتحوّل الحاكم إلى مدير، والشعب إلى زبون، والقانون إلى منتَجٍ بشريٍّ يُعدّل بحسب الحاجة لا بحسب الهداية.
وفي ضوء ذلك، فإنّ المقارنة العادلة لا تتم بين نظامين إداريين، بل بين تصورين وجوديين؛ أحدهما يبدأ من الله تعالى، والآخر ينتهي إلى الإنسان؛ الأول يجعل السياسة امتدادًا للنبوة، والثاني يجعلها بديلاً عنها، وهذا هو الفارق العميق الذي ينبغي أن تُبنى عليه بقية الفروق، ويُعاد بناء النظرية السياسية الإسلامية انطلاقًا منه.
ثانيًا: مقصد الدولة؛ إقامة العدل أم إدارة المنفعة؟
حين نتأمل في الفرق الجوهري بين النظرية السياسية في الإسلام والنظريات الغربية، فإنّ أوّل ما يستوقفنا ليس شكل الدولة ولا بنيتها المؤسسية، بل سؤال الغاية: لماذا تُقام الدولة أصلًا؟ ما المبدأ الذي تنهض عليه شرعيتها؟ وما البوصلة التي توجّه سياستها في السلم والحرب، في العدل والقوة، في التشريع والإدارة؟
في الرؤية الإسلامية: الدولة أمانةٌ لإقامة القسط وليست آلة هيمنة
في التصور القرآني الدولة ليست سلطةً تعاقديةً فحسب، ولا مجرّد أداةٍ لتنظيم المصالح، بل هي تكليفٌ إلهيّ موصولٌ بوظيفة الخلافة في الأرض؛ إنها مشروعٌ جماعي لإقامة العدل بوصفه الاسم الآخر للقسط، والعدل في الإسلام ليس توازنًا براغماتيًّا بين المصالح، بل قيمةٌ مطلقةٌ مستمدة من أمر الله تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”[4]
فهذه الوظيفة هي جوهر وجودها وشرط مشروعيتها، والسياسة في الإسلام لا تَسْتَمدّ شرعيتها من “إرادة الأمة” فقط، بل من مدى التزامها بإقامة القسط، وحراسة الدين، وصيانة المقاصد الكلية للشريعة؛ حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهذه المقاصد ليست مجرّد مبادئ قانونية إنما هي مرآةٌ تُقاس بها نجاعة الدولة، وميزانٌ تفرز به الشرعية من الطغيان.
في النظرية الغربية: الدولة ضمانُ منفعة وليست تجلّي رسالة
أما في النظرية السياسية الغربية خصوصًا منذ نشوء الدولة الحديثة بعد عصر الأنوار، فقد أعيد تعريف الدولة بوصفها “جهازًا إداريًّا” هدفه ضبط الأمن، وتنظيم المصالح، وتحقيق المنفعة العامة؛ والمقصد الأعلى لها لم يعد العدل بوصفه واجبًا إلهيًّا، بل “الرفاه” بوصفه وظيفةً إدارية، فالغرض من السياسة هنا أن تُدير صراع المصالح لا أن تزكّي النفوس، وأن تحقق التوازن بين القوى وليس أن تقيم الحقّ بوصفه تكليفًا غيبيًّا.
ولهذا، فإن مفهوم “العدالة” في الفكر الليبرالي مثلًا لا ينطلق من مطلقٍ أخلاقي، بل يُفهم بوصفه “آلية” لضمان التعدد والتوازن، وليس بوصفه غايةً شرعية مُلزِمة، بل كثيرًا ما يُضحّى بالعدالة في سبيل الاستقرار أو المصلحة العامة، لأن مركز الثقل هنا ليس أمرًا سماويًّا يُحتكَم إليه إنما هو “الإرادة العامة” التي تتغيّر بتغيّر المصالح.
المفارقة الفلسفية؛ العدل في الإسلام واجبٌ رسالي، وفي الغرب سلعةٌ توافقية
وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ الدولة الإسلامية ــ كما يتصورها الوحي ــ هي وظيفةٌ رساليّة لتحقيق قيمٍ غيبية تنطلق من العبودية لله تعالى، بينما الدولة الغربية الحديثة هي وظيفةٌ تعاقدية لضبط المجال العام بما يوافق التوازن بين مصالح الأفراد والجماعات.
ففي الإسلام، الإنسان مستخلف والدولة أداة استخلاف، أما في الغرب فإنّ الإنسان سيّد، والدولة خادمةٌ لإرادته، ولو كان في إرادته ظلم أو فساد.
عندها يظهر لنا بجلاء أنّ السؤال عن مقصد الدولة هو سؤالٌ عن فلسفة الإنسان نفسه، وعن مرجعية الأخلاق، ومصدر القيم، ومعنى العدالة؛ فإذا كانت الغاية تحدد الوسيلة، فإن غاية السياسة الإسلامية تتجاوز المصلحة إلى التكليف، وتتجاوز الأمن إلى الشهادة، وتتجاوز الإدارة إلى الرؤية، لتكون السياسة سبيلًا إلى العبودية الجامعة لا طريقًا إلى السيادة الزائفة.
ثالثًا: موقع الإنسان؛ عبدٌ مكلّف أم فردٌ سيّد؟
تبدأ كلّ نظرية سياسية من سؤالٍ وجوديّ؛ من هو الإنسان؟ ويقوم كلُّ نظامٍ على جوابٍ ضمنيّ لهذا السؤال، يُحدّد موقع الإنسان من الكون، ودوره في الحياة، وحدود سلطته على ذاته ومجتمعه.
وإنْ بدا سؤالًا فلسفيًّا، فإنّه يُعدّ المفتاح الأعمق لفهم أيّ منظومة حكم؛ فمنزلة الإنسان في التصوّر الكوني هي التي ترسم ملامح الدولة، وتُبرّر السلطة، وتُعيد تعريف الحرية والكرامة والحقّ.
في المنهج القرآني؛ الإنسان عبدٌ حرٌّ باختياره، كريمٌ بتكليفه، عظيمٌ بعبوديته
يُصوّر الوحي الإنسان كائنًا مزدوج الطبيعة؛ خلقه من طينٍ يحمل ثقل الأرض، ونفخ فيه من روحه فصار مهيّأً للعروج، “ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ”[5]
ففي هذا التكوين تتجلّى الحقيقة الوجودية الأولى؛ الإنسان مخلوقٌ مُكرَّم، لكنه لا يملك السيادة المطلقة، ولا المرجعية العليا، بل يعيش في ظلّ “ألوهية الله تعالى” و”ربوبيته”، وتُناط به مهمة عظيمة؛ الخلافة في الأرض.
هذه الخلافة لا تمنحه سلطةً على الخلق بالهوى، وإنما تُلزمه بمنهجٍ ربّاني يُصلح به الأرض، ويُزكّي به النفس، ويقيم به العدل. فكرامته تتجلّى في عبوديته، وحريته تنبع من استقامته، وقيمته تكمن في قيامه بأمانة الإصلاح، “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”[6]
هنا، لا يُختزل الإنسان في كائنٍ مستهلك أو فاعل اقتصادي، ولا يُختصر في فردٍ منعزل، بل يُنظر إليه بوصفه فاعلًا رساليًا تنعقد على عنقه مسؤولية “إقامة القسط”، و”النهي عن الفساد”، و”الشهادة على الناس”.
في التصوّر الليبرالي؛ الإنسان هو المرجع، الذات هي القانون، الرغبة هي المعيار
يُعيد المشروع الليبرالي تعريف الإنسان بعيدًا عن السماء، ويُنهي الصلة بين الخلق والخالق في المجال العام؛ فالفرد يُقدّم بوصفه “ذاتًا مكتفية”، تملك حقّ تقرير مصيرها دون مرجعية عليا، والحرية تتحوّل إلى هدفٍ قائم بذاته ولو فرّغت الإنسان من قيمته الأخلاقية أو دمرت نسيجه الاجتماعي.
في هذا السياق لا تُربّى النفس على التزكية، وإنما تُعزَّز على “التحقّق الذاتي”، ولا تُفهم الحرية بوصفها تكليفًا يضبط الهوى إنّما يُحتفى بها باعها حقًّا لإشباع الرغبات.
وهكذا؛ يتأسّس الفرد السياسي بوصفه سيّدًا على خياراته، مشرّعًا لرغباته، محصنًا من النقد ما دام لم يتعدّ حدود الضرر المادّي، ولو أفسد الفطرة وهدم الفضيلة.
التناقض الجوهري؛ منطق العبودية الهادية مقابل فلسفة التمركز المتفلّت
في التصوّر الإسلامي الإنسان لا يُشرّع لنفسه، بل يتهذّب بالوحي، ويتجلّى بكماله حين يخضع لله تعالى، أمّا في المنظومة الليبرالية فالمقدّس يتراجع إلى الظلّ، ليصعد الإنسان إلى العرش، ويحكم العالم انطلاقًا من ذاته، وهذا التحوّل يُنتج بالضرورة دولةً تُدار بمنطق “الضمانات” وليس بمنطق “الهداية”، وتُصبح وظيفتها حماية الحريّات ولو أزهقت بها القيم وانتهكت بها الثوابت وسُحقت بها الفطرة.
وحين تُقارن بين النموذجين تجد نفسك أمام مفترقٍ معرفيّ؛ إمّا أن تُربّى النفس على مبدأ “الحرية المُهذّبة” التي تُوجَّه بنور الوحي وتُزكّى بمقاصد الشريعة، أو تُطلِقها بلا ضابط فتتحوّل الدولة إلى حارسٍ لرغبات متضاربة وشاهدٍ على انحدار المعنى.
الإنسان بين السيادة والتكليف؛ أيُّ تصوّر ينهض بالعمران؟
حين يُفهم الإنسان بوصفه عبدًا لله تعالى تنشأ دولةٌ تربّي ولا تكتفي بالحماية، وتحاسب الضمير ولا تكتفي بالردع، وتُقيم المصلحة في ضوء الحقّ وليس في ظلّ الرغبة.
أما حين يُعامل الإنسان باعتباره مرجعًا مكتفيًا بذاته؛ فالمجتمع يُقاس بمجموع النزوات، والدولة تتحوّل إلى مقاولٍ للخدمات، والتقدّم ينفصل عن التزكية.
هكذا يتجلّى الاختلاف الرؤية الجذرية للوجود الإنساني ذاته وليس في الوسائل فقط؛ فالسياسة في الإسلام مشروع هدايةٍ وتزكية، والسياسة في الليبرالية نظامُ تسييرٍ وإدارة.
رابعًا: السيادة والتشريع؛ حقٌّ لله أم تفويضٌ للناس؟
في قلب كلّ نظرية سياسية يكمن سؤال السيادة: من يملك سلطة التشريع؟
وحين يتعلّق الأمر بمنظومة الحكم، فإنّ الجواب عن هذا السؤال لا يحدّد فقط طبيعة القوانين، وإنما يكشف طبيعة الإله الذي يُعبد، والمجتمع الذي يُبنى، والمرجعية التي تُهيمن على الحياة العامة والضمير الخاص.
في التصور الإسلامي؛ السيادة حقٌّ خالصٌ لله تعالى، والتشريع وظيفةٌ ربّانية
يؤمن المسلم أنّ الحاكم الأعلى لهذا الوجود هو الله تعالى، وأنّ “الحكم” صفةٌ إلهية، تُنسب إليه وحده “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ”[7]، وأنّ تشريع ما يخالف أمر الله تعالى يُعدّ منازعةً للربوبية، وإن جاء بآلياتٍ توافقية أو أغلبية، فالتشريع في التصوّر الإسلامي تكليفٌ وهدايةٌ.
الله سبحانه لم يُرسل رسله ليُؤسّسوا نظمًا وضعية وإنما جاءوا بشرائع، وعلّموا الناس أن الطاعة في أمر الدنيا كطاعة الدين لا تُفهم إلا في ضوء الوحي: “فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ”[8] فمنظومة الحكم جزءٌ من الدين وليست ملحقًا إداريًا به، والحاكم مأمورٌ بتحقيق العدل لا بصياغته، ومكلّفٌ بتطبيق الشريعة وليس بتبديلها.
في النموذج الغربي؛ التشريع وظيفة اجتماعية والسيادة ملكٌ للإنسان
حين انفصلت الفلسفة الغربية عن الوحي، أعادت صياغة مفهوم السلطة من الجذور، فالحاكم لم يعد ظلًّا لله في الأرض، وإنما وُصف بـ”المفوَّض من الشعب”، والتشريع لم يُنظر إليه باعتباره هداية من العليّ الحكيم وإنما نتاج للعقد الاجتماعي.
ومن هنا نشأت مفاهيم مثل: “الإرادة العامة”، و”السلطة التمثيلية”، التي تُفضي إلى تحويل الجماعة إلى مصدرٍ للشرعية، والبرلمان إلى مشرِّعٍ مُطلق، ولو ناقض الدين أو الفطرة.
في هذا النموذج يحكم الحاكم بما يرى، والمجتمع يُشرّع وفق ما يشاء، والقانون لا يُقاس على وحي، بل يُصاغ على أساس المصلحة كما تراها الأغلبية، وهكذا، تتبدّل المعايير بتبدّل الأهواء، وتُعلَّق القيم على مشجب الأصوات، ويُمنح الإنسان حقّ التحريم والتحليل في شؤون المجتمع، كأنّما امتلك نصيبًا من الألوهية.
الفارق البنيوي؛ عبودية التشريع أم إلحاد السيادة؟
النموذج الإسلامي لا ينفي دور العقل، ولا يعطل الاجتهاد، لكنه يُبقي السيادة فوقية، متعالية عن الأهواء، متصلة بالسماء وهي ليست قابلة للبيع في أسواق الانتخابات، أمّا النموذج الغربي فيُدير السياسة بغير وحي، ويحتكم إلى الضمير البشري ولو خالف شرع الله تعالى.
وحين تُرفع “الإرادة العامة” إلى منزلة المشرّع، يُعاد تشكيل الإنسان بوصفه مصدرًا للشرائع وليس بوصفه مخلوقًا مكلّفًا، وتتحوّل الدولة إلى صانعٍ للقيم بدل أن تكون خادمًا للحق.
نحو رؤية متكاملة؛ كيف نُقيم الدولة دون أن نصنع ربًّا من الجماعة؟
السؤال العميق الذي تفرضه المقارنة هو: كيف تُقام دولةٌ عادلةٌ تُعبّر عن الأمة دون أن تجعل الأمة إلهًا؟ الإجابة في الإسلام تكمن في الجمع بين أمرين:
السيادة العليا للوحي، فهو المعيار الذي لا يُصاغ، ولا يُصوّت عليه، ولا تُستفتى العقول على بديله.
والشورى في التنزيل، فهي الوسيلة التي بها تُدار الحياة، ويُفهم النص، ويُقدَّر الاجتهاد، ويُمارَس الحكم ضمن حدود الله تعالى.
وهكذا تُقام الدولة في الإسلام بوصفها “أمانةً”، وليست “غنيمة”، ويكون الحاكم فيها “عبدًا مسؤولًا”، لا “إلهًا صغيرًا”، وتبقى الأمة أمينة على مرجعية الوحي وليست صانعة له.
خامسًا: الحرية؛ مسؤولية العبودية أم نشوة الانفلات؟
في كل منظومة سياسية تحضر “الحرية” بوصفها محورًا فلسفيًّا عميقًا، وسؤالًا وجوديًّا سابقًا على الدولة والقانون؛ غير أن طبيعة هذه الحرية، وحدودها، ومصدر مشروعيتها، تختلف باختلاف الجذر العقدي للرؤية، والميزان القيمي الذي تُقاس به الأفعال.
في الرؤية الإسلامية؛ الحرية نابعة من التكليف، وناهضة على الضمير التوحيدي
الإنسان حرٌّ لأنه مكرّم، ومكرَّم لأنه مكلَّف، ومكلّف لأنه عبدٌ لله تعالى دون سواه؛ فليست الحرية امتيازًا عابرًا يمنحه المجتمع، وإنما هي ثمرة من ثمرات التوحيد، تولد حين يتحرّر القلب من الخضوع لغير الله تعالى، وتنتظم حين تُضبط بجلال الشريعة وحكمة التكليف.
فالحرية في الإسلام أمانة تُمارَس بوعي وليست غريزة تُطلق باضطراب؛ هي سلوكٌ مشروطٌ بالحق، متصلٌ بالحلال والحرام، لا يعرف الانفصال عن أوامر السماء، ولا يحتمل أن يُجعل من الكذب رأيًا، أو من الفجور فنًّا، أو من الردة تنوّعًا؛ “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”[9]
هذه ليست دعوة لانفلات الاعتقاد، بل إقامة للحجة، وتحمّل للعاقبة، وتأكيد على أنّ الحرية لا ترفع المساءلة، ولا تعني الترويج للباطل وإنما تؤسس لمسؤولية الكلمة ومسؤولية الاختيار ومسؤولية التبعة.
فالحرية في الإسلام لا تُنتج فوضى، ولا تُكرَّس باسمها شهوة، ولا يُمحى بها الفرق بين الخير والشر؛ الحرية تنطلق من حدود الله تعالى وليس من حدود الإنسان، ومن ميزان المقاصد وليس من أهواء اللحظة، ومن عبودية تسعى إلى التزكية بعيدًا عن التهتك.
في التصور الليبرالي؛ الحرية جوهر الوجود، ومصدر التشريع، ومنتهى الأخلاق
في الفلسفة الغربية الحديثة، الحرية تشكّل “المقدّس الأعظم”، تُبنى حولها منظومة القانون، وتُؤسس عليها شرعية الدولة، والفرد يُنظر إليه بوصفه ذاتًا سيّدة، وقراراته محميّة بسلطة القانون طالما لم يُلحِق ضررًا ماديًّا بغيره؛ ففي ظلّ هذا التصوّر؛ يصبح التدين خيارًا شخصيًّا، والانحراف لونًا من ألوان التعبير، والزنا “علاقة حرّة”، والكفر حرية ضمير، ولا مرجعية تُحكَم بها هذه الأفعال سوى “رغبة الفرد”، ولا سقفَ يُرفع فوقها سوى “الضرر الواضح” فلا اعتبار للقيم أو الفضيلة، وهكذا يتنازل المجتمع عن الحق في توجيه الأخلاق، ويُعزل الدين عن المجال العام، ويُمنع على القيم أن تكون معيارًا للحكم.
المفارقة العميقة؛ حرية ترتفع بالإنسان أم حرية تنحدر به؟
الحرية حين تُفصل عن القيمة تتحوّل من أداةٍ للارتقاء إلى وسيلةٍ للتهلكة، ومن وسيلةٍ للتمكين إلى مدخلٍ للعبث.
الحريّة في الإسلام تُطهّر النفس من عبودية الشهوة، وتُحرّر القلب من سلطان الهوى، وتدفع الجسد للعمل الصالح، أما في النموذج الغربي فتُستخدم الحرية في كثير من الأحيان لهدم الضوابط، ومحو الفطرة، وتسويغ الانحراف، حتى يغدو التفلّت شجاعةً، والانحلال تنوّعًا، والمجاهرة بالرذيلة حريةً.
نحو تحريرٍ حقيقي؛ من عبودية الناس إلى كمال العبودية لله تعالى
حين تُربط الحرية بعبودية الله تعالى، يتحرّر الإنسان من أوهام التقديس البشري، وينجو من فخاخ الشهوة والسلطة والهوى، ويتردد صدى صوت عمر رضي الله عنه “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”[10]
لم تكن هذه صرخةً ضد العبودية السياسية فحسب، بل نداءً ضد كل عبودية تنشأ من الخضوع لغير الله تعالى؛ عبودية المال والشهرة والجهل والحزب والغرب، وكل صنمٍ جديد يُعبد من دون الله تعالى.
الحرية في الإسلام ليست فرارًا من الحدود، وإنما عودة إلى الأصل، الأصل الذي خُلق الإنسان لأجله: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”[11] فمن أراد الحرية الكاملة، فليُتمّ عبوديته، وليس أجلى من تحرير معنى وفلسفة الحريّة في ظلال العبوديّة لله تعالى وأنها في جوهرها تحرير الإنسان من عبوديته لإنسان مخلوق مثله من قول ربيعي بن عامر يوم القادسيّة حين سأله رستم: ما جاء بكم فقال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”[12]
لا يُنظر إلى الدولة في البناء السياسي الإسلامي بوصفها مجرّد إطار تنظيمي لتنازع القوى أو موازنة المصالح بل هي “جهاز تكليف” غايته إقامة القسط في الأرض، وتحقيق العدل الذي أمر الله تعالى به، ورفع الظلم عن الإنسان بصفته مخلوقًا مكرَّمًا
سادسًا: الدين والسياسة؛ تكامل الوظيفة أم صراع الهوية؟
في قلب التصور الإسلامي لا تُطرح العلاقة بين الدين والسياسة بوصفها ازدواجًا مريبًا، ولا يُنظر إلى التديّن باعتباره حالة روحية منعزلة عن العمران، أو إلى السياسة بوصفها فنًّا دنيويًا محرّرًا من قداسة القيم؛ الدين في هذا النموذج أصلٌ مُهيمنٌ على الوجود، والسياسة فرعٌ ينبثق منه، تمارس وظيفتها في ظلّه، وتُحاكَم إلى مقاصده، وتُوزَن بميزان عدله.
فالله تعالى هو السيّد في الاعتقاد، وهو الحاكم في التشريع، وهو المراقب في السلوك العام والخاص، والسياسة في الإسلام ليست حيلةً للمناورة، ولا ساحةً للغلبة، بل “مجال امتثال”، تُمارَس فيها العبودية الجماعية من خلال إقامة العدل، وتدبير المصالح، وتحقيق مقاصد الشريعة في الاجتماع البشري؛ “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ”[13] فالعدالة السياسية ليست نفعًا عامًا، ولا عقدًا اجتماعيًا محضًا، إنما فريضةٌ ربانية، وشهادةٌ على الناس، وأمانةٌ في عنق الأمة.
وإذا كانت الصلاة عبادة فردية فإن الحكم عبادة جماعية، وإذا كان الصوم ترويضًا للغريزة فإن السياسة ترويضٌ للسلطة، حتى لا تتحوّل من تكليف إلى استعمار ومن مسؤولية إلى هيمنة.
الدين في الإسلام لا يُزاح عن الشأن العام، ولا يُسجن في الضمير، وإنما يُستدعى إلى الحياة؛ يوجّه، ويقوّم، ويحكم، ويحرّر الإنسان من استبداد الإنسانـ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيما رواه أو هريرة رضي الله عنه: “إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ”[14]
فالإمامة أداة حماية للحق وليست آلة تجميل للباطل، وهي في أصلها “وظيفة شرعية”، لا امتيازًا طبقيًا أو وراثة مقدسة.
أما في التجربة الغربية؛ فصلٌ احترازيّ بعد جرحٍ غائر
ارتبط الدين في المخيال السياسي الغربي بحُكم الكنيسة، والكنيسة تماهت مع الاستبداد، فكانت النتيجة “حربًا أهلية معرفية” انتهت بانتزاع السياسة من حضن الإيمان، ونفي الإله إلى الضمير، وتقديس الدولة كحَكَمٍ أعلى.
أُقصي الدين ليس لأنه فشل، بل لأنه حُمّل ما لا يُحتمل، ووُظّف كخادم لمطامع الملوك حتى أصبح الحديث عن “الدولة الدينية” في الغرب بمثابة استدعاء لشبح الاستبداد المقدّس.
ومن رحم هذا الفزع، ولدت “العلمانية” بوصفها مظلّةً فلسفية تحمي السياسة من تسلّط العقيدة، وتحمي الفرد من غزو المقدّس؛ فأُعيد تعريف المجال العام بما يخلو من أي مرجعية عليا، وأُسِّس الاجتماع السياسي على عقدٍ دنيويٍّ بلا ربّ، ولا غاية، ولا معنى كوني.
الفرق الجوهري؛ من يحكم الحاكم؟
في الإسلام، الحاكم محكوم بالوحي، محكوم بالمقاصد، محكوم بالبيعة، محكوم بالمسؤولية أمام الله والناس، والسياسة لا تجد شرعيتها في الأغلبية وحدها، بل في موافقة أمر الله تعالى، وفي إقامة القسط، وفي تحقيق المصلحة العامة في ضوء الميزان الشرعي.
أما في النموذج الغربي، فالحاكم يُقاس بالأصوات، وتُبرّر أفعاله بالقانون الوضعي، حتى لو خالف الفطرة، أو جرّ الناس إلى التهلكة؛ فالدولة فوق الدين، والدستور فوق الوحي، والبرلمان فوق الحلال والحرام.
المفارقة الحاسمة؛ تحرير السياسة بالوحي أم تحييدها عن الحق؟
حين يتكامل الدين والسياسة في التصور الإسلامي، تتحرّر السياسة من عبودية الهوى، وتخرج من كونها حرفةً تدار بالدهاء إلى كونها مسؤوليةً تُمارس بالخوف من الله تعالى.
أما حين يُفصل الدين عن السياسة فلا تُنتج السياسة حُكمًا راشدًا، بل تُفضي في كثير من الأحيان إلى استبداد متقن التجميل، يستمد شرعيته من لحظة انتخاب وليس من غاية وجود، ومن إرادة جماعة دون أي اعتبار لأي ميثاق إلهي.
وهنا تظهر عظمة التصور الإسلامي؛ أن يكون الحكم أمانةً وليس غنيمة، وأن تكون الدولة راعيةً لا متسلطة، وأن تكون الأمة شاهدةً لا تقبل التغييب، وأن تكون السياسة ساحةً للعبودية وليست أداة لتأليه الطغاة.
سابعًا: الغاية من الاجتماع السياسي؛ إقامة القسط أم تنظيم التنافس؟
لا يُنظر إلى الدولة في البناء السياسي الإسلامي بوصفها مجرّد إطار تنظيمي لتنازع القوى أو موازنة المصالح بل هي “جهاز تكليف” غايته إقامة القسط في الأرض، وتحقيق العدل الذي أمر الله تعالى به، ورفع الظلم عن الإنسان بصفته مخلوقًا مكرَّمًا؛ فالمجتمع السياسي لا يتأسس على الصراع بل على الشهادة، ولا يقوم على التوازن بين الأطماع وإنما على إقامة حقّ الله تعالى في خلقه؛ قال تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ، لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”[15]
فالمقصد الأعلى للاجتماع السياسي في الإسلام هو إقامة “نظام قيمي” تتكامل فيه وظائف الفرد والجماعة والدولة تحت مظلة التوحيد والعدالة والرحمة، والسياسة ليست ساحة للتفاوض حول “ما يُراد”، بل إطار لضبط الإرادة الفردية والجماعية بميزان ما “يريده الله تعالى”، وهذا هو جوهر الخلاف بين النظرية الإسلامية ونظيراتها الليبرالية.
في الفكر الغربي؛ الاجتماع السياسي عقدٌ تنظيمي لإدارة الصراع
تقوم النظرية السياسية الغربية منذ هوبز ولوك وروسو، على تصوّر صراعيّ للطبيعة البشرية؛ فالإنسان “ذئب لأخيه الإنسان” كما قال هوبز، ولهذا فالحاجة إلى الدولة تنبع من ضرورة كبح هذا الصراع وتنظيمه وليس من نداء داخلي لإقامة العدل أو أداء أمانة الاستخلاف؛ فالسياسة إذن “نتيجة اضطرارية” لا “تجليًا تكليفيًّا”، وهي تنبع من الخوف وليس من الإيمان.
والدولة في هذا النموذج تُعرّف بوصفها وسيطًا حياديًّا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار ويُدير المنافسة بين القوى والفئات والمصالح المتناقضة، فلا قداسة للحق، ولا مرجعية للسماء، بل هو تعاقد دنيوي يُحدّد المقبول والمرفوض، والمشروع والمحظور بناءً على ميزان القوة والرغبة والتوافق، لا على معيار الحق والباطل.
جدل المقصد؛ هل تجتمع الأمة لتحيا القيم أم لتحسم النزاع؟
الاجتماع في الإسلام غايته التعبّد الجماعي لله تعالى من خلال العمران القائم على العدل، أي أنّ الأمة لا تجتمع لتنجو فقط من الفوضى، وإنما لتنهض برسالتها الربانية، وتُحقّق خلافة الإنسان على الأرض، وتَشهد على غيرها من الأمم.
أما في النظريات الغربية فالمجتمع السياسي يُراد له فقط أن يُخفّف التوتر، ويُنظّم الفوضى، ويُعطي للجميع مساحة للعيش والتنافس، حتى لو كان هذا التنافس على الباطل، أو باسم الحريات التي تهدم القيم من جذورها.
وبينما تؤمن النظرية الإسلامية بأن الدولة مقيّدة بغايةٍ عليا وتُحاسب على تضييعها بينما لا ترى الليبرالية في الدولة سوى “حَكَم” يُدير ميدانًا مفتوحًا، بلا غاية نهائية، ولا أفق أخلاقي، ولا سماء تناديها.
المفارقة الحاسمة؛ اجتماع السياسة على الحق أم على الحياد؟
في التصور الإسلامي لا يُترك الاجتماع السياسي في فراغ، ولا يُحتكم فيه إلى مصلحة الأقوى، بل يُعاد تأسيسه دائمًا على معيار “ما يرضي الله تعالى”، سواء رضي الناس أم لم يرضوا لأن الحق ليس ما تُجمِع عليه الأغلبية إنما ما تُثبته الحجة ويُصدقه الوحي، أما في الغرب فالحق نِسبي والمجتمع السياسي لا يُحاكم إلى قيمة مطلقة وإنما إلى التوازن بين القوى والحياد الظاهري بين المتخاصمين.
ولهذا تُنتج النظرية السياسية في الإسلام دولة “مُكلفة” مسؤولة أمام الله تعالى والأمة بينما تُنتج النّظريّات الغربية دولة “مُحايدة” مسؤولة فقط أمام مواطنيها، وفقًا لبنود العقد والتصويت والبرلمان.
ختام المقال: ما بعد المقارنة، نحو استئنافٍ معرفيٍّ للتفكير السياسي
حين نتأمّل جذور الاختلاف بين النظرية السياسية الإسلامية ونظيراتها الغربية، لا نجد أنفسنا أمام خلاف في التفاصيل أو في البُنى المؤسسية، بل نحن إزاء صدعٍ معرفيّ عميق، ونقطة افتراقٍ وجوديّة، تبدأ من سؤال “من يُشرّع؟” وتنتهي عند سؤال “لماذا نتحاكم؟”.
في النموذج الإسلامي، السياسة ليست فنَّ الممكن ولا مجرد إدارة للمصالح المتنافسة، بل هي امتدادٌ للنبوة، وتجلٍّ من تجليات العبودية، ومسؤولية أخلاقية تُمارس تحت عين الله تعالى، وفي ضوء مقاصده؛ فالدولة حينئذٍ لا تنفصل عن الغاية العليا للإنسان، ولا عن الميزان الرباني الذي به قامت السماوات والأرض.
أما في النموذج الغربي، فقد نشأت السياسة على أنقاض الدين، ونُظّرت لتكون بديلًا عنه وليست خادمة له، وجُعلت السلطة انعكاسًا للإرادة الجمعية وليست أمانة من الله تعالى، وأُخرجت القيم من المعادلة لصالح الحياد المفترض؛ فانفصلت الوسيلة عن الغاية، وسادت البراغماتية على حساب الأخلاق.
وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى؛ ففي حين تسعى النظرية الإسلامية إلى إقامة القسط بوصفه تكليفًا إلهيًّا، تُفصّل الفلسفات السياسية الغربية نظامًا للتعايش دون التزامٍ بمعنى مطلق للحقّ، ولا مرجعية متعالية للحكم، وهذا لا يعني أنّ الأولى معصومة، أو الثانية باطلة من كل وجه، ولكنّه يفرض علينا أن نُدرك أنّ من لم يُحسن تحديد نقطة الانطلاق لن يُحسن الوصول إلى برّ الأمان.
وعليه؛ فإنّ السعي إلى بناء نظرية سياسية إسلامية لا يكون بتطعيم النماذج الغربية بآياتٍ وأحاديث، بل بتجريد المسألة إلى لبّها العقدي، وإعادة بناء النظرية من مقاصد الوحي وليس من أغراض القوة.
لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نُبقي على البرلمان أو نلغيه؟ بل: ما جوهر السلطة؟ وما موقع الإنسان بين الأمر الإلهي والإرادة البشرية؟ وهل نحن نُشرّع لأنفسنا، أم نبحث عن حكم الله تعالى فينا؟
إنّنا بحاجة إلى نظرية تعود بنا إلى اللحظة الأولى التي سجدت فيها الملائكة لآدم، وتُعيد تعريف السلطة بوصفها تكليفًا يعلو على الشهوة لا تبريرًا لها، وتربط السياسة بالعقيدة بعيدًا عن الرغبة، وتُقيم بنيان الدولة على ميزانٍ من العدل وليس على مفاهيم القوة والردع وحدها، وهكذا فقط نستحق أن نقول: هذه سياسةٌ من السماء، وليست من تراب المصالح المتقلبة، وهكذا نُدرك أن المقارنة لم تكن ترفًا، بل فرضُ بصيرة، وأن التأصيل لم يكن ترفًا فكريًّا إنّما واجب بناء حضاريّ على هُدى النور المنزل.
[1] يوسف: 40
[2] البحر المحيط، الزركشي: 1/176
[3] غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني، ت: عبد العظيم الديب: 247
[4] الحديد: 25
[5] السجدة: 9
[6] البقرة: 30
[7] يوسف: 40
[8] المائدة: 49
[9] الكهف: 29
[10] فتوح مصر والمغرب، ابن عبد الحكم، 290
[11] الذاريات: 56
[12] البداية والنهاية، ابن كثير: 9/619
[13] النحل: 90
[14] أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له
[15] الحديد: 25



