
مَفهومُ “الحَرَكِيَّة في الإسلامِ”
بين التَّصوِّرِ والإيمانِ والعَمل
هل سألتَ نفسَك من قبلُ: إِنْ كنتُ مُسلماً فاعلاً في المجتمع؟
هل يقتصرُ كونُكَ مُسلِماً على الإيمان القَلْبِيّ والالتزام بالعبادات من صلاة وزكاة وصيام وغيرها؟
ألم تَرَ كثيراً من تفاصيلِ الحياة التي تمنّيتَ لو كان باستطاعتك تغييرها في المجتمع من حولك لتنسجمَ مع ما جاء به الإسلامُ حقاً؟
إنّ الإيمان والاعتقاد الحقّ يُتَرجَمُ إلى أفعال تَتَخَطَّى الإطار الفرديَ نحو المجتمع بأكمله؛ لذلك لا بدّ من الوقوف عند مفهوم الحركيّة في الإسلام، وكيف يُمكِّنُ المسلمَ من تحويله اعتقاده إلى فعلٍ وأثرٍ حقيقيٍّ يُسهم في تعزيز الفِكر الإسلاميِّ وبَلْوَرِتِه بصورةٍ تُحقِّقُ خلافة الإنسان في الأرض كما ينبغي لها أن تكون.
ما مفهوم الحَرَكِيَّة في الإسلامِ؟
يُعَدُّ مفهوم الحَرَكِيَّةِ في الإسلام أحد المرتكزات الأساسية لِفَهمِ طبيعةِ الدِّينِ الإسلاميّ بِوَصْفِهِ مَشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا يقتصر على البُعْدِ التَّعبُّديِّ، بل يَمْتدُّ لِيَشملَ بناء الإنسان الفاعل في الحياة، والمُؤَثِّرِ عبر الزَّمن. وتتشكَّل هذه الحركية في الإسلام من ثلاثة أركان أساسية ومتلازمة؛ هي التَّصَوُّر العَقَدِيّ، والإيمان القلبي، والعمل السُّلوكيّ، تجتمع هذه الأركان الثلاثة (التَّصوّر والإيمان والعمل) في إطار واسع يُعْرَفُ بالاستخلاف الحضاري الذي شَرَّعه الإسلام، وتَحكُمُه سُنَنٌ اجتماعيةٌ ثابتة.
أولًا: التَّصَوُّراتُ العَقَدِيَّةُ ومُنْطَلَقُ الاستِخْلافِ الحَضَارِيِّ
يقوم التصور الإسلامي على مركزية التوحيد الذي يُحرِّرُ الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، ويؤسس لوعيه بوظيفته في الأرض بوصفِه خليفة فيها كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة: 30. ولا بدَّ أن نعلم أن هذا الاستخلاف ليس تكريمًا بِقَدْرِ ما هو تكليفٌ حضاريٌّ يقتضي العملَ والإصلاح.
يقول ابن تيمية: “خلقَ اللهُ الخَلْقَ لعبادته الجامعة؛ لمعرفته ومحبته والإخلاص له”؛ أي أن الله تعالى قد أقام الخلق ليعبدوه، ويتضمن ذلك معرفته ومحبته وطاعته، وأن مصلحة الخلق لا تتمّ إلا بذلك، فالاستخلاف مرتبط بتحقيق العبودية الشاملة التي تُعْنَى بتحقيق إصلاح الدِّين والدُّنيا. وبذكر الله تطمئن القلوب وتسكن، ولا شيء يمكن أن يحظى به المرءُ في الدنيا أعظم من الإيمان بالله.
ثانيًا: الإيمان بِوَصْفِهِ طاقةً حضاريةً مُحَرِّكةً
يدفع الإيمانُ الإنسانَ نحو العمل، يُحفِّزُ فيه دوافعه الحركية نحو القيام والإنجاز، فقد جُبِلَ على السَّعي والكدح، ويعلم أن الجدّ والعمل والتعب والنصب سبيلٌ لتحقيق ما يُرضيهِ ويُرضي ربّه عنه في الدنيا والآخرة.
يقول ابنُ القَيّم: “الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو عمل القلب واللسان والجوارح
فالإيمان في الإسلام ليس مَحْضَ يقين قلبي، بل هو قوة دافعة تنطلق نحو الصّوابِ، وتُحقِّقُ الغاية، وتصنع التاريخ وَفْقاً للاعتقاد والرؤية الدينيِّة. يقول تعالى في كتابه الحكيم: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ (2) ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ (4)﴾ الأنفال: 2-4. فَوَصْفُ المؤمنين لا يقتصر على الاعتقاد فكراً والتصديق قلباً، بل يتعدَّى ذلك إلى الفعل المَرْجُوِّ من تكامل العقيدة وتصديق الفؤاد، فالمؤمنون أيقنوا بعقولهم، وآمنوا بقلوبهم، ثمَّ انطلقوا نحو الإعمار تحقيقاً لأمر الله باستخلافهم في الأرض، مُتمسّكِين بحبل الإيمان، وومُتَزَوِّدِين من العلاقة مع الخالق، بالفرائض والعبادات كالصلاة والزكاة والدُّعاء، ليستمدُّوا منه العَونَ والمَدَد في رِحاب رِحلتِهم الدُّنيَوِيَّة، فالمؤمن الحق لا يقعد عن الفعل، ولا يتوانى عن الحركة في سبيل بَلوَرةِ إيمانه وجعله واقعاً فاعلاً ومُحَرِّكاً لنفسه وغيره من المؤمنين حقاً.
وعن البُعْدِ الحَرَكِيِّ للإيمان يقول ابنُ القَيّم: “الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهو عمل القلب واللسان والجوارح”. ينسف هذا التعريف فكرة الفصل بين الإيمان والعمل، ويجعل الإيمان في ذاته حركة مستمرة، كما يشير إلى أثر الإيمان في تغيير الواقع، فصلاح العالم يبدأ من الإيمان الذي يُتَرْجَمُ بطبيعة الحال إلى عمل صالح، وبِذا يتحوّل الإيمان إلى قوة حضارية تُنتج التغيير بهدف الإصلاح والإعمار. فابنُ القَيّم يرى أنّ حقيقةَ الإيمانِ مُركَّبةٌ من القَول والعمل، ولا يصحّ ولا يَتَجَوهَرُ إلَّا باجتِماعِ أربعة أُمورٍ؛ الاعتقاد عقلاً وفكراً، وحُضور النيّة والإخلاص في القلب، وتصديقه بالقول واللّسان، وتحقيقه بعمل الجَوارِح. لذلك يربط بين قوة الإيمان والعبادة، ويذهب إلى أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويؤكد أن العمل الصالح ثمرة للإيمان، فلا نَفْعَ للإيمان بِدون عمل.
ثالثًا: العملُ الصَّالِحُ وسُنَنُ التَّغيِير الاجتماعيّ
إنَّ العمل في الإسلام محكومٌ بسُنَنٍ تُحدِّدها حركةُ المجتمعات، وهذا ما يؤكِّدُه القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الرَّعد/11: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ فهذه الآية تُظْهِرُ ارتباط السَّعي والعمَلِ الصَّالِح بسَيرِ الحياة الاجتماعية ونَهجِها، وتُؤَسِّسُ لما يُعرف بـالسُّنَنِ الاجتماعية، أي القوانين الربانية التي تضبط النهوض والسقوط في المجتمعات الإسلامية، وتُظْهِرُ انعكاسَ ما في القلوب والنفوس على الخيرية أو ضدّها في مَعاشِ النَّاسِ وصبغِ المجتمعاتِ بلون أو ألوان نَمَطيّة محدَّدة.
يقول المفكر الإسلاميّ محمد رشيد رضا: “إنما تنال الأُمَمُ سعادَتَها بالأعمال لا بالأماني”
يقول ابن خلدون في الإطار الحديث عن السُّنن الاجتماعية وارتباطها بشكل المجتمعات مصائرها: “الظُّلمُ مُؤْذِنٌ بِخَرابِ العمران”؛ وهذه سُنَّةٌ اجتماعية تؤكّدها قصص الشّعوب والحضارات السابقة، فالظُّلمُ إذا ما انتشر في مجتمعٍ ما فَمَآلُهُ حَتماً إلى السّقوط والانهيار مهما طال به الزّمن. لكنّه يؤكد في الوقت ذاته بما يتوافق مع الرؤية الإسلامية لِخَطِّ سَيرْ المجتمعات الإسلامية أنَّ الاجتماع الإنساني والإجْماعَ الفكريّ ضروريّ، وأنّ العمل الحركي في الإسلام لا يُفهم إلا ضمن إطار جماعي، ووَفْقَ سُنَنٍ مَنصوصٍ عليها شرعاً، ومُتَّفقٌ عليها أصولاً.
كلُّ ما سَبَق يُثبتُ حِرصَ الحركيَّة في الإسلام على الإصلاح والبناء في آنٍ واحدٍ، يقول المفكر الإسلاميّ محمد رشيد رضا من زاوية إصلاحية حديثة: “إنما تنال الأُمَمُ سعادَتَها بالأعمال لا بالأماني”. فالتغيير الحضاري لا يتم بالرّجاء والتَمنّي والدّعاء بدون جهد وعمل وأفعالٍ مُنظّمة ينضوي تحتها أفراد المجتمع في سعي حّثِيثٍ نحو هدف واحد.
رابعًا: ماذا عن التَّكامُلِ الحَرَكِيِّ في ضَوءِ السُّنَنِ والاستخلاف؟
إذا ما انطلقنا من إيمانٍ حقيقيٍّ تُتَرجِمُه الأفعالُ في حركة فاعلة تَنْظُمُها السُّننُ الاجتماعيةُ وَفْقاً لِلشَّريعة الإسلامية؛ فإننا نَصِلُ في نهاية المطاف إلى فَيضٍ مُجتَمعيٍّ يُغَذِي الحركة الجماعية للأفراد في مُجتَمعات سَليمةٍ قَدْرَ الإمكان قَلباً وقالباً، تجتمع على كلمة واحدة، وتمضي في مَهَمَّاتٍ مُتعدِّدةٍ تَصبُّ في مَجْرى الخير الذي يَعمُّ الجميعَ بدون استثناء، بعيداً عن الفردانية في العمل والتَّوَجُّهِ، وبمنأىً عن الأنانية التي تُقوِّضُ أركان المجتمعِ بالنَّخْرِ البطيءِ فيها.
يقول ابن تيمية: “لا يقوم أمر الناس إلا بقوةٍ وأمانة”، فالقوةُ في القلبِ إيمانٌ، وفي النَّفْسِ أمانةٌ، وفي البَدنِ فعلٌ وحركةٌ وعمل.
لِذَا لا بدّ من تكامل التصور والإيمان والعمل ضمن إطارين حاكمين؛ أوَّلُهما الاستخلاف الحضاري بما فيه من عمارة الأرض، وتحقيق العدل، ونشر القيم والأخلاق، وثانيهما السُّنَنُ الاجتماعية بما فيها من أخذٍ بالأسباب وقراءة منطقية للوقائع وتداول وتبادل للأفكار في إطار الشورى، مع القناعة المطلقة بأن التغيير سُنّةٌ كونيّة والرُّكود مُؤذِنٌ بموت بطيء واضمحلال حتميٍّ للحضارة الإسلامية التي يدور الأفراد المسلمون في فلكها.
وقد تحدّث ابن تيمية ووَصَّفَ هذا التّكامل وأهمّيته بقوله: “لا يقوم أمر الناس إلا بقوةٍ وأمانة”، فالقوةُ في القلبِ إيمانٌ، وفي النَّفْسِ أمانةٌ، وفي البَدنِ فعلٌ وحركةٌ وعمل.
وختاماً
يمكننا أن نقول: إن الحركية في الإسلام ليست مَحْضَ تفاعل عابر مع الواقع، بل هي حركةٌ واعيةٌ ومُنضبطةٌ بِتَصوّرٍ عَقَدِيّ، ومَشحونةٌ بِطَاقةٍ إيمانيةٍ عاليةٍ، ومُتَرجمة إلى عملٍ ونِتاجٍ يَخضعُ لِسُنَنِ الله في الأفرادِ والمجتمعات. وهذا التكامل بين التّصوّر والإيمان والعمل هو الذي يُحَقِّقُ أهدافَ الاستخلاف الحضاريّ في الأرض، وبه تَتَحوَّلُ الأُمَّةُ إلى فاعلٍ رئيسٍ في مسار التّاريخِ، يُسهِمُ في البناءِ والإعمار، ويقفُ في وَجهِ كُلَّ مَنْ يسعى إلى الهَدمِ والعبثِ والفساد في الأرض.



