نصر بالسنان ونصر بالبنان
إنجازات الفاتحين والعلماء في رمضان
د. مجد عبد المجيد قمر
إنّ شهر رمضان شهر يحمل خصوصية عالية؛ من حيث ذاته كشهر للصوم والعبادة؛ والذي يبرزه الحديث القدسي الشريف: الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به…» (رواه البخاري ومسلم).
ومن حيث متعلقاته والروحانية العالية التي تصحبه، وتجعل فيهمدداً عجيبًا للإنجاز والفتوح على الرغم من وهن الجسد بقلّة الطعام والشراب، إنّه منحةٌ إلهيةٌ فريدةٌ للتزوّد منه للسنة كاملة، وكأنه دعوةٌ لجبر تقصير العبد خلال العام، أن هلموا يا عباد الله فأبواب الخير قد فتحت.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة» (رواه الترمذي).
والخير الذي يبتغيه العباد والذي يشمله قوله في الحديث القدسي الشريف: (ياباغي الخير) تتعدد مظاهره، سواء كان خيرًا دنيويًا أم أخرويًا، واستغلال موسم الخير فيه لا يكون إلا لذي لب فطن، قدم إلى الشهر الفضيل منهكَ القوى يدَّخر حاجاته طوال العام، فلا يكاد يترك منه دقيقة دون أن يملأها بالإنجاز والتقرب من الحق سبحانه والدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء.
وقد أدرك المسلمون عبر العصور أنّ هذا الشهر ليس زماناً للكسل والخمول، بل هو ميدانٌ خصبٌ للبذل والعطاء، سواء في ميادين الجهاد بالسنان، أو ميادين الجهاد بالبنان والعلم. فكان رمضان شاهداً على أعظم الملاحم البطولية، كما كان حاضناً لأجلّ الإنجازات العلمية والفكرية.
أولاً: نصرٌ بالسنان.. الفتوحات الإسلامية في رمضان
إن المتتبع لتاريخ الأمة عبر مختلف عصورها بدءًا من عصر النبوة ومرورًا بخير القرون، ومن ثم الفتوحات والمعارك المفصلية في تاريخ أمتنا، سيجد الشهر الكريم حاضرًا في الكثير من محطاتها، كمنصة انطلاق كبرى للتغيير.
إنه الشهر الذي تجلت فيه أعظم معاني الجهاد، واقترنت فيه العبادة بالبأس الشديد، فكانت الانتصارات الحاسمة عنواناً له، وكأنما أذن الله لنبيه وأتباعه أن يكون هذا الشهر الفضيل ميداناً لتحقيق وعد الله للمتقين:﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
في ثنايا هذا الشهر الكريم، تتجلى الحكمة الإلهية في جعله مسرحاً لأحداثٍ غيّرت مجرى التاريخ، لتظلَّ هذه الذكرى الخالدة نبراساً يضيء درب الأمة في كل حين.
لقد كان لجنود الإسلام في شهر الخير موعدٌ مع النصر، ومن يتأمل سطور التاريخ يجد مصداق ذلك في أعظم الانتصارات، التي ما زالت تتردد أصداؤها في وجدان الأمة:
- غزوة بدر الكبرى (17 رمضان السنة الثانية للهجرة): النصر الأول الذي أعزَّ الله به الإسلام وأهله، ليصبح هذا النصر نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة. [انظر: سيرة ابن هشام، (1/ 626)]
- فتح مكة (23 رمضان السنة الثامنة للهجرة): الفتح الأعظم الذي دخل الناس به في دين الله أفواجاً. [انظر: سيرة ابن هشام، (2/ 389)]
- معركة عين جالوت (العشر الأواخر من رمضان سنة 658 للهجرة): ملحمة إنقاذ الأمة من براثن المغول التي كانت وقفةً بطوليةً خالدةً استعادت للأمة عزتها وكرامتها. [انظر: البداية والنهاية لابن كثير، (15/ 351)]
وغيرها من المعارك الفاصلة في تاريخ الأمة.
إنّ استحضار هذه المشاهد الجهادية الخالدة في شهر رمضان، ليس مجرد سرد لأحداث تاريخية مضت، بل هو استشرافٌ للمستقبل، وتذكيرٌ بأنّ هذه الأمة قادرةٌ على النهوض من جديد، إذا ما تمسكت بدينها، ووحدت صفها، وأعدت عدتها، كما فعل سلفها الصالح.
ثانياً: نصرٌ بالبنان.. الإنجاز العلمي في رمضان
لم يقتصر عطاء العلماء في رمضان على العبادة فقط، بل كان الشهر الكريم فرصةً ذهبيةً للإبداع العلمي والتأليف. فقد أدرك علماؤنا الأجلاء أنّ صفاء الذهن، وخفة الجسد، وبركة الوقت في رمضان، تتيح لهم فرصةً فريدةً للانكباب على مصنفاتهم، وإنجاز ما كان يؤجلونه في باقي شهور السنة.
يقول الإمام النووي في ختام كتابه (رياض الصالحين): “فرغت منه يوم الإثنين رابع شهر رمضان سنة سبعين وستمائة بدمشق”.
وهذا مثالٌ واحدٌ من أمثلةٍ كثيرةٍ تزخر بها المكتبة الإسلامية. وحسبك أن تتطلع على (كشف الظنون) لحاجي خليفة، و(هدية العارفين) للبغدادي، لتجد عشرات الكتب التي انتهى مؤلفوها من تأليفها في شهر رمضان.
من هذه الكتب:
- (لباب التأويل في معاني التنزيل) للشيخ علاء الدين البغدادي المعروف بالخازن.
- (مشارق الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية) للشيخ عبد الوهاب الشعراني.
- (المفصل) في النحو للزمخشري الذي بدأ بتأليفه يوم الأحد في أول شهر رمضان سنة 513 ثلاث عشرة وخمسمائة وأتمه في غرة المحرم سنة 514
- (وصف الإهتدا في الوقف والإبتدا) للشيخ برهان الدين الربعي الذي قال في آخره:”تم تصنيفه في شهر رمضان سنة 716 ست عشرة وسبعمائة”.
- (السيف المسلول على من سبّ الرسول) للشيخ تقي الدين السبكي والذي فرغ من تصنيفه في سلخ شهر رمضان سنة 734 أربع وثلاثين وسبعمائة.
وغيرها الكثير…
هذه التواريخ التي دوّنها العلماء بأنفسهم في خاتمة كتبهم هي شهادةٌ حيةٌ على أنّ رمضان كان بالفعل شهر الإنجازات العلمية.
لماذا كان رمضان بيئة خصبة للإنجاز العلمي؟
إننا إذا أردنا أن نقف على أسباب ذلك فسنجد أنّ الشهر الكريم يحمل مزايا للإنجاز لا توجد في غيره، منها:
أولًا: تصفية الذهن:
وذلك على العكس مما يعتقده البعض من قلة التركيز لقلة الطعام والشراب فإنّ عدم شغل الجسد بعمليات الهضم تجعل هدفه مركزًا للعمليات الذهنية، فكيف إذا ماقورنت خفةُ الجسد بصفاء الروح وتوقدها! فالروح إذا صفت نظر العبد بعين البصيرة لا البصر فحسب، وفتح الله عليه في الفهم ما لا يفتح له في غير رمضان، فالجو مهيأ للفهم:
جسدٌ خفيف لا تأسره أغلال الشهوات، وعقلٌ حدّد وجهته، وروحٌ تجلس على مائدة أنسها، فأبواب الرحمة مفتوحةٌ، وأبواب النار موصدةٌ، والشياطين مصفدةٌ، والملائكة تحفّ مجالس المصلين والذاكرين…
فينعكس في داخل العبد على فهمه، كما يقول ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه: “ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر”
ثانيًا: بركة الوقت في رمضان:
وهو ما يشهده المرء حاضرًا في الشهر الكريم، فساعات النوم على الرغم من قلتها إلا أنها تكفي لإنجاز ما لا تحققه الساعات الكثيرة في غير رمضان، لأنه يخلق دافعاً نفسياً قوياً لاستثمار كلّ لحظةٍ فيما يقرب إلى الله، من عبادةٍ أو طلبٍ للعلم.
ومن أسباب البركة، الانقطاع الجزئي عن صخب الحياة، والتزود بغذاء الروح، الذي يمنح العبدَ محطةً من العزلة الإيجابية التي تمكنه من الإنجاز.
اللهم بارك لنا فيما بقي من رمضان، واجعلنا فيه من عتقائك… اللهم آمين.



