
مفهوم الأمة والدولة القطريّة لدى المفكرين المسلمين
البروفيسور علي عيسى عبد الرحمن
لقد كان لغياب الفقه السياسي الأثر الكبير في مفهوم المفكرين في الواقع الإسلامي. حيث نجد الكثير من المفكرين المسلمين لا يستطيعون أن يؤصلوا لمفهوم الأمة في الإسلام كما هو الحال في شأن تأصيل الفارابي «الإجتماعات الإنسانية كاملة وغير كاملة والكاملة ثلاث – عظمى ووسطى وصغرى. فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة والوسطى اجتماع أمة في جزء من المعمورة والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة وغير الكاملة اجتماع أهل القرية واجتماع أهل المحلة ثم إجتماع في سكة ثم اجتماع في منزل». اُنظر (آراء أهل المدينة الفاضلة ـ الفارابي ـ دار المشرق بيروت ط 1968م، ص 117 – 118).
بهذا التقسيم يتحدث الفارابي عن الأمة ورغم تواضعه في تعريف الأمة وتأصيل هذا التعريف إلا أننا نجد المسعودي من جانبه كان الأبعد تعريفاً لمفهوم الأمة وقد ابتعد في التعريف عن الفكر الإسلامي حيث لا يذكر الكثير عن التأصيل لمفهوم الأمة بقدر تركيزه على النساء ومفاتنهن فهو قد قسم العالم في ذاك الوقت الى سبعة أمم ولكنه لم يشمل الأمة الإسلامية في تعريفه هذا حيث يذكر أمة الفرس أولاً ثم الكلدانيون ثم اليونانيون والروم والصقالبة والأفرنجة والعربية والتى تشمل مصر والمغرب ثم أمة الأتراك ثم الهند والسند وأخيراً أمة الصين». اُنظرالتنبيه والإشراف – المسعودي ـ دار التراث، بيروت، بدون تاريخ ص 67.
يتحدث المسعودي عن إحدى هذه الأمم ذاكراً «ثم يلي مملكة اللان أمة يقال لها كشك وهم بين جبل القبح وبحر الروم وهي أمة نظيفة منقادة الى دين المجوسية وليس فيمن ذكرنا من الأمم في هذا الصقع أنقى أبشاراً ولا أصفى ألواناً ولا أحسن رجالاً ولا أصبح نساء ولا أقوم قدوداً ولا أرق أخصاراً ولا أظهر أكفالاً وأردافاً».للمزيد (مروج الذهب ومعادن الجوهر ـ المسعودي ـ منشورات الجامعة اللبنانية بيرورت، ط 1، 1966م، ج1، ص 23.
هكذا يتحدث المسعودي عن الأمم. أن مثل هذه النماذج ما كان لها أن تتحدث عن القطرية في الإسلام ولا عن الأمة الإسلامية، وكل ما تستطيع أن تفعله هو أن تجنح بفكرها الخيالي فيما عرف بمدينة الفارابي الفاضلة والتي ألف في آراء أهلها كتاباً فهو لا يستطيع أن يفعل الكثير تجاه الواقع لأنه آثر الخيال، وكذلك المسعودي الذي فضل الحديث عن محاسن نساء أمة كشك. ولم يكن الجاحظ بالذي يؤصل عن مفهوم الدولة القطرية ولكنه كان الأوفق حيث جعل من الأمة العربية أمة لها ذاتيتها بين الأمم الأربعة «الأمم الكبرى في التاريخ البشري أربع الفرس والروم والهند والعرب».اُنظر (البيان والتبيين، الجاحظ، القاهرة المكتبة التجارية ط 1947م، ج1، ص 384).
إن معالجة المفهوم الخاص بالأمة الإسلامية عسير وحتى حينما وجد بعض المفكرين الإسلاميين مخرجاً، كان المخرج أيضاً قاصراً على التأويل الذي بني على حديث الرسول حول افتراق الأمم، ففي كتاب (الفرق بين الفِرق) يجيب البغدادي عن سؤال حول معنى الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلـم في افتــــراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة منها واحدة ناجية فيبين كيفية نشوء الفــرق في الإســلام ويخصـص بابــاً لبيـــان «فرق الأهــواء وبيان فضائح كل منها». للمزيد (الفرق بين الفرق، البغدادي، دار الآفاق الجديدة، بيروت ط2، 1977م، ص 2 ).
تحدث ابن خلدون في مقدمته عن مفهوم الأمة ولكنه لم يقف على الأمة الإسلامية ليحددها على وجه الخصوص، بل تحدّث عنها كما يتحدث عن أي أمة أخرى: «وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبايعة وبنو اسرائيل والقبط وكانوا على أصول خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم… ثم جاء من بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها… ثم جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال انقلابة أخرى… ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين شيدوا عزمهم ومهدوا ملكهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال. فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها». للمزيد (الأحكام السلطانية الماوردي، القاهرة، طبعة الحلبي، ط2، 1966م ص 3.
ابن خلدون ومن هذه التعريفات للأمم نجده غير متحمس للأمة الإسلامية كفكر حيث يذكر أن العجم هم الذين صار الأمر بأيديهم بعد زوال دولة مضر حيث يذكر الترك بالمشرق والبربر بالمغرب والفرنجة بالشمال وكأن الأمة عنده بالضرورة تعني أمة العرب حيث النزعة القومية.
ولكن نجد أن مفهوم القطرية أيضاً موجود عند ابن خلدون «إن كل أمة لا بدّ لهم من وطن هو منشؤهم ومنه أولية ملكهم». انظر (قوانين الوزارة وسياسة الملك، الماوردي، دار الطليعة بيروت 1979م ص 31).
ابن الأزرق من الذين كتبوا في مجال التاريخ في الاجتماع وحملوا التفسير الاجتماعي التاريخي حيث يرى د. ناصيف ذلك: «أما لفظة الأمة فمن الواضح تماماً أن ابن الأزرق استعــــملها كما استعملها ابن خلدون أي بالمعنى الاجتمـــــاعي التاريخي، وفي بعض المواضع النادرة بالمعنى الديني». ( انظرمقدمة ابن خلدون، تحقيق، د. علي عبد الواحد وافي طبعة لجنة البيان العربي 1962م ص 252.
يرى ابن الأزرق ضرورة وجود خليفة لتطبيق الأحكام والشرائع الدينية: «إن الملة لا بدّ فيها من القائم بها عند غيبة نبيّها يكون فيها كالخليفة عنه في حملهم على ما جاء به من الأحكام والشرائع».انظرالمرجع السابق ص882.
لا شكّ أنّ هؤلاء الذين كتبوا عن الأمة الإسلامية أو الدولة القطرية إنما عاصروا زمن الانحطاط والجمود في الفكر الإسلامي؛ لذلك لم تخرج كتاباتهم عن هذا الانطباع والواقع الذي يعيشونه، وإن قُدّر لصاحب الأحكام السلطانية أن يمثل طفرة زمانه، فإن الظروف يكون لها الأثر في ذلك حيث عاصر ظهور الدولة الفاطمية في مصر وتوسعها في بلاد الشام بينما كانت الخلافة العباسية هي التي تمثل خلافة المسلمين لذلك كان لهذا الواقع أثره في تفكيره. بينما تغلبت روح الحرية وعدم الالتزام في فكر البعض (المسعودي) وطغت روح الفلسفة والمنطق الصوري على الآخرين (ابن خلدون، الفارابي)، ولهذه الأسباب وغيرها كان ما كتب في ذاك الوقت بعيداً على نحو ما من قيم التأصيل للفكر السياسي سواء على مستوى الأمة الإسلامية أو الدولة القطرية وملحقاتها من أجهزة حكم.
وسط هذا الركام الممتد من تاريخ أمة الإسلام وغياب السياسة الشرعية في الفقه يقيض الله لهذه الأمة مفكراً في قامة الماوردي ليؤسس لهذه الأمة فقهاً يهتم بالسياسة وقضايا الحكم: «إنّ الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن مشروع وتجتمع الكلمة على رأي متبوع فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح الأمة حــتى استثــبتت بها الأمـــور العامة وصـدرت عنها الولايات الخاصة فلزم تقديم حكمها على كل حــكم سلطانـــي ووجب ذكر ما اختص بنظرها على كل نظر ديني لترتيب أحكام الولايات على نسق متناسب الأقسام متشاكل الأحكام». انظر (1 مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ. ناصف نصار. دار أمواج للطباعة ط4 1992م ص 91.
هكذا يضع الماوردي مرجعيةً لأمة الإسلام ويفصّل لها واجباتها ومهامها ليصبح أمام الأمة الإسلامية أصلاً تستقر عليه قواعد الملة لأنه هو الذي يسوسها على نظام ويجمع كلمتها على رأي الماوردي الذي يشعر ببعض المرارة لزوال الأوضاع القديمة، يعرف أن هذه الأوضاع ذهبت إلى غير رجعة. لذلك مفهومه للسلطة في الأمة يشبه أن يكون فيدرالياً أو كونفدرالياً يحتفظ بمقتضاه الخليفة بالسلطة الاسمية العليا وللأقاليم فيه استقلاليتها بشؤونها الخاصة. انظر(بدائع السلك في طبائع الملك. ابن الأزرق. تحقيق د. علي سامي. منشورات وزارة الإعلام بغداد 1977م ج 1 ص 97.
يؤكد الماوردي بطرحه الواقعي الموضوعي هذا أنّ الإسلام مرن ويواكب الواقع فإن كان ثمة عوامل تدخلت لتجعل من القطرية واقعاً يخيم على الأمة الإسلامية فإنّ الماوردي يري أنه لا بأس بالتأقلم مع هذا الواقع وفي ذلك يقدم تصوره الذي سبق أوانه وإن خيمت نذر القطرية على واقع الحياة في العصر العباسي.
لقد انحلت الروابط الملية، بل تقطّع أكثرها، حتى كادت الأمة تخرج عن كونها أمة حقيقية متكافلة بالمصالح الاجتماعية والتعاون على الأعمال المشتركة التى تحفظ وحدتها. وطفق بعد هؤلاء (المتمدنين) الذين قطعوا روابطهم بأيديهم يفكرون في جعل الرابطة الوطنية لأهل كل قطر بدلاً من الرابطة الملية الجامعة.
مفهوم ونشأة الدولة القطرية في بلاد الإسلام:
لقد استجاب الفقهاء على امتداد عهد الإسلام لمتطلبات واقعهم فقدموا الفقه الذي يعالج متطلبات ذلك الواقع مراعين في ذلك بيئاتهم وظروفهم المحيطة، ولكن تنظيرات هؤلاء الفقهاء واجتهاداتهم حول مفهوم الدولة كانت قاصرة حيث لم يتطرقوا الى المؤسسات التشريعية والتنفيذية وما يرتبط بكل ذلك من سلوك سياسي، رسمياً كان هذا السلوك أم شعبياً، يوافق السلطة القائمة أو يعارضها. لقد كان كلّ ذلك التناول محدوداً حيث يبرر د. الترابي غياب فقه الدولة القطرية بسبب الجمود العام الذي اعترى الفقه الإسلامي من ناحية، كما يعود بسبب الفتنة التي فصلت بين السياسة والدين حيث يقول الترابي: «إن التراث الفقهي على ثرائه بوجوه أخرى يفتقد إلى معالجات أصولية اجتهادية لمسألة القطرية ذلك أن الفقه السياسي عامة في الإسلام قد اضمحل مبكراً بينما كانت وجوه الفقه الأخرى تزدهر… ولعل بؤس الفقه السياسي يعود الى الفتنة السياسية المبكرة التى خرجت بالسياسة من نيات الدين وضوابط الشرع، وباعدت ما بين الفقهاء والسلطان. هكذا تضاءل العمل الإيماني في السياسة وطغى العمل الأهوائي المنبعث بشهوة السلطة وحمية العصبية وصراع القوة». انظر( نظرات في الفقه السياسي ـ د. الترابي، دار الحكمة. الخرطوم بدون تاريخ ص118
لقد كان لاضمحلال الدولة العثمانية وضعفها وباعتبارها تشكل رمز الخلافة الإسلامية التي وحدت المسلمين، وبضعف الخلافة الإسلامية في أواسط القرن التاسع عشر وبروز التسابق الاستعماري بدأت مسألة القطرية تطل برأسها، يقول الترابي:«وإذا أراد المرء أن يعيّن الإطار التاريخي الذي طرحت فيه إشكالية الدولة ومؤسساتها في الفكر الإسلامي الحديث فإنه يستطيع أن يعود به الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بدأت بواكير النهضة على أيدي أعلام كبار أدركوا المنعطف التاريخي الخطير الذي كانت تقف عليه الأمة الإسلامية؛ فالخلافة الإسلامية كانت قد بلغت حالةً من الضعف الخارجي والتآكل الداخلي أفقدها القدرة على أداء دورها كمؤسسة توحيدية للعالم الإسلامي الذي تداعت عليه قوى الاستعمار الغربي من كل أطرافه». انظر (نظرات في الفقه ص6 ).
لذلك كان الغرب باستعماره وراء فرض القطرية، كما شجع على العصبية بوقوفه مع القومية والطائفية، يقول الترابي:«فرض الغرب على الناس نمط القطرية الحديثة التي لم تكن في أمة الإسلام من قبل إلا عند ما ضعفت هذه الأمة وتقطعت أوصال الولايات الإسلامية المختلفة، فأصبحت العصبية القطرية اليوم متمكنة. (المشروع الإسلامي السوداني ـ د. الترابي وآخرون. دار الحكمة ط2 1995م ص12
وكما طرحت قضايا مختلفة في عصور مختلفة ليجيب عليها الفقه الإسلامي فإن من القضايا المعاصرة في الوقت الراهن على الصعيد السياسي هي قضية القطرية، القضية التى أغفلها حتى المفكرون المسلمون إذ قلّ أن تجد في كتاباتهم إشارة إليها، وكأنّ بقية القضايا الساخنة التى تواجه الفكر والصحوة الإسلامية أكبر قدراً من القضية القطرية.
إلا أننا في خضم هذا الجمود الفقهي والفكري نجد د. الترابي يتعرض لمفهوم الدولة القطرية حيث يعرفها: «والدولة القطرية التى تعنينا مواقف الصحوة منها أو آثارها عليها إنما نقصد بها مجرد الشكل الإقليمي الذي اتخذه الكيان السلطاني في مجتمع تنازعه عروبته وإسلامه». انظر15. نظرات في الفقه السياسي ص5.
فإن كانت هذه القطرية بهذا المعنى الذي تحدث عنه د. الترابي إلا أننا نجد أن الغرب هو الذي صنعها «لا شك أنّ الشرق على شكله الحاضر هو صنعة الغرب، والشرق هو بلا شك اختراع غربي المبنى والمعنى»، أنظر (الاستشراق. السلطة. المعرفة. الإنشاء ـ إدوارد سعيد ترجمة كمال أبو ديب. مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ط3 1991م ص37.
دولةُ المدينة كانت أول صورة للدولة الإسلامية حيث رسم الرسول صلى الله عليه وسلم حرمها وحدّد حدودها ووضع التشريعات التى تفي بمتطلبات الذين ينضوون تحت سلطان هذه الدولة، «كانت أوّل صورة للدولة الإسلامية هي دولة المدينة التي كان ينزل عليها القرآن ويقودها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كانت بضرورة واقع النشأة محلية. رسم الرسول صلى الله عليه وسلم حرمها الإقليمي ووضع دستورها ووحد القرآن – في أواخر الأنفال – حدود ولائها الذي لا يشمل إلا الذى هاجر إليها والذى آوى فيها ونصر بما يخرج الذي آمن ولم يهاجر، فدائرة الدولة «التى ضمت أمة المؤمنين وأمة المعاهدين من يهود كانت أصغر من أمة المؤمنين الذين تخلف بعضهم بمكة مستضعفاً ومستنصراً بتلك الدولة»أنظر. (نظرات في الفقه السياسي ص101 ).
العلمانيون ومفهوم الدولة:
يرى الشيخ علي عبد الرازق أنّ الإسلام دين ورسالة روحية لا دولة فيه ولا سياسة: «إن الإسلام دين ورسالة روحية لا دولة فيه ولا سياسة… وإن الخلافة الإسلامية كانت كالكهانة الغربية.. استبداداً وطغياناً باسم الدين.. وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم، لم ينشىء دولةً ولم يقم حكومة ولم يصنع إلا ما صنعه الرسل السابقون، البلاغ المجرد عن التنفيذ… وظواهر القرآن الكريم تؤيد القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له شأن في الملك السياسي وآياته متضافرة على أنّ عمله السياسي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان… إنما كانت ولاية محمد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم، كانت زعامة دينية ويا بعد ما بين السياسة والدين». انظر الإسلام وأصول الحكم. الشيخ علي عبد الرازق. القاهرة ط 1925م ص48.
بمثل هذا المفهوم ينطلق العلمانيون الذين يرون فصل الدين عن الدولة بحكم أن الدين لا علاقة له بالدولة.
إلى ذات المعنى ذهب طه حسين حيث يرى أن الدين لا علاقة له بالدولة ويرى أنّ السياسة شيء والدين شيء آخر، ويسير على ذات الخط الذي سار عليه الشيخ علي عبد الرازق «إن السياسة شيء والدين شيء آخر».انظر مستقبل الثقافة في مصر. طه حسين القاهرة ط 1938م ج1 ص17.
من خلال الأدلة المتوافرة نجد أنه لا نزاع بين السلطة والدين في الإسلام وأنّ الحضارة التى أقامها الإسلام هي التى تؤكد ذلك:
«لقد أقام محمد صلى الله عليه وسلم دين الحق ووضع أساس حضارة هي وحدها الكفيلة بسعادة العالم، والدين والحضارة اللذان بلغهما محمد صلى الله عليه وسلم للناس بوحي من ربه يتزاوجان حتى لا انفصال بينهما.. وقد خلا تاريخ الإسلام من النزاع بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، فأنجاه ذلك مما ترك هذا النزاع في تفكير الغرب وفي اتجاه تاريخه». حياة محمد. محمد حسنين هيكل. القاهرة ط1981م ص 516.
يؤكد هيكل هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أقام الدين فقد أقام الدولة حيث أنه لا انفصال بينهما وأنّ دعاوى العلمانية باطلة لأنّ الجفاء الذي حدث بين الكنيسة وقيصر لا وجود له في الإسلام حيث تصير كل الأمور بعضها بعضاً.
الحالة هذه استمرت على ما هي عليه حيث لا فصل بين الدين والدولة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، حتى عندما تحول الحكم إلى وراثي ظلّ عدم الفصل قائماً كما ظلت القطرية معمولًا بها لاعتبارات شرعية:
«وكانت الدولة التالية هي دولة الخلافة الراشدة حيث كان السلطان مركزياً وكان الدافع العام ينطلق من محور واحد، لكن الدعوة انداحت فانتظمت أقاليم متباعدة يقطنها أقوام مختلفون واقتضت اعتبارات السياسة الشرعية التى يعود بعضها لعهد النبوة أن تكون القطرية هي أساس توزيع الولايات في الإمارة العامة والقضاء والصدقات ونحو ذلك مع وحدة الإمامة الخلافية التى لا تنازع في سلطتها ووحدة الأرض الإسلامية التي لا تعوقها مكوس ولا محاجر داخلية».انظر نظرات في الفقه السياسي
بينما الغاية التي من أجلها كانت القطرية التى ينتهي بها المطاف إلى وحدة الإمامة الخلافية التى يمثلها الإمام الخليفة للمسلمين نجد أن هنالك أصواتاً أيضاً ترتفع لتنادي بالوطنية الضيقة وتتهكم على مجرد فكرة الجامعة الإسلامية. ولعلّ أحمد لطفى السيد باشا يمثل هذا الصوت الموغل في تغريبه: «الجامعة الإسلامية خرافة.. لا أثر لها ولا وجود.. وأن القول بأن أرض الإسلام وطن لكل المسلمين قاعدة استعمارية تنتفع بها كل أمة مستعمرة تطمع في توسيع أملاكها ونشر نفوذها كل يوم فيما حولها من البلاد.. وأن المصري هو الذي لا يعرف له وطناً غير مصر». قصة حياتي. أحمد لطفي السيد. دار الهلال ـ القاهرة ط 1982م ص 67.
هذا هو المفهوم الذي يبرر التجزئة الاستعمارية الغربية للعالم الإسلامي.
إن أمثال هؤلاء الذين ينادون بالقطرية ولكن وفقاً لما يرونه وحسب مخططات المستعمر الغربي إنما يريدون أن يقضوا على وحدة العالم الإسلامي حيث واتتهم الظروف بضعف الخلافة العثمانية. وقد نبه محمد عبده إلى خطورة مثل هذه الدعوات التي تنادي بالوطنية الضيقة بديلاً عن الوحدة الإسلامية الجامعة: «لقد انحلت الروابط الملية، بل تقطّع أكثرها، حتى كادت الأمة تخرج عن كونها أمة حقيقية متكافلة بالمصالح الاجتماعية والتعاون على الأعمال المشتركة التى تحفظ وحدتها. وطفق بعد هؤلاء (المتمدنين) الذين قطعوا روابطهم بأيديهم يفكرون في جعل الرابطة الوطنية لأهل كل قطر بدلاً من الرابطة الملية الجامعة. أهل الأقطار الكثيرة، فلم يفلحوا ولكن أثر كلامهم أردأ التأثير».. الأعمال الكاملة لمحمد عبده، د. محمد عمارة، بيروت ط 1972م ج4 ص 683
الفقهاء ما كانوا يقبلون تعدد الولاية العامة وقبلوا تعددية المذاهب وهم يفعلون ذلك على الرغم من أنّ الخلافة أصبحت وراثية: «ومهما بدرت بوادر التنازع في السلطات والتعصب للإقليم أو القوم – بعد أيلولة الخلافة الى نظام الميراث – فقد ظل النمط العام للدولة متماسكاً في وحدته مرناً في لامركزيته وظل الفقهاء لا يقبلون تعدد الولاية العامة ولا الفتنة المفرقة لكيان المسلمين العام، بينما قبلوا وأصروا على تعددية المذاهب الفقهية المحلية وحريتها. انظر نظرات في الفقه السياسي ـ د. الترابي، دار الحكمة. الخرطوم بدون تاريخ.
هكذا كان حرص الفقهاء والمسلمين على استمرار وحدة المسلمين في شخص الخليفة وإن كان وارثاً للخلافة وأيلولة الخلافة إلى مجرد رمز لاتساع رقعة الإسلام وتباين ثقافة المسلمين لينعكس كل ذلك على قبضة الخليفة وبروز مطامع المسؤولين على الأقطار للانفراد بأقاليمهم. يقول الترابي: «وأخذ هذا النمط يتداعى بعوامل التباين البعيد الذي اعترى المجتمع الإسلامي في اتساعه العريض الذي تسارع ليحتوى أخلاطاً من الأقوام والثقافات ولم تواكبه وتيرة حركة التوحيد التربوي حتى أصبحت الخلافة رمزية. ونشطت مع انهيار قوة مركز الدولة مطامع المسؤولين على الأقطار استئثاراً أو استلاباً دون الخليفة وهاجت العصبيات القومية واستبدت الخصوصيات المحلية لتمهد للنمط الجديد في الواقع السياسي الإسلامي، ويبقى أن أصول القرآن والسنة منذ دولة المدينة كانت تعالج قيام دولة إقليمية لا تطابق حدودها حدود الملة، وطرحت قضايا الموالاة والنصرة والهجرة في هذا السياق».. نظرات في الفقه السياسي ـ د. الترابي، دار الحكمة. الخرطوم بدون تاريخ ص118



