المقالات

العقول بين المعلومة والإشاعة: حين تغيّر الإنترنت طريقة تفكيرنا

عندما أتأمّل الطريقة التي نتلقّى بها المعلومات في هذا العصر، أشعر أنّ عقولنا لم تعد كما كانت قبل عقدٍ أو اثنين. فلم نَعُد نقرأ كما كنّا، ولم نَعُد نُحلِّل بنفس الصبر. صار كلّ شيء سريعًا، مضغوطًا، ومحمولًا في شاشة صغيرة لا تفارق أيدينا.

العقل الإنساني، كما يقول علماء النفس الإدراكي، يعمل بنظامين في معالجة المعلومة، النظام السريع الحدسي، الذي يحكم بسرعة اعتمادًا على التجربة والمشاعر والانطباع الأول، والنظام البطيء التحليلي، الذي يتأنّى ويفكّر ويُقارن ويُمحّص. هذه الفكرة التي قدّمها دانيال كانيمان وطورها باحثون لاحقون (Kahneman, 2011; Evans & Stanovich, 2013) تُفسّر كثيرًا من قراراتنا اليومية، بل وحتى تصديقنا للأخبار.

في زمن الإنترنت، أصبح النظام الأول – الحدسي – هو المسيطر في الغالب. فالتدفّق الهائل للمعلومات لا يترك للعقل وقتًا للتمحيص. نحن نرى المعلومة، نبتسم أو ننفعل، ثم نضغط زر المشاركة. الباحثان غوردون بنّيكوك وديفيد راند من جامعة ييل أثبتا في دراساتٍ عدّة (Pennycook & Rand, 2019, Cognition) أنّ الأشخاص الذين يميلون إلى التفكير السريع الحدسي أكثر قابلية لتصديق الأخبار الزائفة من غيرهم، بغضّ النظر عن توجهاتهم أو ثقافاتهم. المسألة ليست ذكاءً أو تعليمًا بقدر ما هي ميلٌ للتفكير السطحي حين تزدحم المثيرات.

وسائل التواصل الاجتماعي بدورها لم تأتِ لتزيد الوعي، بل لتزيد التفاعل. والخوارزميات التي تنظّم ما نراه، كما بيّنت دراسة منشورة في مجلة Science (Bakshy, Messing & Adamic, 2015)، تعمل على تعزيز ما يتوافق مع آرائنا السابقة، فتجعلنا نعيش داخل (غرف صدى) نسمع فيها ما نحبّ سماعه، ونادراً ما نلتقي برأي مختلف. ومع الوقت، تتحوّل هذه الغرف إلى جدران فكرية عازلة تجعل تصحيح المعلومة شبه مستحيل.

ثم جاءت المفاجأة من دراسةٍ أخرى ضخمة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (Vosoughi, Roy & Aral, 2018, Science)، حلّلت أكثر من 126 ألف قصة متداولة على تويتر، لتكشف أنّ الأخبار الزائفة تنتشر أسرع وأوسع من الأخبار الصحيحة، خصوصًا في السياسة. المفاجئ أكثر أنّ السبب لا يكمن في الروبوتات، بل في البشر أنفسهم. الناس يشاركون الزيف لأنّه مثير، جديد، أو يثير الغضب والدهشة. المشاعر القوية، كما تبيّن أبحاث Berger & Milkman (2012, Journal of Marketing Research)، تدفعنا إلى النشر أكثر من أيّ عاملٍ منطقي.

ربما آن الأوان أن نُعيد تدريب أنفسنا على مهارةٍ بسيطة وهي أن نتأنّى، أن نسأل قبل أن نشارك، أن نختبر إحساسنا الأوليّ. لأن أغلب ما يُشبه الحقيقة للوهلة الأولى… لا يكون كذلك.

كلّ هذا جعل بيئة الإنترنت مثالية لانتشار الإشاعات. فحين نسمع خبراً متكرراً، حتى لو كان خاطئًا، يبدأ دماغنا في التعامل معه كأنه حقيقة. هذا ما يسمّيه العلماء بـ (أثر الحقيقة الوهمية  (Illusory Truth Effect، وهو ظاهرة مؤكدة في عشرات الدراسات الحديثة (Dechêne et al., 2024).  التكرار وحده كافٍ ليزرع فينا شعوراً بالصدق.

تتداخل هنا العاطفة مع الحاجة النفسية للانتماء. في مجموعات الواتساب المغلقة أو صفحات الفيسبوك الصغيرة، المعلومة لا تأتي من مصدرٍ رسمي، بل من صديقٍ نثق به. فيبدو تصديقها أسهل، ومناقشتها أصعب. هذا ما أشار إليه تقريرٌ نشرته مجلة Nature Reviews Psychology (2022)، بأن التفاعل الاجتماعي المباشر يجعل تصحيح الخطأ أكثر تعقيداً، لأنّ الناس يربطون المعلومة بهويتهم وعلاقاتهم.

الأمر لم يَعُد مجرّد خللٍ في الوعي الفردي، بل صار ما تُسميه منظمة الصحة العالمية «وباءً معلوماتيًا«(Infodemic)  

حين تنتشر معلومات مضلّلة بكثافة في أوقات الأزمات، كما حدث خلال جائحة كورونا، يصبح من الصعب على الناس التفريق بين الصحيح والزائف، ويؤدي ذلك إلى قراراتٍ خطيرة وسلوكيات مضللة. لذلك تعمل المنظمة على استراتيجيات (التطعيم المعرفي (Cognitive Inoculation) –  أي تدريب الناس مسبقًا على التعرّف إلى التضليل قبل أن يتعرّضوا له (WHO, 2020).

تُظهر الدراسات أنّ مجرد تذكير الشخص بالتفكير في (دقّة المعلومة) قبل مشاركتها يقلّل من تداول الأخبار الكاذبة (Pennycook et al., 2021, Nature).  ويبدو أنّ الحل لا يكون بالمنع أو الرقابة، بل بتنمية مهارة التوقّف لحظةً قبل التصديق. هذه اللحظة القصيرة، التي تُعيد تشغيل النظام التحليلي في الدماغ، قد تكون كفيلة بتغيير النتيجة.

حين أتأمل كل ذلك، أدرك أنّ المعركة الحقيقية ليست بين الحقيقة والزيف فحسب، بل بين السرعة والعمق، بين الانفعال والتفكير. نحن لا نفتقر للمعلومات، بل نغرق فيها. والمشكلة ليست في ضعف الوعي، بل في تعب العقل من فرط ما يُلقى عليه.

ربما آن الأوان أن نُعيد تدريب أنفسنا على مهارةٍ بسيطة وهي أن نتأنّى، أن نسأل قبل أن نشارك، أن نختبر إحساسنا الأوليّ. لأن أغلب ما يُشبه الحقيقة للوهلة الأولى… لا يكون كذلك.

المراجع العلمية

               •             Kahneman, D. (2011). Thinking, Fast and Slow.

               •             Evans, J. St. B. T., & Stanovich, K. E. (2013). Dual-process theories of higher cognition.

               •             Pennycook, G., & Rand, D. G. (2019). Cognition.

               •             Bakshy, E., Messing, S., & Adamic, L. A. (2015). Science.

               •             Vosoughi, S., Roy, D., & Aral, S. (2018). Science.

               •             Berger, J., & Milkman, K. L. (2012). Journal of Marketing Research.

               •             Dechêne, A., et al. (2024). Psychological Bulletin.

               •             Nature Reviews Psychology (2022). Belief in misinformation: causes and barriers to correction.

               •             World Health Organization (2020). Managing the COVID-19 infodemic: promoting healthy behaviours and mitigating the harm from misinformation.

               •             Pennycook, G. et al. (2021). Nature

أ. أحمد النعيمي

مختص بعلم النفس التربوي التطبيقي والإرشاد التربوي عضو الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) ورئيس المركز العالمي للأبحاث والتطوير

أ. أحمد النعيمي

مختص بعلم النفس التربوي التطبيقي والإرشاد التربوي عضو الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) ورئيس المركز… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى