المقالات

الدولة في المنظور الإسلامي.. مقاربة فقهيّةٌ فكريّةٌ في جدليّة الغاية والوسيلة

منذ فجر الاجتماع البشري، ظلّت الدولة سؤالًا يتردّد في وجدان الأمم، لا بوصفها مجرّد هيكل من مؤسساتٍ وقوانين، بل باعتبارها مرآة لروح الإنسان الجماعية؛ أهي قدر محتوم تفرضه صراعات البقاء، ونزعات الهيمنة، وغرائز التسلط؟ أم أنّها مشروع حضاريّ ينهض من أعماق الوعي الإنساني، تعبيرًا عن أشواق الفطرة إلى العدل والنظام والطمأنينة؟

لقد كان الإنسان، كلّما وضع لبنة في جدار الدولة، وضع معها لبنةً في أسئلة الوجود الكبرى: ما الغاية؟ ولماذا السلطة؟ ولمن الولاء؟ وهل الدولة غاية في ذاتها، أم وسيلة لصيانة ما هو أسمى منها؟

لقد أدرك فقهاء الإسلام ومفكروه، منذ بزوغ حضارتهم، أنّ الدولة ضرورة اجتماعية فطرية لا غنى عنها لبقاء الاجتماع البشري، لكنهم في الوقت ذاته شدّدوا على أنّ هذه الضرورة لا ينبغي أن تنفلت من سلطان القيم الإلهية ولا أن تتحرر من مصلحة الأمة؛ فهي؛ مهما بلغت من القوّة والسطوة، تبقى خادمًا لقيم العدل والرحمة والشورى، وميزانًا لحفظ حق الله وحقوق عباده. ومن هنا ظلّ سؤال الدولة سؤالًا مفتوحًا، يتجاوز حدود الحاكم والمحكوم إلى أفق أرحب: كيف نبني سلطة تجمع بين الفاعلية والعدالة؟ بين صرامة الرادع ورأفة الراعي؟ بين الحزم في إقامة النظام والرحمة في صيانة الإنسان؟

إنها معادلة شاقة ظلّت ـ وستظلّ ـ مدار اجتهاد الفقهاء، وقلق الفلاسفة، وامتحان الضمائر الحية في كل عصر.

ولقد اعتنى علماء المقاصد، ومعهم صفوة من الأصوليين، بإرساء موازين رفيعة في النظر إلى أحكام الشريعة، فقسّموها إلى مقاصد ووسائل؛ أو إن شئت فقل: إلى ما هو مطلوب لذاته وما هو مطلوب لغيره، وهذا التّمييز؛ لمن استبصر به وأحسن إنزاله، يورث رشادًا في الفقه ونجاةً في العمل، ويصون الشريعة عن التبديل والانحراف، أما من أعرض عنه أو استبدّ به الهوى، فهو على خطر الخبط والخلط، يزلّ في مواقع الحكم، ويتجنّى على روح الشريعة ومصالح الأمة.

ولعل أشدّ الميادين حاجةً إلى هذا الميزان الرباني: ميدان الحكم والسياسة والدولة؛ وهنا يثور سؤال لا يسكن: هل الدولة، في التصوّر الإسلامي، غاية مقصودة لذاتها؟ أم وسيلة مطلوبة لغيرها؟ وهل إقامة “الدولة الإسلامية” هي المقصد الأعلى الذي تنتهي عنده الجهود، أم السبيل إلى مقاصد أسمى وأبقى؟

إنه سؤال لا يقف عند كيان الدولة بإجماله، بل يتغلغل في بنيانها وتفاصيلها؛ نظام الخلافة والوزارة، طريقة البيعة والشورى، القضاء والحسبة، بيت المال، التراتيب الإدارية، شروط الإمام وواجباته وصلاحياته ووظائفه؛ فأي هذه مقصود في ذاته؟ وأيها وسيلة إلى ما هو أعظم؟

إن إدراك الفارق بين المقاصد والوسائل هو لبّ الفقه وروحه، وميزان دقيق تضبط به حركة الشريعة في حياة الأمة؛ فالمقاصد هي الغايات العليا التي جاءت الشريعة لتحقيقها وصيانتها، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، أما الوسائل فهي كل ما يُفضي إلى هذه المقاصد ويخدمها من أنظمة وأدوات وأساليب، يمكن أن تتغيّر وتتبدل بحسب الزمان والمكان والمصلحة، ويمكن أن تبقى ثابتة.

وحين تختل هذه التفرقة، فتُنزل الوسائل منزلة المقاصد، أو تُتخذ المقاصد ذرائع لتبرير وسائل باطلة، يختل الميزان وتضيع الحكمة ويقع الانحراف، أما حين يبقى الوعي بهذا الفارق حاضرًا، تُحفظ الشريعة من التحريف، وتُصان الأمة من استبداد الوسائل، وتظل الغايات هي الحاكمة على الوسائل، لا العكس.

وفي هذا المقام، نحاول أن نقرأ الدولة الإسلامية قراءة فقهيّة وفكرية عميقة، نستكشف من خلالها جدليتها بين الغاية والوسيلة، ونفتش في أصول التصوّر الإسلامي لها، ونتأمّل شروط تحقّق صفتها الإسلاميّة، ونحلّل إشكالات التطبيق والانحراف التاريخي؛ إنها محاولة لاستعادة المعنى، وإضاءة الدّرب بين ركام الدّولة القهريّة الحديثة، والدّولة الحلم التي بشّر بها الوحي؛ فالدولة؛ في نهاية المطاف ليست سجنًا للإنسان، بل سفينة له في بحر الاجتماع، والنجاة رهينة بحسن الإبحار، لا بجبروت الربان.

الدولة ـ مهما بلغت من القوة والجبروت ـ ليست صنمًا يقدَّس، ولا قدرًا محتومًا فوق النقد والتقويم؛ فهي ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق العدل وصيانة الحقوق، خادمة للجماعة، أداة في يدها لا سوطٌ على ظهرها

أولًا: الدّولة خادمة للدّين والإنسان

في التّصور الإسلامي، لا تُقام الدولة لتكون سيِّدة على الناس ولا غاية في ذاتها، بل لتكون خادمة للقيم، حافظة للدين، وصائنة لكرامة الإنسان ومصالح الجماعة.

ضرورة الدولة في الاجتماع البشري

تكاد المذاهب الفكرية في التراث الإسلامي، قديمها وحديثها، تجمع على أن إقامة الدولة واجبٌ دينيّ وضرورة إنسانية في آن واحد؛ فهي من جهة؛ ضرورة وجودية لا يستقيم بها نظام الجماعة ولا تحفظ بها مصالحها، لأنها وحدها التي تردّ غوائل الفوضى، وتحجز القوي عن الضعيف، وتقيم الحدّ الأدنى من العدل والأمن، وهي من جهة أخرى؛ واجبٌ دينيّ إذ إن إقامة الشريعة وحراسة الدين وصون الحقوق مرهونة بوجود سلطة تحفظ الثغور، وتقيم الحدود، وتردع الظلم، وتحمي الجماعة.

وقد عبّر الفقهاء عن هذا المعنى بمعانٍ شتى، فجعلوه من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”[1]، واستشهدوا بما رواه الديلمي ـ بسند ضعيف ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه، فالإسلام أس والسلطان حارس، وما لا أسَّ له يهدم، وما لا حارس له ضائع”[2]

ومما ينسب إلى الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم قوله: “إنّا لا نجد فرقةً من الفرق ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلاّ بقيم ورئيس، لما لا بدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق لما يعلم أنه لا بدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به؛ فيقاتلون به عدوّهم، ويقسّمون به فيئهم، ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم”[3].

وعبّر ابن خلدون عن هذه الحقيقة في مقدمته بقوله: “اعلم أنّه قد تقدّم لنا في غير موضع أنّ الاجتماع للبشر ضروريّ وهو معنى العمران الذي نتكلم فيه، وأنه لا بدّ لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه”[4]

ومع ذلك كله، ظل الفقه الإسلامي على وعي عميق بأن الدولة ـ مهما بلغت من القوة والجبروت ـ ليست صنمًا يقدَّس، ولا قدرًا محتومًا فوق النقد والتقويم؛ فهي ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق العدل وصيانة الحقوق، خادمة للجماعة، أداة في يدها لا سوطٌ على ظهرها؛ وهذا الفهم ينسجم مع أصل الفطرة الذي يقرر أن الخير كامن في النفس البشرية، وأن النبوات إنما جاءت لتزكي هذا الخير وتكبح نوازع الشر؛ فكلما نجحت التربية الإسلامية في تهذيب الضمائر واستقام الناس على الجادة، خفّت الحاجة إلى الدولة، وكلما طغى الفساد ضعف الوازع الداخلي واشتدت الحاجة إلى وازع خارجي، وهو الدولة.

ولذلك ظل الفقهاء يحذرون من أن تتحوّل الدولة من خادم إلى سيد، ومن ضرورة إلى صنم تُفتدى مصالحه بالقيم التي قامت الدولة لحراستها، مؤكدين أن غاية الدولة أن تكون أداة للجماعة لتحقيق مقاصدها الكبرى؛ إقامة العدل، وحفظ الدين، وصيانة النفوس والأموال، فإذا أدت وظيفتها استحقت الدعم، وإن انحرفت وجب تقويمها أو تجاوزها.

ولئن كانت الدولة ذات أثر بالغ يشمل شؤون الدين والدنيا جميعًا، فمن اللّافت أنه لم يرد في نصوص الوحي ـ قرآنًا وسنة ـ ذكر صريح للدولة بما هي دولة، ولا لمؤسساتها بوصفها كيانًا مستقلًا؛ حتى “نصب الإمام” الذي أجمع الصحابة على وجوبه[5]؛ لم يأت فيه نصّ بصيغة أمر أو ترغيب أو وعيد، وإنما استنبطه الفقهاء من القواعد العامة، مثل قاعدة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، فهي من المصالح المرسلة التي قال فيها الشاطبي رحمه الله في “الاعتصام”: “حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم في الدين ، وأيضا مرجعها إلى حفظ الضروري من باب ما لا يتم الواجب إلا به . . فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد”[6]

وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام في مصالح الأنام”: “ولا شك أن نصب القضاة والولاة من الوسائل إلى جلب المصالح العامة والخاصة، وأما نصب أعوان القضاة والولاة فمن وسائل الوسائل”[7]

وعبّر الدكتور أحمد الريسوني عن هذه الحقيقة بقوله: “إن الدولة في الإسلام وسيلة وليست مقصدا مطلوبا لذاته، والوسائل جزء من الشريعة، وهي نصف الشريعة أو أكثر، وكون الدولة وسيلة وليست مقصدًا لا يجادل فيه إلا من حاز الجهل كله وأوتي الغباء كله”[8].

وقال الدكتور وهبة الزحيلي في “الفقه الإسلامي وأدلته” معبرًا عن كون الدولة وسيلة لا غاية: “دولة الإسلام إذن دولة ذات فكرة ومنهج موضوعي ورسالة دائمة، مهمتها نشر العقيدة الإسلامية، وتصحيح مفاهيم الناس نحو عالم الغيب وعالم الشهادة؛ بتقديم الحلول السليمة، ووضع المناهج السديدة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية على نمط يحقق الخير والرفاه والسعادة للفرد والجماعة”[9] ثم قال: “وبكلمة إجمالية: إن مهمة الدولة الإسلامية هي نشر الحضارة ذات الطابع الإنساني الرفيع”.

إن الدولة في جوهرها الإسلامي، مسؤولية لا مغنم، وظيفة لا امتياز، وحارس لا مالك، وهي بقدر ما تقيم من العدل وتحفظ كرامة الناس، تكتسب شرعيتها في الضمير الجمعي، ووجودها ـ ولو ناقصًا ـ خير من غيابها الذي يفتح أبواب الفوضى، لكنها تبقى دائمًا رهن الرقابة الجماعية، خادمة للجماعة لا متسلطة عليها، أداة لحماية إنسانيتها لا آلة لقهرها.

ومع دخول العصر الحديث، تصاعد الجدل حول الدولة في الفكر الإسلامي مع الصدمة الحضارية للغزو الغربي، وصعود خطاب علماني متأثر بالنموذج الغربي ـ خاصة الفرنسي ـ ينادي بفصل الدين عن الدولة، مستندًا إلى اجتهادات معزولة كأطروحة علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم”، وقد أصبحت هذه الأطروحة، رغم هشاشتها العلمية وتراجع صاحبها عنها، ذريعة تعلّق بها دعاة العلمنة متجاهلين سياقها التاريخي والردود العلمية التي دحضتها.

في المقابل؛ ظل الفقهاء والمفكرون على رؤيتهم الشمولية التي ترى الدولة ضرورة دينية ووظيفة خادمة للقيم، وأن الدين شامل لكل جوانب الحياة، وأن الدولة إطار تنظيمي لإقامة الشريعة وصون الجماعة وتحقيق مقاصد العدل.

أما الرؤية الشيعية الإمامية التقليدية فقد جعلت الإمامة منصبًا دينيًا بالنص، وحصرته في أشخاص محددين، مما ولّد مفارقات عقدية حادة، وأسقط أغلب الصحابة في دائرة الاتهام، وجعل الأمة أمام تناقض مؤلم بين نصوص مدح الجيل الأول والاتهام بخيانة أمانة الرسالة.

وهكذا، تباينت المذاهب؛ بين من قدّس الدولة حتى صارت فوق النقد، ومن جرّدها من كل مضمون ديني حتى غدت آلة قهر محايدة، ومن بقي وفيًا للرؤية الوسطية التي ترى الدولة أداة خادمة للقيم، تقاس مشروعيتها بمدى خدمتها للعدل والرحمة، وهذه الرؤية الوسطية هي الأقرب إلى روح الإسلام وفطرته، لأنها تحمي الدّولة من الاستبداد باسم القداسة، وتحمي الدّين من التهميش باسم العلمنة، وتبقي الدّولة وسيلة لاختبار صلاح الجماعة، لا قدرًا مفروضًا على رقابها.

التكليف لا التشريف

إن السلطة في التصور الإسلامي ليست شرفًا يتباهى به الحاكم، ولا امتيازًا يستأثر به، ولا عرشًا يعلو به على رقاب الناس؛ بل هي تكليف ثقيل وأمانة عظيمة ومسؤولية تقضّ مضاجع القلوب الواعية. إنها عبء يحمله الحاكم على كاهله، لا ترف يتزيّن به على جبينه؛ مقام خدمةٍ للدين وصيانةٍ للناس، لا مقام استعبادٍ لهم وتسخيرٍ لمصالحهم.

لقد جاء القرآن الكريم ليقوّض الصورة الوثنية للسلطة التي سادت عصورًا طويلة من تاريخ الإنسانية، حيث كان الحاكم يتأله ويتسلّط ويتصرّف في العباد والبلاد كأنه ظلّ إله في الأرض؛ فأبان أن الخلافة تكليف رباني مشروط بالحق والعدل، كما قال تعالى مخاطبًا داوود عليه السلام: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” ص: ٢٦.

فالخلافة هنا ليست تفويضًا مطلقًا ولا امتيازًا شخصيًا، بل وظيفة تؤدى في حدود شرع الله ومقاصده، قائمة على العدل، وإلا انقلبت فتنة ونقمة على صاحبها، وهذا المعنى هو ما أدركه خلفاء الأمة الراشدون، فعبّر عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبة تنصيب الخلافة: “أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم”[10] وخاطب عمر بن عبد العزيز الأمة عند توليه الخلافة بالخضوع والتواضع والدموع؛ قائلًا: “إنما أنا رجل منكم، غير أني أثقلكم حملًا، وأيم الله إني لأقول هذه المقالة وإني لأعلم أني أكثركم ذنوبًا”[11].

كلمات صادقة تختصر حقيقة السلطة في الإسلام؛ عبء ثقيل من المسؤولية أمام الله والناس، لا وسام يتزين به الحاكم أمام أعين الناس.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلّم لأبي ذر رضي الله عنه، لمّا سأله الولاية: “يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”.

بهذا الفهم العميق لوظيفة الدولة وعبء الحكم، قطع الإسلام الطريق على كل استبداد يتدثّر بالدين، وذكّر كل حاكم أن سلطته امتحان له في دنياه وآخرته، وأنه إنما وُضع في موضع القيادة ليخدم الناس لا ليستعبدهم.

فالسلطة تكليف لا تشريف، مسؤولية لا مغنم، عبء ثقيل بقدر ما يحمل المؤمن هموم الناس ويقيم فيهم العدل، لا بقدر ما يحقق مآربه ويستبدّ برأيه. وهكذا تظل الدولة ـ في ميزان الإسلام ـ خادمة للدين والإنسان، مقيدة بالحق والعدل، محكومة بالشرع والرقابة الجماعية، ومسؤولة أمام الله أولًا وأمام الناس ثانيًا، وكل حاكم ينسى هذه الحقيقة، فقد خان الأمانة ونكص عن الرسالة التي كُلّف بها.

وإذا كان قد تقرر أن الدولة في ذاتها ليست مقصدًا شرعيًا، بل وسيلة من وسائل تحقيق مقاصد الشريعة، فإن مقاصدها هي كل ما تقيمه وتخدمه من مقاصد الشريعة ومصالح الأمة. فهي خادمة للأمة، نائبة عنها في تحقيق مصالحها الدينية والدنيوية، كما قال علال الفاسي رحمه الله: “الإسلام يعتبر الدولة خادمة للناس”

وما جعله الشرع مقصدًا لآحاد المكلفين وجماعتهم، فهو للدولة كذلك مقصدٌ لازم وواجب؛ إذ إن مقاصد الشريعة ومقاصد الدولة نسيج واحد لا ينفصم، وروح واحدة لا تتجزأ؛ فإذا كانت الضروريات الخمس هي؛ حفظ الدين، وصيانة النفس، وحماية النسل، وصون العقل، ورعاية المال هي ذروة مقاصد الشريعة وأسمى غاياتها، فإن صيانتها وتعزيزها إنما تقع في صميم رسالة الدولة، ولبّ وظيفتها، ومناط مشروعيتها في وجدان الأمة وميزان الشرع معًا.

وإن كانت الغاية مشتركة بين الدولة والأفراد والجماعات، فإن الدولة تتميّز عنهم في الوسائل والأولويات؛ إذ بيدها من الأدوات والقدرات ما لا يطيقه الأفراد، وبوسعها أن تنهض بمهام ومسؤوليات تعجز عنها الجماعات، فتتصدّى لمجالات واسعة لا يحسنها سواها، وتدبّر من شؤون الأمة ما يعلو عن طاقة الأفراد وأفق إمكانياتهم.

وهكذا تتكامل الصورة؛ الدولة في التصور الإسلامي وسيلة سامية، وأمانة ثقيلة، وخادمة للقيم والإنسان، مقيدة بالحق والعدل، ومقاصدها هي مقاصد الأمة، وأي انحراف بها عن هذه الوظيفة إنما هو خيانة للعهد وضياع للأمانة.

وما جعله الشرع مقصدًا لآحاد المكلفين وجماعتهم، فهو للدولة كذلك مقصدٌ لازم وواجب؛ إذ إن مقاصد الشريعة ومقاصد الدولة نسيج واحد لا ينفصم، وروح واحدة لا تتجزأ؛ فإذا كانت الضروريات الخمس هي؛ حفظ الدين، وصيانة النفس، وحماية النسل، وصون العقل، ورعاية المال هي ذروة مقاصد الشريعة وأسمى غاياتها، فإن صيانتها وتعزيزها إنما تقع في صميم رسالة الدولة

ثانيًا: الدولة الإسلامية.. بين الاسم والحقيقة

ما أكثر الأسماء التي تتزين بها الدول، وما أقلّ من يصدّقها عملًا ويجسّدها جوهرًا؛ فليست كل دولة تُسمّى “إسلامية” تبلغ حقيقة الإسلام في قيمها وعدلها ومقاصدها؛ إنما الإسلام روح تُنفخ في كيان الدولة لتقيمها على الحق، وتزن أعمالها بميزان الشريعة، فلا يغني الاسم عن الحقيقة شيئًا إن انحرفت عن العدل، ولا يضرّها إنصاف الناس إن قصرت الألقاب؛ وهنا يتجلى السؤال العميق: هل نحن أمام دولة تحمل الإسلام عنوانًا، أم دولة تحمله مضمونًا ورسالة؟

انحراف الدولة التاريخية.. مأساة الهوّة بين المثال والتجربة

على وضوح الرؤية القرآنية والنبوية للدولة، بوصفها كيانًا رساليًا يقوم على العدل، ويضطلع بحمل همّ الأمة ورعاية مقاصدها، إلا أن التجربة التاريخية للدولة الإسلامية كشفت، منذ وقت مبكر، عن الهوّة السحيقة بين المثال الموحى والممارسة المنحرفة؛ فما إن انقضت عقود يسيرة على قيام الخلافة الراشدة، حتى أخذت الدولة تنزلق شيئًا فشيئًا إلى منطق العصبية والغلبة، فانقلبت من خلافة على منهاج النبوة إلى مُلك عضوض، ومن إمامة جماعةٍ على أساس الشورى والبيعة إلى إرثٍ عائلي تتنازعه السيوف وتستبد به الأهواء.

وكانت موقعة صفين محطة فارقة ونقطة انعطاف خطيرة؛ إذ انكسرت روح الشورى والعدل تحت سنابك الجيوش وألوية العصبيات، واستسلمت الدولة، منذ ذلك الحين، لمنطق التوريث، وتحوّلت في كثير من مراحلها اللاحقة إلى أداة بيد الحاكم لتكريس سلطانه وتحقيق مآربه الخاصة، ولو على حساب مقاصد الشريعة وحقوق الأمة وكرامة الجماعة.

إن مأساة الدولة الإسلامية في جوهرها؛ لم تكن يومًا عجزًا عن إنتاج القوة، فقد ملكت من السيوف والجنود والجيوش ما أرعب خصومها وأقام سلطانها؛ لكنها عجزت عن توجيه تلك القوة نحو غاياتها الصحيحة، فغاب عنها البصيرة التي تجعل السلطان خادمًا للحق لا عبدًا للهوى، والسيف حارسًا للعدل لا آلة للبطش، وهنا يكمن الداء العضال؛ حين تتحول الدولة من أداة لتحقيق مقاصد الشّعوب إلى وسيلة لتحقيق شهوات الحاكمين، ويُستدعى الدين ذاته لتبرير هذا الانحراف، فيُرفع شعار الخلافة على أبواب الظلم، ويُستعمل الشرع ستارًا لتسويغ القهر، حتى غدت الخلافة الإسلامية، في أذهان كثير من الناس، رديفًا للاستبداد والبطش بدل أن تظل رمزًا للعدل والكرامة.

إن جوهر المأساة إذن، أن الدولة حافظت على أجهزتها وأدواتها المادية، لكنها فقدت قي كثير من النّماذج روحها الرسالية؛ فبقي لها السيف، لكنها أضاعته عن موضعه، فلم يعد نصيرًا للحق بل مطية للهوى.

ومن هنا يتجدد التحدي أمام كل جيل؛ كيف نحرس الدولة من أن تتحوّل إلى صورة بلا مضمون، واسم بلا مسمى؟ وكيف نعيدها إلى أصل وظيفتها أداةً بيد الأمة لتحقيق العدل وصيانة الحقوق وحماية الدين؟

بهذا الوعي العميق؛ تصبح استعادة الدولة إلى روحها الأولى مشروعًا دائمًا للأمة، وسؤالًا مفتوحًا على الزمن؛ كيف نبني دولة تحمل اسم الإسلام، وتستحقه حقًا؟ وكيف نحميها من الانزلاق إلى أن تصبح وثنًا جديدًا يُعبد، بدل أن تبقى وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة في إقامة العدل ورعاية الخلق وحفظ الكرامة؟

بين حقيقة الدولة الإسلامية وصورتها المتسمّية بالإسلام

ليس كل من رفع شعار الإسلام على أعلامه، أو صبغ مؤسساته بلون الدين، كان على منهاج الشريعة حقًّا؛ ولا كل من علّق في ساحاته لافتات “الخلافة” و”الشريعة” كان أهلاً لهذه التسمية الجليلة. فالإسلام في جوهره ليس لافتةً تُرفع ولا زينةً شكلية يُخفي بها الحاكمون ظلمهم، بل هو منظومة قيم ومقاصد، تبدأ من صفاء النية في القلب، وتمتد إلى السياسات والممارسات، حتى تنبض بها حياة الناس واقعًا وعدلًا ورحمة.

لقد خُدعت الأمة مرارًا، على امتداد تاريخها، بدولٍ ادّعت الإسلام ورفعت شعاراته، لكنها أقامت سلطانها على الظلم، وشيدت بنيانها على القهر والإكراه، وقهرت شعوبها باسم الدين، وهذه المفارقة بين الاسم والحقيقة ليست وليدة اليوم؛ فليس كل ما سُمّي خلافة إسلامية كان حقًّا كذلك، إذ إن الخلافة روح ومضمون، لا لقب ومظهر فحسب.

إن الدولة الإسلامية الحقة ليست طلاءً خارجيًا يخفي باطنًا فاسدًا، وليست طقوسًا شكلية تُستعمل لتجميل وجه مستبدٍّ متعطشٍ للسلطة؛ بل هي في لبّها، تجسيد عملي لمقاصد الشريعة الكبرى؛ حفظ الدين، وصيانة النفس، وحماية المال، وصون العرض والعقل، وتأمين الحرية والكرامة والعدل لكل فرد من أبناء الأمة، وهي مشروع بناءٍ للإنسان وحراسةٍ له قبل أن تكون مشروع تحكّمٍ فيه.

إن الدولة في ميزان الإسلام ليست مجرد جهازٍ إداري يُسنّ قوانين مستوحاة من النصوص ثم يُفرغها من مضمونها بالظلم والتسلّط، بل هي وارثة لميراث الأنبياء في رعاية المستضعفين، وإقامة العدل، وكف يد المعتدين، وتأمين الطمأنينة في النفوس؛ فإن تخلّت الدولة عن هذه الوظائف الجوهرية، لم يبق من شعاراتها إلا قناع هشّ يتهاوى عند أول امتحان.

وقد آن للأمة أن تتحرر من الوهم القائل إن وجود المحاكم الشرعية، أو فرض بعض الشعائر الظاهرة، كافٍ لتكون الدولة إسلامية؛ فالشريعة، كما قال ابن القيم في “إعلام الموقعين”: “مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها”

إن الدولة التي تنهب ثروات شعبها، وتقمع حرياتهم، وتستعبدهم باسم الدين، إنما هي خيانة صريحة لجوهر الإسلام، مهما زعمت لنفسها أشرف الألقاب؛ والدولة التي تصون الكرامة، وتبسط العدل، وتحفظ الحقوق، هي أقرب إلى روح الإسلام وإن لم ترفع رايته.

إن الدولة الإسلامية الحقة مشروع أخلاقي بقدر ما هي كيان سياسي، ومسؤولية أمام الله بقدر ما هي منصب دنيوي، ووظيفة لحفظ دين الناس ودنياهم، قبل أن تكون سلطة تتغوّل على أرواحهم وأرزاقهم.

وهكذا يتبيّن أن الفارق بين الدولة الإسلامية والدولة المتسمّية بالإسلام ليس في الأسماء التي تُرفع، ولا في الشعارات التي تُعلن، وإنما في الميزان الذي تقيمه بين الناس؛ ميزان العدل والكرامة والرحمة. فإن أقامته بحق، استحقت أن تُنسب إلى الإسلام، وإن خانته، فهي عند الله وعند أولي البصائر ليست إلا مُلكًا جائرًا وإن ارتدى ألف زيٍّ من أزياء الدين.

الدولة.. مشروع شعب لا مشروع سلطة

إن الدّولة ـ في التصور الإسلامي ـ ليست قدرًا غاشمًا يفرض على الناس الخضوع ولو بغت، ولا معبدًا مقدسًا يُطاف حوله وإن تهدمت أركانه، بل هي عقدٌ مشروط بين الأمة وحكامها على أساس العدل والحق؛ فإذا خان الحاكم هذا العقد، أو تعطلت الدولة عن أداء وظائفها التي أقامها الله لها، انقطعت صلتها بمشروع الأمة، وغدت غريبة عن روحها، فاقدة لمشروعيتها، حتى تُرد إلى سواء السبيل.

فالسلطة، في الشرع، تكليف وأمانة، لكنها لا تقوم بغير رقيب أمين من الأمة؛ إذ إن وعي الشعب هو الحصن الذي يحول دون انحراف الدولة عن رسالتها، واليد التي تعيدها إلى جادة الحق كلما زاغت عنها، وحين يغفو الشعب عن حقه ويستسلم للغفلة، يهيئ الطريق للطغيان، أما إذا استيقظ ضميره وصحا إلى مسؤوليته، فإنه يرد السّلطة إلى أصلها الصحيح؛ خادمة للقيم، حارسة للحقوق، لا سوطًا للتسلط ولا أداة للقهر.

ومن هنا يتضح أن الدولة في أصلها وسيلة كبرى، وهذه الوسيلة وعاء جامع للوسائل في الوقت نفسه، تُستعمل بما يخدم مقاصد الشريعة ويحقق مصالح الأمة، وكل وسيلة تُعين على إقامة الدين وصون الحقوق والعدل، جاز للدّولة الأخذ بها وتطويرها بحسب الزمان والمكان.

لهذا كانت الدولة ـ كما أرادها الإسلام ـ مشروعًا ينبع من وعي الأمة بحقيقتها الحضارية، وتنظيم طاقتها ومقدراتها في مؤسسات وأجهزة عاقلة، لا مشروع نخبة متغولة أو حاكم متأله يرى البلاد ومن فيها ملكًا له.

والدولة جسد لا حياة فيه ما لم تدب فيه روح الشريعة ومقاصدها العليا؛ فإذا فقدت هذه الرّوح تحولت إلى جثّة هامدة مهما بدت أبهتها وعلت أركانها، وحينئذ، يصبح من واجب الأمة أن تطرح هذا الجسد البالي عن كاهلها لتقيم بنيانًا جديدًا تحيا فيه القيم من جديد؛ وما أبلغ قول أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يومًا أراد الحياةَ

فلا بدّ أن يستجيب القدرْ

ولا بدّ لليل أن ينجلي

ولا بدّ للقيد أن ينكسرْ

إن الإرادة الشعبية الواعية هي التي تصنع قدرها بوعيها، وتصوغ مشروع دولتها بيقظتها وعدلها وحسن تدبيرها؛ فالدّولة في الإسلام أداة لتحرير الإنسان، لا لاستعباده، مركب يحمل الأمة إلى مقاصدها العليا، لا قيدًا يثقل حركتها، جسد نابض بروح العدل والشريعة، لا جثةً يعتليها الطغاة في رقصاتهم المأساوية على أنقاض القيم.


[1] انظر؛ الإحكام في أصول الأحكام؛ الآمدي: 1/111

[2] عزاه السيوطي في الجامع الكبير للديلمي عن ابن عباس وسنده ضعيف

[3] بلغة الفقيه، بحر العلوم: 2/219

[4][4] المقدمة، ابن خلدون: 1/377

[5] الأحكام السلطانيّة، الماوردي: 10

[6] الاعتصام، الشّاطبي: 2/628

[7] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام: 1/58

[8] من مقابلة مع الريسوني في صفحة ميدان في الجزيرة نت بتاريخ 1/4/2019م

[9] الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي: 8/6353

[10] البداية والنهاية، ابن كثير: 5/218

[11] البداية والنهاية، ابن كثير: 12/686

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى