
جدلية الدولة والإنسان.. نظريات التشكل من الأسطورة إلى العصبية
منذ أن انبثق الإنسان في الوجود، وهو مشدود إلى الاجتماع بوصفه ضرورة وجوديّة تنبثق من أعماق الفطرة، يتلمّس في الآخرين مرآة إنسانيته وحماية كينونته، فالاجتماع لا يستقيم إلّا بنظام، والنّظام لا يثبت إلا بسلطة تحوطه وتحرسه، والسّلطة لا تصح إلا بميزان العدل يزنها ويحفظها من الانحراف.
هكذا ولدت الدولة في وعي البشر بوصفها إطارًا حضاريًا، يحمل أعباء الاجتماع ويذود عنه غوائل الفوضى، غير أنّ السّؤال ظل شاخصًا؛ من أين تستمدّ الدّولة مشروعيّتها؟ وكيف تتشكّل على نحو لا يفسد جوهر الإنسان ويهدر كرامته؟ وهل كلّ دولة بالضّرورة كفيلة بتحقيق الخير والعدل؟
لقد اختلفت الفلسفات والمدارس الفكرية عبر التاريخ في مقاربة هذه الأسئلة، فتنازعتها الرؤى التّبريرية والأسطورية، والتفسيرية العقلانية، والتّعاقدية الافتراضية، والصّراعية الواقعية؛ حتى جاء الإسلام بنموذجه الفريد، الذي أنقذ سؤال الدّولة من العبث، وردّها إلى معناها الأصيل؛ وسيلة لخدمة الإنسان والدّين، خادمة للأمّة لا سيّدة عليها، جامعة بين الفطرة والوحي، بين الغاية الروحية والمصلحة الدنيوية، وبين السّلطة والرقابة، بين الحاكميّة والشورى، في معادلة تليق بالإنسان خليفةً لله في الأرض.
في نشأة الدّول.. نظريات الإنسان القديم والحديث
إن الوقوف على نشأة الدول في الفكر الإنساني القديم والحديث يكشف لنا طبيعة الصراع بين الغريزة والوعي، بين الحاجة إلى التّنظيم والخشية من الاستبداد، وقد جربت الإنسانية عبر القرون نظريات شتى لتفسير الدولة ومشروعيتها، من عبادة الحاكم إلى التّعاقد معه، من سطوة العصبية إلى منطق القوة، حتى جاء الإسلام برؤية متفردة تستمد من الفطرة وتعانق السماء.
النظريات الدينية الوثنية والثيوقراطية
في فجر الحضارات، حين كان الإنسان يحدّق في المجهول بخوف وينحني أمام قوى الطّبيعة بدهشة، ولدت في وعيه فكرة الحاكم الإله، الذي يجسّد القوّة الغامضة التي تسيّر الكون؛ فالفراعنة وملوك الصين والهند نسبوا أنفسهم إلى الآلهة، أو زعموا أنهم تجلّياتها في الأرض، ليصوغوا أساطير محكمة تبرر استعباد البشر وتسكت احتجاجهم باسم إرادة السماء، وكانت تلك الأسطورة أداة سياسيّة للسّيطرة النفسيّة والاجتماعية، تجعل الخضوع عبادة والتمرّد كفرًا؛ حتى إذا جاء الأنبياء بنور التوحيد، بدّدوا الظلمات وكسروا الأصنام، فوقف موسى عليه السلام في وجه فرعون قائلاً: إنما أنت بشر مثلنا، وسفّه إبراهيم عليه السلام منطق النّمرود وحجته، وأعادا السّلطة إلى حقيقتها الأزلية؛ أمانة واختبار، لا ألوهيّة ولا قداسة.
ثم لما انزلقت أوروبا في القرون الوسطى إلى الظلام، أعادت الكنسية إنتاج الوثنيّة في لباس مسيحي، فاخترعت نظرية “الحق الإلهي المقدس للملوك”، زاعمة أن الله يصطفي الملوك فلا يجوز محاسبتهم ولا مساءلتهم، وكانت تلك النظريّة سذاجة لاهوتية ونكوصًا عن روح التوحيد؛ لأن إرادة الله القدرية لا تبرر ظلمًا، ولا ترفع عن الحاكم واجب العدل، وهكذا حسم القرآن الأمر بجلاء: “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” ص:26، فهي أمانة ثقيلة، وليست قداسة مصطنعة.
نظرية التطوّر العائلي.. من دفء الأسرة إلى صرح الدولة
منذ أن بصر الإنسان بنور الوجود، ظل مشدودًا إلى حبل الاجتماع، يبحث في القربى عن معنى ذاته، وفي الآخرين عن امتداد إنسانيته؛ هكذا تشكّلت الأسرة، لبنةً أولى في بناء الاجتماع البشري، ومهادًا بدائيًا لكل سلطة وكيان، وجاءت نظريّة التطوّر العائلي لتُترجم هذه الحقيقة الفطرية إلى نسق فكري، فتصوّر الدولة على أنها ثمرة تطوّر طبيعي لروابط الأسرة، كما تنمو الشجرة من بذرة، وتشتد جذوعها حتى تظلل الأرض.
أشار أرسطو بعبارته الشهيرة: “الإنسان مدني بطبعه” إلى أن الاجتماع والسياسة مكتوبان في طبائع البشر، كأنهما قدرهما الذي لا فرار منه. ومن هنا، رأى أرسطو أن الأسرة ليست مجرد علاقة بيولوجية أو وجدانية، بل هي نواة أولى لكل بناء سياسي لاحق، وجاء من بعده القديس توما الأكويني وغيره يتبنون هذه النظريّة؛ فالأسرة الصغيرة تنمو لتغدو عشيرة، والعشيرة تتضخم لتغدو قبيلة، والقبيلة تنتظم لتصبح مدينة أو أمة، إلى أن تستوي الدولة على سوقها كأرقى أشكال الاجتماع البشري.
وقد أحيا المفكر الفرنسي جان بودان هذه النظرية في العصر الحديث، مؤكّدًا أن الدولة لم تُخلق دفعة واحدة على صورة عقدٍ مجرّد بين غرباء، بل هي بنت لتدرّج تاريخي وحاجة طبيعية، تبدأ من حميمية العائلة وتنساب شيئًا فشيئًا إلى فضاء أوسع من الروابط القرابيّة والولاءات الجماعية، ومن أنصار هذا التصور أيضًا جوليان هكسلي، الذي وجد في هذه النظرية ملامح صورية تشبه انتقال الكائنات الحية من الأدنى إلى الأعلى في نظرية داروين، مع الفارق في الطّبيعة والمجال.
لكنّ هذه النظرية على جمالها الظاهري؛ تظل محاطة بتساؤلات عميقة؛ هل الأسرة، بما هي عليه من عاطفة وقربى، كافية لتفسير التعقيد السياسي والقانوني والاقتصادي للدولة الحديثة؟ أم أن الدولة شيء آخر، يتجاوز الحميمية الأولى لينشئ سلطانًا وقانونًا يعلوان على الدم والنسب؟
ومع ذلك، فإن نظرية التطور العائلي تقدّم إلينا درسًا بليغًا؛ أنّ الدولة لم تولد من فراغ، ولم تقم على حجر عقلاني بارد، بل تشكّلت في رحم الإنسانية، من دفء الأسرة، وصخب القبيلة، وطموح المدينة حتى صارت كما نعرفها اليوم؛ كيانًا مركبًا يجمع بين حب القرابة ونظام العدالة، بين الفطرة والتعاقد، بين الغريزة والعقل.
هنا يتجلّى التفوق المهيب للنموذج الإسلامي؛ إذ يأخذ بفكرة العقد بين الأمة والحاكم باعتباره حقيقة مقررة، لكن لا باعتباره صفقة رخيصة، بل أمانة مقدّسة تحت مظلة الوحي؛ فالإسلام لا يُؤلّه الحاكم ولا يُؤلّه الجماهير، بل يربط الجميع بحبل الشرع الذي يضبط الحقوق والواجبات بالعدل والإحسان، وهو لا يكتفي بأن يجعل إرادة الأمة مصدراً للسلطة، بل يطهّر هذه الإرادة بهدي السماء
النظرية التعاقدية.. بين مثالية التّنوير ونور الوحي
حين بلغ الاستبداد الكنسي في أوروبا ذروته، واشتد الاختناق على حريات الأفراد حتى كادت أرواحهم تتفتت بين أقبية المحاكم ودهاليز السلاطين، ارتفعت صرخة العقل لتستنجد بفكرة بديلة، تصوغ العلاقة بين الحاكم والمحكومين على نحو يليق بكرامة الإنسان؛ هكذا ولدت النظرية التعاقدية في عصر الأنوار، على أيدي فلاسفةٍ كبار من أمثال توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو.
تخيّل هؤلاء الفلاسفة أن الدولة لم تُخلق من مشيئة إلهية غامضة، ولا من سطوةٍ بائدة، بل من تعاقد افتراضي بين أفراد أحرار، تواضعوا طوعًا على أن يتنازل كلّ منهم عن شيءٍ من حريته لصالح كيانٍ مشترك يضمن لهم الأمن والنظام، ولقد انتزعوا الشرعية من السماء وأسقطوها إلى الأرض، وأكدوا أن مصدر السلطة هو الإرادة الجمعية للأمة لا تفويضٌ غيبي ولا حقٌّ إلهي للحاكم.
كانت تلك النظرية في سياقها؛ ثورة عقلية صاخبة، زلزلت عروش الطّغاة، وحطّمت أوثان العصمة التي زيّفها الكهنة للملوك، وبشّرت الناس بأنهم شركاء في المصير لا قطيعٌ يساق، لكنها رغم ألقها لم تستطع أن تتحرر من مثاليتها؛ بقيت صياغةً فلسفية معلقة في الأذهان، لا تدعمها وقائع التاريخ ولا تحاكي تمامًا فطرة الإنسان؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى العصبية والغلبة، ويجري في عروقه هوى الاستئثار كما تجري دماؤه، ولا يكفي أن نصوغه عقلانيًا كي يستقيم على العدل، ثمّ إن النظرية التعاقدية اختزلت الدّولة إلى صفقة نفعية، وأغفلت أنّ العدالة قيمة أسمى من مجرد مقايضة بين الحرية والأمن، وأهملت بعدها الأخلاقي والروحي، فكأنما جعلت الدولة سوقًا بين حاكمٍ وتجار حريات، كل منهم يساوم على نصيبه.
هنا يتجلّى التفوق المهيب للنموذج الإسلامي؛ إذ يأخذ بفكرة العقد بين الأمة والحاكم باعتباره حقيقة مقررة، لكن لا باعتباره صفقة رخيصة، بل أمانة مقدّسة تحت مظلة الوحي؛ فالإسلام لا يُؤلّه الحاكم ولا يُؤلّه الجماهير، بل يربط الجميع بحبل الشرع الذي يضبط الحقوق والواجبات بالعدل والإحسان، وهو لا يكتفي بأن يجعل إرادة الأمة مصدراً للسلطة، بل يطهّر هذه الإرادة بهدي السماء، فلا تتحول الدولة إلى غابة للقوي ولا إلى صنم يُعبد.
في الرؤية الإسلامية، الدولة وسيلة لا غاية، خادمة لا متسيّدة، مهمتها إقامة مقاصد الشريعة وصون كرامة الإنسان وحفظ دينه ودنياه، وهي تجسيد للتوازن بين الحرية والعدل، بين الفطرة والوحي، بين الأرض والسماء، فلا تُختزل إلى مقايضة نفعيّة ولا تُقدّس كأنها قدرٌ إلهي.
في النهاية، تبقى النظرية التعاقدية درسًا فلسفيًا نبيلًا، لكنّها بلا أفق أخلاقي وروحي تظل مبتورة، ويبقى النموذج الإسلامي أكثر نضجًا وتكاملًا، لأنه يصوغ الدولة عقدًا وأمانة، إرادةً وشرعًا، فلا يجعلها صفقة ولا صنمًا، بل يجعلها أفقًا يليق بالإنسان وهو يسعى على هذه الأرض إلى ما هو أرفع من الأرض.
نظرية القوة والصراع.. بين حتميّة الغلبة ورسالة العدالة
هل الدولة في أصلها كيانٌ قهريٌّ وُلد من رحم الصّراع، أم أنّها رسالة سامية قوامها العدل والحق؟ سؤال يضرب في صميم الفكر السياسي، ويضع الإنسان أمام مرآة تاريخه الملطّخ بالدماء والممهور بطموحاته.
جاءت نظرية القوّة والصراع لتُقدّم إجابة صادمة، تقول: إنّ الدولة ليست سوى نتاج لصراع البقاء بين الجماعات، وأن جوهرها السلطة، وجوهر السّلطة القوة، وأن أوّل سلطة في التاريخ لم تكن وليدة عقد أخلاقي ولا توافق إنساني، بل كانت سيفًا انتصر به قويٌّ على ضعيف، فخضع الناس لسطوة الغالب، وقُسِموا إلى حاكمٍ يفرض وإلى محكومٍ يرضخ.
وحين نطالع صفحات التاريخ؛ نجد لهذا التصور ما يشهد له في وقائع لا تُحصى؛ قبائل تتنازع فتغلب إحداها فتقيم مشيختها، وإمبراطوريات تنشأ على أنقاض شعوب مسحوقة، وممالك لا يُشيّد مجدها إلا على أجساد العبيد؛ فكانت القوة دائمًا؛ في ظاهر الأمر هي التي تصنع الدول وتكتب الحدود، ولهذا رأى بعض الفلاسفة في هذه النظرية مبرّرًا للسلطة المطلقة، وحجةً في يد المستبدين على شعوبهم، حتى غدت دعوة للهيمنة أكثر منها وصفًا علميًا.
لكن النظرية؛ على ما فيها من صدق جزئي تبقى ناقصة؛ إنها تُبقي القوة مجرّدة من بعدها الأخلاقي، وتحصر الدولة في كونها أداة قهر وحفظٍ لموازين القوى، ولا ترى فيها رسالة سامية أو غاية إنسانية، وكأن القوة بذاتها تكفي لتبرير وجود الدولة، وكأن سطوة الغالب غاية في حد ذاتها، حتى لو كان ثمنها إذلال المستضعفين.
هنا يبرز السؤال الجدلي الحارق؛ هل القوة شرّ مطلق؟ وهل الدولة التي لا تملك شوكة مصيرها إلا السقوط؟
إن القوة في ذاتها ليست مذمومة؛ بل لا قيام لدولة ولا أمن لمجتمع بغير شوكة وهيبة. ولعل أبلغ بيانٍ لذلك قوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” الأنفال: 60، لكنّ القوة التي يُباركها القرآن هي قوة على قدر الأمانة، يزنها العدل ويحكمها الحق، لا القوة التي تتحول إلى سوطٍ للبطش أو مطمعٍ للاستكبار.
القوة في منطق الحق وسيلة لا غاية، خادمة لا متسيّدة، حارسة للإنسان لا سجّانة له، وإنّ الدولة العادلة هي التي تجعل قوتها في خدمة شعبها، تحمي بها كرامتهم وتدفع بها عنهم العدوان، لا التي تستقوي بها عليهم وتكرّس بها الظلم، ولذلك يبقى ميزان الحكم على الدولة في الشرع والأخلاق هو ما تستثمره من قوتها في إقامة القسط وصيانة الحقوق، لا ما تهدره في إذلال الناس وإدامة الاستبداد.
في النهاية؛ تظل نظرية القوة والصّراع تذكرة مؤلمة بأن تاريخ الإنسان لم يكن بريئًا قط، وأن الدّولة إن لم تتحلَّ بالحق والعدل، فلن تكون سوى قفصٍ من حديد، وسيدٍ بيده سوط، وشعبٍ يئنّ تحت وقع السياط، ومن هنا ينشأ التحدي الأكبر؛ كيف نصوغ دولة تجمع بين هيبة القوة ونزاهة الحق، بين شوكةٍ تردع العدو وأمانةٍ تحفظ الحرية، فلا تغدو القوة لعنة، ولا تغدو الدولة آلةً قمعية تحطم إنسانية الإنسان؟
نظرية البنية الفوقيّة الطارئة
لم ينظر كارل ماركس إلى الدّولة كما نظر إليها أرسطو في سياقها الطبيعي، ولا كما رآها فلاسفة العقد الاجتماعي بوصفها ضرورة أخلاقيّة تنشأ من الإرادة العامة، بل رآها بناءً مصطنعًا، طارئًا، عارضًا في سياق تاريخي مشحونٍ بالتّناقضات والصراع الطبقي.
عند ماركس؛ لم تولد الدّولة من طبع الإنسان المدني، ولا من تواطؤ إرادي حرّ، بل كانت نتيجة مباشرةً لصراع مرير بين الطبقات، أفرزته التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية في صيرورة التاريخ.
ماركس يسمّي الدولة “بنية فوقية”، بمعنى أنها ليست أصل المجتمع، بل نتاجه؛ فهي تقف فوق البنية الاقتصادية والتي هي عنده القاعدة الحقيقية لكل مجتمع، وتتشكل لخدمة مصالح الطبقة المسيطرة اقتصاديًا؛ فكل ما نراه من قوانين ومؤسسات وقضاء وجيش وإدارة، هو في حقيقته بنية فوقيّة ترتكز على قاعدة الصراع بين الطبقات، وتعمل أداةً في يد الطبقة المسيطرة “البرجوازية” لقمع الطبقة الكادحة “البروليتاريا” وإدامة استغلالها.
بهذا التصوّر؛ فإنّ الدولة ليست كيانًا حياديًا، ولا تجلّيًا للخير العام، ولا تجسيدًا للإرادة الشعبية كما يدّعي منظّرو العقد الاجتماعي؛ بل هي في جوهرها جهاز للقمع، أداة للبطش، تتزيّا بأثواب الشرعية والقانون، لكنها في الحقيقة تمثل مصالح الأقوياء على حساب المستضعفين.
ماركس يذهب أبعد من ذلك ليصف الدولة بأنّها طارئة بمعنى أنها ليست أبديّة، وليست قدرًا لا يمكن تجاوزه؛ إنها عرضٌ تاريخيّ يمكن تجاوزه بزوال السبب الذي أوجدها، وهو الصراع الطبقي، وعليه؛ فإن زوال الطبقات بتحقيق مجتمع اشتراكي لا طبقي، يعني بالضرورة زوال الدولة؛ فهي عنده كيان انتقالي، يخبو ويضمحل مع انعتاق الإنسان من قيود الطبقيّة.
في هذا السياق تصبح الدولة عند ماركس رمزًا مزدوج الوجه؛ فهي من جهة، نتاج حتمي للظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي، وهي من جهة أخرى؛ أداة تعميق لهذا الظلم وحارسة له.
وهو إذ يصفها بأنها قمعية واستبدادية بطبيعتها؛ فإن مشروعه الثوري يهدف إلى إسقاط هذه البنية الفوقية القمعية عبر انتصار البروليتاريا، وبناء مجتمع جديد، حيث “تذبل الدّولة” وتختفي، ويحلّ مكانها تنظيم اجتماعي تعاوني عادل.
هكذا تبدو الدولة في عين ماركس ظلًّا ثقيلًا للصراع، وحارسًا أمينًا لمصالح الطبقة السائدة، وكيانًا هشًّا لا يقوم إلا ما دام الظلم قائمًا؛ فالدولة في فلسفته ليست قداسة ولا ضرورة أزليّة، بل جرح في جسد الإنسانية، لا يلتئم إلا بزوال أسبابه.
فالدولة في جوهرها ليست معبدًا ولا صفقة ولا سوطًا؛ بل مرآة لأخلاق أصحابها، فإذا توحدت نفوسهم على القسط والإنصاف، ثبتت أركانها وامتدّ ظلها، وإذا تفرّقت على الظّلم والهوى، انهارت؛ فما الدولة إلا عصبة قلوب تصطفّ على الحق، ومشروع إنساني لا يصحّ إلا بالعدل والإيمان.
نظرية العصبية عند ابن خلدون: روح الاجتماع ومعضلة الدولة
هل الدولة وليدة عدلٍ خالص أم ثمرة غلبةٍ خالصة؟ أم أنها توليفة دقيقة من قوة الجماعة وروح القيم؟ سؤالٌ قديمٌ طرحه ابن خلدون في مقدمته العظيمة، وأجاب عنه بنظريةٍ نادرة العمق، جعلت العصبية قلب الاجتماع البشري ومفتاح نشأة الدول واندثارها.
لقد نظر ابن خلدون إلى الدولة بعين المؤرخ الفيلسوف، فرأى في رحم الصحراء وفي خيام البداوة سرّها الأول؛ فحيث توجد العصبية؛ توجد الدولة، وحيث تخبو العصبية؛ ينهار العرش ويندثر الملك.
رأى ابن خلدون أن الاجتماع الإنساني لا يقوم إلا على رابطة جامعة، وأن أمتن الروابط في التاريخ كانت رابطة العصبية؛ تلك الرّوح الكامنة في جماعة تصهر أفرادها في بوتقة واحدة، تلمّ شتاتهم، وتنسج من حبال النّسب أو الحلف أو الولاء خيوطًا من الصبر والتناصر، تجعلهم قادرين على اقتحام الصعاب وانتزاع الحكم، ولهذا كتب عبارته الخالدة: “إن الملك هو غاية العصبية، وإنّها إذا بلغت غايتها حصل للقبيلة الملك، إمَّا بالاستبداد أو بالمظاهرة، حسب ما يسعه الوقت المقارن لذلك، وإن عاقها عن بلوغ الغاية عوائق ــ كما نبينه ــ وقفت في مقامها “.
لكن ابن خلدون لم يكتف بتشريح ولادة الدولة، بل رصد أطوارها حين تبلغ العصبية ذروتها في البداوة والفتوة، ثم تضعف شيئًا فشيئًا حين يستبدل الحكام بالعصبية الحاشيات، ويستبدلون بالشدائد الترف؛ فيفسد الاجتماع، وتتهاوى الدولة، لتنهض مكانها عصبية جديدة، أشد حيوية وأمتن تماسكًا.
هنا تبرز جدلية عميقة؛ العصبية ضرورية للغلبة لكنها وحدها لا تكفي لبقاء الدولة إن لم تقترن بالعدل والدين؛ إذ قد تتحول إلى أداة طغيان إذا لم تُلجَم بالقيم العليا، وقد تتآكل في ظل الترف والظلم فتُسقط الدولة بمن حملتها، ولهذا كان الدين، في نظر ابن خلدون، زاد العصبية وضميرها؛ إذ ترفع الشريعة روح العصبية من أفق العصبيات الضيقة إلى أفق غاية عليا، فتوحّد القلوب على العقيدة، وتضاعف قوة الاجتماع أضعافًا، كما فعل المسلمون الأوائل حين قهروا إمبراطوريات فارس والروم لا بكثرةٍ ولا بعدة، بل بإيمانٍ جمعهم على هدفٍ واحد.
إن ابن خلدون بعمقه الفذّ لم يغفل عن أن العصبية قد تنحرف إن لم يضبطها العدل، وتصبح لعنة إن لم يوجّهها الدين؛ فهي تصلح لبناء الدولة لكنها لا تصلح وحدها لصيانتها؛ فلا بقاء لدولة تقوم على العصبية إذا غاب عنها القسط وأُهملت غاياتها العليا.
وهنا يلوح لنا درسه الأعمق؛ الدولة وليدة عصبية تتوحد على غاية، والدين يمنح هذه العصبية بعدها الأخلاقي ويطيل عمرها، فإذا بهتت العصبية أو انحرفت عن العدل سقطت الدولة لتفسح الطريق لعصبية جديدة، أشد حياة وأقدر على حمل الأمانة.
هذه النظرية التي استقاها ابن خلدون من رصده لسنن الاجتماع البشري ما زالت، رغم بيئتها التاريخية، تضيء لنا فهم الدولة والمجتمع في كل زمان؛ فهي تذكّرنا أن الدولة بحاجة دائمة إلى كتلة اجتماعية متماسكة تعبّر عنها وتحميها، وأن هذه الكتلة إن لم تجدّد روحها بالقيم وتضبط اندفاعها بالدين، تحولت إلى استبدادٍ سرعان ما ينهار، ولهذا تبقى العصبية في معناها الإيجابي، أي روح التناصر على الحق، ضرورة لكل أمة تسعى لبناء دولتها العادلة القوية.
فليست العصبية في ذاتها مذمومة ما دامت نصرةً للحق، كما قال الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ” الصف: 4، ذلك أن الاجتماع البشري، بلا روح تناصره على الخير وتجمع شتاته، يبقى هشًّا مهددًا بالتمزق، والدولة بلا عصبية متجددة بالعدل والدين، إنما هي بيت من رمل لا يصمد لرياح الصراع.
فمن تسعون لبناء الدولة عليهم أن يتذكروا أن العصبية إن لم تُضبط غدت طغيانًا، وإن لم تتجدد غدت ضعفًا، وإن لم تتوج بالدين غدت جريمة، وعليهم أن يبنوا دولتهم على عصبية تلتف حول الحق، لا حول أنفسهم، وأن يجعلوها بنيانًا مرصوصًا، لا حشدًا غوغائيًا، وأن يذكروا أن العصبية، سبب الغلبة لا سبب العدل، وسبب الملك لا سبب الخلود.
خلاصة مكثفة
في رحلة الفكر الإنساني للتفكير في أصل الدولة ومعناها، تجمّعت ستّ نظرياتٍ كبرى، لكلّ منها سياقها الفكري وظروفها التي أنضجتها.
منها من رأت في الحاكم ظلًّا للإله على الأرض، فحوّلت الدولة إلى معبد للقهر، قبل أن يردّ الوحي الأمر إلى نصابه ويؤكد أن الحاكم بشر مكلّف بالعدل لا ربّ معبود.
ومنها من شبّهت الدولة بالشجرة، ترى جذورها في الأسرة وروابط القرابة، امتدادًا طبيعيًّا لغريزة الاجتماع الإنساني، لكنّها بقيت قاصرة عن تفسير التعقيد السياسي الحديث.
ومنها من صاغت الدولة عقدًا إراديًّا بين أفراد أحرار، واتفاقًا على تبادل بعض الحريات بالنظام والأمن، لكنّها اختزلتها إلى صفقة نفعيّة بلا روح أخلاقية ولا مقصد سامٍ.
ومنها من نظرت إليها باعتبارها ثمرة الغلبة وصراع القوة، تصعد حين يفرض القوي سلطته، لكنها تغفل أن القوة وحدها لا تصنع العدل ولا تحفظ الكرامة.
ومنها من اعتبرها بنية فوقيّة طارئة، أداة في يد الطبقة المسيطرة لحماية مصالحها وإدامة استغلالها، لا ضرورة أبدية ولا تجسيدًا للخير العام.
في حين جاءت عصبية ابن خلدون؛ ترى الدولة ثمرةً لرابطة جامعة تشدّ النّاس إلى غاية واحدة، لكنّها لا تدوم إلا إن تزكّت بالدين وتزنها القيم العليا.
هكذا؛ بدت الدّولة في هذه الرؤى مرآة للإنسان نفسه؛ عبدًا لوهمٍ حين يقدّس الحاكم، أو ابنًا لقرابته حين يستغرق في العصبة، أو متعاقدًا حين ينغلق على مصلحته، أو محاربًا حين يغفل عن الحق، أو كادحًا مسحوقًا حين تستبدّ به الطبقة المسيطرة.
وكلما علت هذه الروابط إلى أفق العدل والحق، امتدّت حياة الدولة وصلب بنيانها، وكلّما انحطّت إلى أنانيّة واستبداد، تهاوى بنيانها وتلاشى.
فالدولة في جوهرها ليست معبدًا ولا صفقة ولا سوطًا؛ بل مرآة لأخلاق أصحابها، فإذا توحدت نفوسهم على القسط والإنصاف، ثبتت أركانها وامتدّ ظلها، وإذا تفرّقت على الظّلم والهوى، انهارت؛ فما الدولة إلا عصبة قلوب تصطفّ على الحق، ومشروع إنساني لا يصحّ إلا بالعدل والإيمان.



