المقالات

خصائص الحضارة الإسلامية 14 عالمية الإسلام (الرسالة)

عالمية الإسلام (الرسالة)الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد الأنبياء والمرسلين.

جاءت الرسالة الإسلامية خاتمةً للرسالات السماوية، قال تعالى:﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40].وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:«إنَّ مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا، فأحسنه وأجمله، إلا موضعَ لَبِنةٍ من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وُضِعَت هذه اللَّبِنة؟ قال: فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتم النبيين»(رواه البخاري ، ومسلم).

وكونُ الرسول ﷺ خاتمَ الأنبياء، إلا أنّ الله ابتعثه للعالمين من جنٍّ وإنسٍ، فالرسالة الإسلامية لم تقتصر على قومٍ بعينه، بل جاءت إلى جميع البشر، على اختلاف أجناسهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم.

فهي رسالةٌ عالميةٌ في مصدرها وغايتها ومضمونها، لا تختصُّ بقومٍ دون قوم، ولا بزمانٍ دون زمان،

بل تمتدُّ بنورها لتشمل الناس كافةً إلى قيام الساعة.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 158].

يتضح لنا من الآيات السابقة أنّ الإسلام رسالةٌ إنسانيةٌ عامةٌ، لا تقتصر على شعبٍ أو أمةٍ بعينها؛ فقد جاء الإسلام إلى الناس كافّة، عربًا وعجمًا، حضرًا وبدوًا، رجالًا ونساءً.

وقد جاء عن الرسول ﷺ قوله:«وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة» (رواه البخاري، ومسلم ).

إنّ عالمية الرسالة الإسلامية تتضح من خلال الآتي:

أولًا: عالمية الخطاب القرآني

إن المتتبِّع للخطاب القرآني يتّضح له في مواضع مختلفة أنّه خطابٌ للإنسانية جمعاء، فلم يقتصر الخطاب على المسلمين فقط؛ فأول سورةٍ في القرآن، سورة الفاتحة، افتُتحت بذكر العالمين:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].

وآخر سورةٍ في القرآن الكريم، سورة الناس، انتهت بكلمة (الناس)، فالقرآن الكريم بأكمله بين “العالمين” و”الناس”.

وجاء في الخطاب القرآني كثيرٌ من الكلمات التي تدلُّ على أنّ رسالة الإسلام عامةٌ للبشرية، من هذه الكلمات: الناس، الإنسان، البشر، بنو آدم، العالمين، وقد بلغ تعداد هذه الكلمات أربعمائةٍ وسبعًا وعشرين كلمةً في مواضع مختلفة من القرآن الكريم.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ [الانفطار: 6-8].

وقال سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

وقال تعالى:﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 35].

وقال عز وجل: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33].

كما أن القرآن يقرّر أنّ أصل البشرية واحدٌ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].

وقال تعالى:﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ…﴾ [البقرة: 213].

ثانيًا: عالمية القيم والمبادئ الإسلامية

جاء الإسلام ودعا إلى وحدة القيم التي لم تقتصر على أمةٍ معينةٍ أو جيلٍ محدد، بل هي قيمٌ تتناغم مع الفطرة الإنسانية، كما أنها تخاطب الضمير الإنساني الحي. إنها قيمٌ لا تتبدل بتبدل الأزمنة والأمكنة، بل هي ثابتةٌ مع مرور العصور ما تعاقب الليل والنهار، كما أنها لا تتغير بتغير البلدان.

إنّ القيم في الإسلام هي المرتكزات الأساسية لقيام الدول واستمرار بقائها.

وفي الحديث قوله ﷺ:«إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (رواه البخاري ومسلم).

وقال الشاعر أحمد شوقي: إنّما الأمم الأخلاق ما بقيتْ       فإن همُ ذهبتْ أخلاقهم ذهبوا

ويخبرنا المصطفى ﷺ أنه جاء ليعزِّز قيمة الأخلاق التي تشترك فيها كلُّ الديانات والأمم، ففي الحديث:

«إنما بُعثتُ لأتمّمَ صالحَ الأخلاق» (رواه أحمد رقم ) .وفي رواية: «إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»

(رواه البيهقي في السنن الكبرى ).

 وعن جابرٍ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:«إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإنّ أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون»(رواه الترمذي وقال: حديث حسن). إذن، عالمية الإسلام تمثلت في مجموعةٍ القيم التي دعا إليها الإسلام، والتي تتوافق مع جميع البشر بطبائعهم وظروفهم وأحوالهم، قيمًا متوافقةً مع معايير الفطرة البشرية العامة.

ثالثًا: عالمية التشريع الإسلامي

إنّ عالمية الإسلام تتمثّل فيما جاء به من شريعةٍ مرنةٍ صالحةٍ للتطبيق في مختلف البيئات والحضارات، تجمع بين الثبات في الأصول والمرونة في الفروع؛ فأصولها من الوحي الإلهي لا تتبدّل بتغير الزمان ولا المكان، وفروعها تُترك لاجتهاد العلماء بما يحقق المصلحة العامة.

قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].

رابعًا: عالمية الخطاب الإسلامي في الدعوة

اتّسم الخطاب الدعوي في الإسلام بالسماحة والرحمة والحكمة، فكان أساسه قوله تعالى:﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].

ولذلك انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بالخلق والقدوة والمعاملة، لا بالقوة والإكراه، فدخل الناس فيه طواعيةً لما رأوه من عدله وإنسانيته.

لقد أثمرت هذه العالمية قيام حضارةٍ إنسانيةٍ راقيةٍ جمعت بين العلم والإيمان، وبين المادة والروح، وامتدت آثارها إلى الشرق والغرب، فأسهم المسلمون في بناء التراث الإنساني المشترك بالعلم، والفكر، والأدب، والعدل الاجتماعي.

خاتمة

إنّ عالمية الرسالة الإسلامية حقيقةٌ ربانية، أراد الله بها أن تكون هذه الأمة شاهدةً على الناس، تحمل نور الهداية إلى العالم، وتبني حضارةً إنسانيةً قائمةً على الرحمة والعدل والمساواة.

قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].

فالإسلام ليس دينًا محليًا، بل هو رسالةٌ عالميةٌ خالدة، تُخاطب الإنسان في كل زمانٍ ومكان، وتجمع البشرية على كلمة التوحيد، وميزان العدل، وراية السلام.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى