
فلسفة التعايش مع الآخر في الإسلام
بقلم: علاء حسين الجدامي
يُعتبر التعايش السلمي ضرورةً لبناء مجتمعاتٍ مستقرةٍ ومزدهرةٍ، فالتعايش في الإسلام هو مبدأٌ أساسي يقوم على التسليم بالتنوّع البشري واحترام حقوق الآخرين بصرف النظر عن اختلافاتهم العرقيّة والثقافيّة والدينية، فالإسلامُ يدعونا إلى التعامل بالحسنى وابتغاء العدل مع البشرية جمعاء. وإنّ القرآن الكريم يؤكّد على أن التنوّع البشري، هو جزءٌ من إرادة الله عز وجل، وذلك استنادًا الى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).
كما أنّ الاختلاف في العقيدة والدين لا يمنع التعايشَ كما جاء في قوله تعالى:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 6).
فالإسلام يأمر بالعدل مع الجميع بما في ذلك غير المسلمين وفقًا لأوامر الله سبحانه وتعالى في قوله:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8).
والدليل على ذلك أنّ رسولنا الكريم (ﷺ) وضع قواعد التعايش المشترك عندما عاش في المدينة المنورة مع اليهود والمشركين من خلال “صحيفة المدينة[1]” التى تعتبر أول دستورٍ مدنيٍ في الإسلام، ويقول المستشرق الروماني جيورجيو: « تكوّن دستور المدينة من اثنين وخمسين بندًا، كلها من رأي رسول الله(ﷺ). خمسة وعشرون منها تعلّقت بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون ارتبطت بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، خاصة اليهود والمشركين. وقد كُتب دستور المدينة بشكل يسمح للآخرين بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم وطقوسهم حسب رغبتهم. وقد تضمنت هذه الصحيفة العديد من المبادئ السامية والقيم العليا ومنها التعايش والاحترام، والإعلاء من قيمة التكافل والتآزر، ومكافحة الإرهاب، والمواطنة والانتماء، والعدالة والتسامح[2]».
وهناك ثلاث ركائز أساسية يقوم عليهما التعايش السلمي في الإسلام وهما:
أولًا: إنّ الناس خُلقوا من أصل واحد.
يقرّ الإسلام بأن البشرية كلها من جنسٍ واحدٍ، وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه الناسُ أنفسُهم من وحدة الجنس البشري. ونكادُ لا نجد من يعترض على ذلك سوى بعض المذاهب الشاحبة التي تجعل بعض الأقوام أعلى من آخرين في طبيعة الخلقة، مثل نعرة الربانيين من اليهود بأنهم أفضل الأمم، ونظرتهم إلى من ليس من ملّتهم بوصفهم حيوانات لا عقل لها، ومع تطرف هذه الفئة، لم نجد من اليهود من يقول أن طبيعة الدم والجسم اليهودي مختلفة من الناحية البيولوجية عن باقي البشر، وإنّما هي مجرّد نعرةٍ يصاحبها الكبر. وعلى هذا النحو كان الإقرار بأنّ الناس خُلقوا جميعًا من أصلٍ واحدٍ هو محلّ اتفاق بين جميع البشر، وهو ركيزةٌ أساسيةٌ لمبدأ التعايش في الإسلام[3].
ثانيًا: الرحمة بين المتعايشين.
إنّ الله سبحانه وتعالى أرسل نبيه(ﷺ) رحمةً للعالمين، يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء: 107).
فلو كان من نصوص الإسلام أو ممارسة المسلمين خلافٌ لتلك الغاية فلا جدوى من إثبات مبادئ عظيمةٍ أخرى للإسلام، يمكن أن تلتفّ حولها الإنسانية وتتعايش، ومن هنا كان لا بدّ من أن نجعل من الرحمة ركيزةً أساسيةً في فلسفة التعايش في الإسلام، ونحن حتى الآن لم نجد من عقلاء البشر باختلاف عقائدهم من ينقض هذه الدعوة أو يأتي بما يضادّها من نصوص الإسلام الصحيحة.
والعجيب أن تكون هذه الآية الكريمة في سورة الأنبياء، فلربّما أراد الله عز وجل أن يبيّن لنا أنّ الغاية العظيمة من جميع الأنبياء والرسل هي الرحمة بالعالمين، ومن ثم تتجّلى الرحمة في أعلى صورها مع رسولنا الكريم(ﷺ). وعلى هذا الأساس يتبيّن لنا أنه من دون الرحمة لا يمكن أن يكون هناك تعايشٌ حقيقيٌ بين الناس[4].
أحد المعاني الأساسية في التعايش هو معرفة المسلم لنفسه، وأنه خُلق لقيادة البشرية إلى شاطئ الخير والسلام، فرِقّةُ المشاعر مع الآخر لا تلغي اختلاف المعتقد، بدليل حب المسلم لزوجته غير المسلمة وحسن عشرتها رغم اختلاف دينها.
ثالثًا: احترام المخالف مع عدم الإقرار بصحّة اعتقاده.
بناءً على مبدأ الحرية في الاعتقاد، كان لا بدّ من احترام المخالف، والذي من دونه لا يمكن أن يكون هناك تعايشٌ سلميّ، لكن بشرط عدم الاعتقاد بصحّة معتقده، ولمّا كان التعايشُ أمرًا حتميًا، جاء القرآن ليؤكد على أنّ البشرُ متساوون في الخلقة مختلفون في الطباع والآراء والأفكار، وعلى هذا الأساس سعت الدولة في الإسلام لعلاج الاختلاف وحل مشكلات المجتمع مع عدم استخدام القوة مع المجتمع داخلها، إلا مع جزءٍ لا يُجدي معه إلا القوة، وذلك عندما يتم الاعتداء على حقوق الآخرين وسلب حقوقهم من دون التفريق بين مسلم وغير مسلم[5].
ولإرساء مبدأ التعايش السلمي الذي دعا إليه الإسلام، كانت هناك ضوابط لا بدّ من اتّباعها ألا وهي:
- حفظ حرمة الدماء والأموال والأعراض.
قال الله تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾(المائدة: 32).
“وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عمر رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ (ﷺ). قَالَ: مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَد مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ”.
فعلى أساس صيانة الأموال والأنفس والأعراض يجب أن يُؤسَّس التعايش بين جميع فئات الناس دون تفريق بينهم[6].
- إقامة العدل والقسط بين جميع الناس.
فلا تحمل العاطفة ولا البغض على إبطال حق أو إحقاق باطل او الإجحاف في حكم[7]. كما جاء في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(النساء: 58).
- الدعوة إلى البرّ والقسط وإحسان المعاملة.
فالبرّ والقسط وإحسان المعاملة من شروط التعايش السلمي، وقد دعا إليها النبي(ﷺ)، ووردت في القرآن الكريم في قوله تعالى[8]:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الممتحنة: 8).
- مبدأ المواطنة.
إنّ شعور الانتماء الديني لا يلغي الشعور الوطني للمختلفين من الناحية الدينية، وكما يقول الإمام محمد عبده إن المسلمين الذين جعلوا من الإسلام هويتهم وجنسيتهم نجدهم يحبون أوطانهم ويتعارفون مع جيرانهم في الوطن من غير المسلمين، فالإسلام جعل من يستوطن بلاد المسلمين مسلم الجنسية وإن كان غير مسلمًا، فهو مواطن له كل الحقوق كالمسلمين[9].
- مبدأ التعاون الاجتماعي.
وهذا المبدأ من أهم أسس التعايش السلمي من خلال التعاون وحفظ كرامة الإنسان واحترام اختياراته بصرف النظر عن دينه ولونه وجنسه[10].
- مبدأ الحوار والتعارف.
أُطلق عليه من باب أوسع مبدأ الذوق، فالذوق والأدب مع المخالف هو ركيزة التعايش وأساسه المتين، ولهذا المبدأ دورٌ عظيم في حفظ فلسفة التعايش التي لولاها لفقدت الشعوب حاضرها ومستقبلها[11].
- مبدأ السلام النفسي والأمن الاجتماعي.
أحد المعاني الأساسية في التعايش هو معرفة المسلم لنفسه، وأنه خُلق لقيادة البشرية إلى شاطئ الخير والسلام، فرِقّةُ المشاعر مع الآخر لا تلغي اختلاف المعتقد، بدليل حب المسلم لزوجته غير المسلمة وحسن عشرتها رغم اختلاف دينها. كما أنّ من السلام النفسي توصيل الناس إلى مصالحهم ومعاونتهم على ذلك، كما يحثّنا ديننا الحنيف على احترام الآخر، فاحترام الطبيب والمعلم الذي لا يكون على دين المرء هو أمرٌ واجبٌ في شريعة الإسلام، وهو من ركائز السلام النفسي والأمن الاجتماعي، ومن الاحترام عدم ذكر نقائص معتقده أمامه من غير داعٍ ومن دون حوارٍ سلميٍ يدله على الهدى[12].
على هذا النحو أسّس الإسلام منهجًا شاملًا لفلسفة التعايش السلمي بين جميع البشر بصرف النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو الجنسية، ودعا الى الأخوّة الإنسانية بين الناس، وهو بذلك وضع حجر الأساس لأسمى قواعد حقوق الإنسان من خلال احترام الاختلاف والتنوع ودعم الحوار الإنساني الهادف.
[1] صحيفة المدينة (1 هجرية)، مكتبة حقوق الانسان، جامعة منيسوتا.
http://hrlibrary.umn.edu/arab/IS-1.html
[2] محمد بن سراري اليامي، ميثاق دولة المدينة جذور القيم الحضارية، دار الظاهرية، الكويت، ط1، 2022م، ص.8.
[3] محمود مسعود نصار، أسس وضوابط التعايش السلمي في ضوء الفكر الإسلامي، المجلة العلمية لكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق،2023م، ص ص.897-898.
https://fraz.journals.ekb.eg/article_326485.html
[4] المرجع نفسه. ص ص. 895-896
[5] المرجع نفسه، ص ص 900-901
[6] احمد بن محمود الديب، التعايش في الإسلام، السعودية، 2016م، ص.18.
[7] المرجع نفسه، ص،19.
[8] المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
[9] محمود مسعود نصار، ص.915.
[10] المرجع نفسه، ص.917.
[11] المرجع نفسه، ص.921.
[12] المرجع نفسه، ص 923.


