المقالات

خصائص الحضارة الإسلامية.. الخاصية الثانية: إنسانية النزعة

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

ابتدأنا حديثنا في المقالين السابقين (التاسع والعاشر) عن إنسانية النزعة، وذكرنا أنّ الحديث عن إنسانية النزعة سينقسم إلى قسمين: إنسانية الإنسان وإنسانية التكريم.

والحديث عن إنسانية الإنسان يشمل المساواة، والحرية، والعدل، والتسامح، والتكافل الاجتماعي والاقتصادي.

ففي المقال التاسع أنهينا الحديث عن المساواة، وفي المقال العاشر كان الحديث عن الحرية العقدية والحرية الفكرية، واليوم نستكمل الحديث عن الحرية الشخصية.

إنّ الإسلام كفل كل أنواع الحريات الشخصية: من حرية التنقل، والعمل، والمسكن، وحرية التعلم، وحرية التملك، وحرية الرأي، وفق تشريعات تضمن للجميع حقوقهم.

مفهوم الحرية الشخصية

إنّ الحرية الشخصية محورٌ مهم ساءت حوله الأفهام في مختلف الحضارات، وإنّ مما يميز الحضارة الإسلامية عن الحضارة الغربية وبقية الحضارات نظرتها للحرية الشخصية مفهومًا وواقعًا.

فمفهوم الحرية الشخصية عند الغرب هو شرعنة الفواحش والشذوذ الجنسي، والدعوة إلى الاستمتاع بالملذّات والشهوات غير عابئين بما ينشأ عن ذلك من عمليات الإجهاض وقتل الأجنّة في الأرحام، وفق تشريعات وقوانين تجيز مثل هذه الأفعال المشينة، (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير: 8-9]. مما أدّى ذلك إلى ولادة أطفالٍ مجهولي المصير والمستقبل، وفقدانهم الأمومة والأبوّة والرعاية الأسرية، مما ينتج عنه مخاطر عظيمة على المجتمع. وهكذا تبرهن هذه الحضارة على زيف مفهوم الحرية لديها، وأنها عبارة عن شرعنة للنزوات والغرائز المنفلتة التي لا تحفظ للإنسان كرامة أو قيمة.

أما الحرية الشخصية في الإسلام، فهي تمكين الإنسان من ممارسة حقوقه المعنوية (حرية المعتقد والعبادة)، والحقوق المادية (حرية السكن والتنقل والتعلم والتملك والرأي)، ولا يجوز لأي كائن كان أن يتعدى على الحقوق الشخصية للفرد. حتى الدولة لا يجوز لها التعدي على هذه الحقوق إلا وفق قانونٍ عادلٍ ومنصفٍ يضمن للجميع حقوقهم، وألا تتعارض هذه الحقوق مع حقوق الآخرين، وبدون مساس بكرامة الإنسان واختياراته الشخصية التي كفلها له الإسلام.

حرية التنقل

لقد كفل الإسلام الحرية الشخصية قبل ألف وأربعمائة عام، فأباح حرية التنقل والتملك والسكن والتعلم وحرية الرأي.

قال الله تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [الملك: 15].

وقال تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) [العنكبوت: 56].

وقال تعالى:(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [النساء: 100].

من هذه الآيات نجد أنّ القرآن حثَّ على التنقل في الأرض. وقد فصّل العلماء أنواع التنقل في ما هو مباحٌ كطلب الرزق (العمل أو التجارة)، وطلب العلم، والعلاج، والسياحة، وما هو واجبٌ كالهجرة من الظلم والخوف على الدين، أو أداء فريضة الحج. ومنعَ الشرع السفر في حالة وجود وباءٍ أو حروبٍ، وحرّم السفرَ لأجل اقتراف المعاصي.

كما أوجب الشرع على الدولة المسلمة توفير السكن المناسب للفقراء، فإن عجزت الدولة وجب على أغنياء الأمة، وأوجب على الدولة تحقيق الأمن حتى يعيش الفرد المسلم في بيته آمنًا.

حرية التملك

أما حرية التملك في الإسلام، فهي إحدى الحقوق الأساسية التي أقرّها الإسلام للفرد، وتعني أنّ للإنسان الحقَّ في أن يمتلك ما هو منقولٌ وغير منقولٍ، وفق ما حدّده الشرع من المصادر الحلال كالوراثة، والتجارة، والعمل، وإحياء الأرض الموات، وغير ذلك مما هو مبسوطٌ في كتب الفقه. ويُشترط أن لا يكون مصدر هذا المال من حرام كالربا، والسرقة، وخيانة الأمانة، والرشوة، والغش، والاحتكار، وأكل مال اليتيم. كما أوجب عليه الزكاة بشروطها المعروفة، وحثّه على الصدقة بأنواعها المختلفة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء.

حرية السكن

أمّا حرية السكن في الإسلام، فهي حقٌّ أساسيٌّ مقرونٌ بالكرامة الإنسانية، ومحميٌ بالضوابط الشرعية. ويرتبط هذا الحقُّ بمفاهيم الأمان، والخصوصية، والاستقرار الأسري.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النور: 27].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من اطلع على قوم في بيتهم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه» (رواه البخاري ومسلم). وعنه رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:  «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص» (رواه البخاري ومسلم).

ومن هنا ندرك مدى الخصوصية التي حرص عليها الشرع، وحذّر من انتهاكها. كما أوجب الشرع على الدولة المسلمة توفير السكن المناسب للفقراء، فإن عجزت الدولة وجب على أغنياء الأمة، وأوجب على الدولة تحقيق الأمن حتى يعيش الفرد المسلم في بيته آمنًا. قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» (رواه الترمذي وقال حديث حسن).

حرية التعلم

وحرية التعلم في الإسلام ليست فقط حقًا، بل فريضةٌ وأمانةٌ ومسؤوليةٌ تقع على الفرد والأسرة والدولة. وينبغي أن يكون العلم مرتبطًا بالقيم والأخلاق والدين، وأن يكون وسيلةً لبناء إنسان متوازن صاحب رسالةٍ ساميةٍ يخدم بها البشرية. وقد رفع الله من شأن العلماء في آياتٍ كثيرةً، وحثّت الشريعة الإسلامية على طلب العلم. ولذا فإن الحضارة الإسلامية زخرت بعلماء أفذاذ ، وهكذا حفظ الإسلام للفرد حرية التنقل، والتملك، والمسكن، والتعلم.

وبقي لنا الحديث عن حرية الرأي في المقال القادم بإذن الله، لنستكمل بذلك موضوع الحرية الشخصية.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات العربية المتحدة مشرف على عدة مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وعضو مؤسس في جمعية الإصلاح الإماراتية ومديراً لها.

أ. سعيد بن ناصر الطنيجي

مهتم بالتاريخ الإسلامي وحاصل على درجة الماجستير فيه، خريج كلية الآداب والتربية من جامعة الإمارات… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى