المقالات البحثية

الإنسان والتقنية والبيوتكنولوجيا في إطار خطاب ما بعد الإنسانية

بقلم: عبدالناصر عبد المولى أحمد
يقفُ الإنسانُ حائرًا بين إيجابيّاتِ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ ومخاطرِه التي تفضي -حسبَ تسلسلِ طموحاتِ تيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ والبيوتكنولوجيا- إلى استلابِ الإنسانِ وتشيُّئِه واغترابِه وفقدانِه لإنسانيّتِه، وتتطوّرُ خطاباتُ الاتّجاهِ الفلسفيِّ لتيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ، وفي الجانبِ البيوتكنولوجيِّ تتّسعُ الفرضيّاتُ والطموحاتُ دون النظرِ إلى العواقبِ والمخاطرِ على الإنسانِ الفردِ (بيولوجيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا) وعلى النوعِ من حيثُ تهديدُ بقائِه أصلًا، ويضعُ الإسلامُ ضوابطَ للتعاملِ مع تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والبيوتكنولوجيا في إطارِ مقاصدِ الشريعةِ كـ(حفظِ الدِّينِ–النَّفسِ–المالِ–النَّسلِ–صيانةِ العِرضِ–والمساواةِ بين البشرِ) وعدمِ الجنوحِ إلى النفعيّةِ الأنانيّةِ التي قد تُعرِّضَ البشريّةَ للتباعدِ وللفناءِ.

مقدمة:
يُعَدُّ مصطلحُ البيوتكنولوجيا مصطلحًا إشكاليًّا من الناحيةِ الأخلاقيّةِ والروحيّةِ في الواقعِ الحضاريِّ والثقافيِّ الإنسانيِّ عمومًا، وفي خصوصيّةِ الإطارِ الإسلاميِّ بمحتواهُ القيميِّ القائمِ على الوحيِ الإلهيِّ والانتماءِ الروحيِّ الوثيقِ، ويتعمّقُ ذلك الإشكالُ بالنظرِ إلى مآلاتِ خطابِ ما بعدَ الإنسانيّةِ (post-humanism) ومرحلةِ البيوتكنولوجيا التي تُحاوِلُ أنْ تَرسمَ مسارًا عابرًا للكائنِ الإنسانيِّ البشريِّ أو ما يُسمّى بـ(الأنسنةِ الانتقاليّةِ) في إطارِ التطوّرِ التقنيِّ والحيويِّ للإنسانِ، وفي ظلِّ هذا الاستقطابِ الهائلِ والأذرعِ المُحتشدةِ التي تَشُدُّ الأجيالَ الحاليّةَ نحوَ مسارِ صناعةِ الإنسانِ المُعزَّزِ رقميًّا، من هنا يَظهَرُ احتياجٌ مُلِحٌّ للإنسانِ لإحداثِ التوازنِ بين الإنسانيّةِ والبيوتكنولوجيا، وبين المادّيِّ والروحيِّ، الأخلاقيِّ والنفعيِّ، لتحقيقِ الانتفاعِ بالتطوّرِ التقنيِّ والذكاءِ الاصطناعيِّ والبيوتكنولوجيا دونَ الوصولِ إلى مرحلةِ التشيُّؤِ والآليّةِ والاغترابِ الإنسانيِّ وانفلاتِ زِمَامِ التحكُّمِ.

تيار ما بعد الإنسانية
يسعى هذا التيّارُ إلى تقويضِ أو تقليصِ القِيَمِ والمخاوفِ من تطبيقاتِ البيوتكنولوجيا والذّكاءِ الاصطناعيِّ –بإطلاقِ مزاعمَ بأنّها تسعى إلى تحقيقِ (العدالةِ، والتسامحِ، والمساواةِ، وما إلى ذلك)– من خلالِ الأطرِ الفلسفيّةِ والنظريّةِ التي نشأت عنها، ويزعمُ –أيضًا– أنَّ الفصلَ الصارمَ بين ما هو (إنسانيٌّ وحيوانيٌّ، روحٌ/جسدٌ، ذكرٌ/أنثى)، يصنعُ نماذجَ من التمييزِ والطّبقيّةِ، وهذهِ التأويلاتُ هدفُها التمهيدُ الفلسفيُّ لإمكانيّةِ التماهي وعدمِ الفصلِ بين الإنسانِ والحيوانِ بيولوجيًّا، ثم/الإنسانِ والآلةِ، والتحوّلاتِ البيولوجيّةِ الأخرى.
في حينِ أنَّ النّاظرَ لواقعِ التحوّلاتِ البيولوجيّةِ –في مجالِ تغييرِ الجنسِ مثلًا ومشكلاتِ الهويّةِ الجنسيّةِ– سيجدُ أنّها صنعت نوعًا من الفوضى البيولوجيّةِ والأخلاقيّةِ والثقافيّةِ، بل وتُهدِّدُ نموَّ وبقاءَ تلك المجتمعاتِ.
وفي إطارِ هذهِ التأويلاتِ للعدالةِ والمساواةِ والقِيَمِ الجديدةِ لـ(الإنسان/الآلة) أو الإنسانِ الهجينِ، ما زالت تُستخدمُ تطبيقاتٌ غيرُ مأمونةِ العواقبِ في مجالاتِ الاستنساخِ، وتحميلِ العقلِ الرّقميِّ، وتكوينِ الإنسانِ الهجينِ أو الإنسانِ الآلةِ.
وهذا يُحيلُنا إلى النّظرةِ الاستشرافيّةِ لمستقبلِ وماهيّةِ الإنسانِ في إطارِ البيوتكنولوجيا وتيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ، التي ترسمُ أمامَنا صورةً لمستقبلٍ موحشٍ، يَغتربُ فيه الإنسانُ نفسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، في ظلِّ هذهِ الافتراضاتِ التي لا تنضبطُ بضوابطَ دينيّةٍ أو أخلاقيّةٍ.
وتُقدِّمُ النّظرةُ الإسلاميّةُ صورةً لماهيّةِ الإنسانِ وعلاقتِه بـ(البيوتكنولوجيا والذّكاءِ الاصطناعيِّ) رؤًى متوازنةً بين تحقيقِ انتفاعِ الإنسانِ بإيجابيّاتِ تطبيقاتِ الذّكاءِ الاصطناعيِّ وتطوّرِ مجالاتِ البيوتكنولوجيا في مجالاتِ تحسينِ الحياةِ، والقضاءِ على الأمراضِ الوراثيّةِ، وتأخيرِ الشّيخوخةِ وأمراضِها، وهندسةِ النباتِ، وزراعةِ الأعضاءِ، وغيرها من القضايا التي تمّت مناقشتُها وقبولُ صورٍ منها في مختلفِ المجامعِ الفقهيّةِ –من ناحيةٍ– والحذرِ من الاندفاعِ في الغرورِ الإنسانيِّ الذي يسعى إلى العبثِ البيولوجيِّ بطرقٍ كـ(الاستنساخِ–بنوكِ النُّطَفِ–بنوكِ البُيوضاتِ–تجاربِ زرعِ الشّرائحِ الإلكترونيّةِ–تحميلِ العقلِ–إنتاجِ الإنسانِ الفائقِ)، بالإضافةِ إلى ضرورةِ تعميقِ علاقةِ الإنسانِ بربِّه، وبأخيهِ الإنسانِ، وبالطّبيعةِ، في ظلِّ قِيَمٍ روحيّةٍ وثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ متوازنةٍ.
ومن ثمّ كان التساؤلُ الرئيسُ لهذا البحثِ يتمثّلُ في السؤالِ التالي:

  • ما هي البيوتكنولوجيا؟
  • وما ماهيّةُ الإنسانِ في إطارِ خطابِ ما بعدَ الإنسانيّةِ؟
  • وما المآلاتُ المحتملةُ للتفاعلِ بين الإنسانِ والتقنيةِ البيوتكنولوجيّةِ؟
  • وما أهمُّ الضوابطِ –من المنظورِ الإسلاميِّ– التي من شأنِها تحقيقُ التوازنِ بين الانتفاعِ بالتقدُّمِ في الذّكاءِ الاصطناعيِّ وحمايةِ الإنسانِ من مآلاتِ الآليّةِ والتشيُّؤِ والنفعيّةِ؟
    منهجُ البحثِ: استقرائيٌّ، تحليليٌّ، استنباطيٌّ.
    أهمية الموضوع تكمن في أنه:
    -يبين ماهية البيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
  • يبين مآلات التفاعل بين الإنسان والتقنية والبيوتكنولوجيا
  • يبين معالم خطاب ما بعد الإنسانية واثره على ماهية الإنسان.
    -يوضح فرص ومسارات التحول الإنساني نحو الإنسان المستقبلي.
    وقام الباحث بالاستفادة بمصادر وأبحاث تتعلق بجوانب البحث الثلاثة:
    الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا-فلسفة تيار ما بعد الإنسانية-المنظور الإسلامي والنظرة الاستشرافية.

التمهيد
أهم مصطلحات البحث
الذكاء الاصطناعي
الذكاء لغةً: الذَّكاءُ: حِدَّة الفؤاد. والذَّكاءُ: سُرْعة الفِطْنَة. قال الليث: الذَّكاءُ من قولك قلبٌ ذَكِيٌّ إذا كان سريع الفِطْنَةِ وقد ذكِيَ بالكسر يَذْكى ذَكا. ويقال: ذَكا يَذْكو ذكاءً، وذكُوَ فهو ذكيٌّ. ويقال: ذكُوَ قَلْبُه يَذْكو إذا حَيَّ بَعْدَ بلادَةٍ، فهو ذكيٌّ على فعيل” (ابن منظور، 2005 م، 38)
الذكاء الاصطناعي -اصطلاحًا-: علم يهدف” إلى فهم طبيعة الذكاء الإنساني عن طريق عمل برامج للحاسب الآلي قادرة على محاكاة السلوك الإنساني ا لمتسم بالذكاء. وتعني” قدرة برنامج الحاسب على حل مسألة ما، أو اتخاذ قرار في موقف ما-بناء على وصف لهذا الموقف-أنَّ البرنامج نفسه يجد الطريقة” (بونيه،1993م، 11)
فهو يمثل “ذكاءً يصطنعه الإنسان أو يصنعه ثم يمنحه للآلة أو الحاسوب بمعنى جعل الآلات تعمل بذكاء”(نصر الدين و دقفل،2020م،181)
ويُعد (John mccarthy) هو الأب الروحي للذكاء الاصطناعي ويرجع له الفضل في اختيار لفظ (الذكاء الاصطناعي) واطلاقه على هذا العلم وعرفه بأنه ” علم هندسة إنشاء آلات ذكية، وبصورة خاصة برامج الكمبيوتر” “( Jacob،2016,23)
البيوتكنولوجيا: Biotechnology
هي “كلمة مكونة من مقطعين الأول (-Bio ) وهو مشتق من الكلمة اللاتينية ” Bios بمعنى الحياة (Life ) أما الثاني (Technology) فيعنى الطريقة المنظمة لعمل الأشياء.
ما هي التكنولوجيا الحيوية؟
ويقصد بالتكنولوجيا الحيوية “أية تطبيقات تكنولوجية تستخدم النظم البيولوجية، والكائنات الحية أو مشتقاتها، لصنع أو تحوير المنتجات أو العمليات من أجل إستخدامات معينة” (Anteb,1996,336)

ما بعد الإنسانية:
ما بعد الإنسانية هي ” عقيدة فلسفية تزعم أنه بالإمكان تحسين الإنسانية عن طريق العلم والتقنية. وترى أنه من الممكن، بل من المطلوب تحرير الإنسانية من حدودها البيولوجية وتجاوز أشكال هشاشتها كالمرض أو الموت.”( أوباشير،2024-56 )
و”يعود فضل انتاج مصطلح (ما بعد الإنسانية Post-humanisme) إلى جوليان هوكسلي عالم الأحياء البريطاني ، وقد أفرد له مقالة نشرها سنة 1957 م (عليوة،2023، 467)
ما هي الأنسنة الانْتقالية
وعُرِّفَتِ الأنسنةُ على أنّها “مركزيّةٌ إنسانيّةٌ مُتروّيةٌ، تنطلقُ من معرفةِ الإنسانِ، وموضوعُها تقويمُ الإنسانِ وتقييمُه، واستبعادُ كلِّ ما من شأنِه تغريبُه عن ذاتِه، سواءٌ بإخضاعِه لحقائقَ ولقوى خارقةٍ للطبيعةِ البشريّةِ، أم بتشويهِه من خلالِ استعمالِه استعمالًا دُونيًّا، دونَ الطبيعةِ البشريّةِ.” (لالاند، 1996، 569)
“الأنسنةُ أو ما يُسمّى بـ: “الهيومانيزم” في الفكرِ الإسلاميِّ المعاصرِ أحدُ أبرزِ المواضيعِ والقضايا التي يُثارُ فيها النقاشُ، إذ تُعرَفُ على أنّها نَزعةٌ غربيّةٌ تقومُ على محوريّةِ الإنسانِ وقيمتِه، ويُعتبَرُ الكاتبُ والمفكّرُ الجزائريُّ محمّدُ أركون أوّلَ من أوجدَ واخترعَ هذا المصطلحَ في الفكرِ الإسلاميِّ المعاصرِ من خلالِ طروحاتِه المختلفةِ عن الأنسنةِ، قصدَ غرسِ الفكرِ الحداثيِّ، ونقلِه إلى العالمِ الإسلاميِّ المعاصرِ.” (دحمان، 2023، 5)
ما هو الاغتراب النفسي؟
الاغتراب النفسي يشير إلى “مفهوم عام وشامل يبين إلى الحالات التي تتعرض لها وحدة للشخصية للانفصال أو الضعف والانهيار، بتأثير العمليات الثقافية والاجتماعية التي تتم داخل المجتمع” (خليفة،2003، 23)

المبحث الأول: الدراسات السابقة
تعددت الدراسات التي تهتم بدراسة جوانب الذكاء الاصطناعي، وكذلك الدراسات التي تهتم بجهود وآراء تيار ما بعد الإنسانية، وهناك القليل من الدراسات-حسب اطلاع الباحث-اهتمت بمستقبل الإنسان في ظل الذكاء الاصطناعي ،وبحسب اطلاع الباحث-لم يجد دراسات تهتم بماهية الإنسان في إطار تيار ما بعد الإنسانية والذكاء الاصطناعي ، ويمكن تقسيم الدراسات والجهود إلى ثلاثة أقسام:
أولًا- دراسات الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولجيا -ومنها-:

  1. دراسة فاطمة الزهراء(2022):” الاستنساخ بين الطموح العلمي والهاجس البيوتيقي” وخلصت الدراسة إلى أن تقدم البيوتكنولوجية فتح آفاقًا جديدة ومتعددة للاستنساخ، وهذا من أجل الحصول على الإنسان الخارق، لكنها وضعت الإنسانية أمام تحديات أخلاقية جديدة، فتفوق الذكاء الاصطناعي والتحكم الآلي يصنع إنسانية جديدة تكون خاضعة لآلته الدماغية الصناعية الفائقة التعقيد، وهذا ما يجعل الإنسانية تسير نحو الأسوأ.
  2. ابتسام الرشيد (2023)”الذكاء الاصطناعي وتحول مفهوم الإبداع في التصوير التشكيلي الرقمي”
    وهدفت الدراسة إلى رصد تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مفهوم الفن والقدرات الإبداعية للفنانين في ظل الذكاء الاصطناعي.
  3. محمد السيد الطوخي( 2022):”تقنيات الذكاء الاصطناعي والمخاطر التكنولوجية”
    وهدفت الدراسة إلى توضيح مفاهيم الذكاء الاصطناعي، وأوجه الخطورة في تطبيقاته في ظل الاستخدام المتنامي لهذه التطبيقات.
  4. عائشة كريكط (2022):”خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات محتوى مواقع التواصل الاجتماعي أي دور؟ وأي علاقة؟ “
    وهدفت الدراسة الى الكشف عن الدور الممكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي في التحولات الاخلاقية لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف انواعه، سواء المرتبط بالأخبار الكاذبة، الإرهاب أو الكراهية وغيرها من المحتويات غير الأخلاقية.

ثانيًا- دراسات ما بعد الإنسانية -ومنها-:

  1. دراسة :عبد الغاني عليوة (2023)” الإنسان الفائق من نيتشه إلى فلاسفة ما بعد الإنسانية” وهدفت إلى إبراز التحولات الكبرى التي شهدتها حياة الإنسان، وذلك من خلال مسار تطور فيه حلمه بظهور الإنسان الأعلى.
  2. دراسة هشام معافة ( 2024)” الإنسانية الفائقة وما بعد الإنسانية ، نحو فلسفة للإنسان الجديد “
    وهدفت إلى التعريف بفلسفات الإنسان الجديد ونقد مخرجاتها، إذ تمثل هذه الفلسفات مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية قد نشهد -بسببها في المستقبل- زوال كل ما هو إنساني وبيولوجي ليحل محله فاعل جديد مهجن إنسان/ آلة.
  3. دراسة عبدالحق دحمان (2023) ” الأنسنة كتيار حداثي من منظور الإسلام-حدود القبول والرفض- بحثت الدراسة في ظاهرة الأنسنة باعتبارها تيارًا حداثياً من منظور إسلامي، وأبرز منطلقاتها وخلفياتها التاريخية والاجتماعية وتناولت الأنسنة في فكر محمد أركون.
  4. دراسة ريسان عزيز “البايوتكنولوجي والثقافة التقليدية-رؤية أنثروبولوجية-“
    وهدفت الدراسة إلى معرفة مدى تقبل الطبيعة البشرية لهذا التطور الخطير ومدى رفضها له وهل وموقف الثقافة والعوامل الثقافية وقد استعان الباحث بالمنهج البنائي الوظيفي.

ثالثًا-دراسات استشراف مستقبل الإنسان في ظل الذكاء الاصطناعي -ومنها-:
1- دراسة رحومة (2005) “الإنترنت والمنظومة التكنو-اجتماعية”
تناولت الآلية التقنية للإنترنت ونمذجة نسقها الاجتماعي، واستهدف البحث رسم الإطار التقني للإنترنت لفهم ارتباطه بالنسق الاجتماعي وما يقدمه من تغيرات ومشكلات ،كما سعت الدراسة لاستشراف مستقبل التقنية وأبعادها المختلفة.
2- دراسة خديجة محمد درار (2019) :” أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والروبوت: دراسة تحليلية”، وهدفت الدراسة إلى التعرف على مفهوم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ودراسة القضايا والجوانب الأخلاقية المرتبطة بها، والمخاوف التي قد تظهر من الوعي الذاتي للروبوتات، والخروج بسياسات محلية مقترحة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي من خلال دراسة وتحليل واقع سياسات الذكاء الاصطناعي في الجهات مجتمع الدراسة.
3- دراسة ( هند فؤاد السيد- وآخرون ) “الذكاء الاصطناعي وتداعياته الاجتماعية والاعلامية والقانونية، رؤية استشرافية”، وهدفت الدراسة لتوضيح الأطر القانونية والحقوقية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي.
التعليق على الدراسات السابقة:
تباينتْ رؤى الدراساتِ السّابقةِ تبعًا لأهدافِها بين الاهتمامِ بتوصيفِ الذّكاءِ الاصطناعيِّ ومجالاتِه وتطبيقاتِه التكنولوجيّةِ والطّبيّةِ والاقتصاديّةِ ومآلاتِها القانونيّةِ والثقافيّةِ، وبين الاهتمامِ بالرؤى الاستشرافيّةِ لهذهِ التطبيقاتِ وتأثيراتِها على الإنسانِ المستقبليِّ، وكذلك تناولتِ الدراساتُ الأطرَ الفلسفيّةَ قديمًا وحديثًا، منذ فلسفةِ مركزيّةِ الإنسانِ وصولًا إلى البيوتكنولوجيا والإنسانِ الهجينِ والإنسانِ الآلةِ، لكنّها لم تهتمَّ بتوضيحِ ماهيّةِ الإنسانِ وتكوينِه الرّوحيِّ والثقافيِّ والاجتماعيِّ في مرحلةِ ما بعدَ الإنسانيّةِ.
وسيُحاولُ الباحثُ انطلاقًا من تلكَ الجهودِ ومثيلاتِها من الدراساتِ الوصولَ إلى بلورةِ الرؤيةِ لماهيّةِ الإنسانِ في ظلِّ مختلفِ الأطرِ البيوتكنولوجيّةِ والفلسفيّةِ والإسلاميّةِ، لتحقيقِ حالةِ التوازنِ بين الافتراضاتِ والضوابطِ، وبين المادّيِّ والرّوحيِّ.
المبحث الثاني: ملامح الخطاب الفلسفي حول الإنسان والتقنية
يدور خطاب ما بعد الإنسانية في الفلسفة حول إعادة التفكير في الحالة الإنسانية بطريقة تزيل مركزية البشر، وتتحدى الثنائيات التقليدية، وتدمج التقدم التكنولوجي والبيولوجي وهو اتجاه يرى أن مجاله ديناميكي ومتطور يسعى إلى معالجة تعقيدات العالم الحديث من خلال منظور أكثر شمولاً وترابطًا، وهذا الاعتقاد لدى أصحاب هذا التيار نبع من كونه يستقي أفكاره من تداخل شمولي لعدد كبير من العلوم كـ(الفلسفة، والدراسات الثقافية، والتكنولوجيا، العلوم الطبية، الفيزياء ، الكيمياء، الأحياء ،ووسائل الإعلام الجديدة، الأدب، والثقافة الرقمية، وحماية البيئة).
ماذا تعني فكرة ما بعد الإنسان؟
وفكرةُ ما بعدَ الإنسانِ هي أفكارٌ عديدةٌ في آنٍ واحدٍ، كثيرًا ما تكونُ غيرَ واضحةٍ، ولكنّها كلّها ذاتُ طبيعةٍ مُضادّةٍ للإنسانيّةِ. هي فكرةُ أنّ الإنسانَ قد عفا عليهِ الزمنُ وصارَ من الماضي باعتبارِه كائنًا حيًّا، وبوصفِه كائنًا ذكيًّا على السواءِ، وهو مدعوٌّ لأنْ تَحلَّ محلَّه آلاتٌ. (إيف ميشو، 2024)
وينظرُ “أفلاطون” إلى الطبيعةِ الإنسانيّةِ على أنّها تتكوّنُ من العقلِ (الرّوحِ) والمادّةِ (الجسمِ). والعقلُ عند أفلاطون “بمعنى الرّوحِ، والرّوحُ في نظرِه خالدةٌ غيرُ مادّيّةٍ، أمّا الجسمُ الإنسانيُّ يُولَدُ ويَنمو ويَذبلُ شأنَه شأنَ الأشياءِ الأخرى التي تتغيّرُ، وتُشبهُ ثنائيّةَ الطبيعةِ الإنسانيّةِ”. (شومان، 95، 2024)
أمّا أرسطو فقد اعتبرَ الإنسانَ كائنًا قادرًا على التفكيرِ، وأنّ التفكيرَ والبحثَ عن المعرفةِ هو ما يُشكّلُ الأساسَ في تكوينِ شخصيّةِ الإنسانِ الفاضلِ، ويمكنُ القولُ إنّ فكرةَ أفلاطون وأرسطو عن الإنسانِ تُمثّلُ نقطةَ البدءِ للنّزعةِ الإنسانيّةِ التي “تَهتمُّ بالإنسانِ، وتُخصّه بمكانةٍ ممتازةٍ في العالمِ، وفي تطوّرِ التاريخِ، وفي سيرورةِ المعرفةِ، وتَعتبرُه قادرًا على المبادرةِ، وتُؤكّدُ على أولويةِ الوعيِ والإرادةِ”. (الداودي، 8، 1992)
والخطابُ الفلسفيُّ حول الإنسانِ والتقنيةِ يُعكسُ رؤًى مختلفةً حول كيفيّةِ تأثيرِ التقنيةِ على الإنسانيّةِ والعكسِ؛ فديكارت وهايدغر قدّما رؤًى متباينةً حول هذهِ العلاقةِ، فلقد رأى ديكارت أنّ الإنسانَ بإمكانِه أن يكونَ سيّدًا على الطبيعةِ، متمكّنًا من التحكّمِ فيها من خلالِ المنهجِ الرياضيِّ والعقلانيِّ واستخدامِ التقنيةِ، وهايدغر يسيرُ في اتّجاهٍ مُغايرٍ يرى أنّ التقنيةَ الحديثةَ تقومُ على إخضاعِ الطبيعةِ لرغباتِ الإنسانِ، تكونُ من خلالها مُسخّرةً لتقديمِ خدمةٍ، ويرى أنّ ماهيّةَ التقنيةِ الحديثةِ تَكمُنُ في الاستفسارِ، وأنّها “تستعملُ علمَ الطبيعةِ الدقيقَ، ومن هنا ينشأُ المظهرُ الخادعُ بأنّ التقنيةَ الحديثةَ هي العلمُ الطبيعيُّ مُطبّقًا…”. (هايدغر، 1958، 68)
وترتكزُ النّزعةُ الفلسفيّةُ عند نتشة حول ماهيّةِ الإنسانِ وعلاقتِه بالوجودِ والميتافيزيقا، باعتبارِ العقلِ غريزةً وظيفتُها المحافظةُ على الحياةِ، فهو يُقلّلُ من الأبعادِ الأخلاقيّةِ والرؤى الميتافيزيقيّةِ والروحيّةِ، ويرى أنّ “النّزعةَ الإنسانيّةَ ليست أكثرَ من خطابٍ فلسفيٍّ ميتافيزيقيٍّ، لإخفاءِ أوهامِ الإنسانِ عن نفسِه، وقناعٍ يتستّرُ وراءَ عجزِه وجهلِه، ويَنشدُ فيه نوعًا من الأملِ والعزاءِ والطّمأنينةِ”. (الداودي، 22، 1992)
منظرو ما بعد الإنسانية الحديثة:
1-جوليان هكسل:
صاغ مصطلح ما بعد الإنسانية (Trans-humanism) وتناول الفكرة بأن التطور التكنولوجي يمكن أن يساعد في تجاوز الحالة البشرية العادية لتعزيز إمكانيات الإنسان.
2-فرانشيسكا فيراندو:

  • ترى فيراندو أنَّ ما بعد الإنسانية الفلسفية تتألف من ثلاث أفكار رئيسية هي
    ما بعد الإنسانية، وما بعد مركزية الإنسان، وما بعد الثنائية.
  • وتتلخص وجهة نظرها الأساسية فيما يتعلق بما بعد الإنسانية في أن التجربة الإنسانية يجب أن تُفهم بمصطلحات تعددية وليس بمصطلحات عامة وعالمية. إن إبعاد الإنسان عن مركزية غير الإنسان هو الشاغل الرئيسي لما بعد مركزية الإنسان. وتركز ما بعد الثنائية على تقويض الثنائيات الصارمة والجامدة والمطلقة، وخاصة عندما تؤدي إلى مفاهيم هرمية مثل الإنسان/الحيوان، والعقل/الجسد، فهي ترى مثل هذا التفكير يتسبب في عملية إقصاء متأصلة في الكثير من الفكر الغربي مما يؤدي إلى الهيمنة. وتقر فيراندو بأنَّ ما بعد الإنسانية “تم تعريفها في المقام الأول على أنها ما بعد الإنسانية وما بعد مركزية الإنسان” (أوبيراور،2021)
  • وترى:”أنّ ما بعد الإنسانية تتحدى مركزية الحياة، ومركزية الإحساس، والحيوية، ومفهوم الحياة نفسها، وتطمس الحدود بين الحي والجماد، في نهج كمي لفيزياء الوجود(أوبيراور ،2021)
    3-دونا هارواي : Donna Haraway)‏
  • اهتمت بكيفية تداخل التكنولوجيا مع الإنسانية وكيف يمكن أن يسهم ذلك في تعزيز الفهم الإنساني وتحقيق التقدم.
  • انصبت كتابتها على إلغاء الاتجاه التصنيفي الذي يجعل الإنسانية استثناءً بين باقي الكائنات، واهتمت بالتأكيد على علاقات القرابة والاتصال بين الكائنات وتشجع العمل على خلق أشخاص ليسوا بشرًا تمامًا لتلغي-من وجهة نظرها- سيادية وهيمنة الإنسان، وكل ثنائيات السيطرة -كـ(الذكورية في مقابل الأنثوية)- وذلك عن طريق التكنولوجيا.
  • دعت إلى تجاوز الإنسانية والتفاعل بين الكائن والآلة واسهمت في نشأة النسوية الإلكترونية والموجة النسوية الثالثة.
  • في مقالها عام (1985)” (بيان سايبورغ): العلوم والتكنولوجيا والنسوية الاشتراكية في الثمانينيات” دعت النسويات للتفكير في إنشاء تحالفات قائمة على التقارب بدلًا من النوع.
  • في كتابها (القرود والسايبورغ والنساء: إعادة إنشاء الطبيعة عام (1991) قامت باستعارة مباديء مقالها (السايبورغ) لشرح مدى أهمية ربط التناقضات في النظرية والهوية النسوية بدلًا من حلها، على غرار ربط الآلة والكائن الحي في كائن السايبورغ. يعتبر البيان أيضًا نقدًا نسويًا مهمًا للرأسمالية.
    4-بيتر سلوتيردايك ( Peter Sloterdijk ): هو فيلسوف ألماني ومنظر ثقافي (ولد في 26 يونيو 1947) .
  • رفض سلوتردايك وجود الثنائيات – الجسد والروح، والموضوع والموضوع، والثقافة والطبيعة، وما إلى ذلك – لأن تفاعلاتها –حسب رأيه-تخلق حقائق هجينة لا تساعد على مبدأ “التعايش” في إطار التقدم التكنولوجي المشترك.
    -يقترح إنشاء “دستور وجودي” من شأنه أن يضم جميع الكائنات – البشر والحيوانات والنباتات والآلات.
    -يرى أن الفلاسفة المعاصرين يجب أن يفكروا بشكل خطير ويسمحوا لأنفسهم بأن “يختطفوا” من قبل “التعقيدات المفرطة المعاصرة”: يجب عليهم التخلي عن عالمنا الإنساني والقومي الحالي من أجل أفق أوسع في نفس الوقت بيئي وعالمي.
    -تطرق من خلال كتابة “قواعد الحظيرة البشرية” (Rules for the Human Zoo) إلى الأساليب التي يمكن أن تُستخدم لتحسين الإنسانية وربما تجاوزها من خلال التكنولوجيا والتطورات العلمية .

أهم المبادي-التي تشكّل ماهية الإنسان الجديد- لتيار ما بعد الإنسانية:
1-ينتقد اتجاه ما بعد الإنسانية المنظور الإنساني التقليدي الذي يضع البشر في مركز الكون. إنه يدعو إلى فهم تعددي للتجربة الإنسانية بدلاً من فهم معمم وعالمي. يسعى هذا المبدأ إلى إبعاد الإنسان عن غير الإنسان، والدعوة إلى فهم أكثر شمولاً وتنوعًا للوجود.( أوبيراور،2021)
2-ويتحدى اتجاه ما بعد الإنسانية مبدأ مركزية الإنسان، ويحاوي نفي الاعتقاد بأن البشر هم الأكثر أهمية في هذا الكون ( (أوبيراور ،2021)
3-يؤكد تيار ما بعد الإنسانية على الترابط بين جميع أشكال وأنظمة الحياة، بحجة أن البشر ليسوا سوى جزء واحد من شبكة بيئية وتكنولوجية أكبر.
4-يهدف إلى إلغاء مبدأ الثنائيات الصارمة والجامدة والمطلقة، مثل الإنسان/الحيوان، والعقل/الجسد، الذكر/الأنثى/والطبيعة/الثقافة لأن هذه الثنائيات –في هذا المنظور- تؤدي إلى انتاج الثقافة والتفكير الهرمي والهيمنة.
5-نقد الاستثناء الإنساني: تشكك ما بعد الإنسانية في فكرة الاستثناء البشري، وهي فكرة أن البشر يختلفون بشكل أساسي عن أشكال الحياة الأخرى ويتفوقون عليها. ويرى أن هذا الاعتقاد ليس خاطئًا فحسب، بل مدمرًا أيضًا، لأنه يؤدي إلى استغلال الأنواع الأخرى والبيئة.
6-التكامل بين التكنولوجيا وعلم الأحياء: غالبًا ما يستكشف فكر ما بعد الإنسانية التكامل بين التكنولوجيا وعلم الأحياء، والذي يتمثل في مفاهيم مثل السايبورغ. يتحدى هذا التكامل الحدود التقليدية بين العضوي وغير العضوي، مما يشير إلى أن الهوية الإنسانية مائعة ومتطورة باستمرار.
وبهذا يتضح أنَّ فلسفة ما بعد الإنسانية تشمل عدة اتجاهات نقدية وجذور تاريخية تتناول تحولات الهوية الإنسانية عبر التطور التكنولوجي والعلمي. هؤلاء الفلاسفة وغيرهم ساهموا في تشكيل هذا الاتجاه وتطوير مفاهيمه الأساسية.
ويرى( إيف ميتشو) أنَّ “مشكل مذاهب ما بعد الإنسانية أو الإنسانية العابرة التي تحاول الاستفادة من نتائج هذه الرؤى هو أنه يتم البحثُ فيها عبثا عن مبدأ منظم ذي مصداقية. فإما يُكتفى بالاحتفال بالاختراع والحرية والإسقاط على المستقبل عن طريق ترديد الموضوعات الطوباوية أو موضوعات من الخيال العلمي مبتذلة جدا مصحوبة بتأكيد موت الله، أو يُسعى إلى البحث عن التنظيم من جانب توازنات النسق ما بعد – الإنسان – الآلة – البيئة، ولكن قول هذا أسهل بكثير من وصفه…، أو يتم الرجوع إلى التأكيد النيتشوي القاسي والغنائي للحياة، وإرادة القوة والقوة والفرح، والذي له بالتأكيد معنى نقدي وسلبي قوي، ولكن ليس له معنى إيجابي جدي”( ميتشو، 2024)
وأفكار ما بعد الإنسانية تصنع ايدلوجيا جديدة وقاسية تعتمد على رأس مالية الإنفاق على البحث العلمي وانفراد بعض الدول بملكية تحسين الحياة ، وتخفيف الآلام والتلاعب البيولوجي ، وهذه الأيدلوجيا على حد تعبير هابرماس “تؤدي إلى كبت الاخلاق بوصفها مقولة بالنسبة للحياة إجمالًا (هابرماس،2003، 83)

المبحث الثالث: الخطاب العلمي حول الإنسان والتقنية والبيوتكنولوجيا
يرى المنظِّرونَ لتيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ أنَّ البيوتكنولوجيا من شأنِها أنْ تُحرِّرَ الإنسانَ من القيودِ البيولوجيّةِ والطبيعيّةِ، كالشيخوخةِ والأمراضِ المزمنةِ وضعفِ القدراتِ الجسديّةِ، وهي في ذلكَ تستخدمُ تقنياتٍ مثلَ الهندسةِ الوراثيّةِ وتعديلِ الجيناتِ واستنساخِها وزراعةِ الأعضاءِ الصناعيّةِ، وإطالةِ العمرِ؛ بل التغلّبِ على الموتِ، ويرونَ أنَّ ذلكَ يمكنُ أنْ يُؤدِّيَ إلى تحسينِ حياةِ الإنسانِ.
وهذهِ الأهدافُ –وإنْ كانتْ مرغوبةً– إلا أنّها تفتقدُ –في جوهرِها– إلى النّظرةِ المنطقيّةِ في الإطارِ العامِّ لحياةِ الإنسانِ وماهيّتِه من الناحيةِ القَدَريّةِ التي تقتضي النقصَ والضعفَ كَسُنَّةٍ ربّانيّةٍ؛ يقولُ تعالى:
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ﴾ (الروم: ٥٤)
وهذهِ الأهدافُ التي يهدفُ إليها تيّارُ ما بعدَ الإنسانيّةِ في تحسينِ حياةِ الإنسانِ يجبُ أنْ تكونَ منضبطةً بقوانينَ لا تتجاوزُ الجوانبَ الروحيّةَ والدينيّةَ والتقديرَ العلميَّ الكاملَ للمخاطرةِ؛ فهذهِ المحاولاتُ، خاصّةً تلكَ المتعلّقةُ بتجاربِ الاستنساخِ، وغرسِ شرائحَ داخلَ الأنسجةِ البشريّةِ، والتعديلاتِ الجينيّةِ الكبرى، من الممكنِ أنْ تُؤدِّيَ إلى دمارِ النوعِ الإنسانيِّ كلِّه، أو على الأقلِّ إلى الانهيارِ الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ والثقافيِّ.
في عامِ (1936) كتبَ (هكسلي) قائلًا:
“إنّ التكنولوجيا الحيويّةَ ستُصبحُ مستقبلًا أكثرَ أهمّيّةً من الهندسةِ الميكانيكيّةِ والهندسةِ الكيميائيّةِ، وهذا لأنّ التكنولوجيا الحيويّةَ أكثرُ ارتباطًا وأقربُ إلى العالمِ العضويِّ للكائنِ الحيِّ، وبعدَ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ فُرِضَتْ فكرةُ تشجيعِ التقنياتِ ذاتِ الأساسِ البيولوجيِّ والمكرّسةِ لتحسينِ حياةِ البشرِ من خلالِ تقديمِها حلولًا للأزماتِ والمشاكلِ التي تتعرّضُ لها البشريّةُ”. (دوبرو، 2007، 225)
فما زالَ الغرورُ العلميُّ يسيرُ سادرًا بخطواتِه الهادرةِ، متجاوزًا الجوانبَ الروحيّةَ والأخلاقيّةَ للإنسانِ، وقد وصلَ إلى حدِّ تخطّي مكانةِ الحياةِ الإنسانيّةِ ذاتِها؛ فالأنظمةُ العلميّةُ –غيرُ المنضبطةِ بإطارٍ دينيٍّ وأخلاقيٍّ– تسيرُ في طريقِ تجاوزِ كلِّ ما هو روحيٌّ ومقدّسٌ، نحوَ الانشغالِ بالجسدِ الإنسانيِّ فقط، بدونِ اعتبارٍ لأخلاقيّاتٍ تضبطُ الاستخدامَ البيوتكنولوجيَّ لجسدِ الإنسانِ، والتأثيرِ على حياتِه كفردٍ مستقلٍّ أو كظواهرَ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ تسيرُ وفقَ ديناميّةٍ تتحرّكُ ضمنَ أنظمةٍ روحيّةٍ واجتماعيّةٍ.
وقد تجرّأ (يوفال هراري –في كتابِه الإنسان الإلهي: تاريخٌ موجزٌ للغد) قائلًا:
“في القرنِ الحادي والعشرين، سيكونُ المشروعُ الكبيرُ الثالثُ للبشريّةِ هو اكتسابُ القوى الإلهيّةِ للخلقِ والتدميرِ، وترقيةُ الإنسانِ العاقلِ إلى الإنسانِ الإلهيِّ”. (Gray، 2017، 108)
ما هي أهم ملامح الخطاب العلمي؟
وأهم ملامح الخطاب العلمي حول الإنسان والتقنية والبيوتكنولوجيا تتجلى في الأبعاد الآتية:
1-الهندسة الوراثية:
يرى (هاري سنياي) أنَّ “فكرة وراثة السلوك كانت أيضًا جد مقبولة اجتماعيًا – بحيث إنّ كل ما كان يمكن أن يطلق عليه أنه صفة كان يصنف على أنه وراثي. فزعم جماعة من العلماء مثلا أن الكحولية والاتجاه إلى العمل في البحر والانحلال الخلقي والضعف العقلي كل منها يرجع إلى جين بعينه، وأن الزواج بين السود والبيض يكون لنتاجه من الأطفال سيقان الزنوج الطويلة وأذرع البيض القصيرة، مما يجعل تكوينهم غير موات بالنسبة لالتقاط الأشياء من الأرض ، وتمت صياغة اصطلاح (علم تحسين النسل) وأقيمت مجتمعات لتشجيع الشبان من السلالات الجيدة على أن يتناسلوا بلا قيود ، حتى تتحسن نوعية وعاء الجينات البشري” (هاري سنياي، 1988، 168)
2-الجينوم:
بدأ مفهوم هندسة الجينات عندما توصل العالم الامريكي “جيمس واطسون”، وعامل الفيزياء الحيوية البريطاني “فرانسيس كريك” عام (1953 )إلى تركيب ال(DNA) من خال النموذج الحلزوني، ومنذ ذلك الحين تجتاح العامل ثورة بيولوجية جزيئية هائلة تأخذنا من اكتشاف علمي إلى آخر) ” (صالح، 2005، 151)
ويرى ليروي هود (Leroy Hood)‏ أنَّ “مشروع الچينوم البشري متفرد من نواح عديدة. فلما كان هذا المشروع من بين المبادرات البيولوچية الرئيسية الأولى التي تضع تطوير التكنولوچيا هدفا رئيسيا فإنَّ الحاجة هائلة للمواجهة متعددة التخصصات للمشاكل العويصة في الخرطنة والسَّلْسلة والمعلوماتية. ستتطلب هذه المشاكل تطبيق تقنيات وآليات الحافة المتقدمة من الرياضيات التطبيقية ( والفيزياء التطبيقية والكيمياء، وعلوم الكمبيوتر والبيولوچيا) وبالإضافة إلى ذلك فإن مشروع الچينوم – إذا نجح تنفيذه – سيغْني كثيرا البنية التحتية للبيولوچيا” (كيفلس، 1997، 165)
3-التلقيح الصناعي والانجاب بالمساعدة:
نجحت أوّل عملية للإخصاب الصناعي عام 1978م وكانت ولادة أول طفلة سميت لويزا براون ، ثم أنشئ بعدها بعامين بنك النُّطف حيث يودع فيه مني الرجل وبويضات المرأة لأغراض مختلفة وتوالت بعدها التقنيات المستجدة كتأجير الأرحام والأم البديلة والتحكم في جنس الجنين وبنك العباقرة وغيره .
ويستخدم عندما يكون هناك” زوجين غير خصبين يلتمسان العلاج إما من خلال الإمناء الصناعي أو التلقيح في الأنابيب باستعمال حيوان منوي من الرجل أو من واهب غير معروف ، وبويضة من المرأة أو إحدى الواهبات ، وأحياناً يكون هناك أم بديلة . ويمكننا أن نتصور أنه في تلك الحالات التي يكون فيها كلا الزوجين غير خصبين أو عندما يكون للأب المتوقع حيوانات منوية لا تقوم بوظيفتها ، يمكننا تصور استخدام استنساخ نوى أحد الزوجين لإنتاج طفل.” (مارتسي، 2003، 41)
4-الاستنساخ:
و”تستخدم كلمة استنساخ ((clone في سياقات عديدة مختلفة في الأبحاث البيولوجية ولكنها في أبسط معانيها وأكثرها تحديداً تشير إلى نسخة وراثية مطابقة تماماً لأحد الجزيئات أو لخلية أو نبات أو حيوان أو إنسان “(مارتسي، 2003، 30)
5- تحسين النسل: “هو العلم الذي يتعامل مع جميع المؤثرات التي تؤدي إلى تحسين وراثي “(مرحبا، 2012، 255)

المبحث الرابع: الخطاب الأدبي والثقافي حول الإنسان والتقنية
يمثّل الذكاء الاصطناعي كابوسًا لدي الكثير من الأدباء والمثقفين المتحققين الذي بذلوا جهودًا جبارة استغرقت سنوات من القراءة والبحث في تكوين الملكة الإبداعية وانتاج الفن الإبداعي بمختلف مجالاته ك(الشعر –الرواية- القصة القصيرة-الفنون التشكيلية-فن الخط، وغيرها) فها هنا تفقد الكتابة الإبداعية جوهرها الإنسانية وسماتها الإنسانية والروحية وتتحول إلى عمل تقني يعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
بل وصل الأمر إلى محاولات تحميل العقل البشري شرائح تحمل العمليات والخوارزميات الرقمية لإنتاج الإنسان الفائق، و(تحميل العقل) يشير إلى:” للعمليات (الافتراضية حتى الآن) لنقل كل أو غالبية المحتويات العقلية من دماغ بشري معين إلى ركيزة مختلفة، والأكثر شيوعًا ركيزة هندسية مثل الكمبيوتر الرقمي أو التناظري أو الكمومي. المصطلحات البديلة لتحميل العقل، ذات المعاني المتشابهة جدًا وإن لم تكن متطابقة بالضرورة، هي “محاكاة الدماغ بالكامل” (Goertzel،2012،10) .
هل يمكن أن يكون الكمبيوتر مثل دماغ الإنسان؟
وفي المقابل يرى عدد من العلماء ذوي التوجه الإنساني كالعالم الحائز على جائزة نوبل جيرالدم إيدلمان والفيزيائي الرياضي والفيلسوف روجر بينروز، أنَّ “الخصائص المتعالية للوعي البشري لا يمكن تدوينها رقميًا أبدًا لأنها معقدة للغاية، أو غير قابلة للمعرفة أو القياس، لا يمكن للكمبيوتر أبدًا أن يكون مثل الدماغ.” (Roth blatt،2014)

أولًا: ملامح الخطاب الثقافي حول الإنسان والتقنية
ما هي ملامح الخطاب الثقافي حول الإنسان والتقنية؟
1-تشوه الهوية انتاج الهوية الافتراضية:
على المستوى الثقافي تسلك ما بعد الإنسانية في اتجاه فرض هويات رقمية بديلة عن هويات الهامش، والهامش في إطار العولمة يمثل ثقافة المجتمعات المختلفة التي تمثل الهامش بالنسبة للرجل (الغربي/الأبيض) الفائق الذي يملك آليات الذكاء الاصطناعي.
2-تقديم التكنولوجيا كسياق تطوري طبيعي للإنسان
يرى اتجاه ما بعد الإنسانية أن التكنولوجي ليست مقابلة للإنسان بل تمثل امتدادًا طبيعيًا للجسم والعقل البشري ومنها يمكن اعتبار جميع تأثيرات التقنية على الإدراك البشري والذاكرة، وتغير طرق التفاعل الاجتماعي والثقافي كلها تأثيرات تطورية طبيعية.
3-التحول الذاتي للإنسان المعزز رقميًا:
يزعم تيار بيوتكنولوجيا ما بعد الإنسانية أنهم لا يفرضون هذه التحولات على الأشخاص إنما يحاولون إبلاغ رسالتهم في التغير والتطور وعلى الإنسان ان يتحول ذاتيًا” والسبيل إلى ذلك هو المُنافحة ضد كل دوغما سواء كان دينيًا أو فكريًا أو سياسيا فلكل فرد أن يتبنى قيمه وسلوكياته التي يختارها لنفسه ويتأملها بذاته أكثر من اهتمامه بقيم غيره والالتزام بها”(معافة،62،2024)
4-التكنولوجيا كأداة للتحول الاجتماعي
يرى أصحاب هذا التجاه ان التكنولوجيا يمكن تسخيرها كوسيلة للتحرر أو السيطرة و يُناقش الخطاب الثقافي إمكانية استخدام التكنولوجيا كأداة للتحرر، من خلال تعزيز القدرات البشرية، أو كوسيلة للسيطرة والتحكم، خاصة مع ظهور تقنيات المراقبة والتحكم الرقمي،؛فأصبحت التكنولوجيا أداة لخدمة جماعات معينة كـ(جماعات النسوية والمثلية والبيدوفيليا)
5- قلق الموت والخلود الرمزي
يفترض هذا الاتجاه وجود قلق وجودي هو قلق الموت ؛ فإذا كانت البيو تكنولوجيا -في الاتجاه الطبي- تبحث في التغلب على الشيخوخة أو التغلب على الموت وتفترض أنها قد تصل إلى هذا الهدف ؛ فإنَّ منظري التيار الثقافي لما بعد الإنسانية يحاولون التغلب على هذا القلق من الناحية الرمزية الثقافية ؛ فقد كتب ليفتون وأولسون: “يمكننا أن نتحدث عن الحاجة إلى إتقان قلق الموت باعتباره أمرًا أساسيًا للحالة الإنسانية، ويمكننا أن نرى أن أساليب الخلود الرمزي توفر مسارات لهذا الإتقان” ويؤكد -أيضًا- أن الخلود الرمزي يمكن البشر من الحفاظ على شعور بالارتباط بالعالم دون ” إنكار حقيقة الموت”. والواقع أنهما زعما أنه عندما يصبح الموت ذا معنى رمزي، يكون من الأسهل على الناس قبول حقيقته.( Lifton،1974)

  • فهم يفترضون أن هذا الوضع ليس بيولوجيًا بحتًا – بل من الأفضل فهمه على أنه بيولوجي وثقافي اجتماعي.
    6-التشيؤ والاغتراب الاجتماعي
    يؤدي التطور غير المنضبط للذكاء الاصطناعي إلى شعور الإنسان بالتشيوء، فقد أصبح مساويًا للآلة بل أصبحت تفوقه، بل ومن الممكن أن تنحيه عن العمل فتختفي مهن إنسانية لصالح عمل الآلة، وتندثر المشاعر الإنسانية والاجتماعية وتحل محلها الإدراكات والذكاءات الاصطناعية، وتؤدي هذه الحالة إلى شعور متزايد بالعزلة للشخصيات التي قد تجد نفسها محاطة بالأجهزة ولكنها تعاني من الفراغ العاطفي.
    7-الانسنة الانتقالية (transhumanisme)
    وتدعو إلى استعمال العلوم البيوتكنولوجية والتقنيات الحديثة لتطوير القدرات الجسدية والذهنية لدى البشر، وتَعتبر أن بعض ملامح الوضع البشري كالإعاقة والألم والشيخوخة أو الموت غير مرغوب فيها.” العيادي،2019)
    8-الذكاء الاصطناعي وأزمة القيم
    يدعي أصحاب اتجاه ما بعد الإنسانية أن افتراضات البيوتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تسير في اتجاه رشيدٍ منضبط، رغم أن بداية تحقق بعض الانجازات الرقمية أنتجت أزمة قيمية كبرى من خلال استغلال هذه الإمكانات في التزييف والاستغلال والتنمر والايذاء؛ فنتج عن ذلك تزييف الفيديوهات الإباحية ، وبرامج التجسس، ونشر الإباحية والمثلية، والاستغلال بشتى صوره وكذلك اختراق الخصوصية وغيرها من السلبيات.
    ثانيًا: ملامح الخطاب الأدبي حول الإنسان والتقنية
    ما هي ملامح الخطاب الأدبي حول الإنسان والتقنية؟
    إذا كان الأدب يعتمد على الموهبة وهي تتركب من عناصر (الأصالة / والمرونة/ الطلاقة) فإنَّ الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على نقل محتواه حسب الطلب يفتقد إلى هذه العناصر ويثير مخاوف ومخاطر عند الأدباء الحقيقين، منها:
    1-النمطية وفقدان الإبداع الإنساني:
    فما دامت هذه الاعمال الادبية بأنواعها المختلفة يتم توليدها عن خوارزميات تم تجميعها بالذكاء الاصطناعي؛ فإنها ستكون نمطية ومتكررة وهي مشبعة بالأنماط والقوالب المتكررة مما يقلل من الجوانب الإبداعية والفردية المتميز التي يتمتع بها الإنسان.
    2-الرداءة:
    سيقوم الذكاء الاصطناعي-في هذه الحالة- بإنتاج أعمال فنية وأدبية، رديئة لأنها تفتقد إلى عمق العاطفة والاندماج مع الموقف الانفعالي الذي يجربه المبدع في مواقفه الحياتية .
    3-ضياع حقوق الملكية:
    العمل الأدبي أو الفني المنتج من خلال خوارزميات الذكاء الاصطناعي سيتسم بالنمطية والتشابه مما يصعب نسبة العمل الإبداعي لصاحبه، ويؤدي إلى نشوء نزاعات قانونية.
    4-فقدان التجربة الإبداعية:
    الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في إنشاء الأعمال الفنية والأدبية، قد يجعل من الصعب على الفنانين والكتاب البشريين التنافس في سوق يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي. هذا يمكن أن يؤدي إلى تقليل فرص الإبداع والابتكار الإنساني .
    5-التلاعب وتزييف الوعي:
    يصعب ضبط عمل الذكاء الاصطناعي أخلاقيًا في الفنون والأدب، مما قد يؤدي إلى استخدامه بطرق غير أخلاقية أو غير مسؤولة، مثل إنشاء أعمال تتضمن محتوى ضار أو تحريضي أو يستهدف تزييف الوعي، فالتضليل الإعلامي ” يقتضي واقعاً زائفاً هو الإنكار المستمر لوجوده أصلاً. ويرى أنه يجري تضليل الشعب بحياد مؤسساته الاجتماعية والرئيسية الحكومية – الإعلام – التعليم ..”(شيللر،1989-18)
    6-انحسار سوق العمل:
    أدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية إلى تقليل فرص العمل للفنانين والكتاب، حيث يمكن للشركات استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى بسرعة وبتكلفة أقل، مما يقلل من الطلب على المواهب البشرية.

المبحث الخامس: الخطاب المستقبلي للإنسان والتقنية من منظور ما بعد الإنسانية والمنظور الإسلامي.
إذا إذا كان الذكاءُ الاصطناعيُّ يحملُ نهضةً علميّةً نحوَ تسهيلِ العملِ وتحسينِ حياةِ الإنسانِ بيولوجيًّا واقتصاديًّا، بالإضافةِ إلى المكتسباتِ البحثيّةِ والثقافيّةِ، إلا أنّ السيرَ في هذا الطريقِ وفقَ فلسفةِ تيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ يُمثّلُ خطورةً بالغةً على مستقبلِ الإنسانِ بيولوجيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، بل وتتعاظمُ خطورتُه على بقاءِ الإنسانِ كنوعٍ، بسببِ التدخّلاتِ البيوتكنولوجيّةِ دونما ضوابطَ أخلاقيّةٍ ودينيّةٍ، وفي ظلِّ إعادةِ تشكيلٍ وخلقِ نَسَقٍ قِيَميٍّ مختلفٍ يتلاءمُ مع الآلةِ لا مع الإنسانِ المُزوَّدِ فطريًّا بعناصرِ تفردِه وتميّزِه عن باقي الكائناتِ، بوصفِه كائنًا عاقلًا مُكلَّفًا بعبادةِ اللهِ والحفاظِ على صُنعتِه دونما عبثٍ، كما يحدثُ في عمليّاتِ الاستنساخِ والعقلِ الرقميِّ وغيرها من افتراضاتِ البيوتكنولوجيا في إطارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ.
وهنا يقفُ الإنسانُ حائرًا بين التصوّرِ المستقبليِّ لرؤى اتّجاهِ ما بعدَ الإنسانيّةِ والتصوّرِ الإسلاميِّ لمستقبلِ الإنسانِ، وفي هذا المبحثِ نُحاولُ إلقاءَ الضوءِ على وجهةِ نظرِ الاتّجاهين.
أوّلًا: ماهيّةُ الإنسانِ وفقَ تيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ:

  • الإنسانُ الهجينُ (البشريّ–التكنولوجيّ / Cyborg): يرى بعضُ مفكّري ما بعدَ الإنسانيّةِ أنّ الدمجَ بين الإنسانِ والآلةِ سيُصبحُ جزءًا طبيعيًّا من التطوّرِ البشريِّ. الهجينةُ أو السايبورغ يُمثّلُ الإنسانَ المُحسَّنَ تقنيًّا، والذي يتمتّعُ بقدراتٍ تتجاوزُ القدراتِ البشريّةَ الطبيعيّةَ.
    ويرونَ أنّ “الإنسانَ المُتّصلَ، الذي تتوزّعُ ذاتُه عبرَ الدائرةِ الإلكترونيّةِ، هو من تتجاوزُ ذاتُه جسدَه المباشرَ، وتكونُ هويّتُه مرتبطةً بغيرِه. هذا الكائنُ ما بعدَ الإنسانيِّ هو هجينٌ؛ فالهندسةُ الوراثيّةُ وبحوثُ الخلايا الجذعيّةِ تسعى للحصولِ على جيناتٍ وDNA من أنواعٍ رفيقةٍ”. (Hayles، 1999)
  • الإنسانُ الفائقُ (التكاملُ مع الذكاءِ الاصطناعيِّ / AI Integration): يتحدّثُ العديدُ من المنظّرينَ عن التكاملِ العميقِ بين الذكاءِ البشريِّ والذكاءِ الاصطناعيِّ، بحيثُ يمكنُ للذكاءِ الاصطناعيِّ أن يُعزّزَ التفكيرَ البشريَّ ويُوفّرَ حلولًا لمشكلاتٍ معقّدةٍ تتجاوزُ القدرةَ البشريّةَ الحاليّةَ.
  • التحوّلُ البيولوجيُّ (Biological Enhancement): يعتقدُ العديدُ من مفكّري ما بعدَ الإنسانيّةِ أنّ التكنولوجيا يمكنُ أن تُحرّرَ الإنسانَ من القيودِ البيولوجيّةِ والطبيعيّةِ، مثلَ الشيخوخةِ والأمراضِ والقدراتِ الجسديّةِ المحدودةِ. تقنياتٌ مثلَ الهندسةِ الوراثيّةِ وزراعةِ الأعضاءِ الصناعيّةِ يمكنُ أن تُؤدّيَ إلى تحسيناتٍ كبيرةٍ في حياةِ الإنسانِ. (Shildrick، 2005، 62)
  • تحميلُ العقلِ والوعيِ الرقميِّ (Digital Consciousness): يتطلّعُ بعضُ المفكّرينَ إلى إمكانيّةِ نقلِ الوعيِ البشريِّ إلى منصّاتٍ رقميّةٍ، ممّا قد يُؤدّي إلى شكلٍ من أشكالِ الخلودِ الرقميِّ، حيثُ يمكنُ للأفرادِ العيشُ إلى الأبدِ في بيئاتٍ افتراضيّةٍ.
  • زعمُ الحيادِ الثقافيِّ والمساواةِ: يزعمُ تيّارُ ما بعدَ الإنسانيّةِ أنّهم لا يَفرِضونَ نمطًا ثقافيًّا من خلالِ الافتراضاتِ المستقبليّةِ لجهودِهم في الذكاءِ الاصطناعيِّ، ومن البديهيِّ أنّ من يَملِكُ رأسَ المالِ والأدواتِ؛ سيفرضُ رؤاهُ الثقافيّةَ والاجتماعيّةَ ويُنَحِّي ثقافةَ الآخرِ ويَعتبرُها ثقافاتٍ هامشيّةً لا يُعتدُّ بها، أمامَ تيّاراتٍ استفادتْ من الذكاءِ الاصطناعيِّ ثقافيًّا واجتماعيًّا كمجموعاتٍ (النسويّة/المثليّة/البيدوفيليا وغيرها). فهذا التيّارُ لا يَملِكُ إجابةً عن سؤالِ: “ما مدى عدالةِ التوزيع؟” إلا من خلالِ الوعودِ وادّعاءِ الأخلاقيّةِ، فمن يَضمنُ أنْ تكونَ فوائدُ التكنولوجيا مُتاحةً للجميعِ، وليس فقط للنُّخبِ الغنيّةِ؟ فأمريكا مثلًا عندما امتلكتْ التجاربَ النوويّةَ استخدمتْها في التدميرِ والاستعلاءِ العسكريِّ والسياسيِّ على العالمِ.
  • التحوّلاتُ الاجتماعيّةُ والرؤيةُ المستقبليّةُ: سيتحوّلُ المجتمعُ إلى مجتمعِ ما بعدَ العملِ (Post-Work Society)، فالانتشارُ السريعُ للذكاءِ الاصطناعيِّ قد يُؤدّي إلى تغييرٍ جذريٍّ في كيفيّةِ فهمِنا للعملِ والدّخلِ والدّورِ الاقتصاديِّ للفردِ، وسيَصنعُ فهمًا جديدًا للفقرِ وزيادةَ أعدادِ الفقراءِ ممّن لا يَملِكونَ هذهِ التكنولوجيا العاليةَ.
  • التفاعلُ بين الإنسانِ والآلةِ: يستكشفُ التيّارُ كيفيّةَ تطوّرِ العلاقاتِ بين الإنسانِ والآلةِ، وكيفَ يمكنُ لهذهِ العلاقاتِ أن تُعيدَ تشكيلَ المجتمعاتِ والقِيَمِ والأعرافِ، وبالتالي سيترتّبُ على ذلكَ نشوءُ أنساقٍ قِيَميّةٍ وثقافيّةٍ جديدةٍ لا تَستقي مكوّناتِها من الدينِ والأخلاقِ والأعرافِ المجتمعيّةِ.
  • الاغترابُ والتشيُّؤُ: سيُؤدّي توجّهُ ما بعدَ الإنسانيّةِ إلى اغترابِ الإنسانِ عن ذاتِه وتشيُّئِه نتيجةَ الاعتمادِ المُفرِطِ على التكنولوجيا، وهناكَ خوفٌ من فقدانِ القِيَمِ الإنسانيّةِ الأساسيّةِ، وتحوّلِ الإنسانِ إلى مجرّدِ كائنٍ مُبرمَجٍ أو مُعدَّلٍ جينيًّا.
  • المخاطرُ الوجوديّةُ: هناكَ مخاوفُ من أنّ التقدّمَ السريعَ في مجالاتٍ مثلَ الذكاءِ الاصطناعيِّ والبيوتكنولوجيا قد يُؤدّي إلى مخاطرَ وجوديّةٍ تُهدِّدُ بقاءَ البشريّةِ.

ثانيًا: التصور الإسلامي لمستقبل الإنسان في ظل الذكاء الاصطناعي.
دعا دعا الإسلامُ إلى العلمِ والاكتشافِ والنظرِ في الكونِ وفي الآياتِ وفي الأنفُسِ، ولم يَحظُرْ عليه سُبُلَ الرّفاهيةِ وتحسينِ الحياةِ، لكنّه ضَبَطَها بضابطِ الشرعِ والأخلاقِ والمعاملةِ، وجعلَ للشرعِ مقاصدَ ضَمِنَتْ للإنسانِ بقاءَه وسعادتَه في الدنيا والآخرةِ، ومقاصدُ الإسلامِ خمسةٌ، فمرادُ الشرعِ من “الخلقِ خمسةٌ وهو أنْ يَحفَظَ عليهم دينَهم ونفسَهم وعقلَهم ونَسْلَهم ومالَهم”. (الغزالي، 1993، 482)
و”لقد أولى الإسلامُ عنايةً فائقةً للأخلاقِ، وجعلَها أساسَ علاقةِ الإنسانِ بربِّه ومع نفسِه ومع الآخرينَ، وجاءَ الإسلامُ بكلِّ خُلُقٍ حسنٍ جميلٍ، ونهى عن كلِّ خُلُقٍ سيّءٍ وقبيحٍ”. (الميداني، 1959، 368)
حفظُ الدِّينِ:
رؤيةُ الإسلامِ أنَّ الإنسانَ مخلوقٌ لله، يجبُ عليه الامتثالُ لأوامرِه والانتهاءُ عند نواهيهِ، لا أنْ يتركَ الشرعَ ويضعَ شرعًا ودينًا بديلًا يتّفقُ مع أهوائِه، كما دعا تيّارُ ما بعدَ الحداثةِ. فلقد رأت (Rothblatt) أنَّ جوهرَ الإنسانيّةِ يَكمُنُ في العقلِ وليس الجسدِ، وبالتالي يمكنُ تكرارُه في شكلٍ رقميٍّ، ويُؤلِّهُ هذا التيّارُ الإنسانَ، فيرى:
“إنّ نُسَخَ العقلِ ليستْ سوى أحدثِ ازدهارٍ للإلهِ اللانهائيِّ…”. (Rothblatt، 2014، 282)
حفظُ النفسِ:
يرتبطُ بحفظِ الفردِ وحفظِ النوعِ، وضبطَ الإسلامُ هذهِ القاعدةَ بضرورةِ الحفاظِ على النفسِ بسلوكِ كلِّ سبيلٍ يُحافظُ عليها دونَ مخاطرةٍ غيرِ محسوبةٍ، كما يحدثُ في بعضِ تجاربِ البيوتكنولوجيا وتكوينِ الإنسانِ الهجينِ، وحفظِ النوعِ دونَ المخاطرةِ ببقائِه كما يحدثُ في تجاربِ الاستنساخِ غيرِ المنضبطةِ بضوابطَ شرعيّةٍ أو أخلاقيّةٍ.
حفظُ العقلِ:
أنشأَ القرآنُ للعقلِ مكانةً عظيمةً؛ فهو مَناطُ التكليفِ، وآلةُ الاستدلالِ والاستنباطِ، وتحصيلُ العلمِ والمعرفةِ، وهو دليلُ التكريمِ والخيريّةِ للبشريّةِ على سائرِ المخلوقاتِ؛ قال تعالى:
“يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” [المائدة: 16]وجاءتْ آياتُ القرآنِ الكريمِ حافلةً بمشتقّاتِ مادّةِ (عقل) وما شابهَها كـ(يعقلون–يتفكّرون–يذكرون–أولي الألباب…)، وأسسَ القرآنُ لتحقيقِ بناءٍ إنسانيٍّ متكاملٍ في مشروعِ بناءِ الإنسانِ المثالِ المتلقّي عن ربِّه، ما تستقيمُ به حياتُه الدنيويّةُ والأخرويّةُ.
حفظُ النَّسْلِ (النظامُ الأسريُّ):
يتأتّى بحفظِ طريقةِ التوالدِ التي تحفظُ للإنسانِ نَسَبَه من والديهِ الشرعيّين، ومن ثمّ حفظِ الحقوقِ الأخرى المترتّبةِ على ذلك، وهذا لا يتحقّقُ في بعضِ صورِ التلقيحِ الصناعيِّ والاستنساخِ.
ويقولُ تعالى:
“وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” [الذاريات: 49] (قطب، 1412هـ، 234)
حفظُ المالِ:
أصلٌ من أصولِ الشريعةِ الإسلاميّةِ، فلابدَّ من ضبطِ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ لحمايةِ الإنسانِ من الاحتيالِ والتزييفِ، وسيطرةِ أصحابِ رأسِ المالِ، وهيمنةِ النماذجِ الاقتصاديّةِ المُحرّمةِ.
المساواةُ:
حقيقةٌ أقرّها المنهجُ الإسلاميُّ، وفرضَ سلطانَها، ورعايةَ المؤمنينَ جميعِهم لها. قال تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ…” النساء 135
وقال ﷺ:
“كلكم لآدم وآدم من تراب” (أخرجه الترمذي، ابن عاشور، 2013، 128)
ولا تعني المساواةُ –كما في الرؤيةِ النسويّةِ– الانفرادَ بتملّكِ مزايا معيّنةٍ بين (ذكر/أنثى)، بل هي مساواةٌ تتضمّنُ شفقةً إنسانيّةً عميقةً، وتوجّهًا للاهتمامِ والمشاركةِ، يُعبَّرُ عنه بمفردتينِ قرآنيّتينِ: المرحمة. (أبو الفضل، 2024، 114)
الإنسانُ الفائقُ في الإسلامِ:
ينظرُ الإسلامُ إلى الإنسانِ باعتبارِه كائنًا مُكرَّمًا، قد يَصعدُ بإيمانِه وأخلاقِه إلى مرتبةٍ تفوقُ الملائكةَ، وقد يَهبطُ إلى مرتبةِ الحيواناتِ باستسلامِه لنزواتِه ولقِيَمِ النفعيّةِ البحتةِ.
ويقولُ تعالى:
“أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…” [الزخرف: 32]فمِقياسُ الكمالِ هو كمالُ المجتمعِ الإنسانيِّ بنواقصِه وكمالاتِه، لا كمالُ الفردِ بجشعِه ونفعيّتِه.
ولا يجوزُ التدخّلُ في جسدِ الإنسانِ بما يُعرّضُه أو يُعرّضُ غيرَه للخطرِ، فـ”في الخلقِ شأنُ اللهِ”، يقولُ تعالى:
“يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِير” [فاطر: 1]خاتمة:
خلُصَ البحثُ إلى توصيفِ الخطابِ الفلسفيِّ لتيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ في نظرتِه إلى ماهيّةِ الإنسانِ في ظلِّ البيوتكنولوجيا، بأنَّ هذا الخطابَ قد بَنى أسسَه على الحداثةِ وما بعدَها، وعلى أساسِ الانسلاخِ من حقبةِ السيطرةِ الدينيّةِ الغربيّةِ، وصولًا إلى مرحلةِ التمرّدِ على كلِّ ما هو دينيٌّ وروحيٌّ، فجاءَ الخطابُ محلّيًا (بالنسبةِ للعالمِ الغربيِّ) لا يتوافقُ مع النظرةِ الروحيّةِ والدينيّةِ التي تُكرِّمُ الإنسانَ وتراهُ سيّدًا للكونِ، أقامَه اللهُ لعمارتِه والانتفاعِ به؛ فنظروا إلى الإنسانِ على أنّه:

  • مُساوٍ للحيوانِ.
  • مُساوٍ للآلةِ، ويمكنُ صناعةُ وعيٍ للآلةِ يفوقُ إدراكَ الإنسانِ.
  • القضاءُ على مركزيّةِ الإنسانيّةِ بالنسبةِ لباقي الحيواناتِ والنباتاتِ، كما سبقَ وتمَّ القضاءُ على مقولةِ مركزيّةِ الأرضِ.
  • لا حدودَ دينيّةَ أو أخلاقيّةَ لتطبيقاتِ البيوتكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعيِّ في طريقِ صناعةِ الإنسانِ الهجينِ –المُعزَّزِ رقميًّا– في طريقِ إنتاجِ الإنسانِ الفائقِ (الإنسانِ الآلةِ) أو الروبوتِ الإنسانيِّ.
  • يُقدِّمُ تيّارُ ما بعدَ الإنسانيّةِ إعادةَ تفسيرٍ وبلورةً لمفاهيمَ كـ(الدينِ–القِيَمِ الروحيّةِ–التفاعلِ الاجتماعيِّ).
  • لم تُقدِّمْ وجهةُ نظرِ تيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ ضماناتٍ علميّةً أو منطقيّةً لمخاوفِ ومخاطرِ الانفلاتِ التجريبيِّ في طريقِ الوصولِ إلى الإنسانِ الفائقِ (الإنسانِ المُعزَّزِ رقميًّا–الإنسانِ الهجينِ–الروبوتِ البشريِّ).
  • لم يُقدِّمْ تيّارُ ما بعدَ الإنسانيّةِ حلولًا استشرافيّةً لمستقبلِ الإنسانِ وماهيّتِه في ظلِّ افتراضاتِ التقدّمِ نحوَ الإنسانِ الفائقِ، تلكَ المشكلاتِ التي تتعلّقُ بـ(الهويّةِ–الاغترابِ–التشيُّؤِ–القِيَمِ الروحيّةِ–التحيّزِ وأحاديّةِ الانتفاعِ–سيطرةِ رأسِ المالِ على تطبيقاتِ البيوتكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعيِّ).
    وخلُصَ البحثُ أيضًا إلى أنّ النظرةَ الإسلاميّةَ لماهيّةِ الإنسانِ في ظلِّ البيوتكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعيِّ هي نظرةٌ متوازنةٌ، لا تمنعُ الإنسانَ من الانتفاعِ بتلكَ التطبيقاتِ وصولًا إلى رفاهيتِه وسعادتِه، وفي نفسِ الوقتِ تدعوهُ إلى ضبطِ هذا التعاملِ بضوابطَ دينيّةٍ وخُلُقيّةٍ لتحقيقِ النفعِ العامِّ، في ظلِّ مقاصدِ الشريعةِ التي تدعو إلى:
  • حفظِ النفسِ: الحفاظُ على الإنسانِ جسديًّا وروحيًّا، وعدمُ العبثِ والمخاطرةِ بتجاربَ كـ(الاستنساخِ–تحميلِ العقلِ–إنتاجِ الإنسانِ الروبوتِ).
  • حفظِ الدينِ والقِيَمِ الروحيّةِ التي يَستقي منها الإنسانُ أنساقَه القِيَميّةَ التي تُضبطُ حركتُه في الحياةِ.
  • حفظِ العقلِ: والاهتمامُ ببنائِه الإدراكيِّ والانفعاليِّ، وتطويرُه بكسبِ المعرفةِ، وعلاجُ العِلَلِ العضويّةِ والوظيفيّةِ دونَ العبثِ بأصلِ الخلقةِ الربّانيّةِ.
  • حفظِ النَّسلِ: بتحقيقِ التوالدِ بالطرقِ الطبيعيّةِ التي لا تُضيّعُ الحقوقَ والأنسابَ، والتي لا تُمثّلُ مخاطرةً على بقاءِ الإنسانِ الفردِ أو بقائِه كنوعٍ.
  • المساواةُ بين البشرِ في الانتفاعِ بما وصلَ إليه الإنسانُ من البحثِ والكشفِ عن الإمكاناتِ الطبيعيّةِ والصناعيّةِ.
    ولأنَّ الباحثَ لم يَجِدْ الكثيرَ من الدراساتِ التي طرحتْ الرؤى الاستشرافيّةَ للإنسانِ وماهيّتِه في ظلِّ البيوتكنولوجيا والذكاءِ الاصطناعيِّ، فهو يدعو الباحثينَ إلى الاهتمامِ –بتوسّعٍ– بموضوعاتٍ كـ:
  • الأسسِ الفلسفيّةِ الإسلاميّةِ لماهيّةِ الإنسانِ في مقابلِ الأسسِ الفلسفيّةِ لتيّارِ ما بعدَ الإنسانيّةِ.
  • الرؤى الفقهيّةِ لتطوّراتِ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والبيوتكنولوجيا وأثرِها على الإنسانِ.
  • الخطابِ الأدبيِّ ومآلاتِه في ظلِّ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ.
  • التحوّلاتِ القِيَميّةِ والنفسيّةِ والاجتماعيّةِ لمستقبلِ الإنسانِ في ظلِّ البيوتكنولوجيا.
  • البحثِ عن أسسٍ لحوارٍ عالميٍّ لصناعةِ ميثاقٍ أمميٍّ ضابطٍ لتجاربِ وتطبيقاتِ البيوتكنولوجيا، وضماناتِ التوزيعِ العادلِ لمنافعِ هذهِ التطبيقاتِ.
    واللهُ أسألُ أنْ أكونَ قد وُفِّقتُ في تحقيقِ أهدافِ البحثِ.
    الباحث

  • Abstract:
  • Humans face a challenge between the advances of artificial intelligence applications and their associated risks, which can lead to the alienation of individuals and the loss of their humanity, according to the aspirations of post-humanist and biotechnological movements. The philosophical debate surrounding post-humanism continues to evolve, while assumptions in the field of biotechnology expand without regard for the consequences that may threaten humanity’s existence. Islam provides guidelines for dealing with applications of artificial intelligence and biotechnology, based on the objectives of Sharia, such as preserving religion, life, dignity, and equality, in order to avoid a utilitarian tendency that could divide humanity-
  • Keywords:[artificialintelligence,biotechnology, posthumanism, future human, philosophical discourse]

المراجع

أولًا المراجع العربية

  • ابن عاشور،الطاهر، ( 2013)،مقاصد الشريعة،ط1، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني،القاهرة.
  • ابن منظور، جمال الدين (2005م)، لسان العرب،ط1، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، ط4، 2005م، ج6.
  • أبو الفضل، منى(2024م)،الرؤية الإسلامية للإنسان: الفاعلية والعقلانية والأخلاقية في القران الكريم،ط1، تر:السيد محمد السيد عمر، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا ، الولايات المتحدة الأمريكية.
  • الأمم المتحدة(2018) تقرير الأمم المتحدة، القمة العالمية الأولى بشأن الذكاء الاصطناعي لتحقيق الصالح العام، الاتحاد الدولي للاتصالات.
  • أوباشير، رفيق (2024)، حول ما بعد الإنسانية: بين الفلسفة والعلم والمجتمع، مجلة البحوث في العلوم الإنسانية والمعرفية،المغرب،مج/1،ع/4.
  • أوبيراور، أغنيس تيريزا، “ما بعد الإنسانية: فلسفة للقرن الحادي والعشرين؟” TheCollector.com، 5 سبتمبر 2021، https://www.thecollector.com/posthumanism-philosophy-of-the-21st-century /
  • إيف ميتشو(2024): أي إنسانيات لما بعد الإنسان؟(مقال) / تر: محمد أسليم، موقع ميدوزا، أطلع عليه بتاريخ 2/8/2024.
  • بونيه، آلان (1993)، الذكاء الاصطناعي-واقعه ومستقبله،ط1،تر: علي صبري فرغلي ،سلسلة عالم المعرفة، الكويت.
  • جراي، جون (2017): لماذا سيكون مستقبل البشرية بلا هدف مثل الماضي مجلة،( THE NEW STATESMAN)، عدد 15 فبراير 2017 .
  • جون هاريس (1978) قيمة الحياة،ط1، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، تر:حامد خليل.
  • خليفة، عبد اللطيف (2003) دراسات في سيكولوجية الاغتراب ط1، دار غريب، للطباعة والنشر، مصر.
  • دحمان، عبدالحق(2023) ، الأنسنة كتيار حداثي من منظور الإسلام،ط1، مركز المجدد للدراسات والبحوث، إسطنبول ،تركيا.
  • الدواي، عبد الرزاق(1992) موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، هيدغر ليفي ستروس ميشيل فوكو، ط1، بيروت:دار الطليعة، ، 1992م.
  • دوبرو، كلود (2007)، الممكن و التكنولوجيات الحيوية : مقالة فلسفية في العلوم،ط1،تر: ميشال يوسف، ثقافة علمية معاصرة ; المنظمة العربية للترجمة; بيروت.
  • سالمي، نصر الدين ، كمال بن دقفل (2020)، دور الذكاء الاصطناعي في عملية تخطيط المنتج في شركة اتصالات الجزائر، مجلة العلوم الاقتصادية والتسويق والعلوم التجارية، جامعة المسيلة، 2020، مجلد 13، عدد 1.
  • شومان، طه مصطفى (2012 )، الطبيعة الإنسانية بين المثالية والواقعية في ضوء التربية الإسلامية دراسة تحليلية، المجلة التربوية مج 26،ع/104.
  • شيللر، هربرت آ(1986):المتلاعبون بالعقول،ط1، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت.
  • صالح، فواز(2005) المبادئ القانونية التي تحكم الأخلاقيات الحيوية، دراسة مقارنة في القانون الفرنسي والاتفاقيات الدولية، مجلة الشريعة والقانون، ع،22 .
  • العيادي، أبو بكر(2019): الحرب على الموت أو سعي الإنسان إلى الخلود، مجلة “الجديد” الثقافية اللندنية.
  • الغزالي، ابو حامد(١٩٩٣م)،المستصفى، ط1،تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ج/2.
  • قطب، سيد إبراهيم (1412 ه)،في ظلال القرآن،ط1، دار الشروق ، القاهرة.
  • كنعان، أحمد محمد(2000):الموسوعة الطبية الفقهية،ط1، دار النفائس ، بيروت ، لبنان.
  • كيفلس، دانييل- هود ،ليروي (1997)،الشفرة الوراثية للإنسان، ط1،الكويت: سلسلة عالم المعرفة تر: مصطفى إبراهيم فهمي.
  • لالاند، أندري(1996م). موسوعة لالاند الفلسفية، ط1، ترجمة: خليل أحمد خليل بيروت منشورات عويدات، ، 1996م،مجلد 2.
  • مارتسي،نسبوم-وكاس.ر.سانشتين(2003)،استنساخ الإنسان الحقائق والأوهام، ط،1تر:مصطفى ابراهيم فهمي، مكتبة الاسرة، القاهرة..
  • مرحبا، إسماعيل غازي أحمد(2012)، تحسين النسل: دراسة طبية فقهية، مجلة كلية دار العلوم، جامعة القاهرة – كلية دار العلوم، ع 65.
  • معافة، هشام (2024)، الإنسانية الفائقة وما بعد الإنسانية ، نحو فلسفة للإنسان الجديد، مجلة دراسات إنسانية واجتماعية ، جامعة وهرا ن ، المجلد 13 ع 1
  • الميداني، أبو الفضل أحمد (1959م )، مجمع الأمثال، ط1، تحقيق: محي الدين عبد الحميد، مكتبة السنة المحمدية، القاهرة.
  • هابرماس، يورغن (2003) العلم والتقنية كأيدولجيا،ط1، تر:حسن صقر ،منشورات الجمل
  • هاريسنياي، هتون(1988)، التنبؤ الوراثي، الكويت: سلسلة عالم المعرفة تر: مصطفى إبراهيم فهمي،
  • هايدغر. مارتن(ب.ت ): التقنية-الحقيقة-الوجود،ط1، تر: محمد سبيلا، عبدالهادي مفتاح، نشر المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء.
    ……………………………………………………………………………………………………………..
    ثانيًا :المراجع والمصادر الاجنبية:
  • Anteb، E. and D. Fishlock (1996). Biotechnology; Strategies for life. The MIT Press Edition، Cambridge، Massachutts، London، England. 386 p
  • Goertzel، B.، & Ikle، M. (2012). Special issue on mind uploading: Introduction. International Journal of Machine Consciousness، 4(1)، 1.3.10.1142/S1793843012020015
  • Gray، John: Why the Future of Humanity Will Be Aimless Like the Past، The New Statesman، February 15، 2017
  • Haven ،Will Douglas(2017): The Dark Secret at the Heart of AI technology review، April 11، 2017. https://bit.ly/3s8zrtm
  • Hayles، N. Katherine. How We Became Post-human: Virtual Bodies in Cybernetics، Literature، and Informatics. Chicago and London: Chicago UP، 1999،p.10
  • Lifton، R.، & Olson، E. (1974). Living and dying. New York، NY: Praeger Publishers.
  • Roberts، Jacob (2016). “Thinking Machines: The Search for Artificial Intelligence”. Distillations. p 2 no 2:p 14–23.
  • Roth blatt، M. (2014). Virtually human: The promise and the peril of digital immortality. New York، NY: St. Martin’s Press. p. 271
  • Rothblatt، M. (2014). Virtually human: The promise and the peril of digital immortality. New York، NY: St. Martin’s Press. p. 282
  • Shildrick، Margaret. “Beyond the Body: The Challenge of Bioethics.” In Margaret Shildrick and Roxanne Mykitiuk (Eds.)، Body Ethics: Post-Traditional Challenges. Cambridge: Massachusetts Institute of Technology Press، 2005. 1-26

References

  • Ibn Ashour، Al-Tahir (2013)، Objectives of Sharia، 1st ed.، Dar Al-Kitab Al-Masri and Dar Al-Kitab Al-Lubnani، Cairo.
  • Ibn Manzur، Jamal al-Din (2005)، Lisan al-Arab، 1st ed.، Dar Sader for Printing and Publishing، Beirut، 4th ed.، 2005، Vol. 6.
  • United Nations (2018)، UN report on the first global summit on artificial intelligence for the common good، International Telecommunication Union.
  • Obashir، Rafiq (2024)، On Posthumanism: Between Philosophy، Science، and Society، Journal of Research in Human and Cognitive Sciences، Morocco، Vol. 1، No. 4.
  • Oberauer، Agnes Teresa. “Posthumanism: A Philosophy for the 21st Century?” TheCollector.com، September 5، 2021، https://www.thecollector.com/posthumanism-philosophy-of-the-21st-century/
  • Yves Michaux (2024): What Humanisms for the Posthuman? (Article) / Translated by: Mohamed Aslim، Meduza website، accessed on August 2، 2024.
  • Bouni، Alain (1993)، Artificial Intelligence: Its Reality and Future، 1st ed.، Translated by: Ali Sabri Farghali، Series: The World of Knowledge، Kuwait.
  • Gray، John (2017): Why the Future of Humanity Will Be Aimless Like the Past، magazine (THE NEW STATESMAN)، February 15، 2017.
  • John Harris (1978)، The Value of Life، 1st ed.، Kuwait: Series: The World of Knowledge، Translated by: Hamid Khalil.
  • Khalifa، Abdul Latif (2003). Studies on the Psychology of Alienation، 1st ed.، Dar Gharib for Printing and Publishing، Egypt.
  • Duhman، Abdul Haq (2023)، Humanization as a Modern Trend from an Islamic Perspective، 1st ed.، Al-Mujaddid Center for Studies and Research، Istanbul، Turkey.
  • Duwai، Abdul Razak (1992)، The Death of Man in Contemporary Philosophical Discourse: Heidegger، Lévi-Strauss، Michel Foucault، 1st ed.، Beirut: Dar Al-Tali’a، 1992.
  • Dubro، Claude (2007)، The Possible and Biotechnology: A Philosophical Essay on the Sciences، 1st ed.، Translated by: Michel Youssef، Contemporary Scientific Culture; Arab Translation Organization; Beirut.
  • Salmi، Nasreddin، Kamal Ben Dqfel (2020)، The Role of Artificial Intelligence in Product Planning at Algeria Telecom، Journal of Economic Sciences، Marketing and Commercial Sciences، University of M’sila، 2020، Volume 13، Issue 1.
  • Shoman، Taha Mustafa (2012)، Human Nature between Idealism and Realism in the Light of Islamic Education: An Analytical Study، Educational Journal، Volume 26، Issue 104.
  • Schiller، Herbert A. (1986)، The Manipulators of Minds، 1st ed.، National Council for Culture، Arts and Letters، World of Knowledge Series، Kuwait.
  • Saleh، Fawaz (2005)، Legal Principles Governing Bioethics: A Comparative Study in French Law and International Agreements، Journal of Sharia and Law، Issue 22.
  • Al-Ayyadi، Abu Bakr (2019)، The War on Death or Humanity’s Quest for Immortality، Cultural Journal “Al-Jadeed،” London.
  • Al-Ghazali، Abu Hamid (1993)، Al-Mustasfa، 1st ed.، Edited by: Muhammad Abdel Salam Abdel Shafi، Dar Al-Kutub Al-Ilmiah، Beirut، Volume 2.
  • Qutb، Sayyid Ibrahim (1412 AH)، In the Shade of the Quran، 1st ed.، Dar Al-Shorouk، Cairo.
  • Kanaan، Ahmad Muhammad (2000)، The Medical Jurisprudence Encyclopedia، 1st ed.، Dar Al-Nafaes، Beirut، Lebanon.
  • Kivels، Daniel – Hood، Leroy (1997)، The Genetic Code of Humans، 1st ed.، Kuwait: World of Knowledge Series، translated by: Mustafa Ibrahim Fahmy.
  • Lalande، André (1996). Lalande’s Philosophical Encyclopedia، 1st ed.، Translated by: Khalil Ahmed Khalil، Beirut، Oweidat Publications، 1996، Volume 2.
  • Maritsi، Nasbom – Kess، R. Sanchstin (2003)، Human Cloning: Facts and Illusions، 1st ed.، translated by: Mustafa Ibrahim Fahmy، Family Library، Cairo.
  • Marhaba، Ismail Ghazi Ahmed (2012)، Improving Offspring: A Medical Jurisprudential Study، Journal of the Faculty of Dar Al-Uloom، University of Cairo – Faculty of Dar Al-Uloom، Issue 65.
  • Ma’afa، Hisham (2024)، Transhumanism and Post-Humanism: Towards a Philosophy of the New Human، Journal of Human and Social Studies، University of Wahran، Volume 13، Issue 1.
  • Al-Maydani، Abu Al-Fadl Ahmed (1959)، The Collection of Proverbs، 1st ed.، Edited by: Muhyi Al-Din Abdel Hamid، Library of Muhammadan Sunnah، Cairo.
  • Habermas، Jürgen (2003)، Science and Technology as Ideology، 1st ed.، Translated by: Hassan Saqr، Al-Jamal Publications.
  • Harrisniai، Hatoon (1988)، Genetic Prediction، Kuwait: World of Knowledge Series، translated by: Mustafa Ibrahim Fahmy.
  • Heidegger، Martin (n.d.): Technology – Truth – Existence، 1st ed.، translated by Muhammad Sbeila and Abdelhadi Miftah، published by the Arab Cultural Center، Beirut – Casablanca.
غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى