
أثر اللغة في النهضة والتغيير
هادي عبد الجواد
مقدمة
يعتقد بعض الناس أنّ اللغة مجرد أصواتٍ تُنطق أو رموزٍ تُكتب، لكنها وعاءٌ للفكر، ومرآةٌ للوعي، وجسرٌ للعبور نحو المستقبل، فكل أمةٍ تنهض إنّما تنهض بلغتها، فهي الأداة التي تُنتَج بها المعرفة، ويُصاغ بها الفكر، ويُحفظ بها التاريخ. حين تملك الأمة لغةً حيّةً، غنيةً بالمفردات، قادرةً على التعبير عن أدقّ المفاهيم العلمية والفلسفية، فإنها تمتلك مفاتيح الإبداع والاستقلال.
اللغة وعاءٌ للثقافة حيث تحوي أمثالًا وقصصًا شعبية من حكايات الجَدّات، وصندوق للتاريخ إذ نجد سبب تسمية أحدهم خالد على اسم الصحابي الجليل خالد بن الوليد فاسمه يحكي سيرة شخصية تاريخية، والأمكنة تعكس التاريخ، فقلعة صلاح الدين الأيوبي تخبرنا بسيطرة صلاح الدين الأيوبي على حكم مصر بعد هزيمة الفاطميين، واللغة تحوي القيم أيضًا، ففي لغتنا العربية كلمات معينة تعبر عن الفخر، وكلمات أخرى تشير إلى المديح.
لكن عندما تتراجع اللغة يتراجع الناس في معرفة ثقافتهم وإدراك تاريخهم والالتزام بقيمهم. فتراجعت معدلات القراءة في العالم العربي، وانخفضت أعداد الكتب المترجمة إلى اللغة العربية. وحين تضعف اللغة، يضعف الفكر، وتتصدع الهوية، وتفقد الأمة قدرتها على إنتاج المعرفة وتطويرها.
وفي المقابل حين تقوى اللغة، فإنها توحّد أبناءها، وتنشر ثقافتهم، وتجعلهم شركاء في صناعة الحضارة؛ لذلك فإنّ حماية اللغة وتطويرها ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي عملٌ وطنيٌ واستراتيجيٌ، لأن اللغة مفتاح النهضة، ومن ضيّع لغته أغلق على نفسه أبواب المستقبل.
ما علاقة اللغة العربية بالسيادة الوطنية والهوية
في كتاب “علاقة اللغة العربية بالسيادة الوطنية والهوية” يقول الدكتور محمد محمد داود الأكاديمي بجامعة قناة السويس والخبير بمجمع اللغة العربية:
«اللغة شاهدٌ على العصر وسجلٌ للواقع، تفضح ما فيه من سوءات وكذب وتخلف، مثلما تبرز أيضًا جوانب القوة والتفوق والتقدم الحضاري، وكما نعرف الأشخاص على حقيقتهم إذا تكلموا، فهكذا المجتمعات والدول نعرفها على حقيقتها من مستوى لغتها؛ فاللغة مرآة أهلها، واللغة هي الهوية وهي الأصالة، وازدهار لغة ما دليل على تماسك أهلها ورفعة حضارتهم، كما أنّ ضعف لغةٍ ما دليلٌ على ضعف أهلها وتراجعهم؛ فاللغة بأهلها قوة وضعفًا»
حرص الاستعمار دائمًا على إضعاف الرابط بين الشعب ولغته الأم، وبالتالي إضعاف هويته وقدرته على النهوض، ورغم أنّ الاستعمار قد رحل، إلا أن آثاره اللغوية ما زالت حاضرةً في أنظمة التعليم والثقافة حتى اليوم، ما يجعل استعادة مكانة العربية تحديًا حضاريًا مستمرًا.
وارتبط تراجع اللغة العربية بالاستعمار، ونذكر فقط مثالين على ذلك من كل الدول العربية، في مصر والجزائر، لعب الاستعمار دورًا محوريًا في إضعاف اللغة العربية، لكن بأساليب مختلفة تتناسب مع أهدافه،
- ففي الجزائر اعتمد الاستعمار الفرنسي منذ 1830 سياسةً مباشرةً لطمس العربية، فجعل الفرنسية لغة التعليم والإدارة، وحظر تدريس العربية في المدارس الرسمية، بل وجرّم استخدامها في المؤسسات الحكومية. كما حاول ربط الهوية الوطنية بالفرنسية والثقافة الغربية، مع منع الصحف والكتب العربية، مما أدى إلى قطيعةٍ لغويةٍ بين الأجيال، والهدف كان اقتلاع العربية من المجال العام، لتفقد الأمة الجزائرية أحد أهم مقوماتها الحضارية.
- أما في مصر، فقد اتخذ الاستعمار البريطاني في بداياته أسلوبًا أكثر نعومة، لكنه لا يقل خطورةً، إذ دعم انتشار المدارس الأجنبية، وشجع التعليم بالإنجليزية في الطبقة العليا، لتكوين نخبة مرتبطة ثقافيًا بالمستعمر. كما قلل من شأن التعليم بالعربية في العلوم الحديثة، ما خلق فجوة معرفية بين لغة الثقافة العامة ولغة الإدارة والبحث، وفي عام 1898 فرضوا اللغة الإنجليزية بدلا من اللغة العربية في التعليم.
وفي الحالتين، كان الهدف واحدًا: إضعاف الرابط بين الشعب ولغته الأم، وبالتالي إضعاف هويته وقدرته على النهوض، ورغم أنّ الاستعمار قد رحل، إلا أن آثاره اللغوية ما زالت حاضرةً في أنظمة التعليم والثقافة حتى اليوم، ما يجعل استعادة مكانة العربية تحديًا حضاريًا مستمرًا.
وقد أشار المفكر الجزائري مالك بن نبي إلى هذه النقطة في فصل بعنوان “الأفكار وازدواجية اللغة” في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” :
«التعبير عن فكرنا بلغاتٍ أخرى يكتسي أحيانًا مظهر الجهل بالثقافة الوطنية، إذا لم يكن خيانة لها»
كيف ننقذ اللغة العربية
هناك طرق عديدة لإنقاذ اللغة العربية، منها:
- تشجيع الترجمة؛ فالترجمة تلعب دورًا محوريًا في ازدهار أي لغة، إذْ تفتح لها أبواب العلوم والفنون والفلسفات العالمية، وتتيح لها التفاعل مع منجزات الحضارات الأخرى، عبر الترجمة، تُغتنى اللغة بمصطلحات جديدة وتتطور بنيتها التعبيرية لتواكب العصر، تاريخيًا ازدهرت لغتنا العربية في العصر العباسي بفضل حركة الترجمة من اليونانية والفارسية والسريانية، كما شهدت أوروبا النهضة بعد ترجمة العلوم العربية واليونانية.
يقول مصطفى صفوان في كتابه، (لماذا العرب ليسوا أحرارًا):
«لا يمكن لأي ثقافة أن تنمو من دون تواصل مع ثقافات أخرى، والتواصل يعني الترجمة»
وبطبيعة الحال هناك أزمة في الترجمة، فعدد الكتب المترجمة منخفضٌ جدًا في العالم العربي، بالإضافة إلى نوعية الكتب المترجمة، يقول عبد الفتاح الحجمري المترجم والمدير السابق لمكتب تنسيق التعريب في الرباط:
«متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي هو 4.4 كتب، لكل مليون مواطن سنوياً، في حين يحظى كل مليون مواطن في المجر بنحو 519 كتاباً سنوياً، كما يبلغ نصيب كل مليون إسباني في العام الواحد 920 كتاباً. ،بالإضافة إلى أنّ كتبًا عديدة قد تُرجمت ولم تكن ذات نفع يُذكر، في حين أن مؤلفات مهمةً وتُعدّ دعامة نهضة فكرية وعلمية وأدبية لم تُترجم حتى الآن»
لا بدّ من أجل دعم اللغة العربية تشجيع الترجمةللانفتاح على الثقافات الأخرى، وكذلك تعريب العلوم مثل الطب.
- تعريب العلوم، إذ تنقلنا الترجمة إلى أهمية موضوع تعريب العلوم، وما يصحبه من تأثير كبير على النهوض باللغة العربية. فقد نشرت (مجلة نقطة الإماراتية) مقالًا يدعو إلى إعادة تدريس الطب باللغة العربية، بالاعتماد على عناصر لغويّة وثقافيّة وعلمية، موضحةً أنّ اللغة العربية قادرة على استيعاب المصطلحات الطبية، وأنّ الأطباء يتواصلون بشكل أفضل بلغتهم الأم مع المرضى والمجتمع تاريخيًا.
وبدأ تعلّم الطب بالعربية في مصر منذ تأسيس مدرسة أبي زعبل عام 1827، ثم انتقل إلى الإنجليزية بعد الاحتلال البريطاني عام 1882، لكن ظل التعليم بالعربية مطبّقًا في بعض كليات الطب في سوريا ولبنان حتى بعد الاحتلالات الأجنبية.
وتشير إحدى الدراسات في جامعة الملك فيصل إلى أنّ نسبة المصطلحات الطبية في المراجع لا تتجاوز 3.3%، وأنّ قراءة النصوص الطبية بالعربية أسرع بحوالي 43% ويزيد فيها الاستيعاب بنسبة 15% مقارنة بقراءة النصوص الإنجليزية كذلك، نتائج الأطباء السوريين في امتحان ECFMG الأمريكي لا تقلّ عن زملائهم الذين درسوا باللغات الأجنبية، مما يثبت أنّ دراسة الطب بالعربية ليست عائقًا أمام التفوق أو التأهيل العالمي.
وأن تعليم الطب بالعربية لا يُلغي الحاجة لإجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، لضمان الاطلاع على التقدم الطبي عالميًا والتواصل الدولي، وأن التعريب يمكن أن يُعزّز كفاءة الفهم والقدرة على التعبير والتفاعل الاجتماعي المتعلق بالممارسة الطبية.
تعريب الطب ينقلنا إلى الاعتماد على اللغة في كل العلوم، فمن عوامل نجاح دولة الاحتلال بعد قيامها، في الخامس عشر من أيار مايو عام 1948م كان إحياء اللغة العبرية، فنجد في صك الانتداب البريطاني على فلسطين بالمادة 22 اعتماد الإنجليزية والعبرية بجانب العربية لغات رسمية في فلسطين، لكن سابقًا حتى القرن الثاني عشر، كانت اللغة العربية الأكثر شيوعًا بين غالبية يهود العالم، وأُلّفت بها أهم الكتب الدينية والفلسفية اليهودية، خاصة في دول الشرق حيث ظلت لغة التواصل الأساسية، لكن مع الاحتلال، جرى تقويض العربية عمدًا لصالح العبرية التي اعتُبرت رمزًا للهوية اليهودية منذ الوجود الأول في فلسطين.
اندلعت (حرب اللغات) إثر خلاف مع شركة ألمانية ساعدت في تأسيس معهد تخنيون اليهودي للتكنولوجيا، إذ أصرت على التدريس بالألمانية، بينما قاد اليهود وقتها حملة ضغط لفرض العبرية كلغة للتدريس، ما عزز مكانتها على حساب العربية.
خاتمة
وختامًا فإن اللغة وعاءٌ للفكر والتاريخ والهوية، وقوتها تعني نهضة الأمة وضعفها يعني تراجعها، وتبين لنا أنّ الاستعمار أضعف العربية في مصر والجزائر، ومعالجة ذلك توجب علينا تعريب العلوم وتشجيع الترجمة، فتجارب تدريس الطب بالعربية أثبتت نجاحها، كما أنّ إحياء العبرية في فلسطين يؤكد دور اللغة في النهضة والتغيير.
المصادر
1. كتاب “علاقة اللغة العربية بالسيادة الوطنية والهوية” للدكتور محمد محمد داود
2. كتاب مشكلة الأفكار في العلم الإسلامي للأستاذ مالك بن نبي
3. كتاب لماذا العرب ليسوا أحرارًا مصطفى صفوان
4. حوار عبد الفتاح الحجمري لرصيف22
5. هل يصلح أن نتعلم الطب بالعربية ؟ – مجلة نقطة
6. مواد صك الانتداب على فلسطين
7. حادثة معهد تخنين وأزمة اختيار لغة التدريس

