
خصائص الحضارة الإسلامية
العدالة الاجتماعية من منظور اجتماعي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين
العدالة الاجتماعية في الإسلام – عدالة شمولية ترعى حقوق الجميع، لينال كلُّ إنسانٍ حقه في الكرامة التي تليق به، وحفظ حقوقه منذ وجوده جنينًا إلى وفاته، ماديًا ومعنويًا، فرديًا وجماعيًا. ولهذا امتدت العدالة إلى الجسد، والنفس، والكلمة، والعلاقة، والسلوك اليومي، وسننتتبع سويًا النموذج الإسلامي في العدالة الاجتماعية من خلال النقاط التالية:
أولًا: حقوق الجنين – عدالة وجود
- تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح إلا لضرورة﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)﴾ [سورة التكوير]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: 15]
2- تأجيل تنفيذ العقوبة على الحامل.
3- ضمان الميراث، فإن توفي الأب والجنين ما زال في بطن أمه فمحفوظ حقه من الميراث.
وبهذا حفظ الإسلام حقوق الجنين قبل أن يولد، فالعدالة في الإسلام لا تُنتظر حتى يولد الإنسان. ولهذا شرع الإسلام ما يضمن حمايته ككائن ضعيف، ومن أقرب الناس إليه من أب وأم، وهذه الحماية أعلى درجات العدالة.
ثانيًا: حقوق الطفل – عدالة النشأة والفرص
1– ضمان النسب ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)﴾ [سورة الأحزاب]
2– الحق في الرعاية والتربية والتعليم ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ﴾
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ﴾
روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه)
3- تحريم الإهمال والاستغلال، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.
4- تقديره واحترام رأيه، أُتي النبي ﷺ بقدح فشرب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: يا غلام، أتأذن لي أن أعطي الأشياخ؟ قال: ما كنت لأؤثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه.
ثالثًا: حقوق المرأة – عدالة إنصاف
1. حق التملك: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].
2- حق الميراث: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾
3- حق الكرامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)﴾
قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
4– حق اختيار الزوج، قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأمر، وإذنها سكوتها) رواه مسلم.
فقد أعلى الإسلام من شأن المرأة، وأعطاها من الحقوق ما للرجل، إلا أن القوامة جعلها في الرجل لطبيعة تركيبته البدنية والنفسية، فليس هناك تماثل بل تبادل أدوار ومهام، كلٌّ يقوم بواجباته بمقدار إمكانياته ومؤهلاته الفطرية.
رابعاً: حقوق الوالدين – عدالة وفاء
- الإحسان إليهما: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ سورة الأحقاف
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ سورة العنكبوت
2– البر بهما وإن كانا على الشرك، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ سورة لقمان
3– التذلل لهما بالقول الكريم ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ سورة الإسراء
4- رعايتهما عند الكِبر ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ سورة الإسراء الإسلام حفظ للوالدين حقهما ووفاءً إليهما، ورد جميلهما من ضعف إلى قوة.
خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – (العدالة الرقابية)
وظيفته منع الظلم قبل أن يستفحل، وتقويم الانحراف الأخلاقي والاجتماعي، قال تعالى:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]
العدالة ليست قانونًا جامدًا، بل ضميرًا مجتمعيًا حيًا، رقابة أخلاقية جماعية، غيابه = انتشار الظلم.
سادسًا: القول الحسن – (العدالة اللغوية)
مظاهره:
- الكلمة الطيبة
- احترام المشاعر
- خفض الجناح. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) الكلمة قد تجرح، تُهمّش، تُقصي، والعدالة لا تكون في المال فقط، بل في الخطاب اليومي.
وبهذا نجد أنّ العدالة الاجتماعية في الإسلام لا تُختزل في قوانين تُفرض على المجتمع، بل تُبنى عبر الأسرة، والأخلاق، واللغة، والسلوك اليومي. ولهذا فالمجتمع الذي يحفظ الكلمة، ويحمي الضعيف، ويوقّر الكبير، ويضبط السلوك… فهو مجتمع عادل، ولو قلّ ماله. وهذا من خصوصية التصور الإسلامي للعدالة الاجتماعية.
هذا وبالله التوفيق



