
فلسطين.. بين الرواية التوراتية والانحياز الأيديولوجي
لا أعرف الكاتب الباحث أحمد الدبش الذي اختلفت معه كثيرًا واتفقت قليلًا في لقائه على “بودكاست الشرق” والذي كان بعنوان “تفكيك الرواية الإسرائيلية التوراتية”، لكنّي استمتعتُ بمشاهدته على مدى أيّام على مهل، حيث كنت أتوقّف عند كل محطّة من محطّات كلامه لتكثيف البحث والتأكد من معلوماته ومعلوماتي.. وكانت في الواقع رحلة جميلة جُبت فيها أروقة التاريخ القديم.
مشكلة أحمد الدبش أنه يزعم لنفسه – وأراه صادقًا – أنّ منطلقاته بحثية محضة، غير أنها مؤدلجة بوضوح شديد.
أراد الرجل – كما يصرّح في بداية البودكاست – إبعاد الصهيونية عن فلسطين، ولو على الورق، فأيّد بولعٍ لمدة عشرين عامًا فكرة أنّ الجغرافيا التي جرتْ فيها أحداث التوراة هي اليمن وليست فلسطين وما حولها!
الجميل في الموضوع أنّ الرجل يشرح لنا بكل تواضع وعفوية أين أخطأ، وذلك حين اعتمد “علم الآثار” في نفي الرواية التوراتية، غير أنّه لم يعتمده في إثبات روايته “اليمنية”.
وحين يخبرنا الرجل لماذا ترك هذه الرواية يذهب بنا إلى ما يسمى “الاتفاقيات الإبراهيمية” بين إسرائيل وبعض الدول العربية، حينها فزع كيف يمكن لروايته اليمنية أن تخدم هذا المشروع المشبوه، فأعاد – بحسّه الوطني – مراجعة مشروعه، ومنع إعادة طباعة كتبه العديدة التي ألّفها في تأييده على مدى 20 عامًا!
الجميل في الموضوع أنّ الرجل صاحب مواقف “شهمة” ترفض هذه الاتفاقيات المشبوهة، ولكنّ المؤسف أنّه حتى في هذا الموقف “الشهم” كان مؤدلجًا حتى الصميم، فلم يدفعه جهده “البحثي” أو “العلمي” إلى التراجع عن نظريته “اليمنية”، بل ما دفعه هو ألّا يخدم مشروع الآخر. هو يريد خدمة مشروعه وأيديولوجيته الفلسطينية فحسب، ولذلك فكل ما يفتّش عنه من أبحاث ودراسات عليه أن يخدم هذه الأيديولوجيا!
يكتب أحمد الدبش كتابَه “فلسطين من هنا بدأت الحضارة”، وهو عنوان فيه تحيّز يذكّرنا بأولئك الذين يخبروننا بأنّ العراق أو سوريا أو مصر (بحدودها الحديثة!) هي مهد الحضارة، وكلٌّ يغنّي على ليلاه، وكلٌّ لديه مهده الخاص للحضارة!
يلجأ أحمد الدبش – الذي يرفض الرواية التاريخية – إلى مئات آلاف السنين بحسب رواية علم الآثار أو بمعنى أدق “نظرياته”، يتحدث بثقة ويقين عن معلومات يبثّها له كتاب علماء الآثار “المقدَّس”، ورغم أنهم هم أنفسهم لا يرون أبحاثهم مقدّسةً، لكنّ الرجل – ونكايةً بالرواية التوراتية – يبتلع ما تقوله منتقياتُه من نظرياتِ علم الآثار ومكتشفاتِه ليُعزّز روايته الفلسطينية!
أمّا أزمة الأزمات لديه فهي قوله إنّ القرآن بلا جغرافيا، وإنّ جغرافيا الأنبياء التي تواطأ عليها المفسّرون ليست من القرآن، بل لعلّها من “الإسرائيليات” التي صدّقناها وملأنا بها فراغ النصّ من تضاريس الجغرافيا!
وهنا، يبدو أنّ الدبش – الذي لا أعرف توجهاته الدينية – قد غفل عن رصيد كبير من السنّة النبوية وما أجمعتْ عليه الأجيال الأولى من المسلمين، أي الصحابة والتابعون وتابعوهم، حيث فصّلتْ لنا السنّةُ بعض هذه الجغرافيا القرآنية، وأخبرتْنا بمكان بني إسرائيل، وبقصّة بيت المقدس التي في فلسطين، وبغيرها من المعطيات التي لا تجعل مسلمًا عاقلًا قادرًا على الزعم بأنّ كل هذه البلدانية والتاريخ والأحداث قد جرت في ساحة أخرى أو في أساطير الأولين الحالمين!
يقع الدبش في المتناقضات وهو يحلّل حقيقة المجتمع الإسرائيلي الحالي، فهو يكرّر في أكثر من موضع أنه لا يوجد “علمانيون” و”متديّنون”، بل جميعهم ينطلقون من الدين ومن كتابهم المقدّس، جميعهم على قلب رجل واحد.. ولكنه بعد دقائق يعيد ترديد المقولة التي تُفقدهم انسجامهم الديني واللغوي، ويخبرنا أنّ هذا المجتمع لا يوجد دين أو لغة تجمعه!
والواقع أنّ علاقة علمانيي الصهاينة بدينهم ومقدّساتهم أوطد ألف مرة من علاقة العلماني العربي بموروثه الإسلامي الذي يجد تجاهه كراهية وعداءً، فيتنكّر للسنّة النبوية بالجملة دون تمحيص! كما أنّ علاقتهم باللغة – التي أحيوها – تبدو أقوى من علاقتنا في عالمنا العربي بلغتنا العربية، سواء من حيث إتقانها واعتمادها لغةً أولى وصَهْر الأجيالِ بها ومستوى تعليمها، أو من حيث تعميم اصطلاحاتها في تسمية الأشياء الحديثة بدلًا من الاصطلاحات الإنجليزية الأجنبية، أو من حيث قوة الكتاب العبري وكثافة الترجمة والإصدارات الجديدة المكتوبة بهذه اللغة.
إنّ قضية فلسطين قضية حاضرة، لها معطياتها الحاضرة، معطيات السياسة والقوة والمجتمع والاقتصاد، وأي انخراط تاريخي قديم في سبيلها، سواء لإثبات حقّ تاريخيّ أو لنفيه، هو عبث لا يقدّم شيئًا ولا يؤخّر. ربّما تصول خيولنا البيضاء على أوراقنا الحالمة الكثيرة، ولكنْ سيظلّ الواقع يخبرنا بمعادلة أثبتها التاريخ آلاف المرات: أنّ البقاء للأقوى والأقدر
أعجبني الدبش خلال حديثه بعفويته وصراحته، التي ساعدتني على رؤية انحيازه الأيديولوجي بوضوح تامّ، ويبدو أنّ الرجل يحمل في قلبه الكثير من الخير. ونقدُه لمشروع أوسلو الذي كاد يشتمه بلغة الشارع في الحلقة يُنبئ عن وعي سياسي حصيف. لكنه مع الأسف غير واعٍ على أنّه يضع العربة أمام الحصان، وأنّ كل ما يزعمه من “بحث” هو في الحقيقة انتقائية فجّة.
يكرّر علينا قوله “ليس أحمد الدبش الذي يقول بل هذا ما تقوله الأبحاث”، فعن أية أبحاث يتحدث؟
إنه يعني بذلك في المقام الأول “علم الآثار”، الذي يثق به ثقة مطلقة عمياء، وهو علم قاصر عقيم لا يمكنه من غير علم التاريخ التقليدي، أي من غير الرواية المكتوبة والشفهية، أن يقول شيئا كثيرًا. وسبق أن ناقشته في مقال قديم لي بعنوان “كيف قضى إنسانُ النياندرتال عُطلته الصيفية؟”، الذي وجّهتُ فيه نقدًا لبعض الدراسات الأثرية الغربية التي تملأ فراغات تتعلق بتفاصيل حياة الإنسان القديم بالوهم والخيال، ويستخدمها بعض الباحثين ليزعموا جهلهم بجغرافيا الإسلام الأولى التي كانت “أول أمس” في حسبة التاريخ!
يمارس الأستاذ أحمد الدبش ما يمارسه هؤلاء، حين يسلّطون علمَ الآثار لدحض ما يقوله التاريخ المتوافَق عليه، والذي تناقلتْه مجتمعات وحضارات على مدى أكثر من ألفي عام، وجاء الإسلام الذي تميّزتْ أجيالُه الأولى بالدقّة والتوثيق ليؤكّد هيكل تلك السردية التاريخية وإنْ لم يتطرّق إلى كثيرٍ من تفاصيلها. وهنا، يأتي الدبش وأقرانه من المفتونين بعلم الآثار دون تمحيص ليستهينوا بكل هذه الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة، وبكل هذا الإرث التاريخي لأئمة الإسلام، وبكل تلك السردية الإسلامية المرتكزة لا على الإسرائيليات بل على الموروث النبوي الراسخ.. وليزعموا أنّها رواية صهيونية غربية تارةً، أو يهودية توراتية أسطورية تارةً أخرى. وهذا كله عبث يتنزّه عنه أي باحث منصف.
ومن المؤسف أنّ باحثًا لديه شيء كثير من الوعي السياسيّ يغرق إلى هذه الدرجة في عتمة التاريخ ليثبت وجوده الأصيل في فلسطين. فإذا كانت العادة في أدبيات السردية الفلسطينية القومية العودة إلى الكنعانيين كمنطلق لوجودنا العربي في فلسطين، فإنّ أحمد الدبش يذهب بعيدًا إلى نحو 350 ألف عام! إلى حضارات لا نعرف عنها سوى طللٍ هنا وآخر هناك، نشيّد عليها نحن من لدُنّا حضارةً كاملةً!
والمشكلة ليست في هذه الأبحاث التاريخية التي لها أهلها، ولكنّ المشكلة في اللجوء إلى هذا في سبيل تثبيت روايتنا الفلسطينية، وقد فصّلتُ في هذه الإشكالية في مقال قديم لي بعنوان “ما ينبغي التنازل عنه في قضية فلسطين”، حيث تحدّثتُ عن إشكالية العودة إلى الخطاب التاريخي.
نحن حاضرون الآن، بلحمنا ودمنا، وبأرضنا وذكرياتنا المجتمعية التي لم تمت بعد، وبدمائنا النازفة على حقولنا، وبعمائرنا التي ما زالت تحنّ إلينا في مدن البلاد المغتربة في أرضها، وبلساننا وقصصنا وحكاياتنا الواقعية الحيّة.. نحن حاضرون بكل هذا وأكثر، فلماذا نلجأ إلى سير الكنعانيين المجهولة لنثبت حقّنا في أرضنا التي ما زلنا نعيش عليها وما زالت تنبض بنا؟!
وأختم بهذه الكلمات التي قالها محمود درويش في سيرته الذاتية العذبة “في حضرة الغياب” حيث يقول:
“فلا تنظر إلى نفسك في ما يُكتب عنك. ولا تبحث عن الكنعانيّ فيك لتثبتَ أنّك موجود. بل اقبض على واقعك هذا، واسمك هذا، وتعلّم كيف تكتب برهانك. فأنت أنت، لا شبحك، هو المطرود في هذا الليل”.
إنّ قضية فلسطين قضية حاضرة، لها معطياتها الحاضرة، معطيات السياسة والقوة والمجتمع والاقتصاد، وأي انخراط تاريخي قديم في سبيلها، سواء لإثبات حقّ تاريخيّ أو لنفيه، هو عبث لا يقدّم شيئًا ولا يؤخّر. ربّما تصول خيولنا البيضاء على أوراقنا الحالمة الكثيرة، ولكنْ سيظلّ الواقع يخبرنا بمعادلة أثبتها التاريخ آلاف المرات: أنّ البقاء للأقوى والأقدر، وأنّ للأمم عوامل انحلال ومرض، وأنّ للحضارات زوالًا كما تزول العمائر، و{إنّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.



