المقالات

الدولة والسلطة

تمهيد

إنّ السلطة السياسية ركنٌ هامٌ من أركان الدولة، حتى أنّ البعض يُعرِّف الدولة بالسلطة كما قال لويس السادس عشر ملك فرنسا: أنا الدولة والدولة أنا، والبعض الآخر يُعرّفها بأنها تنظيمٌ لسلطة القهر، ذلك أنّ الدولة تقوم على أركانٍ ثلاثة، هي: الإقليم والسكان والسلطة السياسية.

لكن تاريخياً اختلفت الثقافة بين الأمم في شرعية السلطة فكان الحاكم عند بعض الأمم هو بمنزلة الإله وعند البعض الآخر هو ممثل الإله في الأرض، وعند غيرهم تكون السلطة بالملك الطبيعي والتوارث أو بالقهر والغلبة، وعند آخرين بالشورى واختيار الناس عبر أهل الحل والعقد، كما كان الحال في صدر الإسلام. كما أن الشورى كانت معروفة من قبل في حضارة الرومان واليونان.

كيف فكك الإسلام السلطة الثيوقراطية

الثيوقراطية هي أن يحكم الحاكم بالحق الإلهي. فمن حيث إسناد السلطة هو مختارٌ من الله، ومن حيث الممارسة هو مؤيدٌ من الله تعالى. وبالتالي منازعته الحكم هو منازعةٌ للرب، ووقوعه في الخطأ غير واردٍ؛ لأنه معصومٌ. وهذا الأمر كان سائدًا في العصور الوسطى في أوروبا حيث كانت الكنيسة تحكم الناس بالحق الإلهي.

أولاً: السلطة الثيوقراطية في الإسلام

                لم تُعرف السلطة الثيوقراطية في الإسلام أبداً لا من حيث تأصيل النص ولا من حيث ممارسة الخلفاء فلم يكن الحاكم معيّناً بالنصّ، ولم يكن يحكم بالحقّ الإلهي، ويبدو أنّ دعوة الإسلام من الصدر الأول كانت حرباً على الوصاية المادية على الجسد كما جاء بقوله تعالى: ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ ﴾ ق 45 .

ونفى عن رسول الله السيطرة الروحية على طريقة الكهنوت كما في قوله تعالى:﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (22) الغاشية.

ثانيًا: قضية بشرية السلطة في الإسلام

لقد ارتكزت قضية بشرية السلطة في الإسلام على عدة ركائز جعلتها أبعد ما تكون عن اللوثة الثيوقراطية، ومن ذلك اختيار الحاكم بالشورى وليس بالنص والوحي، فعندما اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة بعد رسول الله  لم يجدوا نصاً واحداً يحدد لهم من هو الخليفة من بعده لذلك احتكموا إلى معيار التوازنات الاجتماعية، ومكانة قريش بين العرب ضمن آليات الشورى بين أهل الحل والعقد.

ثالثًا: الحاكم المعصوم من الخطأ

                لم يُنظر إلى الحاكم أبداً على أنه معصومٌ من الخطأ، بل كانت مساءلته ومناصحته من الواجبات التي  شرعها الإسلام كما في قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: (الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، قال لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)

وفي ذلك دلالةٌ واضحةٌ على أنّ الحاكم لا يستغني برأيه عن الشورى والنصيحة، وإن تأكيد الإسلام على مساءلة الحاكم دليلٌ على أنّ الخطأ واردٌ في تصرفاته، وأنه لا يستغني بعقله عن المشورة. كما قال الصديق في خطبته عندما تولى الخلافة: «إن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني» وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يراجعون رسول الله في كثير من تصرفاته السياسية، فقد احتجّ عمر على صلح الحديبية باعتباره فعلاً وموقفاً سياسياً صادراً من رسول الله، لكن عندما علم أنه وحيٌ من الله عاد واستغفر. وقد كان الناس يرجعون عمراً رضي الله عنه حتى قال كما جاء في سنن الترمذي: «أيها الناس أخطأ عمر وأصابت امرأة»

 رابعًا: إسناد السلطة قضيةٌ دنيوية

إنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينظرون إلى إسناد السلطة على أنها قضية دنيوية، فعندما وقع الاختيار على الصديق رضي الله عنه، قالوا في مرجحات اختياره: «اختاره رسول الله لديننا أفلا نرتضيه لدنيانا» يقصدون بذلك وصيته لأبي بكر أن يؤم الناس بالصلاة أثناء مرضه، واعتبار ذلك مؤشراً عن رضاه على أبي بكر في الإمامة العامة؟

خامسًا: معنى الخلافة في الإسلام

 إنّ الخلافة لم تكن نظاماً سياسياً بل كانت مجرد لفظ لغوي يدل على التتابع الزمني، فما جاء بعد رسول الله هو خليفته؛ لذلك عندما تولى الخلافة عمر شقّ على الصحابة أن يقولوا يا خليفةَ خليفةِ رسول الله، فنادوه بأمير المؤمنين، فالخلافة ليست نظاماً سياسياً منصوصاً عليه وإنما هي اخيار لغوي من الصحابة متعلق بالمدلول الزمني لزمن مجيء الخليفة بعد رسول الله. وصحيح أنّ الخلافة، وهي تمثل الجانب السياسي تعنى الإمامة، وهي سلطة عامة في إقامة الدين وسياسة الدنيا نيابةً عن الرسول، لكنّ الخليفة لا يمثل الدين، فلم يعرف الإسلام سلطةً كهنوتيةً مسلسلةً أو سلطة الحل والربط في الأرض والسماء. وقد جعل الإسلام الشورى أساساً من أسس الدولة: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ الشورى 38

فالشورى في الإسلام جزءٌ لا يتجزأ من أسلوب الحكم، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران 95

قال النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأبي بَكرٍ وعُمَرَ: (لوِ اجتَمَعْتما في مَشورةٍ ما خالَفْتُكما)

سادسًا: البيعة وشرعية الحالكم

لقد كان نظام البيعة من أهل الحل والعقد يؤكد بمالا لا يدع مجالاً للشك أنّ شرعية الحاكم والخليفة هي من بيعة أهل الحل والعقد له، وليس من اختيار الله له. والبيعة هي عقدٌ سياسيٌ بين الحاكم والشعب ممثلاً بنقبائه وممثليه؛ وبالتالي مصدر إسناد السلطة هو مصدرٌ بشريٌ خالصٌ. ولقد كانت البيعة معروفةً في عصر الرسول، فقد وردت في القرآن آية تنص صراحةً على مبايعة الرسول:﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ﴾ الفتح 10

 حتى إن رسول الله لم يحكم الأنصار باعتباره نبيهم وإنما من خلال بيعة العقبة الثانية التي كانت بيعةً سياسيةً، ولم يُدر أمر المدينة إلا من خلال وثيقة المدينة التي شكلت الدستور الناظم للعلاقة السياسية بين كل مكونات المدينة من اليهود والمسلمين والمشركين.

سابعًا: تصرفات الرسول وتمييزها

كان الصحابة رضوان الله عليهم يميزون بين نوعين تصرفات رسول الله؛ فمنها ما يصدر عنه باعتباره نبيًا مرسلًا بوحي من ربه، وهو ما يجب اتباعه بدون جدال. ومنها ما يصدر عنه باعتباره فعلاً سياسياً، وهو محل نقاشٍ، والاقتداء به ليس واجباً، وورود الخطأ فيه محتملٌ، وهذا دليلٌ على أنّ رسول الله ﷺ نفسه لم يكن يمارس السياسة بالحقّ الإلهي وإنّما بنظام البيعة والتعاقد.

لقد كان الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم يُميِّزون بين هذه الأنواع من التصرفات النبوية، وكان واضحاً في ذهن الصحابة الكرام أنْ ليس كلُّ ما يتلقونه من رسول الله هو وحيٌ، ومحل اتباع واقتداء.

قصة الصلح بين رسول الله، وبين سيد غَطَفان عيينة بن حصن الفِزَاري في يوم الخندق.

(قال ابنُ إسحاق: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا وَمَنْ مَعَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  وَأَصْحَابِهِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الصُّلْحُ، حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ وَلا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ إِلا الْمُرَاوَضَةُ، وَفِي ذَلِكَ فَفَعَلا، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمَا، وَاسْتَشَارَهُمَا فِيهِ، فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْرٌ تَحُتُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أَوْ شَيْءٌ أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ لا بُدَّ لَنَا مِنْ عَمِلٍ بِهِ، أَمْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنَا؟ فَقَالَ : “لا بَلْ لَكُمْ، وَاللَّهِ مَا أَصْنَعُ ذَلِكَ، إِلا أَنِّي رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ “، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلاءِ الْقَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، لا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إِلا قِرًى أَوْ شِرَاءً، فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ، وَهَدَانَا لَهُ، وَأَعَزَّنَا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا، مَالَنَا بِهَذَا حَاجَةٌ، فَوَاللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إِلا السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ” فَأَنْتَ وَذَاكَ “. فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ فَمَحَاهَا، ثُمَّ قَالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنَا، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَدُوُّهُمْ مُحَاصِرُهُمْ.[1])

من هذه الرواية يتبين لنا فقه الصحابة، وكيف استفصلوا عن الأمر قبل إبداء الرأي، هل ما تفعله يا رسول الله دينٌ ووحيٌ من الله، أم أمرٌ تفعله من أجلنا، فلما علموا أنّ الأمر ليس وحياً وديناً واجبُ الاتباع اجتهدوا وردّوا الأمر باعتباره مجرّد رأيٍ سياسيٍ ينظر من زاوية المصلحة.

قصة الحباب بن المنذر حين  غير خطة معركة بدر

ومن ذلك ما كان بين النبي وبين الحُباب بن المنذر رضي الله عنه يوم بدر

(ذكرها ابن حبان في السيرة التي ذكرها في أول كتاب الثقات/161 فقال: ثم رحل رسول الله بالمسلمين وقال لهم: سيروا على بركة الله، فإنه قد وعدني إحدى الطائفتين، فكأني أنظر إلى مصارع القوم، ثم مضى يُبادر قريشاً إلى الماء، إذ جاء أدنى من ماء بدر نزل به، فقال حُباب بن المنذر بن الجَموح أحدُ بنى سلمة: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه الله؟، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة. قال: فإنَّ هذا ليس بمنزل، فانهض حتى نأتي أدنى قَليب القوم فننزله، ثم نغور ما سواه من القَلَب، ثم نبني حوضاً فنملأه، ثم نقاتل، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله: قد أشرت بالرأي، ثم نهض رسول الله وسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل، وبنى حوضاً على القَليب، وقذفوا فيه الآنية ثم أمر بالقُلُب فغورت.[2])

 ففي هذه الرواية دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الصحابة كانوا يُميِّزون ويستفسرون عمّا يلتبس عليهم، إن كان ديناً أم سياسةً ومكيدةً، قبل أن يُدلوا برأيهم، وهو دليلٌ على أنّ رسول الله لم يكن يمارس السياسة بوحي من الله لا ينقطع عنه أبداً.

الجمع بين السلطات

نخلص هنا إلى أمرٍ في غاية الأهمية، وهو مسألة الجمع بين السلطات، وهو الذي تقف منه بعض الكتابات الإسلامية موقف المُبرر؛ باعتبار أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين السلطة الدينية والسياسية والقضائية، ويغفلون عن التفريق في حكم التصرفات النبوية، فإنَّ اجتماع هذه الصلاحيات في شخص النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني أنْ تجتمع في غيره من المسلمين، وعليه فإنَّ الفصل بين السلطات هو مبدأ شرعي تَبعًا لتفريق العلماء بين أنواع التصرفات النبوية، التي اجتمعت في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لخصوصية النبوة.

الخاتمة

لقد فكك الإسلامُ السلطة الثيوقراطية من جذورها، فلم يجعل الحاكم معصوماً ولا مفوّضاً بالحق الإلهي، بل اعتبر السلطة قضيةً بشريةً دنيويةً تُبنى على الشورى والبيعة والمساءلة. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفرّقون بين تصرفات النبي ﷺ بوصفه رسولاً يوحى إليه، وبين أفعاله السياسية التي تخضع للنقاش والاجتهاد، وهو ما يؤكد أنّ الإسلام وضع أسساً واضحة للتعامل مع المواقف المختلفة، وتحديدًا قضية الحاكمية والسلطة، وأرسى مبدأ المشاركة الشعبية في الحكم. إنّ هذا الفهم يعيدنا إلى جوهر الرسالة الإسلامية التي حرّرت الإنسان من الوصاية الكهنوتية، وفتحت أمامه أفق المسؤولية والاختيار، لتبقى الدولة في الإسلام مشروعاً بشرياً يقوم على قيم الشورى والعدل، لا على ادعاء العصمة أو الحق الإلهي.


[1]– دلائل النبوة للبيهقي رقم الحديث: (1343) الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة: الأولى – 1405 هـ.

[2] – ذكرها ابن حبان في السيرة التي ذكرها في أول كتاب الثقات/161طبع بإعانة: وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية تحت مراقبة: الدكتور محمد عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية الناشر: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند الطبعة: الأولى، 1393 ه‍ 1973

عباس شريفة

إجازة في القانون والشريعة كاتب وباحث مهتم بالفلسفة والفكر الإسلامي

عباس شريفة

إجازة في القانون والشريعة كاتب وباحث مهتم بالفلسفة والفكر الإسلامي المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى