المقالات البحثية

كتاب عيسى وحكمته

دراسة في منهجية التفسير العلمي

تمهيد

هذا المقال هو دراسةٌ مفصّلةٌ في تفسير آيةٍ من كتاب الله تعالى، وهدفي من كتابته ليس مجرّد إزالة شبهةٍ حول هذه الآية كما سيأتي، بل بيان المنهج العلمي الأسلم في فهم كتاب الله. فقد اغترّ بعض الناس في هذا العصر بعلومهم الحديثة، وظنّوا أنّهم أقدر على فهم كتاب الله تعالى من السابقين، فأهدروا جهودهم واستخفّوا بها ووصموها أحيانًا بالضعف وعدم التدبّر.

وليس معنى كلامي هذا أنّه لا يجوز تدبّر كتاب الله تعالى واستنباط دلائل لم يذكرها السابقون، ولا أنّ السابقين معصومون بأفرادهم، فهو كتابٌ لا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ، وقد يخطئ العالم حتى لو كان صحابيًّا. ولكن المقصود احترام جهود السابقين والبناء عليها، خصوصًا حين تتواطأ أذهان عدد من كبار المفسّرين من الجيل الأول والأجيال التي تليه على فهم كلمة أو آية بطريقة ما، فلن يُفتح على امرئ في علم القرآن ما لم يستوعب ما ذكره السابقون فيه، وما لم يدرس أقوالَهم بعُمقٍ وتأنٍّ؛ لأنّ هذه الدراسة المتأنّية ستُكسبه ثراءً معرفيّا كبيرًا.

كما أنّني أحببتُ أن أقول من خلال المنهج الذي طبّقته في هذه الدراسة إنّ قول الجمهور في آيةٍ يكون له في العادة ثقله ومصداقيّته العلمية، ولا بدّ من تفحّص أسباب ترجيحهم قولًا دون قول لأنّهم لا يعبّرون عن ذلك في كثير من الأحيان. ولا بدّ من الحذر في اختيار قول لمجرّد أننا نجده اليوم وفي أُفقنا اللغوي والثقافي أصوب، بينما قد يكون هو القول الأضعف استنادًا إلى بنية الآية وسياقها والآثار المروية الشاهدة كما سيظهر في هذه الدراسة.

ومن الفوائد التي أحببتُ تضمينها في هذا المقال: أنّ الكثير مما يقال إنّه “اختلاف” أو “تضارب” بين المفسّرين في تراثنا الإسلامي هو في الواقع من اختلاف التنوّع أو تعدّد زوايا النظر، وسيظهر هذا جليّا من إمكان الجمع – دون تعسُّف – بين قولَي المفسّرين في تفسير “الكتاب”، وبين أقوالهم المتعدّدة في تفسير “الحكمة”.

والخلاصة أنّ هذا المقال يقدّم نموذجًا في منهج التفسير العلمي الذي أرتضيه، خصوصًا مع شيوع نمط تفسيري معاصر يسارع إلى الغضّ من قيمة ما قاله السابقون، ويتذرّع بالعلوم الحديثة والتطوّر، ويركّز على الدلالات الاشتقاقية للمفردات معزولة عن سياقها. وأهم سمات هذا المنهج التي سيراها القارئ في هذا المقال:

الكثير مما يقال إنّه “اختلاف” أو “تضارب” بين المفسّرين في تراثنا الإسلامي هو في الواقع من اختلاف التنوّع أو تعدّد زوايا النظر

  • استيعاب الدلالة اللسانية على المستوى الاشتقاقي والاستعمالي، وعدم الاقتصار على المستوى الاشتقاقي.
  • استيعاب الآثار الواردة في الكلمة من الأجيال الأولى (الصحابة والتابعون تحديدًا)، لِما لها من قيمة من ناحية شهود الوحي أو مخالطة من شهدوه، ومن ناحية القُرب من لسان القرآن.
  • استيعاب أقوال المفسّرين المختلفة في الآية من مختلف العصور استفادةً من العقول السابقة وإثراء للبحث والتفاتًا إلى ما قد يغفل عنه المفسّر المعاصر، فالعلم تراكمي.
  • الاستقراء القرآني في الأشباه والنظائر.
  • التعمّق في فهم الكلمة في إطار سياق ورودها من خلال النظر فيما قبلها وما بعدها، والنظر في السياق العام.
  • استيعاب الاختلاف بين المفسّرين بوصفه اختلاف تنوُّع متى أمكن ذلك دون تعسُّف.
  • الانضباط في التعامل مع أخبار أهل الكتاب على وجه الاستئناس وفي الذيل لا على وجه التلقّي والتقديم.

****

والدافع إلى هذه الدراسة هو رسالةٌ وصلتْني من سائلٍ يسأل عن معنى “الكتاب” في قوله تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (آل عمران: 48). وهو أيضًا في قوله تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (المائدة: 110). وقال إنّ قول جمهور المفسّرين بأنّ الكتاب بمعنى “الكتابة” لم يشفِ صدره وصدر أصحابه.

وقد صدق السائل في تحديد قول جمهور المفسّرين، غير أنّ عباراتهم تنوّعت بين “الكتابة” أو “الخطّ” أو “الخطّ بالقلم” أو “باليد” وهي جميعًا بمعنى واحد. وقد روي مسندًا عن ابن عبّاس من طريق عكرمة أنّه قال في قوله تعالى: {ويُعلِّمُه الكتاب}: “الخطّ بالقلم” كما عند ابن أبي حاتم الرازي (ت 327 هـ) في تفسيره، وقال: “وروي عن يحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، وعثمان بن عطاء، مثل ذلك”. وروي عن ابن جريج: “قال: بيده” كما عند الطبري (ت 310 هـ).

وأشهد أنني كالسائل لم أكن قبل بدء البحث في هذا المقال مطمئنًّا إلى قول الجمهور، بل كان في الصدر منه شيء، وكدت أركن إلى القول الآخر المنتشر بين بعض المفسّرين قديمًا على أنه مخرجٌ مريحٌ. ولكني أحببتُ إمضاء البحث على المنهج الذي أجده الأجدر علميًّا، فدخلت إلى هذا البحث بتصوّرٍ غير الذي خرجت به. دخلتُ خاويًا محمّلًا بالظنون، وخرجتُ مثقلًا محمّلًا بالمعرفة النافعة بفضل الله.

سبب الاستشكال وحلّه

ولا إشكال في قول الجمهور سوى أنّ هذا الجمع بين “الكتاب والحكمة” قد جاء في معظم الآيات بدلالةٍ مختلفةٍ لكلمة “الكتاب”، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة: 2)، وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةَ} (البقرة: 231).

فكيف يكون {الكتاب} في قصّة عيسى مقرونًا بالحكمة ويكون مع ذلك مختلفًا عن معنى “الكتاب” في معظم الآيات التي جاء فيها الكتاب والحكمة، ألا يجدر أن يكون في قصة عيسى أيضًا كتابًا إلهيّا لا الكتابة أو الخطّ؟

ومما زاد الإشكال أننا اعتدنا في عصرنا هذا على استعمال كلمة “كتاب” بمعنى تلك الصحف التي بين دفّتين، لا بمعنى الكتابة والخطّ. وهذه قضية ينبغي التنبّه إليها عند قراءة القرآن؛ ألّا نُسقط عليه لغاتنا المعاصرة ومعهودنا، فلم ينزل القرآن بمعهود كلامنا نحن في هذا العصر، بل بمعهود كلام العرب في عصر نزوله، ولقد كان العرب يستعملون الكلمة نفسها (كتاب) لأكثر من معنى، وهي مستعملةٌ في لسان العرب بمعنى “الكتابة”، من ذلك ما يحكيه أديب العربية عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ) في كتابه “البيان والتبيين” إذ قال: “وكان ابن التوأم يقول: من تمام ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلّموهم الكتاب والحساب والسباحة”[1]. فالخلاصة أنّه ينبغي أن نتحرّر من قيود استعمالاتنا المعاصرة لبعض المفردات، وألّا نجعلها حاكمةً على كلِّ ظهور لها في كتاب الله تعالى أو في كلام العرب.

وقد جاء في القرآن استعمال الكتاب بعدّة معانٍ منها:

  • الكتاب بمعنى الصُّحف المكتوبة، وهو المعنى الذي نعرفه: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} (الإسراء: 93). والعرب تسمّي ما نسمّيه اليوم “رسالة” كتابًا أيضًا، وليس شرطًا أن يكون على هيئة الكتاب الذي نعرفه اليوم بين دفّتي غلاف، كما قال تعالى على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} (النمل: 29-31).
  • الكتاب بمعنى القرآن: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} (آل عمران: 7).
  • الكتاب بمعنى التوراة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} (البقرة: 87).
  • الكتاب بمعنى الفريضة: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (النساء: 103).
  • الكتاب بمعنى كتاب الأعمال: {وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ} (الزُّمَر: 69).
  • الكتاب بمعنى اللوح المحفوظ: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} (الإسراء: 58).
  • الكتاب بمعنى القضاء: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (الأنفال: 68).
  • الكتاب بمعنى المكاتبة: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور: 33). وهذه الآية مهمة جدًّا فيما نحن بصدده، لأنها تعبّر عن فعل المكاتبة أو الكتابة بكلمة “الكتاب”. وهي كما يقول الإمام السمعاني في تفسيره: “أن يَعْقد مع عَبدِه عقدًا على مال بشَرط أنه إِذا أدّى عُتق”. وبصرف النظر عن أصل التسمية؛ هل هي بسبب ضمّ النجوم (مواقيت معينة) بعضها إلى بعض، والكَتْب من الضمّ أو الجمع، أو لأنّها كانت في البداية عقدًا يُكتب فعليّا أو غير ذلك، فالشاهد هنا أنّ كلمة “الكتاب” استُعملتْ بمعنى “الكتابة” أو “المكاتبة”، أي بمعنى “الفعل” لا الكتاب الذي يُقرأ.

ومن هنا فلا إشكال في أن يكون معنى {ويُعلِّمُه الكتابَ} في قصّة عيسى عليه السلام أي: يعلّمه الكتابة والخطّ بالقلم، فالكتابة نَظم الخطّ وضمّ الأحرف بعضها إلى بعض، وهو سبيل العلم ومستودع الحكمة، ويكون مع ذلك معنى {ويُعَلِّمُكُم الكتابَ والحكمة} في وصف محمد صلى الله عليه وسلم أي: تعليم كتاب الله، فقد كان كتابهم الوحيد ولم يكونوا أهل كتاب، كما أنّ كتاب الله نظامٌ نُظمتْ فيه الحروف والكلمات والمعاني وضُمّ بعضها إلى بعض.

أما الظنّ بأنّ تركيب “الكتاب والحكمة” عليه أن يكون في كل موضع بالمعنى نفسه تمامًا فهو ظنّ خاطئ، فقد جاء في كتاب الله تراكيب متشابهة تعني أشياء مختلفة مع اختلاف السياق:

  • كتركيب “أمّ الكتاب”، فقد جاء في وصف الآيات المحكمات وأنّها أصل كتاب الله ومعظمه كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (آل عمران: 7). وجاء بمعنى اللوح المحفوظ أو ما قاربه من معنى كما في قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد: 39).
  • وتركيب “رُوحٌ مِّنْهُ”، أي من الله، فقد جاء إشارة إلى عيسى عليه السلام في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} (النساء: 171). وجاء في سياق الذين والوا وعادوا في الله في قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} (المجادلة: 22)، أي بنصرٍ منه أو بالإيمان أو بالقرآن وحججه أو بنورٍ أو ما في معناها.
  • وتركيب “الظلمات والنور”، فقد جاء في الحديث عن ظاهرة كونية جعلها الله سبحانه: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام: 1). وجاء في سياق الكفر والإيمان كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} (الرعد: 16).

بل إنّنا حين ننظر في الآيات التي تذكر تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم للكتاب والحكمة نجدها تختلف في سياقها عن آيات تعليم الله عزّ وجلّ الكتابَ والحكمةَ للمسيح كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151).

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتب بالخط، قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} (العنكبوت: 48)، كما أنّه لم يُبعث ليُعلّم الناس الكتابة، بل المقصود هو تعليمهم ما في كتاب الله عزّ وجلّ من علوم وهدايات وشرائع، فهو “رسول” و”مبلّغ” و”داعٍ” إلى آخر أوصافه التي جاءت في كتاب الله. بينما كان هدف التعليم في سياق قصّة عيسى منحه المواهب والمؤهّلات التي تجعله يقوم بمهمّة الرسالة، وجاء هذا التعليم للكتاب والحكمة ضمن تعداد مِنن الله عليه وخصائصه وتهيئة الله له؛ كالتكلّم في الصغر وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى كما سيأتي.

وفي آيات الرسول صلى الله عليه وسلم يَرِدُ {الكتاب والحكمة} في سياق تعليم الأمة الوحيَ المنزل وهداياته وشرائعه، دون أن يُعطف على {الكتاب} كتابان مخصوصان. أما في قصة عيسى عليه السلام فقد عُطف على {الكتاب} كلٌّ من التوراة والإنجيل، وهو فارق سياقي قويّ يجعل تفسير {الكتاب} هنا بأنّه كتاب مُنزل معيّن تفسيرًا بعيدًا، ويقوّي تفسيره بـ “الكتابة” أو “الخطّ”.

والخلاصة:

  • في آيات النبي صلّى الله عليه وسلّم المقام مقام تبليغ وتعليم الأمّة هدايات الكتاب وشرائعه.
  • وفي آيات عيسى عليه السلام المقام مقام إعداد وتمكين ومنح خصائص الرسالة ومؤهّلاتها.

تهافت كلام شحرور في تحديد معنى “الكتاب” في الآية

ثم إنّ السائل الكريم قد أشار إلى تلبيس أتباع الكاتب محمد شحرور على الناس من خلال هذه الآية، وقال إنّه لم يطّلع على كلام شحرور حولها. وعند الرجوع إلى كتاب شحرور “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” وجدتُه يقول إنّ “الكتاب بالنسبة لموسى وعيسى هو التشريع فقط، وليس التوراة والإنجيل، وذلك واضحٌ تمامًا في قوله تعالى عن عيسى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (آل عمران: 48)”[2].

والواقع أنّ قول شحرور في تعيين الكتاب متهافتٌ بدلالة القرآن، فكتاب الله تعالى يدلّ على أنّ التوراة والإنجيل تحتوي على “التشريع”، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} (المائدة: 44) إلى آخر الآية، فالنبيّون يحكمون بالتوراة، مما يدلّ على أنّها تحتوي على التشريعات.

وقوله تعالى في الآية التي تليها مباشرة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة: 45).

وإذا كانت حجّتهم في فصل “الكتاب” وجعله مختصّا بالتشريعات أنه مِن “كَتَبَ” وأنّها تأتي في سياق التشريع فإنّ الله عزّ وجلّ يقول {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا}، أي: في التوراة! ثم فصّل بعض ما كتبه من شرائع وأحكام، مما ينفي تماما هذا الفصل المتوهَّم بين “الكتاب” و”التوراة”. وقال سبحانه في السياق نفسه بعد ذلك عن الإنجيل: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة: 47).

وقد فصّلت القول في إبطال نظرية شحرور في “الكتاب” و”القرآن” و”التوراة” و”الإنجيل” في مقال آخر مطوّل سيُنشر قريبًا بإذن الله، فلا نلتفت كثيرًا هنا إلى هذا القول بعد بيان فساده بأدلة القرآن الصريحة.

الكتاب بمعنى كتب الأنبياء أو الكتب المنزلة

لكنّ هدم نظرية شحرور المتهافتة لم يُزل الإشكال، فستظلّ الآيات الأخرى التي تجمع بين “الكتاب والحكمة” ويكون “الكتاب” فيها كتابًا إلهيًا (لا تعليم الكتابة) ماثلةً أمامي، وأحسبُ أنّ كثيرًا من القرّاء سيواجهون الإشكال ذاته. وقد كدتُ أركنُ إلى قولٍ آخر للمفسّرين له نصيبٌ كبيرٌ من الشيوع بينهم بخصوص معنى الكتاب في الآية في حقّ عيسى عليه السلام، وهو قولهم إنّ المقصود بالكتاب هو جنس الكتب المنزلة أو كتب الأنبياء عمومًا، وقالوا: إنّ التوراة والإنجيل قد عُطفا على الكتاب والحكمة تخصيصًا للتشريف، من باب عطف الخاص على العامّ، كما قال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 98).

ولكنّ تبنّي هذا التفسير وحده إشكالي؛ لوجود الأثر عن ابن عباس وغيره من السلف وجمهور المفسّرين في أنّ الكتاب هو الخطّ أو الكتابة، ولأنّنا لا نملك دليلًا على تعليم عيسى عليه السلام الكتب السابقة قبل التوراة والإنجيل، وقد عبّر عن ذلك ابن عطية (546 هـ) رحمه الله في “المحرَّر الوجيز” فقال: “و”الكتاب” هو الخط باليد، فهو مصدر كتب يكتب، هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم: هي إشارة إلى كتاب منزل لم يُعَيَّن، وهذه دعوى لا حجّة عليها”.

كما أنّ روح الآية والسياق لا يساعدان على تخصيص التوراة والإنجيل للتشريف، فإذا كان “الكتاب” بمعنى الكتب الإلهية فأول ما يتبادر إلى الذهن هو التوراة الذي لا بدّ أن يتعلّمه عيسى عليه السلام وهو من بني إسرائيل، فهو المقصود الأساسي بقوله “الكتاب” بحسب هذا التفسير، فلأي شيء يقول في الآية نفسِها {والتوراة والإنجيل}؟

ولكنّ هذا لا يعني استبعاد ذلك التفسير تمامًا، فقد قال به جمع من المفسّرين، وأذكر هنا بعض أقوالهم:

  • أبو محمد الدينوري (ت 308 هـ) في “التفسير الواضح”: “ويعلّمه الكتاب: كتب الأنبياء، ويُقال: الكتابة”.
  • أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في “تأويلات القرآن”: ذكر الاختلاف في معنى “الكتاب” وذكر قول الجمهور ثم قال: “ويحتمل {الْكِتَاب}: الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل {الْكِتَاب}: كتب النبيين”.
  • أبو الليث السمرقندي (ت 373 هـ) في تفسيره: “ونعلّمه الكتاب: يعني كتب الأنبياء، وهذا قول الكلبي”.
  • الراغب الأصفهاني (من علماء القرن الرابع) في تفسيره: قال بعد ذكر قول الجمهور: “وقيل: عنى بالكتاب كتب الله المنزلة وخَصَّص التوراة والإِنجيل كتخصيص ذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة تفضيلًا له”.
  • إسماعيل الحيري النيسابوري (ت 430 هـ) في “الكفاية”: “{ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة}: وذلك أنّ مريم حملتْ به فعلّمَ اللهُ عيسى كتبَ الأنبياء وحِكمتهم والتوراة وهو في بطن أمه، وأنزل عليه {الإنجيل} في حال كهولته”.
  • الماوردي (ت 450 هـ) في “النكت والعيون”: قال: “فيه تأويلان: أحدهما: يريد الخطّ، والثاني: يريد الكُتب فعبّر عنها بالكتاب إرادةً للجنس”.
  • الواحدي (468 هـ) في “التفسير البسيط”: “قال ابن جُرَيج وغيره: أراد: الكتابة والخط. وقيل: أراد كتابًا آخر غير التوراة والإنجيل، من نحو: الزَّبُور وغيره”.
  • الغزنوي (توفي في حدود 500 هـ والله أعلم): قال في “تفسير الفقهاء وتكذيب السفهاء”: “والمراد بالكتاب الزبور وغيره من الكتب التي أنزلها الله عزّ وجلّ على أنبيائه صلوات الله عليهم سوى التوراة والإنجيل. وقيل: أراد بالكتاب الكتابة”.
  • البيضاوي (ت 685 هـ) في “أنوار التنزيل”: “والكتاب الكتابة أو جنس الكتب المنزّلة، وخُصّ الكتابان لفضلهما”.
  • أبو البركات النسَفي (ت 710 هـ) في “مدارك التنزيل”: “أي: الكتابة، وكان أحسن الناس خطًّا في زمانه، وقيل: كُتب الله”.

والذي يظهر لي أنّه يمكن الجمع بين القولين، على أن يكون تفسير “الخطّ والكتابة” هو الأساس، ويكون تفسير “الكتب المنزلة” أو “كتب النبيين” مندرجًا فيه. فنحن لو تفكّرنا فيما يمكن أن يتعلّمه من يتعلّم الكتابةَ والخطّ في ذلك العهد من بني إسرائيل، فلا شكّ أنّه سيتعلّم قراءة تلك الكتب وكتابتها، فمجرّد تعلّمه الخطّ والكتابة يتضمّن تعلّم كتب النبيين، والله أعلم.

قول الجمهور: الكتاب بمعنى الخطّ أو الكتابة

هناك عدّة روايات مأثورة عن ابن عباس وغيره من السلف – كما ذكرتُ في مطلع المقال – تذكر أنّ الكتاب هو بمعنى الكتابة أو الخطّ بالقلم، وعليه قول جمهور المفسّرين كما ظهر لي عند استقراء نحو ستّين تفسيرًا، وكما ذكر ابن عطية فيما نقلناه عنه، وكما ذكر الثعالبي (ت 875 هـ) في تفسير الآية إذ قال: “الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ، قاله جمهور المفسّرين”.

وقبل تحليل هذا القول وزيادة ترجيحه كقول أساسي كما قدّمت؛ أذكر هنا بعض أقوال مشاهير المفسّرين في معنى “الكتاب” في الآية، إلى جانب ما ذكرته في مطلع المقال من الآثار:

  • مقاتل (ت 150 هـ): “خَطَّ الكتاب بيده بعدما بَلَغَ أشُدَّه، وهو ابن ثماني عشرة سنة”.
  • الطبري (ت 310 هـ): “وهو الخطّ الذي يخطّه بيده”.
  • ابن أبي زمنين (ت 399 هـ): “يعني الخطّ”.
  • الراغب الأصفهاني: قال “قالوا: عنى بالكتاب القراءة والكتابة، وعُلِّم تعليماً إلاهيًّا في حال الطفولية”، ثم ذكر القول الآخر كما تقدّم.
  • الثعلبي (ت 427 هـ): “أي الكتابة والخطّ والعلم”.
  • مكي بن أبي طالب (ت 437 هـ): “يكتب بيده”.
  • السمعاني (ت 489 هـ): “والكتاب: الخطّ”.
  • البغوي (ت 516 هـ): “أي الكتابة والخطّ”.
  • الفخر الرازي (توفي نحو 606 هـ): “والأقرب عندي أن يقال: المراد من الكتاب تعليم الخطّ والكتابة”.
  • الخازن (ت 725 هـ): “يعني الكتابة والخطّ باليد”.
  • ابن كثير (ت 774 هـ): “الظاهر أنّ المراد بالكتاب هاهنا الكتابة”.
  • الجلالين (المحلي والسيوطي: ت 864 هـ، ت 911 هـ): “الخطّ”.

وأقوال هذا الجمع الغفير من المفسّرين وغيرهم كثير إلى جانب الآثار تجعلك لا تُهدر هذا القول بسهولة، بل إنني حين أمضيتُ زمنًا طويلًا بين المفسّرين وكتبهم ألتقط فوائدهم فُتح لي بفضل الله أنّ هذا القول هو الأصوب وهو المقصود الأول بالكتاب في الآية والله أعلم، ليس فقط لوجود الآثار ولكونه قولَ الجمهور، بل لأمرين سأفصّل فيهما، وهما:

  • ملاءمته لسياق الآيات.
  • تطابقه مع أخبار كتب أهل الكتاب.

ملاءمة القول بالكتابة لسياق الآيات

أحد المفاتيح المركزية لفهم كتاب الله هو النَّظر في سياق الآيات، فهو يساعد في الكشف عن المعنى المقصود وعلى ترجيح قولٍ على آخر من أقوال المفسّرين. ولهذا قال الإمام ابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) رحمه الله في كتابه “غريب القرآن”:

“وكتابنا هذا مستنبط من كتب المفسرين وكتب أصحاب اللغة العالمين، لم نخرج فيه عن مذاهبهم، ولا تكلّفْنا في شيء منه بآرائنا غيرَ معانيهم، بعد اختيارنا في الحرف أَوْلى الأقاويل في اللغة، وأشبَهَها بقصّة الآية. ونبذْنا منكَرَ التأويل ومنحولَ التفسير”[3]. فتأمّل قوله: “وأشبهها بقصّة الآية”؛ لأنّ “قصّة الآية” مفتاح عظيم في فهم المقصود.

وقريب من هذا الكلام ما قاله الإمام محمد بن علي الترمذي الحكيم (توفي نحو 295 هـ) رحمه الله في كتابه “نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول” متحدّثًا عمّن يتّبعون متشابه القرآن ابتغاء الفتنة من الخوارج: “حَمَلوا الخاصَّ على العامّ، والعامَّ على الخاصّ، وتمسّكوا بآخر الآية، ولَهُوا عن أوّلها”[4].

ونحن إذا عدنا إلى سياق الآيات في سورة آل عمران نجده على النحو التالي:

{إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 45-49).

وقال في سورة المائدة:

{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} (المائدة: 110).

ومن السياق نلاحظ ثلاثة أمورٍ نبّه عليها بعض المفسّرين:

الأمر الأول: مرتبط بقصّة عيسى عمومًا بل بقصص الأنبياء كما سيأتي، وهو أنّ الله عزّ وجلّ حباه بمعجزات حسّية منذ طفولته: يكلّم الناس في المهد، ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وكان منطقيّا جدّا أن يكون تعليمه “الكتاب” من جملة هذه المعجزات ومن جنسها، فالله سبحانه الذي قال له: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا} هو الذي قال له: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ}، ثم سائر المعجزات، فهذا كلّه من تأييد الله عزّ وجلّ. ومعجزة التكلّم في المهد من جنس معجزة الكتابة بلا معلم مع الحكمة منذ الصِّغَر كما سيأتي.

وثمّة إشارة لطيفة في هذا السياق للإمام الشهيد أحمد بن عمر المعروف باسم نجم الدين كُبرى (توفي نحو 618 هـ) رحمه الله في تفسيره المعروف باسم “التأويلات النجمية”، حيث قال ممهِّدًا: “واعلم أنّ الروح الإنساني؛ الذي هو خليفة الله في الأرض معلم من ربه واستخلفه العلم والحكمة والكتابة أو القراءة، بل هو قابل أنوار جميع الصفات خلافة عنه، حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء، وغير ذلك من الآيات التي هي من نتائج القدرة”.

ثم قال الإمام نجم الدين كُبرى عن عيسى عليه السلام: “فلمّا كان روح عيسى عليه السلام وذرة طينة السعي، استخرجتْ من ظهر آدم عليه السلام محبته عند الله تعالى ولم تُردّ إلى ظهره حتى ألقاها إلى مريم بتولّيه من غير شَوْبٍ بظلمات شهوات الأبوين؛ ولهذا سُمي: روح الله؛ لأنه كان قابل أنوار الصفات في بدء أمره وحالة طفوليته، ويكلم الناس في المهد وكهلًا، ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل من غير تعلُّم، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويُبرئ الأكمة والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك جميع الآيات الظاهرة منه”.

وقد دفعني كلام الإمام نجم الدين كُبرى هذا إلى التفكّر بخَلق آدم عليه السلام، الذي خلقه الله سبحانه بغير أبٍ ولا أمّ، فقد اشترك مع عيسى عليه السلام في شيء من ذلك كما قال تعالى موضّحًا ضلال قول النصارى إنّه ابن الله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عمران: 59). فقلت في نفسي: كما تولّى الله عزّ وجلّ تعليم آدم “الأسماء” فقال فيه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} (البقرة: 31)، فكذلك تولّى سبحانه تعليم عيسى الكتاب وما يشتمل عليه ذلك من الكلام والحروف والقراءة فقال: {ويُعلِّمُهُ الكِتابَ}. ففي هذا إشارة لطيفة تجعل تفسير “الكتاب” بـ “الكتابة” أو “الخطّ” أمرًا مفهومًا في سياق قصّة عيسى.

الأمر الثاني: مرتبط بسياق أخصّ، وهو حالة مريم عليها السلام: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ}، فمع أنّ الله أجابها في الآية نفسها فقال سبحانه: {قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، فلا شكّ أنّ ما منح الله عيسى عليه السلام مِن خصال رفيعة ومؤهّلات عالية يُطيّب قلبَها ويدفع العار الذي تخشاه إلى غير رجعة.

وقد تنبّه إلى هذا المعنى الإمام البيضاوي في تفسيره فقال: “{وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ}: “كلام مبتدأ ذُكر تطييبًا لقلبها وإزاحةً لما همّها من خوف اللَّوم لما علمت أنها تلد من غير زوج”. وأضاف ابن كمال باشا (ت 940 هـ) رحمه الله في تفسيره فقال: “وقُرئ: {ونُعَلِّمه} بالنون على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لشدّة الاعتناء بأمره”.

الأمر الثالث: مرتبط بالآية نفسها تحديدًا، فهي بهذا الترتيب {ويُعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} تمثّل تدرُّجًا تعليميًّا سليمًا مثمرًا. ويقول الإمام الرازي في تفسيره “مفاتيح الغيب” عن ذلك:

“ثم بعد أن صار عالمًا بالخطّ والكتابة، ومحيطًا بالعلوم العقلية والشرعية؛ يُعلّمه التوراة، وإنما أخّرَ تعليم التوراة عن تعليم الخطّ والحكمة؛ لأنّ التوراة كتاب إلهي، وفيه أسرار عظيمة، والإنسان ما لم يتعلّم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلهية. ثم قال في المرتبة الرابعة: {والإنجيل}، وإنما أخّرَ ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة؛ لأنّ مَن تعلَّم الخطَّ، ثم تعلّم علومَ الحقّ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على مَن قبله من الأنبياء فقد عظُمت درجته في العلم، فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتابًا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى والمرتبة العليا في العلم والفهم، والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة”.

فكأنّ تعليم الكتابة وما يتضمّنها من قراءة وإعداد علمي راسخ مع تعليم الحكمة هو الذي يحقّق جاهزيّة التلقّي للكتب السماوية. وقال الرازي في آية المائدة: “وفي {الكِتاب} قولان: أحدهما: المراد به الكتابة وهي الخطّ. والثاني: المراد منه جنس الكتب، فإنّ الإنسان يتعلم أولًا كتبًا سهلة مختصرة، ثم يترقّى منها إلى الكتب الشريفة”.

ويقول أبو العبّاس البسيلي التونسي (ت 830 هـ) في تفسيره “التقييد الكبير”: “وقدَّم {الكتاب}؛ لأنّ أول ما يتعلم الصغير الكتابة ثم الحكمة”.

وهكذا يتّضح لنا أنّ السياق كله يستوعب تفسير مفردة “الكتاب” في قصّة عيسى على أنّها “الكتابة” أو “الخطّ”، سواء كان السياق الأعم لقصّة عيسى كلّها وربطها مع قصّة آدم (الأمر الأول)، أو سياق موقف مريم الشعوري والتخفيف عنها (الأمر الثاني)، أو سياق الآية نفسها من جهة التدرّج الصحيح في التعليم (الأمر الثالث). فلأيّ شيء يُشغّب المشغّبون على قول الجمهور هذا وهو الأكثر انسجامًا مع السياق؟ أما تفسير “الكتاب” بالشرائع أو بالكتب المنزلة قبله فلا ينسجم مع السياق، ويُشْكِلُ عليه عطفُ التوراة والإنجيل كما تقدّم.

تطابُق قول الجمهور مع أخبار أهل الكتاب وكتبهم

وقبل الحديث في هذا الباب أحبّ أن أوضّح أمرًا مهمًّا، وهو أنّ قائلًا قد يقول: هذه إسرائيليات، ونحن لا نبني ديننا على الإسرائيليات!

والواقع أنّني قد انتهيت من بيان معنى “الكتاب” وأنّه “الخطّ” أو “الكتابة” من خلال احتمالات اللسان العربي والآثار (كأثر ابن عبّاس وغيره)، وكلام جمهور المفسّرين، والنظر في سياق الآية عبر أبعادٍ ثلاثة دون أن أذكر شيئًا من الإسرائيليات، ولهذا فمن الخطأ القول بأنّ هذا الرأي مبنيٌّ على الإسرائيليات.

لكنّنا نذكر بعض ما جاء عند أهل الكتاب من باب الاستئناس وجلب شهادات قديمة على صحّة هذا القول، كما قال تعالى مخاطبًا نبيّه صلى الله عليه وسلّم: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (يونس: 94)، وقال عزّ وجلّ: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} (الشعراء: 197).

ولكن التوجّه إلى أهل الكتاب ليس للتأسيس والبناء، بل للاستئناس وزيادة المؤيّدات على صحّة النبوة والرسالة، ففي تلك الكتب ما يتّفق مع ما جاء في كتاب الله تعالى كما سيأتي. وعن عبد الله بن عمرو: أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: “بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار” (صحيح البخاري). فالمسموح به هنا هو “التحديث” عنهم لا “تلقّي المعارف والدين” عنهم.

ولهذا وجدنا ابن عباس رضي الله عنه (3 ق.ه – 68 هـ) وهو ترجمان القرآن يقول: “كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرؤونه محضًا لم يشُب، وقد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟! ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أُنزل عليكم” (صحيح البخاري).

فهذا حرصٌ من ابن عباس رضي الله عنه على أن ينهل المسلمون من النبع الأصيل، ولا يكون لهم مصدر آخر للتلقّي ومعرفة الدين. وقد أشار إلى أنّ كتاب الله “لم يشُب”، ونحن ندرك أنّ فيما نستأنس به من نصوص أهل الكتاب “شوب” كثير، ولكن بين هذا الشوب بعض الصحيح المؤيِّد كما سنرى.

وقد وجدت في “تفسير ابن المنذر” رواية مسندة موقوفة عن التابعي الجليل سعيد بن جبير[5] (46-95 هـ) وهي على النحو التالي:

“عن سعيد بن جبير، قال: لما ترعرع عيسى جاءت به أمّه إلى الكُتّاب فدفعته إليه، فقال قل: باسم، فقال عيسى: الله، قال المعلم، قل: الرحمن، قال عيسى: الرحيم، فقال المعلم قل: أبو جاد، قال: هو في كتاب، قال عيسى: أتدري ما ألف؟ قال: لا، قال: آلاء الله. أتدري ما باء؟ قال: لا، قال: بهاء الله. قال: أتدري ما جيم؟ فقال: لا، فقال: جلال الله. أتدري ما اللام؟ فقال: لا، قال: آلاء الله. قال: فجعل يفسّر على هذا النحو، قال المعلم: كيف أُعلّم من هو أعلم منّي؟ قالت: فدعه يقعد مع الصبيان، فكان يُخبر الصبيان بما يأكلون، وما تدّخر لهم أمهاتهم في بيوتهم”.

ويروي ابن المنذر بعدها رواية أخرى تعضدها عن ابن إسحاق هذا نصّها:

“حتى إذا بلغ التسع أو العشر أو نحو ذلك، أدخلتْهُ الكتّاب فيما يزعمون، فكان عند رجل من المكتبيين يعلّمه كما يعلّم الغلمان، ولا يذهب يعلّمه شيئًا مما يعلمهم إلّا بَدَرَهُ على عِلْمه قبل أن يُعلّمه إيّاه، فيقول: ألا تعجبون إلى ابن هذه الأرملة؟ ما أذهبُ به أُعلّمه شيئًا إلّا وجدتُه أعلم به مني”[6].

وبصرف النظر عن الضعف المحتمل لأمثال هذه الروايات، وكونها في الغالب من أخبار أهل الكتاب؛ فهي تتشابه كثيرًا مع ما سبق ذكره من قول الجمهور بأنّه سبحانه علّمه “الكتابة” أو “الخطّ بالقلم”، فها هو يذهب إلى الكُتّاب فيجده صاحبُ الكُتّاب مُعلَّمًا قد فاقه في العلم!

وحين نذهب إلى البحث في كتب النصارى التي تذكر حياة المسيح عليه السلام، نجد تشابهًا كبيرًا بين هذه الرواية عن سعيد بن جبير وبين ما جاء في أحد الأناجيل غير الرسمية، وهو إنجيل الطفولة لتوما، الذي يعتبر إنجيلًا غير قانوني، والذي يسمّى عندهم “أبوكريفي”.

ما يميّز هذا الإنجيل عن غيره من الأناجيل أنّه يتناول مرحلة الطفولة المبكّرة للمسيح عليه السلام، وهو نادر التناول في الأناجيل القانونية الأربعة. بل مما يثير العجب أنّه النصّ الوحيد، بخلاف كل الأناجيل القانونية، الذي يشير إلى إحدى معجزات المسيح التي ذكرها القرآن الكريم، وهي قوله تعالى على لسان المسيح: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} (آل عمران: 49)، فقد جاءت حكاية ذلك في إنجيل الطفولة لتوما[7]. والشاهد هنا أنّنا نعلم بأنّ قصة خلق الطير من الطين تحمل شيئًا من الحقّ لورودها في القرآن، حتى لو كانت تفاصيلها في إنجيل توما غير قطعية.

أمّا النصّ الذي يكاد يطابق رواية سعيد بن جبير أعلاه، فقد جاء في إنجيل الطفولة لتوما على النحو التالي، بعد سرد حوار بين عيسى عليه السلام ويوسف النجار سمعه معلّم يدعى “زكّا” أو “زاكشيوس” كما جاء في الترجمات:

“وبعد مرور أيام كثيرة جاء هذا المعلم إلى يوسف، وقال له: إنّ لديك صبيّا ذكيّا، له مقدرة فائقة على الفهم، فهلّا تسلّمني إيّاه لأقوم بتعليمه الحروف الهجائية وكُتبَ الحكمة…”. ثم يقول: “فسلّمه إياه، وشرع في تعليمه الحروف الهجائية، من الألف إلى التاء بتفسير واضح. إلّا أنّ يسوع نظر إلى زاكشيوس المعلّم وقال له: كيف تجرؤ أنت يا من لا تعرف الألف على طبيعتها أن تُعلّم الآخرين الباء…”. إلى أن يقول: “اسمع منّي أيّها المعلّم وَصْفَ الحرف الأول، وانتبه جيّدا إلى ما أقول. وتتطلّع إليّ وأنا أخطّ العلامة الوسطى، التي تمرّ من بين كِلا الخطّين اللذين تراهما، كيف تطغى هذه الحروف وترتفع وتتحوّل في رقصٍ وانسياب، وكيف أنّ ثلاث علامات على نفس النمط تخضع وتدعم كلّ منهم الأخرى للأجزاء المتساوية، ها هي خطوط الحرف الأول.

ولمّا سمع منه زاكشيوس المعلم كثيرًا من الوصف المجازي الذي شرحه للحرف الأول، اندهش من هذه الإجابة، وبدا عليه الخزي من هذا العلم الذي قاله بحضرة رجال موجودين”[8].

فهذه القصّة بهذه الصياغة تتّسق بوضوح مع قول الجمهور بأنّ ما علّمه الله إيّاه بقوله {ويعلّمه الكتاب} هو “الخطّ بالقلم” أو “الكتابة”. ولاحظ كيف ذكر المعلّم أنه يريد تعليمه “الحروف الهجائية وكتبَ الحكمة” ممّا يذكّرنا بـ {الكتاب والحكمة}.

ومن المثير أنّ هذه القصّة تحديدًا هي أقدم تقليد غير قانوني موثَّق داخل إنجيل الطفولة لتوما، أي وُثّق بمصدر آخر يشهد له، وهو كتاب “ضدّ الهرطقات” للقديس إيرينيوس (130-202م)، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي وواجه هذه الأناجيل أو النصوص غير القانونية لدى الكنيسة[9].

كما أنّ لدينا نصوصًا أخرى من أناجيل “قانونية” عند النصارى تذكر ما يدعم هذه السردية، أي أنّ الله عزّ وجلّ قد علّمه مهارة الخطّ والكتابة والحكمة كما ذكر في كتابه سبحانه، نتركها في الهامش كي لا نطيل[10].

والخلاصة أنّ النظر في كتب أهل الكتاب يشير إلى أنّ عيسى عليه السلام قد عُلّم الكتابة والحكمة مبكّرًا بشكلٍ أبهر النّاس وهو بعدُ طفل صغير، وهو أمر ينسجم تمامًا مع السياق القرآني ومع تفسير الجمهور لمعنى “الكتاب” الذي علّمه اللهُ تعالى إيّاه.

هل الحكمة هي السنّة؟

وأخيرًا، فإنّ بعض منكري حجّية السنّة النبوية يستدلّ بهذه الآية في وصف المسيح عليه السلام {ويُعلّمه الكتابَ والحكمةَ} لينفوا أن تكون الحكمة هي “السنّة” في قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151) في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقولون: لو كانت الحكمة التي يعلّمها الرسول هي “السنّة النبوية” كما يقول عدد من المفسّرين فلِمَ قال في حقّ عيسى {ويُعلّمه الكتاب والحكمة}، هل علّمه أيضًا السنّة والأحاديث التي تقولون بها؟!

بل يزيدون من التشغيب فيقولون: الحكمة في القرآن، فقد قال تعالى في سورة الإسراء بعد ذكر العديد من الشرائع والأخلاق والهدايات: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} (الإسراء: 39). فيحسبون أنّ هذه الآية غابت عن المفسّرين!

والحقّ أنّ هؤلاء يقيمون تعارضًا بين أشياء منسجمة، تندرج جميعًا في ناموسٍ واحد، فقد قال الله عزّ وجلّ: {وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} (النساء: 113). ونعلم بذلك أنّه عليه الصلاة والسلام قد أُنزِلت عليه هذه الحكمة، وعلّمه ربُّه عزّ وجلّ ما لم يكن يعلم، وحين نجمع هذه الآية مع قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} ندرك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم هو مقصدنا الأول لتفصيل حكمة الكتاب والرسوخ فيها، وأنّ سُنّته فيما يُعلّمنا من الدين وإقامته في الحياة هي غاية الحكمة.

وقد ذكر الله عزّ وجلّ في سورة الإسراء مجموعةً من الأوامر والتوجيهات التربوية والأخلاقية كالتوحيد، والإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل حقوقهم، وعدم التبذير، واجتناب البخل، وحفظ الدماء، واجتناب الزنا، وحرمة قتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ، واجتناب مال اليتيم، والوفاء بالكيل، وعدم التحدّث بغير علم، واجتناب البطر والاختيال، ووصفها بأنّها الحكمة في أواخرها فقال: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} (الإسراء: 39)، وهي من مضامين كتاب الله تعالى، والرسول صلى الله عليه وسلّم قد عُلِّمها كما ذكر الله تعالى وعرفها حقّ المعرفة، فتكون حكمتُه هي سنّته وهي تعليمه لحكمة الكتاب في الآنِ نفسِه، فهو لا يقتصر (كما مرّ معنا) على “تلاوة” الكتاب، بل هو “يعلّم” الكتاب والحكمة أيضًا، وهو “يحكم” بين الناس بهذه “الحكمة” كما قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (النساء: 65).

ولفظ “الحكمة” لفظٌ بليغٌ يردّ الشبهة ويُلزم هؤلاء باتّباع السنّة النبوية؛ فأصل “الحكمة” يرجع إلى “الحكم” وهو المنع، ومنه سُمّيَ اللّجام: “حَكَمَة الدابّة” كما يقول الراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن” ويوافقه ابن فارس (ت 395 هـ) في “مقاييس اللغة”. ولهذا تُستعمل الحكمة بمعنى الإصابة في القول والعمل، وبمعنى وضع الأشياء مواضعها، فهي راجعة إلى “الضبط”. وهذه المعاني التي سمّاها الله “حكمة” في سورة الإسراء كلّها مما يحتاج إلى الحكمة لإصابتها ولإقامتها، وكلما ازداد المرء حكمةً كان أقرب إلى إحكامها، وكان عليه الصلاة والسلام الذي أنزل الله عليه الحكمة كما مرّ معنا؛ أحكمَ الناس وأجدرهم بأن يتلقّى الناس عنه دروس الحكمة في تفاصيل الحياة ومواقفها، والتي أصولها في كتاب الله تعالى كما تقدّم.

وقد آتى الله رُسلَه وأنبياءه الحكمة كما قال في حقّ داود: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء} (البقرة: 251). وقال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (النساء: 54). إلى جانب ما ذكره في حق محمّد صلى الله عليه وسلّم وعيسى عليه السلام وغيرهما. وذكر لنا أنّ من الحكمة ما جاء في سورة الإسراء من شرائع وقيم وأخلاقيات كما تقدّم، ولا شكّ أنّ الحكمة ليست مجرد معرفة هذه الأشياء بل إقامتها والعمل بها، وكان الرسل والأنبياء خير من يُؤتى الحكمة ويعمل بها ويقيمها، وصاروا بذلك أهلًا للاقتداء والتلقّي عنهم وسؤالهم والتعلّم منهم، ولذلك قال تعالى في سورة النساء بعد ذكر عدد من الأحكام والتشريعات والتوجيهات: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (النساء: 26)، فمع أنّها من شرائع الله تعالى في كتبه نَسَبها إليهم سبحانه، وذكر لنا أنّها “سُننهم”؛ يُعلِمُنا أنّ الطريق إلى إقامة تلك الشرائع هو اتّباع سُنن الرسل والأنبياء.

ومن هنا ندرك إصابة من فسّر “الحكمة” في كتاب الله بالسنّة (الحسن البصري، قتادة، الشافعي)، وأنّ الاختلاف بينه وبين من فسّرها بفهم القرآن (مجاهد)، أو بالنُّبوّة (السُدّي)، أو بالعقل في الدين (زيد بن أسلم)، أو بالمواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام (مقاتل)، أو بالفقه في الدين والاتباع له (مالك)؛ أنّ الاختلاف بين هؤلاء جميعًا اختلاف تنوُّعٍ، فكلٌّ ينظر من زاوية مختلفة إلى الشيء نفسه، فهذه الأشياء جميعًا تنبع من مصدر واحد وتتجسّد في شخص الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فهي سُنّته أي: طريقته المحكَمة، وهي فَهمه للقرآن، وهي نُبوّته لأنّها ممّا نَبَّأه العليم الخبير، وهي عَقله في الدين، وهي معرفته بمواعظ القرآن حقّ المعرفة، وهي فقهه في الدين واتّباعه له، والله أعلم.

والمفسّرون الذين قالوا إنّ الحكمة هي “السنّة”، لم يقتصروا على وصفها بالسنّة في حقّ نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم، بل حتى في قصّة عيسى فسّروا الحكمةَ بأنّها “السنّة”، وروي ذلك عن الحسن البصري وعن أبي مالك غَزْوان الغِفاري وقتادة بن دعامة ومقاتل بن حيّان وابن جُريج ومقاتل بن سليمان. وهذا القول لا يتعارض مع قول مَن قال إنّ الحكمة هي العلوم الدينية أو الفقه في الدين أو تهذيب الأخلاق أو قضاء النبيّين أو ما قاربها من معانٍ على اختلاف في عباراتهم.

فقد آتى الله رسلَه وأنبياءه الحكمة، وتولّى تعليمَهم إيّاها، وأُلهِموا النطقَ بها وإقامتها في مواقفهم وسلوكهم، فلا مناص من اتّباع الأنبياء والرُّسل، فهُم باب فَهم الكتب الإلهية ونافذة أنوارها، ولم يَعُد بين أيدينا من سُننهم مثل ما لدينا من سنن السراج المنير، سيّدنا وقدوتنا المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. ومن هنا تفهم ذلك الحرص الشديد من الصحابة ومَن تلاهم على حفظ سُننه وتنخيلها وإنشاء علم الرجال وغيره لفرز الموضوع والضعيف من الصحيح والحسن، فهذا كلّه تتبُّعٌ لحكمة آخر الرسل والأنبياء، وإقامةٌ لأمر الله باتّباع تعليمِه الكتابَ والحكمة. وهكذا يتّضح أنّ وصف “الحكمة” هو من إحكام كتاب الله، وهو حُجّة على نفاة السنّة من حيث أرادوا أن يكون حجّة لهم!

ولذلك قالت عائشة حين سُئلتْ عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان خُلُقه القرآن” (مسند أحمد). ولا شكّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم هو أقدر الناس على إقامة معاني القرآن وحكمته وشرائعه، ومن ثم يصبح نموذجًا يُتّبع ويُقتدى به، فإذا علّمه الله الحكمة وشهد له بها فقد صار أحقّ النّاس بالاتّباع له وأجدرهم بالاقتباس عنه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31).

والخلاصة أنّ كون الحكمة منسوبة إلى عيسى عليه السلام أيضًا لا ينفي أنّها سنّة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ الحكمة التي عَلّمنا إيّاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي من جنس الحكمة التي عَلّمها الرُّسلُ والأنبياء عليهم سلام الله. وكونها من معاني القرآن لا ينفي أنّها سنّة الرسول أيضًا، فليس أجدر منه بتعليم معاني القرآن وحكمته وتطبيقها في حياته لنقتدي به، فالحكمة ليست نصًّا فحسب، بل هي عملٌ ومنهج حياة.

شريف محمد جابر

  1. عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1418هـ-1998م)، 2: 180. 
  2. محمد شحرور، الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة (دمشق: الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1990)، 65. 
  3. عبد الله بن مسلم بن قتيبة، غريب القرآن، تحقيق: أحمد صقر (بيروت، دار الكتب العلمية، 1398هـ-1978م)، 4. 
  4. محمد بن علي الترمذي، نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، تحقيق: توفيق محمود تكله (دمشق: دار النوادر، 1431هـ-2010م)، 1: 387. 
  5. نسبها السيوطي في “الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور” إلى ابن المنذر ووصفها بأنّها “بسندٍ صحيح”. 
  6. محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، كتاب تفسير القرآن، تحقيق: سعد بن محمد السعد (الرياض: دار المآثر، 1422 هـ)، 204-205 
  7. ونصّها على النحو التالي: “وفي يوم سبت صنع من طمي ناعم كهيئة الطير، اثني عشر عصفورا بحضرة أطفال كانوا يلعبون معه. وبعدما أتم خلقتهم في لعبته هذه في يوم السبت رآه إنسان، وذهب ليخبر أباه يوسف قائلًا: انظر إلى صبيّك، إنّه كسر حرمة السبت، فقد عمل من الطين اثني عشر عصفورًا، وهو الآن واقف في غدير ماء. فحضر يوسف إلى المكان، ولمّا رأى ذلك صرخ في وجهه قائلًا: لماذا تفعل في يوم السبت ما لا يحلّ لك أن تفعله؟ فلم يلتفت إليه، وصفّق بيديه، وصاح على الطير: أن طيروا. فأخذت العصافير في الطيران رويدًا رويدًا وهي تزقزق”. انظر: أحمد حجازي السقا، إنجيل توما: يُنشر لأول مرة باللغة العربية (المنصورة: مكتبة الإيمان، د.ت)، 30. وانظر نسخة عربية أخرى: https://www.drghaly.com/articles/display/12225. وانظر النسخة الإنجليزية: https://www.earlychristianwritings.com/text/infancythomas.html
  8. السقا، إنجيل توما: يُنشر لأول مرة باللغة العربية، 33-34. وانظر نسخة عربية أخرى: https://www.drghaly.com/articles/display/12225. وجاء في نسخة إنجليزية: “وجاء في ترجمة أخرى: “اسمَعْ يا معلَّم، ما هو موقع الحرف الأول، ولاحظْ من كم خطٍّ يتألَّف، وكم يحتوى منها داخليةً، حادةً، متباعدةً، متلاقيةً، مرتفعةً، ثابتةً، متناسقةً، غير متساوية القياس”، انظر: https://www.earlychristianwritings.com/text/infancythomas.html
  9. القديس إيرينيوس، ضد الهرطقات – الجزء الأول: الكتابان الأول والثاني، ترجمة: نصحي عبد الشهيد (القاهرة: مؤسسة القديس أنطونيوس والمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة، 2019)، 96. 
  10. منها ما جاء في إنجيل لوقا 2: 46-47 حين أضاعه يوسف ومريم ثم وجداه: “وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ، وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ”. وكأنّ هذه الصياغة تشير بطريقة ما إلى القصّة ذاتها. وجاء في لوقا أيضًا 2: 52: “وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ”. فأكّد نبوغه في الحكمة. أما إنجيل يوحنا فهو يشير إلى تعلّمه الكتب بغير معلّم، أي إلى تعليم الله له كما جاء في 7: 15: “فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟”. 
أ. شريف محمد جابر

كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية إلى جانب إجازة في التعليم والتدريس والإرشاد من جامعة حيفا، ثم حصل على الماجستير في الأدب العربي من الجامعة نفسها، وكانت أطروحته بعنوان "تفسير القرآن عند الحكيم الترمذي" (2021). له من الكتب: "الهوية والشرعية" (2011)، و"الخطاب المريض" (2015)، و"مفاتيح لفهم السنّة" (2018/2020)، و"الذرّة التائهة" (2021)، و"رسائل إلى سلمى" (2021)، و"العقائدية القاصرة" (2023)، و"منطق القرآن" (2023)، "ولماذا هجرنا القرآن في بناء أصول الإيمان؟" (2024). إلى جانب عدد كبير من الدراسات والمقالات المنشورة في مختلف المواقع على الشبكة

أ. شريف محمد جابر

كاتب ومترجم وباحث ولد في عكا شمال فلسطين، حصل على إجازة في الأدب واللغة العربية… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى