
الحداثة الإسلامية: من أبي حامد الغزالي إلى أورنكزيب عالِمكير
هذا المقال هو محاولة في مناقشة إشكالية ذلك النقد الشديد للدولة الحديثة الذي يستصحب مقولة استحالة إقامة الشريعة في إطارها. ويركّز المقال على نقطة جوهرية ينسبها أولئك الناقدون إلى الدولة الحديثة، وهي قضية “القانون” المركزي الذي تفرضه الدولة الحديثة على المجتمع لضبطه ولا تتيح التعدّد في فهمه، ويخلو في الوقت نفسه من البُعد الأخلاقي والروحي، معتبرين ذلك من الخصائص البنيوية للدولة الحديثة التي لا يمكن أن تتوافق بحال مع إرثنا الفقهي ومنظومة الشريعة التي عرفها المسلمون خلال التاريخ.
وأقول ابتداءً: أتفهّم جيّدا موجة نقد “الدولة الحديثة” التي تتزايد بين الأجيال المسلمة الجديدة بتأثّر غير واعٍ بتيارات يسارية وفرانكفورتية وأناركية وليبرتارية وإيكولوجية غربية حديثة، لكنّي أجدها مبالغًا فيها جدًّا. وقبل أن يُقدّم لي بعضهم دروسًا عن آفات الدولة الحديثة أحبّ أن أقول إنني كتبت منذ سنوات طويلة مقالات في بيان أزمتها ومشكلاتها وآثارها الخطيرة على وعينا واجتماعنا الإنساني، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر – مقال بعنوان “قضية الزواج المبكّر كمنتَج لسياسات الدولة الحديثة” نُشر عام 2016. ولكنّي أدعو الشباب إلى التوازن، فإلى جانب نزعة نقد “الدولة الحديثة” هناك نزعة أخرى متنامية تدعو للعودة إلى “التراث”، والمقصود به تحديدًا ما بلغه هذا التراث الإسلامي في العصور المملوكية والعثمانية الأخيرة.
وما أعتقده أنّه يجب علينا التوازن في نقدنا وأخذنا، فلا الدولة الحديثة كلّها سيّئة، ولا التراث كله زاهر. وسأضرب مثالا لقضية بلغت من الشهرة حتى صرتَ تجدها تتردّد على ألسن الشباب كلّما همس أحدهم بذكر الدولة الحديثة، وهي قضية “القانون” الخالي من الروح ومن البعد الأخلاقي، بينما “الشريعة” نظام أخلاقي روحي شامل، وليست مجرّد منظومة قوانين تُنظّم العلاقات بين الناس، وهي تهدف إلى تهذيب الإنسان وبناء شخصيته وتحقيق القرب من الله. ولهذا السبب – ولأسباب أخرى – يرفضون “تقنين الشريعة”.
حسنًا هذا جميل، وأنا أتفق تماما مع هذا الفارق المهم بين الشريعة والقانون الوضعي، ولكن دعونا ننظر إلى الفقه الذي أنتجه المسلمون عبر قرون طويلة، وفي وعي كثيرين أنّ مجرّد توجيه أي نقد للمنظومة الفقهية التقليدية يُعدّ “جريمة”، هو خطّ أحمر لا ينبغي تجاوزه، هو من اللامفكَّر فيه أصلا، فالتوجُّه الآن هو نحو إبراز بدائعه وفضائله وجمالياته وحلوله فحسب، ولا شكّ أنها كثيرة جدّا، ولكن حتى من داخل التراث نفسه كانت هناك نقود عديدة للمنظومة الفقهية عبر مختلف العصور، ولعلّ أهمها وأوسعها – وهنا المفارقة – ما صاغه الإمام الفقيه أبو حامد الغزالي (450-505 هـ) في كتابه المهم “إحياء علوم الدين”، والذي استفاده من علماء سابقين من التيار الروحي والمتصوّف في الإسلام.
المفارق في الأمر أنّ ما اعتبره الغزالي أصليّا ومتحقّقا في عصره من علم الفقه هو كونه قانونًا يحتاجه السلطان لسياسة المجتمع وضبطه والفصل في الخصومات، وهو أشبه شيء بالقانون الحديث وطريقة عمل الدول المعاصرة، وإنْ لم يكن مطابقًا، أمّا الذي انتقده من صورة الفقه في عصره وشدّد على نقده وبنى كتابه كلّه عليه فهو خُلوّ هذا الفقه – بصورته في كتب الفقه – من الجانب الروحي أو “الباطني” بعبارته، أي تحوّله إلى شكليّات بعيدة عن جوهر الفقه وحقيقته!
وهذه الصورة مفاجئة تماما لمن اعتاد على ترديد عبارات وائل حلاق وأمثاله ممّن لم يفهموا تراثنا الإسلامي واعتمدوا على فهم سطحي لدى المقارنة بين “الشريعة” و”القانون الحديث”، اتجه بهم إلى المفاصلة شبه التامّة بين الأمرين، كما لو كانت الحداثة ولادة جديدة وقطيعة معرفية وتاريخية عن التراث الإنساني.
والواقع أنّ هناك جوهرًا في القانون الحديث هو استمرار لتقاليد البشرية (وفي قلبها العالم الإسلامي) ومنه جانب الإلزام من جهة السلطة، مع كل الأمراض التي فيه والتي تحتاج إلى علاج، لكنّ فكرة القطيعة التامّة والانفصال التامّ عن منطق الفقه والشريعة هو على الورق فحسب، وتأثُّر هذا القانون الحديث بالفقه الإسلامي وما قبله وما بعده، أو تأثُّر الفقه والقانون الإسلامي عبر القرون الأخيرة بالقانون الأوروبي جاء بصورة تراكمية متدرّجة، بيد أنّ لحظة الاستعمار جاءت بمباغتة عسكرية هي التي أظهرت الفوارق الواضحة. والخلاصة: نعم هناك فوارق جذرية، لكن المفاصلة التامّة غير دقيقة.
كما أنّ هناك جانبًا من الفقه القديم فيه خلل واجهه كبار الأئمّة والفقهاء كالحارث المحاسبي (170-243 هـ) والحكيم الترمذي (نحو 205-295 هـ) والغزالي (450-505 هـ) وأبو شامة المقدسي (599-665 هـ) وأبو إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ) وغيرهم من الأئمة الذين تطرّقوا إلى مشكلات في علم الفقه وقدّموا لها بعض المعالجات، وكانت محاولة الغزالي أبرزها.
ولعلّنا نطالع هذين النصّين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله، أوّلهما حول الفقه باعتباره فنّا لمعرفة طرق السياسة والحراسة، وقانونًا ترجع إليه السلطة في إقامة العدل بين الناس، والثاني حول التقصير في الجانب الأخلاقي والروحي في كتب الفقه.
فانظر كيف جعل الغزالي رحمه الله من أسّ مهامّ السلطان “سياسة الخَلْق وضَبطهم” بالفقه، بل سمّاه “قانونًا”. وهذا الضبط الذي تمارسه السلطة على المجتمع بالقانون هو من أهمّ جوانب نقد الدولة الحديثة لدى بعض المعاصرين، فهم يظنّون أنّ تدخّل الدولة في فرض القانون شيء حديث لم يعرفه المسلمون في تاريخهم مع الفقه والشريعة!
القانون والسلطة: سياسة الخَلق وضبطهم
يقول رحمه الله في كتابه “إحياء علوم الدين”، مبيّنًا العلاقة بين السلطة والشريعة، في عبارة مُشرقة تهدم كثيرًا من التصوّرات المعاصرة التي تنتسب إلى التراث زورًا وبهتانًا وتفصل بين السلطة والشريعة:
“فاعلم أنّ الله عزّ وجلّ أخرج آدم عليه السلام من التراب، وأخرج ذريَّتَه من سلالةٍ من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة أو إلى النار، فهذا مبدؤهم، وهذه غايتهم، وهذه منازلهم.
وخلَقَ الدنيا زادًا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزوُّد، فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات وتعطَّل الفقهاء، ولكنّهم تناولوها بالشهوات فتولّدت منها الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به.
فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسُّط بين الخَلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات، فكان الفقيه مُعلّمَ السلطان ومُرشدَه إلى طريق سياسة الخَلق وضبطهم؛ لينتظم باستقامتهم أمورُهم في الدنيا، ولعمري إنه متعلِّقٌ أيضا بالدين لكنْ لا بنفسه بل بواسطة الدنيا؛ فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتمّ الدين إلا بالدنيا.
والمُلك والدين توأمان؛ فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم المُلك والضبط إلّا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الخصومات بالفقه.
وكما أنّ سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو مُعين على ما لا يتمّ الدين إلا به، فكذلك معرفة طريق السياسة، فمعلوم أنّ الحجّ لا يتم إلا بِبَذْرَقَةٍ تحرس من العرب في الطريق، ولكنّ الحجّ شيء وسلوك الطريق إلى الحجّ شيء ثان، والقيام بالحراسة التي لا يتمّ الحجّ إلا بها شيء ثالث، ومعرفة طُرق الحراسة وحِيَلِها وقوانينها شيء رابع.
وحاصلُ فنِّ الفقه: معرفة طُرق السياسة والحراسة. ويدلّ على ذلك ما رويَ مسندًا: “لا يفتي النّاسَ إلّا ثلاثةٌ: أميرٌ أو مأمورٌ أو متكلِّفٌ”. فالأمير هو الإمام وقد كانوا هم المفتين، والمأمور نائبه، والمتكلِّف غيرُهُهما، وهو الذي يتقلَّدُ تلك العهدة من غير حاجةٍ”[1].
فانظر كيف جعل الغزالي رحمه الله من أسّ مهامّ السلطان “سياسة الخَلْق وضَبطهم” بالفقه، بل سمّاه “قانونًا”. وهذا الضبط الذي تمارسه السلطة على المجتمع بالقانون هو من أهمّ جوانب نقد الدولة الحديثة لدى بعض المعاصرين، فهم يظنّون أنّ تدخّل الدولة في فرض القانون شيء حديث لم يعرفه المسلمون في تاريخهم مع الفقه والشريعة!
مع التأكيد مجدّدًا أنّنا لا نطابق هنا بين القانون الإسلامي المستند إلى الفقه والشريعة بوساطة الفقهاء وطريقة ضبط السلطان للمجتمع من جهة وبين القانون الحديث وطريقة ضبط الدول المعاصرة من جهة أخرى، لكن نوضّح أنّ الخصيصة التي يجدونها “حديثة” و”غربية” ومصادمة للشريعة، وهي تدخُّل السلطة لضبط المجتمع بالقانون، هذه الخصيصة ليست حديثة ولا غربية ولا مصادِمة للشريعة، بل هي من أسّ فهم الشريعة كما فهم الإمام الغزالي وغيره من الأئمّة الكبار.
ما أُهمِل في باب الفقهيّات: ثَلَمٌ في الدين وخَطْبٌ مدلهمّ!
أمّا النصّ الثاني للإمام الغزالي فهو يمثّل جوهر النقد الذي قدّمه لحالة علم الفقه في عصره، تحت باب “ما بُدّل من ألفاظ العلوم”، وكان اللفظ الأول هو “الفقه”. وهذا النقد مغايرٌ لتلك المقولات الاحتفائية التبجيلية تجاه التراث الفقهي، التي تجعل الفرق بين الفقه الإسلامي والقانون الحديث متمركزًا حول كون الفقه منظومة روحانية وأخلاقية وتربوية، بينما القانون الحديث أداة ضبط سلطوي تُفرض بالإكراه بلا دافع وجداني داخلي أو غايات تربوية.
قال الإمام الغزالي رحمه الله في “إحياء علوم الدين”:
“اللفظ الأول: الفقه؛ فقد تصرّفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عِللها واستكثار الكلام فيها وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشدّ تعمُّقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال: هو الأَفقه.
ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوّة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدّة التطلُّع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب. ويدلُّك عليه قوله تعالى: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (التوبة: 122). وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه، دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلَّم والإجارة؛ فذلك لا يحصل به إنذارٌ ولا تخويفٌ، بل التجرُّد له على الدوام يُقسّي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجرّدين له”[2].
وقال قبل ذلك في مقدمة الكتاب التي بيّن فيها الباعث على تأليفه وأقسامه:
“فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سمّاه الله سبحانه في كتابه فقهًا وحكمةً وعلمًا وضياءً ونورًا وهدايةً ورشدًا؛ فقد أصبح من بين الخلق مطويًّا، وصار نسيًا منسيًّا. ولمّا كان هذا ثَلَمًا في الدين مُلمًّا وخَطْبًا مدلهمًّا رأيتُ الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهمّا؛ إحياءً لعلوم الدين، وكشفًا عن مناهج الأئمة المتقدمين، وإيضاحًا لما هي العلوم النافعة عند النبيّين والسلف الصالحين، سلام الله عليهم أجمعين”[3].
ثم قال بعد كلام عن “رُبع العبادات” في الكتاب: “فأذكر فيه خفايا آدابها ودقائق سُننها وأسرار معانيها، ما يضطر العالم العامل إليه، بل لا يكون من علماء الآخرة مَن لا يطلع عليه، وأكثرُ ذلك ممّا أُهمل في فنّ الفقهيات”[4].
وتلك هي الزبدة: “وأكثر ذلك مما أُهمل في فنّ الفقهيات” كما قال رحمه الله، فهو يُقرّ بقصور كتب الفقه عن هذا الذي هو أساس طريق الآخرة، والذي نزعم اليوم أنّه قُصور خاص بقانون الدولة الحديثة. بل يرى الغزالي القصورَ القديم هذا “ثَلَمًا في الدين مُلمًّا وخَطْبًا مدلهمًّا”، أي أنّ هذا التراث الفقهي الذي نقتصر اليوم على مدحه ونتهيّب نقده كان فيه بعض عوامل تأخُّرنا وتخلُّفنا. وقد هبّ من علماء التراث الكبار – كالإمام الغزالي رحمه الله وغيره – من حمل على عاتقه مُهمّة التجديد بالعودة إلى الأصول، وهي ما كان عليه السلف المتقدّمون من الأئمة، باعتبارهم حملة النموذج المعياري المتوارَث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في فهمنا للدين وتفعيله في الواقع.
أورنكزيب عالِمكير ومركزية القانون والسلطة
إذا تقدّمنا لقرون عديدة بعد الإمام الغزالي، وقُبيل سطوع نجم الحداثة الأوروبية في بعدَيها السياسي والاجتماعي في القرن الثامن عشر، نجد أحد أئمّة المسلمين الذين تألّقوا في التاريخ السياسي والاجتماعي الإسلامي، وهو أعظم سلاطين المغول في الهند وما حولها، السلطان أبو المظفَّر محيي الدين محمد أورنكزيب عالِمكير (1027-1118 هـ) رحمه الله.
فقبل أن تتّجه أوروبا إلى تأسيس قانون مدني موحّد مع تجربة “قانون نابليون” عام 1804م، وحين كانت تعيش في ظلّ تعدديات قانونية في الدولة الواحدة (كالمحاكم الكنسية والعرفية والتجارية والمراسيم الملكية)؛ كان السلطان أورنكزيب عالمكير يؤسس لتجربة مميّزة في ذلك العصر، وهي توحيد المرجعية الفقهية/القانونية للقضاء والإفتاء في أرجاء سلطنته الواسعة، وذلك من خلال أمرِه بكتابة مدوّنة فقهية ضخمة ستكون مرجع القضاة والمفتين في مختلف أنحاء البلاد، وعُرفتْ لاحقًا باسم “الفتاوى الهندية” أو “الفتاوى العالِمكيرية” نسبة إليه.
في عام 1073 هـ عيّن السلطان أورنكزيب الشيخَ الفقيه نظام الدين البرهان فوري مشرفًا على كتاب فيه جميع الأبواب الفقهية ومستعينًا ببعض فقهاء الأحناف، ليكون هذا الكتاب الكبير مرجعًا سهلًا وموحّدًا للقضاة والمفتين. “وكان من أعظم مقاصده أن يتمّ بشكل نظامي ترتيبُ الآراء الفقهية الموثوق بها، التي جاء بها الفقهاء القدامى والمجتهدون السابقون، والتي كانت مبعثرةً ومشتّتة في العديد من الكتب الفقهية، وذلك لكي يمكن وضع مؤلَّف شامل ترجع إليه المحاكم والأفراد فيما يتعلّق بشؤون دينهم”[5].
فهذا الأمر الصادر عن رأس السلطة نوع من تنظيم السلطة للقانون وتوحيده، وهو شيءٌ ينسبه كثير من نقّاد الحداثة إلى تلك الحداثة الغربية، ويتحدّثون عن التراث الإسلامي كما لو كان نمطًا واحدًا عبر القرون، مغفلين تجربةً مثل هذه التجربة التي كانت تحمل الخصائص التي ينسبونها إلى الحداثة!
وليقرأ هؤلاء هذا النصّ الذي يؤكّد رسوخ تلك النزعة نحو مركزية القانون وتوحيده وارتباطه بالسلطة في دولة المغول المسلمين في الهند:
“وقد تميّز عهد الإمبراطور أورنكزيب في تاريخ الهند بإدارة قضائية وقانونية نزيهة، والإدارات التالية كانت الإدارات الرئيسة في الدولة:
- إدارة الخزانة العامة والإيرادات تحت إشراف الديوان العالي النفقات، وإدارة المحاسبة العسكرية تحت إشراف البكشي الإمبراطوري.
- الهبات الدينية تحت إشراف الصدر الأعظم، ويدخل تحت إشرافه أيضًا الإحسان والصدقات.
- القوانين المدنية والجزائية تحت إشراف كبير القضاة.
- مراقبة الأخلاق العامة تحت إشراف المحتسب.
- وفي نطاق الإدارة القضائية يُعتبر قاضي القضاة القاضي الأعلى، وكانت إدارة الولايات تسير على هذا النمط مع بعض التغييرات المحلية، ويروي المؤرّخون بأنّ الإمبراطور أورنكزيب كان في مناسبات عديدة ينتقد الأحكام الصادرة عن المحاكم والديار القضائية، وكان يشعر بأنّ بعض هذه الأحكام لا تلمّ إلمامًا كافيًا بالقوانين، وكان هذا – بالإضافة إلى الرغبة السائدة آنذاك – من الأسباب الرئيسة التي حملت الإمبراطور على تنفيذ مشروع جمع الفتاوى”[6].
ومن الواضح جدّا لمن يقرأ هذا الكلام في وصف تجربة “الفتاوى العالمكيرية” ونظام أورنكزيب القانوني والإداري أنّ كثيرًا مما ينسب إلى الحداثة كانت له تجلّيات شبيهة إلى حدّ كبير – مع الفارق – في بقاع أخرى من العالم الشرقي قبل تبلوره في الحداثة الأوروبية. وليس بالضرورة أن يكون كل شيء منتسب إلى التراث الإسلامي صحيحًا، فقد تكون لدينا ملاحظات على صنيع أورنكزيب هذا، ولكن من جهة أخرى لا ينبغي أن نغفل بأنّ السعي إلى “تقنين الشريعة” من خلال الدولة وخصوصا في باب الأحكام العامة هو جزء من التطوّر الطبيعي للبشرية، وليس أمرًا خاصًّا بالحداثة الأوروبية.
ولعلّ لحظة حكم أورنكزيب التاريخية كانت قد بلغت من النموّ الإداري والصعود الحضاري ما جعلها جاهزة لحدوث ذلك التنظيم القانوني، وإنْ كان قد حدّ من التعددية الفقهية إداريّا وقضائيّا ولم يُلغها تمامًا في الاختيارات الفردية. وكنتُ قد نوهّتُ في مقال سابق بأنّ المقارنة بين الدول الإسلامية تاريخيّا (من الأقدم إلى الأحدث) سيُطلعُنا على زيادة في منسوب التنظيم الإداري والتقنين وضبط مؤسسات الدولة لشؤون المجتمع وتنظيمها.
كل انحرافات الحداثة التي نقرّ بأنّها آفات مرجعها في الواقع إلى اتّباع الهوى، وإلى النزعات الإنسانية المتفلّتة التي ترجع إلى الإنسان من حيث هو إنسان مبتلى، جعل الله فيه هذه الشهوات ليصحّ الابتلاء. ومآل اتّباع الهوى والإعراض عن الوحي هو ما حدث للأقوام السابقين من هلاك وفناء وكوارث أخلاقية
النزعات الإنسانية ليستْ حكرًا على الحداثة
وهذا الذي نذكره من سعي السلطة نحو توحيد القانون والتدخّل فيه وعدم تركه لأفراد العلماء في المجتمع دون نظام جامع؛ ليس خاصًّا بالمسلمين فحسب، أي إنني لا أقول فحسب إنّ المسلمين سبقوا الأوروبيين في التقنين وضبط السلطة للحياة العامة من خلال الإدارات والمؤسسات، فليس هذا ما أحاول إيصاله ها هنا، ولكنْ ما أحاول إيصاله أنّ نسبة هذه الخصائص السياسية لدولة الحداثة الأوروبية فيه تجاهل لتاريخ البشرية وسذاجة (أو تعالٍ غربيّ) في فهم الإنسان ودوافعه.
لقد وضع حمورابي في بابل قبل نحو أربعة آلاف عام إحدى أقدم المدوّنات القانونية التي عُرفتْ باسم “شريعة حمورابي”، فقد جمع القوانين في مجموعة واحدة من القواعد الملزمة، ووحّد المعايير القانونية في مختلف مدن بابل وهو رأس السلطة، وجعل الدولة طرفًا مركزيّا في إقامة العدل. فهل كان حمورابي حداثيّا؟!
بل إنّ صحيفة المدينة المنوّرة نفسها تعتبر “وثيقة دستورية” فرضها الرسول صلّى الله عليه وسلّم (وهو رأس السلطة آنذاك) لتنظيم العلاقة والأحكام العليا بين الفئات المختلفة لمجتمع المدينة، ولتحديد حقوقهم وواجباتهم. ولم يكن خليفته الأول أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه هادمًا للتعددية الفقهية ولا للمرجعية المجتمعية للفقه (كما يروّج من قرأوا التراث بعين واحدة!) حين قاتل مانعي الزكاة ولم يقبل “التعددية المجتمعية” في هذا الشأن الفقهي القانوني، بل تدخّل باعتباره رأس السلطة في فرض “وحدة القانون” في شأن مالي، وقال كلمته الشهيرة: “والله لَأُقاتِلَنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم على منعها” (صحيح البخاري).
فهل كان على أبي بكر أن يقبل الأفهام المختلفة في شأن الزكاة المالي كي لا يكون “حداثيّا” يريد فرض هيمنة السلطة الواحدة في شأن فقهي قانوني؟! والمغالطة التي ارتكبها نقّاد الحداثة هؤلاء حين قارنوا مركزية القانون في دولة الحداثة بالتعددية الفقهية في التراث الإسلامي أنهم قارنوا بين أمرين غير متناظرين، والمقارنة تكون بين متناظرين، فالقانون المركزي الموحّد الذي تفرضه السلطة بالعنف في الدولة الحديثة هو أشبه – مع الفارق – بنظيره في التراث الإسلامي مِن مِثل فرض أبي بكر رضي الله عنه لشريعة الزكاة وعدم قبوله لأي تعدّدية في فهمها والتصرّف فيها.
أمّا التعددية الفقهية الاجتهادية المقبولة فهي ما لا يكون من اختصاص السلطة وإلزاماتها في الشأن العام، وهي من جنس رفْض مالك بن أنس رضي الله عنه طلبَ الخليفة العبّاسي أن يحملَ الناسَ على العمل بكتابه “الموطأ” (الذي تضمّن أحاديث وآثارًا وأحكامًا فقهية)، قائلا إنّ “أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اختلفوا في الفروع، وتفرّقوا في الآفاق، وكلٌّ عند نفسه مصيب” (رواه أبو نعيم في الحلية). مع أنّ نزوع الخليفة العبّاسي نحو الإلزام بنصّ واحد له دلالة قوية على دوافع مشتركة تتكرر عبر التاريخ في مختلف الحضارات، وليست بنت الحداثة حصرًا!
ونحن حين نتصفّح القرآن، نجده يذكر لنا بعض تلك الخصائص المنسوبة لدولة الحداثة، “الدولة الإله” كما يصفها كارل شميت في لاهوته السياسي، أي الدولة التي نازعت اللهَ سبحانه في سيادته. فالقرآن يقصّ علينا قصّة فرعون لنعتبر بها، فهو القائل: {يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38)، وهو القائل: {أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى} (النازعات: 24)، وهو القائل: {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر: 29). فقد نازع الله في سيادته سبحانه، وحصر الطاعة والتشريع في سلطته. بل وجدنا هذه النزعة العلمانية في فصل الدين عن الدولة موجودة لدى قوم شعيب عليه السلام حين قالوا له: {يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (هود: 87).
خاتمة
خلاصة ما أودّ التنويه إليه في هذا المقال أنّ كل انحرافات الحداثة التي نقرّ بأنّها آفات مرجعها في الواقع إلى اتّباع الهوى، وإلى النزعات الإنسانية المتفلّتة التي ترجع إلى الإنسان من حيث هو إنسان مبتلى، جعل الله فيه هذه الشهوات ليصحّ الابتلاء. ومآل اتّباع الهوى والإعراض عن الوحي هو ما حدث للأقوام السابقين من هلاك وفناء وكوارث أخلاقية وفساد كما قصّ علينا كتاب الله تعالى. وليس الغربيّون المعاصرون بمعزل عن ذلك كلّه، ولا هم صنف غريب عن الإنسان مذ كان. كما أنّهم ليسوا معزولين عمّا حدث من تطوّر وابتكارات وأعراف وممارسات في الحضارات السابقة لهم، بل استوعبوا ما فيها وبنوا عليه وطوّروا. هذه الحقائق البسيطة هي ممّا غاب عن نقّاد الحداثة الذين قرأوا التراث بغير أدواته الأصيلة، وتجاهلوا الطبيعة الإنسانية وعلائق المجتمعات البشرية ببعضها بعضًا، فاستبطنوا قطيعة وهمية بين الدولة الغربية الحديثة وما سبقها من تجارب جاهلية وغير جاهلية عبر التاريخ، كما لو كانت هذه الحداثة الغربية قد نشأت في “فقاعة” أوروبا دون أن تكون استمرارية لمعركة العقل والهوى والهدى والضلال منذ فجر الإنسانية من جهة، وخاضعة لدورة التأثُّر والتأثير مع الحضارات الأخرى من جهة ثانية. فخرجوا بنتائج قاصرة ناتجة عن قصور الرؤية الغربية وافتتانها بذاتها، وهي الرؤية التي حملوها معهم دون أن يدروا، وخضعوا للمركزية الغربية التي تنسب لنفسها أشياء وجدنا أصولها وتجلّياتها في تاريخ الأمم الأخرى!
[1] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، تحقيق: اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي (جدّة: دار المنهاج، 1440-2019)، 1: 201-202.
[2] الغزالي، إحياء علوم الدين، 1: 225.
[3] الغزالي، إحياء علوم الدين، 1: 172.
[4] الغزالي، إحياء علوم الدين، 1: 173.
[5] رفيق مليل الهندي، دراسة عن كتاب الفتاوى الهندية، مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية، العدد 98، ص 137.
[6] المصدر السابق، 138-139. وقد نقله الباحث عن كتاب “تاريخ أورنكزيب” للعلامة أحمد حسن الدهلوي.



