المقالات

رمضان شهر الفتوحات والإنجازات

يَعْتَقِدُ كثيرٌ من النَّاس أنّ شهر رمضان المبارك يجب أن يكون عطلةً عامّةً في بلاد المسلمين، لكنّهم ينقسمون إلى قسمين؛ القسمُ الأولُ يرى أنّ الإجازة في شهر رمضان من العمل والدراسة تُوَفِّرُ للمسلم طاقته ووقته ليستثمرهما في العبادة والطاعة، وهؤلاء على حقٍّ. أما القسم الثاني فيرى وجوب العطلة من الحياة كلِّها!

نعم… لا تعجب! فهؤلاء يظنُّون أنّ الصِّيامَ والامتناع عن الأكل والشّرب سيُوقِفُ حياتهم، وسيَقضِي على طاقاتهم، لذا ترى معظمهم ينامون طوال النّهار ويتهرّبون من المسؤوليات قدر ما يستطيعون إلى ذلك سبيلاً مهما صَغُرَت أو عَظُمت! ويَشطُّ بهم الأمرُ حتّى تراهم يترنّحون في نهار رمضان معتذرين بانخفاض الطاقة وقلة التركيز، لا سيما إذا كانوا من المُدَخِّنِينَ ومُدْمِنِي المُنَبِّهاتِ وعُشَّاقِ القهوة والشاي.

مَن أدركَ معنى الصِّيامَ وأثره في الفرد والمجتمع، يعرف جيداً أنّ شهر رمضان شهر الخير والبركات، لكن على الإنسان المسلم أن يعرف كيف يستثمر في نفسه وطاقته وعمله على اختلاف مجاله، فيكسب بذلك عمل الدنيا والآخرة بإخلاصِ النِّيّة في كل قولٍ وفعل، وبَذْلِهِ في سبيل الله إيماناً واعتقاداً. فإذا عَمِلَ دَعَا الله أن يُقَوِّيَهُ ويَتَقَبَّلَ منه سَعيَه نَحْوَ رزقه لِيُعِيلَ نفسه وعياله، وإذا درس أخلص الوجهة وطلب العون من ربّه ليعملَ بِعِلْمِهِ فيما ينفعُ ويُرضِي الله، فتتحوّل بذلك أعمال الدنيا إلى أعمال للآخرة، ويتضاعف الأجر بِحُرْمَةِ الزَّمانِ في شهر رمضان المبارك، فيفوز بذلك فوزاً عظيماً.

أمَّا عن موضوع الطاقة فقد أثبتت كثيرٌ من الدراسات العلمية في المجال الطبي والصحي أنّ الصِّيامَ مفيدٌ للصحة، ويساعد الجسم على التخلص من السموم المتراكمة فيه على مدار العام. ولا أظنّ أنّ أحداً اليوم لم يسمع بعد بتقنية الصيام المتقطع التي يعتمدها خبراء الصحة لمساعدة الناس الراغبين بتخفيف أوزانهم والحصول على أجسام صحية وسليمة قدر الإمكان.

الصِّيامُ مَنهجٌ حضاريٌّ

رمضان ليس موسم عزلةٍ عن النَّاس والمجتمع، وليس انقطاعاً عن الواقع، بل محطةٌ لتوليد الطاقة الإيمانية التي تدفع إلى العمل والإصلاح، وفرصةٌ لتجديدها. وقد شهد التاريخ الإسلامي أحداثًا عظيمةً في شهر رمضان المبارك، وهذا يدلُّ على أنّ الصِّيام لا يضعف إرادة الإنسانِ، بل يقويها، لأنَّه يُعيدُ ضَبْطَ إيقاع الحياة، وينقل الإنسان من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التشتت إلى التركيز، ومن الغفلة إلى الوعي.

يُعدّ شهر رمضان المبارك محطةً إيمانيةً عظيمةً في حياة المسلمين، فهو ليس شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن فحسب، بل هو شهر الإنجازات الكبرى والتحولات التاريخية الفارقة أيضًا. ففي هذا الشهر تتجدد العزائم، وتسمو الأرواح، وتتوحد القلوب على الطاعة والعمل، فيصنع المسلمون أروع صور البذل والعطاء، ويحققون انتصاراتٍ خالدة يُسَطِّرها التاريخ بأحرف من نور.

أحداث غيّرت مجرى التاريخ

لقد شهد رمضان أحداثًا عظيمة غيّرت مجرى التاريخ، وفي مقدمتها نزول القرآن الكريم في ليلة القدر، فقد جاء في سورة القدر/1 قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. كما قال الله تعالى في كتابه العزيز في سورة البقرة/185: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾.

 وبنظرة سريعة على مجريات التاريخ الإسلامي نتأكد أنّ شهر رمضان شهر الفتوحات والإنجازات، فالصيام لم يُوقِف الصحابة الكرام عن الإقدام نحو الغزوات بعزم وقوة وحماس، ففي شهر رمضان وقعت معاركُ فاصلةٌ كان لها أثرٌ بالغ في ترسيخ دعائم الأمة، مثل غزوة بدر التي مثّلت أول انتصارٍ حاسمٍ للمسلمين، وكذلك فتح مكة الذي كان تتويجًا لسنوات من الصبر والجهاد، وكذلك معركة عين جالوت التي أوقفت زحف التَّتارِ وحَمَتِ العالَمَ الإسلامِيَّ من خَطَرٍ دَاهِم.

إنّ رمضان شهر صناعة الرجال، وبناء القيم، وتجديد العهد مع الله، حيث تتضاعف فيه الطاقات، ويجتمع فيه صفاء الروح مع قوة الإرادة، فيتحول الصيام من عبادةٍ فردية إلى مدرسةٍ تربوية تُخرّج أجيالًا قادرة على صناعة المجد وتحقيق الإنجازات. ومن هنا، لم يكن رمضان شهر خمول أو تراجع، بل كان على الدوام شهر حركةٍ وعملٍ وعطاء، وشهر فتوحاتٍ وانتصاراتٍ غيّرت وجه التاريخ.

ما أهمّ الأحداث العظيمة التي جَرَت في شهر رمضان وغيرت وجه التاريخ الإسلامي؟

أوَّلاً: غزوة بدر في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة

تُعَدُّ غزوة بدر أول معركة كبرى بين المسلمين بقيادة النبي ﷺ وكُفّار قريش، انتصر فيها المسلمون انتصاراً مُؤزّراً على الرغم من قلة عددهم وعِدّتهم، فقد أنزل الله تعالى عليهم الصبر، وزوّدهم بالعزيمة، وأعانهم بجنود من الملائكة لم يَرَوها، فقد قال تعالى في سورة الأنفال/9-10: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقد أظهر المسلمون في نزالهم الكفارَ إقداماً وشجاعةً لا نظير لها على الرغم من صيامهم آنذاك، وفازوا فوزاً عظيماً بِمِصْداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الله عزّ وجلّ اطَّلع إلى أصحاب بدرٍ يومَ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم”.

وتؤكد المصادر التاريخيةأنّ معركة بدر تركت أثرًا كبيرًا في ترسيخ قوة الدولة الإسلامية الناشئة ومكانتها بين القبائل العربية في شبه الجزيرة العربية آنذاك، فقد كانت نقطة تحولٍ تاريخي، إذ دخل كثيرٌ من العرب في الإسلام لِمَا رَأَوْهُ من قوة شوكة المسلمين وتأييدهم من الله، فارتفع بذلك نجم الإسلام عالياً في سماء العرب، وتحولت الأنظار إليه. وقد سُمّيت معركة بدر بيوم الفرقان كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ الأنفال/ 41، لأنها فرقت بين الحق والباطل، وظهر المسلمون على الكفار بنصر وتأييد من الله عَزَّ وجلَّ.

ثانياً: فتح مَكَّة في اليوم العشرين من رمضان في العام الثامن للهجرة

دخلالنبي ﷺ والمسلمون إلى مكة فاتحين بعد نقض قريش لصُلح الحديبية، فحرروا البيت الحرام وطهّروه من الأصنام. وتذكر مصادر التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية أنّ فتح مكة كان محطةً فارقةً في توحيد الجزيرة العربية تحت راية الإسلام بدون قتال واسع، كما رَفَعَ فتحُ مكة رايةَ الإسلام التي تدعو إلى العفو والرحمة بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يكفّوا أيديهم وألا يقتلوا إلا من قاتلهم. وتذكر كتب السيرة النبوية أنه صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وطلب مفتاح الكعبة فأخذه ودخل الكعبة فصلى بها، وخطب في الناس وكان فيما قال صلى الله عليه وسلم: “يا معشر قريش ماذا تقولون؟ ماذا تظنون؟”، قالوا: نقول خيرًا ونظن خيرًا، نَبِيٌّ كريم، وأخٌ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء”. فخرجوا كأنهم بُعِثُوا ونُشِروا من القبور، فدخل كثيرٌ منهم في الإسلام.

ثالثاً: معركة عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان في سنة 658 للهجرة

انتصر فيها جيش المماليك بقيادة السلطان قطز والقائد المغوار الظاهر بيبرس على قوات المغول في بلاد الشام، وكانت تلك أول هزيمة كبرى للمغول في المنطقة. وكان أثر هذه المعركة عظيماً في تغيير مجرى التاريخ لأنها أوقفت زحف جيش المغول نحو المشرق الإسلامي، فبقيت بذلك المنطقة تحت سيطرة الحكم الإسلامي، ووُصف النصر آنذاك بأنه نقطة تحوّل كبرى في مواجهة الغزو المغولي.

وهناك بعض الأحداث والفتوحات التي يُذكَر أنها جرت في رمضان بحسب بعض المصادر، لكنْ هناك خلاف بين المؤرخين حول دقة التاريخ الهجري، كفتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد في سنة 92 هـ، إذ يُذكَرُ أنّ طلائع الجيش بدأت في شهر رمضان، وامتد الفتح لسنوات.

وغير ذلك من أحداثٍ وإنجازاتٍ مهمة، عسكرية وغير عسكرية، تؤكد أنّ رمضان شهرٌ للعمل والإنجاز والعبادة في آنٍ واحد. وليس شهراً للكسل والإجازة والإسراف في إرضاء شهوات النفس في المأكل والمشرب.

وختاماً تحضرني أبيات للرافعي عن شهر رمضان، يقول فيها مبتهجًا بقدومه:

فَدَيتُكَ زائِرًا في كُلِّ عَام

تُحيِي بِالسَّلَامَةِ والسَّلَام

وتُقبِلُ كالغَمامِ يَفِيضُ حِينَا

ويَبقَى بَعدَه أَثرُ الغَمام

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى