المقالات

“لغة القرآن يا شمس الهدى”

كيف أصبحت اللغة العربية الفصحى أداةً للهيمنة ثقافيًا

هل اللغة آليةٌ من آليات الهيمنة الثقافية؟

في الحديث عن الهيمنة الثقافية للّغة العربية الفصحى لا بدّ من الحديث عن الهيمنة الثقافية عامة، فاللغة العربية هي أداةُ الثقافة العربية والوسيلةُ الوحيدةُ للإحاطة بأكبرِ قدرٍ من النتاج العربي الثقافي.

“إنَّ الهيمنةَ الثقافيَّةَ تعني أنَّ المعاييرَ الثقافيَّةَ السائدةَ في المجتمع، والتي تفرضُها الطبقةُ الحاكمةُ –المهيمنةُ ثقافيًّا– يجبُ أن لا تُعتَبَرَ طبيعيَّةً أو حتميَّةً، ولكن يجبُ أن تكونَ معرفةً كونَها بُنى اجتماعيَّةً

يذهبُ المفكِّرُ الماركسيُّ الإيطاليُّ أنطونيو غرامشي (1937)، الذي يُعَدُّ من أبرزِ الفلاسفةِ السياسيِّين في القرنِ العشرين، وهو واضعُ نظريَّةِ الهيمنةِ الثقافيَّةِ المُعزِّزةِ لحضورِ الطبقةِ العاملةِ في المجتمع؛ يذهبُ إلى أنَّ فرضَ السلطةِ على مجتمعٍ متنوِّعٍ ثقافيًّا يبدأُ من السيطرةِ على معتقداتِه وقيمِه وأعرافِه، والتركيزِ على تبنِّي وجهةِ نظرٍ واحدةٍ تخدمُ التوجُّهَ السياسيَّ العام، بل تتبنَّاهُ أيضًا، إذ يقولُ:

 “إنَّ الهيمنةَ الثقافيَّةَ تعني أنَّ المعاييرَ الثقافيَّةَ السائدةَ في المجتمع، والتي تفرضُها الطبقةُ الحاكمةُ –المهيمنةُ ثقافيًّا– يجبُ أن لا تُعتَبَرَ طبيعيَّةً أو حتميَّةً، ولكن يجبُ أن تكونَ معرفةً كونَها بُنى اجتماعيَّةً، كالمؤسَّساتِ والممارساتِ والمعتقداتِ، إلخ”. 

ويعرِّفُ النمطَ السائدَ للمثقَّفِ فيقولُ: “إنَّ النمطَ التقليديَّ الشائعَ للمثقَّفِ يتمثَّلُ في الأديبِ، والفيلسوفِ، والفنَّانِ. لذلك، فإنَّ الصحفيِّين الذين يدَّعونَ أنَّهم أدباءُ وفلاسفةُ وفنَّانونَ يعتبرونَ أنفسَهم أيضًا المثقَّفينَ الحقيقيِّين”. 

يأخذُنا كلامُه هذا مجدَّدًا إلى اللغةِ وإن لم يتطرَّقْ إليها تطرُّقًا مباشرًا، فهي أداةُ المثقَّفِ الذي يعدُّ نفسَه حقيقيًّا في أيِّ مجتمعٍ ومع اختلافِ طبقاتِه الاجتماعيَّة، أليستِ اللغةُ أداةَ الأديبِ ووسيلةَ الفيلسوفِ وسلاحَ الصحفيِّ! بوصفِهم جميعًا بناةً للمجتمعِ، لا محضَ أصواتٍ متفرِّقةٍ لا نظامَ يجمعُها ولا أهدافَ توحِّدُ طريقَها.

أهمُّ ما يُحدِّثُنا عنه غرامشي في مسألةِ الهيمنةِ الثقافيَّةِ على مجتمعٍ ما هو الهيمنةُ بالإقناعِ لا بالقوَّةِ، بالسيطرةِ على القنواتِ الثقافيَّةِ والمفاهيمِ الفكريَّةِ التي تسودُ المجتمعَ، بعيدًا عن أساليبِ السيطرةِ العسكريَّةِ أو السياسيَّةِ بالقوَّةِ والجبرِ، وهنا منبعُ الذكاءِ في تشريبِ المجتمعِ أفكارًا تخدمُ السلطةَ فتفرضُ سيطرتَها بوساطتِها لأنَّها تبدو للجماهيرِ بديهيَّةً وطبيعيَّةً. ويبدأُ ذلك من السيطرةِ على المنابعِ والمؤسَّساتِ الثقافيَّةِ كوسائلِ الإعلامِ، والمؤسَّساتِ التعليميَّةِ، ونظامِ العدالةِ والقانونِ. 

كيف تجلّى البعدُ الثقافيُّ لهيمنةِ اللّغة العربية الفصحى على المجتمعات العربية والإسلامية

مِن المعلومِ أنَّ اللغةَ العربيَّةَ الفصحى هي وعاءُ العلومِ والآدابِ والفنونِ في المجتمعاتِ العربيَّةِ منذ العصرِ الجاهليِّ وحتَّى يومِنا هذا، فهي لغةُ الشعرِ والبلاغةِ، كما كانت لغةَ الطبِّ والفلسفةِ والفلكِ وغيرِ ذلك. والشاهدُ الأكبرُ على ذلك ازدهارُ الحواضرِ الإسلاميَّةِ كبغدادَ ودمشقَ والقاهرةِ وقرطبةَ بوصفِها مراكزَ إشعاعٍ حضاريٍّ متكاملٍ، وهذا ما منحَ الناطقينَ بها من العربِ والمسلمينَ شعورًا عارمًا بالانتماءِ إلى حضارةٍ جامعةٍ تتجاوزُ الانتماءاتِ والحساباتِ الضيِّقة. لم تقتصرْ هيمنةُ اللغةِ العربيَّةِ الفصحى على الدينِ والسياسةِ والاجتماعِ، فقد امتدَّت آفاقُها لتشملَ أبعادَ الثقافةِ والفنونِ والعلومِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ وتحيطَ بها بوصفِها الأداةَ الأوحدَ والأمثلَ، ما جعلَها ركنًا أساسيًّا من أركانِ الحفاظِ على التراثِ ونشرِ المعرفةِ. ففي العصورِ الإسلاميَّةِ المتقدِّمةِ، وخاصَّةً العصر العباسيِّ، إذ شهدت الحضارةُ الإسلاميَّةُ ازدهارًا علميًّا كبيرًا، وصارت العربيَّةُ الفصحى بفضلِ انتشارِ الترجمةِ وتشجيعِ الخلفاءِ؛ لغةَ العلومِ والفلسفةِ والطبِّ والفلكِ… إلخ. فكتب ابن سينا وابن رُشد وأعمالُ الخوارزميِّ كُتبت بالعربيَّةِ الفصحى، ونُقلت عبرَ التاريخِ إلى الأجيالِ اللاحقةِ، فاجتازت اللغات بالترجمة، وعمَّقت حضورَ العربيَّةِ بوصفِها لغةَ العلمِ والعلماءِ. 

“العربيَّةُ الفصحى كانت وعاءَ العلومِ والآدابِ والفنونِ منذ العصرِ الجاهليِّ، وازدهرت في الحواضرِ الإسلاميَّةِ فصارت لغةَ الثقافةِ والعلمِ والفلسفةِ، ووسيلةً لنقلِ المعارفِ وتطويرِها، حتى غدت حجرَ الزاويةِ للنهضةِ العلميَّةِ في العالمِ الغربيِّ.

وزادت هيمنتُها بالتزامنِ مع تسارعِ عجلةِ الترجمةِ آنذاك، من اللغاتِ اليونانيَّةِ والفارسيَّةِ والهنديَّةِ إلى العربيَّةِ، فصارت العربيَّةُ الفصحى بذلك لغةَ الثقافةِ وموئلَ العلماءِ وأصحابَ الفنونِ والآدابِ، وصارت وسيلةً لنقلِ العلومِ والمعرفةِ وتطويرِها، ما جعلَها الوعاءَ الذي احتوى تلك المعارفَ العميقةَ التي شكَّلت حجرَ الزاويةِ للنهضةِ العلميَّةِ في العالمِ الغربيِّ فيما بعد.

هيمنة العربية الفصحى على الشعر والشعراء

لا تذكر كتبُ التاريخِ والأخبارِ والأدبِ القديمةُ أيَّ حضورٍ للهجات في لغةِ الشعر وما نقلوه إلينا من أشعارٍ، فالفصحى كانت الأداةَ والوعاءَ الأوحدَ الذي استوعبَ فرائدَ الشعراءِ، وما فاضتْ به قرائحُهم من إبداعٍ وبيانٍ وجمالٍ أخّاذٍ سلبَ العقولَ على مرِّ العصورِ والأيّامِ. إذ كانت الفصحى هي اللغةَ الأساسيّةَ في الأدبِ والشعرِ القديمِ من الجاهليّةِ حتّى العصرِ العبّاسيِّ والأندلسيِّ وظهورِ فنِّ التوشيحِ وكتابةِ الزجلِ، ذكرَ ابن خلدون ذلك في مقدّمتِه الشهيرةِ وتحدّث عن استخدامِ اللهجاتِ في الشعرِ، فقال: “لمّا شاعَ فنُّ التوشيحِ في أهلِ الأندلسِ، وأخذَ به الجمهورُ لسلاستِه وتنميقِ كلامِه وترصيعِ أجزائِه، نسجتِ العامّةُ من أهلِ الأمصارِ على منوالِه، ونظموا في طريقتِهم بلغتِهم الحضريّةِ من غيرِ أن يلتزموا فيه إعرابًا، واستحدثوا فنًّا سمَّوه بالزجلِ، والتزموا النظمَ فيه على مناحيهم إلى هذا العهدِ فجاؤوا فيه بالغرائبِ واتّسعَ فيه للبلاغةِ مجالٌ، بحسبِ لغتِهم المستعجمةِ”. 

وعن عنايةِ العربِ بمعانيها كعنايتِها بألفاظِها وأساليبِها اللغويّةِ يقولُ ابنُ جنّي في كتابِ الخصائصِ: “إنَّ العربَ؛ كما تُعنى بألفاظِها؛ فتصلحُها، وتهذّبُها، وتراعيها، وتلاحظُ أحكامَها؛ بالشعرِ تارةً، وبالخطبِ أخرى، وبالأسجاعِ التي تلتزمُها، وتتكلفُ استمرارَها؛ فإنَّ المعاني أقوى عندَها، وأكرمُ عليها، وأفخمُ قدرًا في نفوسِها. فعنايةُ العربِ بالألفاظِ إنّما تكونُ من أجلِ المعاني، لأنَّ المعاني عندَها أكرمُ وأفخمُ، وأجلُّ قدرًا من الألفاظِ، ولما كانت الألفاظُ عنوانَ معانيها وطريقَها إلى إظهارِ أغراضِها ومراميها، أصلحوها، ورتّبوها وبالغوا في تحبيرِها، وتحسينِها، ليكونَ ذلك أوقعَ في السمعِ، وأذهبَ بها في الدلالةِ على القصدِ”. 

يؤكّدُ بذلك عنايةَ العربِ باللغةِ وإدراكَهم لأهميّتِها ووعيَهم بتأثيرِها في المستمعينَ، ومن هنا جاءتْ عنايتُهم بالمعاني ثمَّ بالألفاظِ التي تحملُ دلالاتِها، فتؤثّرُ في المتلقّينَ ببلاغتِها وقوّةِ أدائِها وإصابةِ جوهرِها. 

أسهمَ الأدبُ العربيُّ في تشكيلِ الذوقِ الثقافيِّ العامِّ للمجتمعاتِ العربيّةِ والإسلاميّةِ، فما نجدهُ في الأدبِ والشعرِ العربيِّ على حدٍّ سواءٍ من تعزيزٍ للقيمِ الإنسانيّةِ وتكثيفٍ لحضورِها، كالحبِّ، والحكمةِ، والشجاعةِ والكرمِ وإغاثةِ الملهوفِ، جعلَ العربيّةَ الفصحى لغةَ التواصلِ الثقافيِّ والأخلاقيِّ بين الشعوبِ العربيّةِ والإسلاميّةِ، فقد تطوّرتْ أغراضُ الشعرِ العربيِّ ليشملَ موضوعاتٍ جديدةً مثلَ الفلسفةِ والعلومِ، وشهدَ النثرُ العربيُّ كذلك تطوّرًا كبيرًا، فظهرتْ فنونٌ جديدةٌ مثلَ الخطابةِ والرسائلِ الأدبيّةِ، ما أسهمَ في إثراءِ الثقافةِ العربيّةِ وتعزيزِ حضورِ الفصحى وهيمنتِها على الأدبِ خاصّةً والثقافةِ عامّةً. 

كانت الفصحى الأداةَ والوعاءَ الأوحدَ للشعرِ والأدبِ العربيِّ، من الجاهليّةِ حتى الأندلسِ، وظلّت عنوانَ المعاني ووسيلةَ البلاغةِ، فأثرتْ في الذوقِ الثقافيِّ العامِّ، ورسّخت حضورَها وهيمنتَها على الأدبِ والثقافةِ العربيّةِ والإسلاميّةِ

أضفْ إلى ذلك دورَ المؤسّساتِ الثقافيّةِ والمكتباتِ العامّةِ آنذاك في تثبيتِ حضورِ الفصحى واعتمادِها قالبًا ثقافيًّا يحملُ الفكرَ والعلمَ والأدبَ بين ذراعيه، وينشرُ المعرفةَ بين العامّةِ والخاصّةِ على حدٍّ سواءٍ، نذكرُ على سبيلِ المثالِ بيتَ الحكمةِ في بغدادَ، إذ اعتمدت العربيّة الفصحى لغةً للكتابةِ والتوثيقِ والترجمةِ. 

من اللافتِ أنّنا لا نجدُ فيما مضى كتابًا علميًّا أو فكريًّا ثقافيًّا يعتمدُ اللهجات العاميّةَ، فاللغةُ العربيّةُ الفصحى كانت الخيارَ الوحيدَ لنسجِ الثقافةِ العربيّةِ الإسلاميّةِ، لكن هل استمرَّ الأمرُ كذلك فيما بعدُ؟ 

هل لهيمنة اللغة العربية الفصحى دور في ظهور الشعوبية وتوسعها؟

الشعوبيَّةُ في حقيقتِها حركةٌ تُبغضُ العربَ وتُفضِّلُ العجمَ كما جاءَ في تعريفِ القرطبيِّ لها، وقالَ الزمخشريُّ في أساسِ البلاغةِ: في تعريفِ الشعوبيِّينَ: “هم الذين يُصغِّرونَ شأنَ العربِ ولا يرونَ لهم فضلًا على غيرِهم”. فهي باختصارٍ كما جاءَ في الموسوعةِ البريطانيَّةِ “كلُّ اتجاهٍ مناوئٍ للعروبةِ”. وقد ظهرتْ هذه الحركةُ منذ العهدِ الأمويِّ، لكنَّها انتشرت كالنارِ في الهشيمِ في العصرِ العباسيِّ، وخاصَّةً في خلافةِ الأمينِ والمأمونِ والمعتصمِ؛ أبناء هارونَ الرشيدِ من أمَّهاتٍ ذواتِ أعراقٍ مختلفةٍ. 

والحقيقةُ أنَّه مذْ بدأتِ الفتوحاتُ الإسلاميَّةُ بالتوسُّعِ ظهرتْ بوادرُ الشعوبيَّةِ، ويُعدُّ كتابُ البيانِ والتبيينِ للجاحظِ أقدمَ الكتبِ التي حملتْ إلينا حديثًا دقيقًا عن مصطلحِ الشعوبيَّةِ، وأصلِ الكلمةِ وأنَّها مُشتقَّةٌ من كلمةِ شعبٍ، وجمعُها شعوبٌ، وتدلُّ على ما هو أوسعُ من كلمةِ القبيلةِ التي كانتْ معتمدةً لدى العربِ حينذاك. 

نعودُ لنسألَ: هل لهيمنةِ اللغةِ العربيَّةِ الفصحى دورٌ في ظهورِ الشعوبيَّةِ وتوسُّعِها؟ 

قد يبدو الجوابُ بسيطًا، لكنَّه يُعكسُ قدرةَ العربيَّةِ الفصحى وتمكينَها على مواجهةِ مثلِ هذه الحركةِ والصمودِ في وجهِها، فقد استطاعتِ العربيَّةُ الفصحى على امتدادِ الزمنِ، وتقادمِ الأهوالِ التي اعترت الوجهَ الثقافيَّ للدولةِ الإسلاميَّةِ؛ أن تصمدَ وتحافظَ على رسوخِها بوصفِها لغةً رسميَّةً للدولةِ مهما تعدَّدت أعراقُ السيطرةِ واختلفت أوجهُها. وما كانَ ثباتُها إلَّا انعكاسًا لحفظِها السماويِّ أوَّلًا، ووعي معظم القادةِ والسياسيِّينَ والمفكِّرينَ والعلماء والأدباء لدورِها وحضورِها، وما تُمثِّلُه من حافظٍ حيٍّ للتراثِ والتاريخِ، وما تُؤدِّيه من دورٍ فعليٍّ في تثبيتِ أركانِ حضارةِ الدولةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ. ما أدَّى إلى هيمنتِها وبقائِها راسخةً كالجبالِ على الرغمِ من عواصفِ الدهرِ ونوائبِ الزمانِ. 

لغةُ القرآنِ يا شمسَ الهدى 

صانك الرحمنُ من كيدِ العِدى 

هل على وجهِ الثرى من لغةٍ 

أحدثتْ في مسمعِ الدهرِ صدى 

هل ما زالت الفصحى تهيمن على الثقافة في عصرنا الحالي؟

تعالتْ في الزمنِ الماضي القريبِ أصواتٌ تدعو لإحلالِ العاميَّةِ محلَّ الفصحى في الكتابةِ والتَّواصلِ، وذلك أمرٌ عجيبٌ حقيقةً حينَ يصدرُ من أبناءٍ يُحسبونَ على العربيَّةِ نفسِها! فقد تبدو مثلَ هذه الدعواتِ بَيِّنَةَ الغرضِ حينَ تصدرُ عن مستشرقينَ ولغويِّينَ حَداثيِّينَ ضلَّتْ نُوقُهم طريقَها وتعثَّرتْ حتَّى وجدوا أنفسَهم في قاعٍ من سرابٍ لا يَلْوُونَ على شيءٍ سوى بِدْعةِ التفرُّدِ والابتكارِ من العدمِ! 

يتساءلُ المرءُ وهو يرى مثلَ هذه الدعواتِ تصدرُ عن كُتَّابٍ ومثقَّفينَ: ما الدافعُ وما الأسبابُ؟ وعلى اختلافِ الإجاباتِ وتنوُّعِها بين مُدَّعٍ صعوبةَ العربيَّةِ ووعورتَها، وداعٍ للتسهيلِ والتقريبِ؛ نجدُ أنفسَنا أمامَ عقوقٍ لغويٍّ، ومحاولاتٍ ترمي إلى تقويضِ الوحدةِ العربيَّةِ، وخلخلةِ اللسانِ المشتركِ، وزعزعةِ الهويَّةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ المشتركةِ. 

فما تزالُ العربيَّةُ الفصحى على الرغمِ من الدعواتِ والمحاولاتِ البائسةِ التي تهدفُ إلى تنحيتِها؛ ثابتةً بجذورٍ عميقةٍ، باسقةً شامخةً بأغصانٍ متراميةٍ وملتفةٍ، تهمسُ في أذنِ السحبِ أنْ لا زوالَ، ولا تراجعَ عن عرشِ اللغاتِ. وستبقى العربيَّةُ الفصحى وفقًا للواقعِ الحاليِّ لغةَ الثقافةِ والرقيِّ والحضارةِ مهما تقادمَ الزمانُ. وكثيرٌ من أبنائِها يتمثَّلُ قولَ الشاعرِ إبراهيمَ طوقانَ: 

حنوتُ عَلى أُمِّ اللُغاتِ فَصُنتها 

وَكُنتُ لَها الصرحَ المَنيعَ الممرَّدا 

فَيا لُغتي تيهي بجبرٍ عَلى اللُغى 

وَيا وَطَني ردِّد بآثارِه الصَدى 

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى