المقالات

غزو العولمة أم عولمة الغزو؟

بقلم أ. د. محمد صلاح غانم

مقدمة

سعت الحملات الاستعمارية على مر العصور إلى محاولة قهر الشعوب المستعمرة من خلال القوة العسكرية الغاشمة. وبمرور الزمن، امتزج العمل العسكري بالغزو الثقافي لتحقيق الأهداف الاستعمارية، وهو الأمر الذي تبلور مع بدء الحملة الفرنسية على مصر، مستهدفةً تصفية العقول والأفهام، لتحقق تبعية الشعب للغزاة. واستمر الحال على هذه الوتيرة إلى أن أدركت الدول الاستعمارية الكبرى أن الغزو الثقافي والفكري أشدُّ وطأةً على الشعوب من الغزو العسكري، لأنّ الهزيمة الفكرية والثقافية تدفع الأمة المهزومة –وبمحض إرادتها- نحو السير في ركاب الغزاة، دونما محاولةٍ للفكاك من براثن الأغلال الفكرية والثقافية. بل

إن الأمة المهزومة ثقافياً ربما ترى الخلاص في التقيد بالأغلال الفكرية للغزاة، وتعمل للترويج الفكري للغزاة بين الأمم الأخرى.

 الغزو العسكري والتحول إلى الغزو الثقافي

لقد تزايدت موجات الغزو الثقافي والفكري في عالمنا المعاصر بسبب ذوبان الحدود الدولية السياسية والحواجز الجغرافية تحت وطأة ما يشهده عالمنا المعاصر من ثورةٍ هائلةٍ في مجال تكنولوجيا الاتصالات، والتي أبدعت إنساناً جديداً ذا هوية عالمية. لقد تم –وبامتياز- طمس الهوية المحلية للتجمعات البشرية لصالح هويةٍ كوكبيةٍ متعددة الروافد، في ظلّ وطنٍ كبيرٍ أوحد، وحضارةٍ واحدةٍ، يسمونها الحضارة العالمية المعاصرة، والتي تؤمن بتبنّي نمطٍ فكريٍ ثقافيٍ واحدٍ، يحيل سكان الكرة الأرضية إلى نماذج فكرية وثقافية متجانسة ومكررة، ناتجة عن قوالب العولمة.

وتمثل العولمة إحدى أبرز التحولات التي يشهدها عصرنا الحديث، حيث امتدت موجاتها لترتطم بمختلف صخور الواقع المعاش، وتترك آثارها الواضحة على مختلف جوانب المشهد البشري المعاصر، بالقدر الذي أثّر في إدراك الإنسان المعاصر وإحساسه بالهوية الثقافية، مما أضفى تغيّراتٍ جذرية على التجربة الثقافية، وفقاً للتحولات التي يشهدها العصر.

العولمة وتذويب الهوية المحلية

لقد أصبح العالم -بما يحويه من نماذج مجتمعية- بمثابة منتدى عالمي لحضارات متمايزة تلتقي فيما بينها بحثاً عن هويةٍ مشتركةٍ جديدةٍ على حساب الهويات المتعددة، حيث تذوب القوميات، وتتلاشى الخصوصيات، وتتزايد التبعية في ظل التهافت المفضوح خلف المتبوع العالمي المعلوم للقاصي والداني، وليأتي الدور -إن عاجلاً أو آجلاً- لهيمنة هذا المتبوع على المقدرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشعوب الكرة الأرضية جمعاء.

إنّ المجتمعات الحديثة –ولا شك- هي مجتمعات متنقلة بالدرجة الأولى، إذ لا يعتمد مستوى ثبات المجتمع واستقراره على مدى قدرته على التقوقع والتمركز المكاني كما كان الحال في العصور السحيقة. فلا يمكن تصور مقدار الديناميكية التي يجب أن يكون عليها المجتمع المعاصر إذا ما أراد أن ينخرط في النظام العالمي الجديد، وهي الديناميكية التي تحقق مستويات قصوى من التقارب من خلال الانتقال الفعلي والافتراضي عبر المسافات.

لقد قامت ديناميكية الفكر البشري منذ انخرط الإنسان في مجتمعاتٍ بشريةٍ على التعدّدية الثقافية الناتجة عن تعدّدية روافد التجربة الثقافية، مما أدّى –عبر العصور- إلى تمايز التجارب الثقافية للمجتمعات المتوازية، بالقدر الذي يسمح بمدّ جسور التلاقي فيما بينها، للخروج بنموذجٍ حضاريٍ مركزٍ، يتألف من مزيجٍ من العقائد والأعراف والتقاليد والقيم والمذاهب المبدئية والفلسفية، والتي تعبر عن اللحظة الثقافية الفارقة التي يحياها الإنسان في ظلّ هويته.

واستمر التنوع الثقافي والتعددية الثقافية التي تميز كل مجتمع بشري عن غيره من المجتمعات البشرية الأخرى المتقاطعة معه عبر الزمان والمكان في دفع عجلة الحضارة البشرية نحو التقدم إلى أن امتدت يد العولمة لتمسك بالخيوط كافة، في محاولة منها لتجفيف مختلف روافد الحضارة البشرية المتنوعة، بحيث يسير نهر البشرية من المنبع إلى المصب دون أن يغذيه رافد، أو يعترضه جندل.

التعليم والإعلام كأدوات للغزو الفكري

لقد طالت يد الغزو الثقافي والفكري عقل الإنسان المعاصر منذ بدايات تكوينه، وذلك من خلال التدخل السافر في مناهج التعليم تحت مسميات عدة مثل: تطوير المناهج وجودة التعليم.

إنه السم في العسل. فما أروع التطوير وما أفضل الجودة إن كانت واقعاً حقيقياً، وليست خارطة طريقٍ نحو السقوط في هوة الغزو الثقافي العميقة.

كما أمسكت يد الغزو الثقافي بتلابيب الإنسان المعاصر أينما كان من خلال الغزو الإعلامي، مخترقةً جميع متاريسه وحواجزه المنيعة، حتى أنها بدأت في تغريب الإنسان المعاصر من خلال التشكيك في ثوابته العقائدية والحضارية والمجتمعية، وفق استراتيجياتٍ منظمةٍ طويلة الأجل لا تكلُّ ولا تملُّ، اعتماداً على مجموعةٍ من العملاء المجندين الذين تلونوا بلون دعاة الغزو الثقافي والحضاري، وسبّحوا بحمد الغزاة، وانطلقوا ليبثوا سموم العولمة المدعاة بين أبناء جلدتهم، وليخترقوا المجتمعات البشرية كمرضٍ خبيثٍ لا فكاك منه، مستندين إلى أساليب إقناعية قائمة على التشكيك في الثوابت واختراق التابوهات المجتمعية، في محاولة واضحة لقولبة القوانين المنظمة للمجتمع، وصولاً إلى القولبة المجتمعية المستهدفة، حيث تستقيم الحياة الاجتماعية والثقافية وفق نموذجٍ عالميٍ واحد.

إنّ المتتبع لتطورات الغزو الثقافي والفكري سيلحظ –دونما شك- تخبّط إنسان القرن العشرين بين مختلف منصات الغزو الفكري الوجودية والماسونية والاشتراكية والماركسية والإمبريالية الرأسمالية وغيرها، حتى لقد ضاعت جهود الغزاة وتبددت، ما أوجد ضرورةً ملحّةً لأن تتضافر جهود القوى العظمي لصياغة وفتل قيد حديدي جديد واحد يستحيل كسره. ومن هنا جاءت فكرة العولمة كطريقٍ واحد، وكمنصةٍ واحدةٍ يصطف الجميع أمامها -فرادى وجماعات- وفق سياسة القطيع السائر في مرعى العولمة، رافعاً شعاره المقدس: “من ليس معنا فهو ضدنا”.

لقد أصبح الغزو الفكري والثقافي حقيقةً لا مراء فيها ولا جدال، حيث دنّس قدسية كل مقدس، وطال طهارة كل طاهر، وقفز عبر أسوار الخصوصية الثقافية المنيعة للمجتمعات المعاصرة

على اختلافها، متخفياً خلف قناع العولمة. وعليه، أصبحت المواجهة قدراً حتمياً لمن أراد المواجهة، وأصبح الركوع والخنوع والاستسلام بديلاً آخر، حيث لا بديل ثالث. وأصبح تمسك المجتمعات –ولاسيما تلك التي لها خصوصية وهوية متفردة كمجتمعاتنا العربية- بحبل متين من العادات والتقاليد والموروثات والمعتقدات هو المخرج والملاذ والمنفذ والمهرب من مقصلة الهوية، إيماناً بأن التطور لا يأتي بمردود ناجع إلا في ظل وجود خصوصية حضارية، حيث لا تنغلق المجتمعات على نفسها، ولا تتحودب على ذواتها، وإنما تنفتح على الآخر، وفق شروط ومعطيات تسمح بالتفاعل، ولا تقبل الذوبان والتلاشي.

  • ويظل السؤال مطروحاً، هل نحن بصدد غزوٍ ثقافي وفكري تحت مسمى العولمة؟
  • أم أنّ الغزو الثقافي والفكري أصبح منهجاً عالمياً يحظى بالقبول تحت مسمى العولمة؟
غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى