أفكار الكبار

شروط النهضة-(الدورة الحضارية)

كيف تنشأ الحضارة، وكيف تنمو؟

هل تدوم أم تهوي آفلةً بعد سطوعٍ؟

يعبر المنطق التاريخي عن سيرة أي حضارة على أنها دورة تشبه دورة حياة الكائن الحي، لحظة انبثاق وميلاد ونمو سريع، ثم قوة وتمكن ثم شيخوخة وترهل وأفول إلى الزوال. وإذا كانت لحظة الانبثاق وميلاد الحضارة ونهضتها لا تكون إلا بشروط وقواعد وسنن ثابتة فكذلك لا تخرج ديمومتها عن هذه السنن.

الحضارة ليست نتاجًا عشوائيًا، بل ثمرة تفاعلٍ واعٍ بين عوامل ثلاثة هي الإنسان، التراب، والوقت. ، وسقوطها يبدأ حين يفقد الإنسان باعثه الروحي والعقلي، فيتحول إلى “إنسان النصف”

وتُعدّ قضية النهضة من أهم القضايا التي شغلت المفكرين والمصلحين عبر التاريخ، إذ ترتبط بمصير الأمم وحضورها في دورة الحضارة. وقد تناول المفكر الجزائري مالك بن نبي هذه القضية بعمق وتحليل منهجي، طارحًا رؤيةً متكاملةً لنهضة المجتمعات الإسلامية، تقوم على عناصر أساسية ثلاثة هي الإنسان، التراب، والوقت، مع شرطٍ جامعٍ هو الفكرة الدينية التي تمنح هذه العناصر روحًا ومعنى.

لقد رأى بن نبي أنّ الحضارة ليست نتاجًا عشوائيًا، بل ثمرة تفاعلٍ واعٍ بين هذه العوامل الثلاثة، وأنّ سقوطها يبدأ حين يفقد الإنسان باعثه الروحي والعقلي، فيتحول إلى “إنسان النصف” الذي يعيش على هامش الفعل ويعطل مشاريع النهوض من الداخل. ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة شروط النهضة في فكر مالك بن نبي، لفهم كيف يمكن للأمة أن تستعيد دورها الحضاري، وتكسر دائرة العجز المكتسب، وتعود إلى ساحة التاريخ فاعلةً لا منفعلة، وهي تملك فرصة العودة لامتلاكها المكنون الحضاري والجذوة التي لا تنطفئ.

ولن تجد لسنة الله تبديلا

وتبدأ الرحلة بتحديد موقعنا في مسار التاريخ، والوقوف عند العوامل التي تصنع النهضة أو تؤدي إلى السقوط في حياتنا المعاصرة وإدراك حقيقة أن قيمة النهضة لا تتحقق إلا إذا كان الوسط الاجتماعي مهيأً لها، قادرًا على استقبال عوامل التقدم وصونها.

وإدراك أنّ الأمم تتعرض لكوارث تُزيحها عن طريقها، وذلك جزءٌ من سنن التاريخ، فالأيام دول، والتدافع قائم إلى يوم القيامة.

«ونحن نجد مثلها في الكارثة التي أصابت العالم الاسلامي في واقعة صفين فأخرجته من جو المدينة الذي كان مشحوناً بهدى الروح، وبواعث التقدم، إلى جو دمشق حيث تجمعت مظاهر الترف، وفتور الايمان»[1]

تسير الحضارة كالشمس، تشرق في مكان وتغيب في آخر، ولا يمكن لأحدٍ أن يوقف حركتها أو يعطل مسارها. والزاد الحقيقي نحو الحضارة هو المبدأ الذي ينطلق منه الإنسان في بناء مشروعه التاريخي.

ونجد في القرآن الكريم النصّ المبدئي للتاريخ التكويني، حيث يؤكد أنّ الله تعالى لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم. فالحضارة تسير كالشمس، تشرق في مكان وتغيب في آخر، ولا يمكن لأحدٍ أن يوقف حركتها أو يعطل مسارها. والزاد الحقيقي نحو الحضارة هو المبدأ الذي ينطلق منه الإنسان في بناء مشروعه التاريخي. فعند نقطة الانطلاق، لا بدّ من نسخ القيم الراسخة في الوعي الجمعي لتتحول إلى فعل حضاري حيّ.
وليس أمامنا في هذا الطريق سوى العوامل الثلاثة الكبرى: الإنسان بما يحمل من إرادة، والتراب بما يوفر من موارد، والوقت بما يتيح من فرص، وهي مجتمعة تشكل قاعدة النهضة ومفتاح استمرارها

أثر الروح في انبعاث الحضارة

إنّ الروح هي الشرارة الأولى لانبعاث الحضارة، والدين يمثّل المبعث الأعمق الذي يطلق دورة التاريخ الحضاري. فكلُّ حضارةٍ تبدأ بظهور فكرةٍ دينيةٍ تُلهم الإنسان وتمنحه المعنى والاتجاه، ثم ما تلبث أن تدخل مرحلة الأفول حين تغلب عليها جاذبية الأرض، فتفقد روحها أولًا ثم عقلها. وعندما تُهمل الحضارة باعثها الروحي والعقلي، فإنها تهوي سريعًا إلى حالة من البدائية. وهذه قاعدةٌ تاريخيةٌ لم تشذْ عنها أمةٌ من الأمم عبر العصور.

– حضارة المايا في أمريكا الوسطى، التي قامت على منظومة دينية قوية مرتبطة بالكون والطقوس، لكنها انهارت حين تفككت الروابط الروحية وتفاقمت الأزمات المادية والسياسية.

– حضارة السند القديمة، التي اعتمدت على طقوس دينية وتنظيم اجتماعي، لكنها انهارت مع تفشي الأمراض وتراجع الروح الجماعية.

– شعوب بويبلو القديمة في أمريكا الشمالية، حيث أدت الاضطرابات الدينية والسياسية إلى انهيار مجتمعهم رغم بدايته الروحية.

– الإمبراطورية الرومانية، التي انطلقت بفكرة دينية وثنية جامعة، ثم فقدت تماسكها الروحي والعقلي مع تغلب المادية والترف، حتى انهارت نهائيًا عام 476م.

– انهيار الإمبراطورية الفارسية (الساسانية) التي بدأت من منظومة دينية قوية (الزرادشتية) منحتهم وحدةً روحيةً وأخلاقيةً، وكانت أساسًا في تنظيم المجتمع والدولة. ومع تغلب المظاهر المادية والترف على المجتمع والنخبة الحاكمة ضعفت الروح الدينية وتفككت البنية العقدية وأمست الامبراطورية مترامية الأطراف عاجزةً عن مواجهة التحديات، فانهارت سريعًا أمام الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي.

–  الحضارة الإسلامية بعد واقعة صفين ليست كما قبلها، حيث تراجع البعد الروحي لصالح المناكفة السياسية والترف، مما أدى إلى انقسامٍ داخليٍ أضعف مسارها الحضاري، مع بقاء باعثها الروحي، والمكنون الحضاري، الأمر الذي أهّلها لإعادة الإنتاج والانطلاق في مكان آخر، ثم في مكان آخر… وهكذا لم تنطفئ جذوتها بفعل الزيت الذي يغذي سراجها.

الدورة العامة للحضارة

إنّ الروح هي الباعث الأول للنهضة، يتبعها توهج العقل الذي يمنح الحضارة قدرتها على البناء والازدهار، ثم يأتي طور الركون إلى المدنية الأرضية حيث يغلب الترف والمادة. وعندما يأفل العقل والروح معًا، تهوي الحضارة إلى البدائية.

  1. طابع الروح الباعث للنهضة
  2.  ثم توهج العقل
  3.  ثم نشأة حضارة وازدهارها
  4.  رثم كونٌ إلى المدنية الأرضية
  5.  ثم أفول العقل والروح
  6. ثم السقوط إلى البدائية.

ويقرر التاريخ أنّ الحضارة تولد مرتين: الأولى عند ميلاد الفكرة، والثانية عند تسجيل هذه الفكرة في النفوس ودخولها حيّز الأحداث. وهكذا تمر الحضارة بأطوارٍ ثلاثة:

  1. الطور الروحي الباعث
  2.  الطور العقلي
  3.  الطور الأرضي المادي.

والوسيلة إلى النهضة تبقى متاحةً ما دامت هناك فكرةٌ دينيةٌ قادرةٌ على أن تؤلف بين العوامل الثلاثة الكبرى: الإنسان، والتراب، والوقت. وهنا يبرز المبدأ القرآني الخالد:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ الرعد11

فدفع النفس الإنسانية إلى ساحة الإيمان من جديد، وإدراك الثروة الروحية الخالدة، هو السبيل الذي يعيد الأمة إلى سدة الحضارة ويمنحها القدرة على الاستمرار.


[1] بن نبي، مالك، شروط النهضة، دار الفكر، دمشق 1986

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

أ. عماد كوسا

كاتب روائي وقصصي وناشط في مجال العمل الشبابي والمجتمعي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى