
(وحي النسوية) وصناعة الهويات الوهمية
د. صهيب السقار
الوحي في اللغة هو الإعلام الخفي. وما تفعله النسوية نوع من الإعلام الخفي والترميز والتشفير. إنه نوع من دسِّ السم ولكن ليس في العسل، بل في المرارة والمظالم التي لا ننكر وقوعها على جملة من النساء. لكن النسوية تتلاعب بعواطف الجماهير والمتابعين وتوحي إليهم أن يتعاطفوا مع أبطالها في الخطوة الأولى، ثم تقنعهم في الخطوة الثانية أنه لا حل ولا خلاص للمرأة باتباع كتاب الله وهدي رسوله عليه الصلاة والسلام.
فالحل والأمل الوحيد بالانقياد للنسوية وفلسفتها وقوانينها واتفاقياتها الدولية.
ومن زخرف هذا الوحي أنه يحرص على إظهار المرأة مجردة من صورة الأنوثة والرقة والفتنة. فلا تجد في إنتاج هذا الإعلام مشهدا من مشاهد الرقص أو الحب أو التعري. وهذا هو الخطر الذي يغفل عنه الآباء والأمهات. فإلى عهد قريب كان الآباء والأمهات يراقبون ما يشاهده الأبناء على الشاشات معتمدين على معيار واحد. وهو عدم وجود مشاهد أو ملابس تخدش الحياء.
ومن الطريف أن آباء اليوم يذكرون اجتماع العائلة أمام شاشة التلفاز ليتابعوا مسلسلاً اجتماعياً فإذا ظهر ما يوحي ببداية مشهد من مشاهد الرقص أو التبرج وخدش الحياء سارع من يمسك جهاز التحكم إلى الانتقال إلى قناة أخرى حتى يمر المشهد بسلام.
لكن بعض (الاحتشام) في مخرجات الإعلام العصري لم يعد بريئاً بعدما اقتحمت النسوية مواقع إنتاج السينما.
فهذا الاحتشام الظاهري والتخلي عن مساحيق التجميل والملابس الضيقة ونحوها أصبح يحقق أهداف النسوية في إنكار الأنوثة. فالنسوية العصرية تُفَضِّل رجولة وأنوثة كورية الصنع. وأصدق مثال يجسد هذه الصناعة هو الفرقة الغنائية الكورية (BTS). فإذا نظرت إلى أفرداها لم تفرق بين إناثهم وذكورهم في مظهر أو لباس.[1] ومن هذا المنطلق يتحقق كمال الجنسين في الظهور بمظهر محايد يصعب فيه تمييز الرجل من المرأة . فالرجل العصري المثالي يستعمل مساحيق التجميل الخفيفة، ويزيل شعر جسده، وكذلك يتعين على المرأة العصرية أن تتحاشى الألوان والمساحيق والملابس الضيقة التي تكشف خصائص الأنوثة.
وفي هذا السياق ربما يراقب الوالد ما تشاهده ابنته المراهقة فلا يرى شيئاً من المشاهد التي اعتاد أن يقطعها مقص الرقابة الأسرية القديم.
فمن ذلك فيلم أجنبي نهمل تسميته عمداً. تدور أحداثه حول فتاة مراهقة لا تخضع بالقول في حديثها، ولا تضع شيئا من مساحيق التجميل على وجهها، ولا ترتدي ما يصف أو يكشف أو يشف عن جسدها. تطاردها عصابة أو جيش كامل فتقتل منهم الواحد بعد الآخر، وينجحون بإصابتها لكنها تصبر وتقاوم وحدها! وتستمر المطاردة في البر والصحراء تارة وفي أعماق البحر تارة أخرى. لكنها في جميع المعارك تخوضها وحيدة! لا والد ولا ولد معها! بل ولا حتى بطل وسيم عاشق يضيف إلى قصتها مشهدا من المشاهد العاطفية المعهودة.
ولا ريب أن هذا النوع من الإنتاج السينمائي لا يقل خطراً عن مشاهد الرقص والتقبيل ونحوها. لأنه من (وحي النسوية الخفي) الذي يتجاوز مقص الرقيب العائلي ويخترق وعي الفتيات فيصل إلى صفحة التأثير خارج الوعي ويكتب فيها أخطر أفكار النسوية المتطرفة، ويرسم فيها صورة البطلة النسوية التي تهرب وحدها وتتخلى عن والديها وإخوتها، وتحارب العالم كله وحدها، وتنتصر وحدها، ولا تكسرها الجراحات والإصابات! تشق ثيابها وتضمد جراحها وتكمل هروبها ونضالها!
بدأت النسوية بصناعة هذه البطولة وإنتاج قصصها في أميركا أواخر القرن الماضي.
وكانت المخرجة السينمائية النسوية كلير جونستون قد أسست نظرية الفيلم النسوي – Feminist Film Theory». ونشرت مقالة أكاديمية عنوانها (سينما النساء كسينما مقاومة – Women’s cinema as counter-cinema»،) نشرتها في العام 1973، وأسست فيها الأسلوب الفني في صناعة أفلام ذات توجه نسوي يقاوم السينما «الأبوية» وتتبنى استراتيجية ثورية، لخلق تيار بديل للتيار الرئيس في السينما الهوليودية.[2] ولا يمكن حصر ما أنتجته النسوية والقنوات الفضائية والمنصات ودور السينما العالمية من أعمال تستقبح الأنوثة والأسرة والأبوة والأمومة وتشجع المراهقات على التمرد. [3]
وتعد الأمريكية بيتي فريدان ( 2006م) رائدة النسوية في ترسيخ هذه الصور النمطية [4]
بدأت فريدان بالدخول إلى عالم ربة البيت فرسمت تفاصيل مطبخها وغرفة نومها ومعاناتها في رعاية أطفالها وشوقها إلى زوجها. ثم رسمت صورة مقابلة للمرأة العاملة القوية التي تنشغل بتحقيق ذاتها والاستغناء عن الرجال مهما اختلفت قرابتهم.
ومن معالم هذه المرأة القوية المستغنية بذاتها أنها تستقبح الشهوة الجنسية في إطار الزوجية، لكنها في المقابل لا تستقبحها خارج إطار الزواج لأنه يشغلها عن العمل والإبداع
وفي فصل طويل تختار له فريدان عنواناً ساخراً وهو (البطلة ربة المنزل السعيدة). ثم تقول: (في صورة المجلة، لا تقوم النساء إلا بالعمل المنزلي والعمل على إبقاء أجسامهن جميلة والحصول على رجل والمحافظة عليه. تلكم كانت صورة المرأة الأمريكية… امرأة شابة ولعوب وشبه طفولية ورقيقة وأنثوية ومستسلمة وراضية بفرح، في عالم يتكون من غرفة نوم ومطبخ وجنس وأطفال وبيت. فالشغف الوحيد والهدف الوحيد الذي يسمح للمرأة بالسعي إليه هو الرجل. إنه عالم مزدحم مليء بالطعام والملابس وأدوات التجميل والأثاث وأجساد النساء الشابات، لكن أين عالم الفكر والأفكار، حياة العقل والروح؟ )[5]
وتتابع تمرير مغالطتها في الاستحسان والاستقباح، فتَصِفُ ربَّات البيوت وتقول: ( كان حلمهن الوحيد هو أن يكن زوجات وأمهات كاملات، وكان أقصى طموحهن هو أن يكون لديهن خمسة أولاد وبيت جميل، وكفاحهن الوحيد هو الحصول على زوج والاحتفاظ به. لم تكن لديهن فكرة عن مشاكل العالم الخارجي )[6]
ثم نتابع خطوة أخرى تستحسن فيها المرأة الجديدة فتقول: (هذه المرأة الجديدة أقلُّ رقة أنثوية وهي مستقلة جدًا ومصممة على إيجاد حياة جديدة خاصة بها، كانت بطلةَ نوعٍ مختلف من قصص الحب. كانت أقل اندفاعًا في بحثها عن رجل. وقد أعطى انخراطها العاطفي في العالم وإحساسها الخاص بنفسها كفرد، واعتمادها على ذاتها نكهة مختلفة لعلاقتها بالرجل. تلتقي البطلة والبطل في إحدى هذه القصص، ويقعان في الحب في وكالة إعلانات، حيث يعملان. ويقول البطل: لا أريد أن أضعك في حديقة خلف جدار. أريدك أن تسيري معي يدًا بيد، ويمكن أن ننجز معا كل ما نريد أن ننجزه.»
لم تكن أولئك النساء الجديدات غالبًا ربات منازل؛ وفي الواقع، كانت القصص تنتهي عادة قبل أن يصبح لديهن أطفال. كن شابات لأنّ المستقبل كان مفتوحًا. لكنهن كنّ بمعنى آخر يبدين أعمر بكثير وأنضج من البطلات ربّات المنازل الشابات الطفوليات الشبيهات بالقطط اليوم). [7]
ولا يخفى هذا الوحي الخفي والدسّ في نقل انخراط المرأة الجديدة في حب العالم بدل انخراطها وتعلقها العاطفي بالرجل. حتى عندما تحب الرجل لا يكون زوجاً بل عاملًا معها! ولا يضعها في حديقة خلف جدران كما يفعل الزوج. بل ينطلق معها يداً بيد..!!
يبدو أن النسوية تقضي أمرها وتنقطع وعودها وينتهي تخطيطها وتدبيرها بإخراج المرأة من بيتها. كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
ويمكن أن نختار قصة من قصص بيتي فريدان لنحلل وحي النسوية فيها.
اختارت فريدان قصة لتكون خاتمة ملاحظاتها في بحث البطلة الجادة عن هويتها الفردية.
في هذه القصة يتجلى (وحي النسوية) في الوسوسة والترميز والتمرير. سوف نشير إليها في الختام
تقول فريدان: (وجدتُ آخر ملاحظة واضحة عن البحث الشغوف عن هوية فردية … في قصة بعنوان «سارة والطائرة البحرية في مجلة ليديز هوم جورنال في شباط/ فبراير 1949. سارة، التي مثَّلتْ على مدى تسعة عشر عامًا دور الأبنة المطيعة، تتعلم الطيران سرًا ، وتغيب عن درس الطيران لترافق أمها في جولة من الزيارات الاجتماعية. يقول لها طبيب كهل من زوار البيت: «عزيزتي سارة، أنت كل يوم وطوال الوقت تقومين بالانتحار. عدم إنصاف الذات جريمة أكبر من عدم إرضاء الآخرين.
ومستشعرًا وجود سر ما يسألها إذا كانت عاشقة. وجدت من الصعب عليها أن تجيب. عاشقة؟ عاشقة لهنري [مدرس الطيران ] الجميل ذي الطبيعة الجيدة ؟ عاشقة للماء اللماع وارتفاع الجناحين في لحظة الحرية ولرؤية العالم المبتسم الذي لا حدود له؟ وأجابت: نعم، أعتقد أنني عاشقة.»
في الصباح التالي، طارت سارة منفردة. ابتعد هنري صافقًا باب القمرة وأدار السفينة لها كانت وحيدة. ومرت لحظة مسكرة، نسيت فيها كل ما سبق وتعلمته عندما كان عليها أن تكيف نفسها على أن تكون وحيدة، وحيدة تمامًا في القمرة المألوفة. لكنها بعد ذلك سحبت نفسا عميقًا، وفجأة جعلها شعور مدهش بالكفاءة تجلس منتصبة ومبتسمة. كانت وحيدة! كانت الوحيدة القادرة على الإجابة على أسئلتها، وكانت وافية«.
أستطيع القيام بذلك ! قالت لنفسها بصوت عال… هبت الريح مرتدة عن الطوافات في خطوط متألقة، ثم بلا جهد رفعت السفينة نفسها بحرية، وحلقت في الجو». حتى أمها لا تستطيع منعها الآن من الحصول على شهادة الطيران. وهي ليست خائفة من اكتشاف طريقها الخاص في الحياة». وابتسمت ذلك اليوم في سريرها ليلًا، والنعاس يداعب عينيها، متذكرة كيف قال لها هنري: أنت فتاتي.
فتاة هنري! ابتسمت لا، لم تكن فتاة هنري كانت سارة. وكان ذلك كافيا. وبتلك البداية المتأخرة، سيمر بعض الوقت قبل أن تعرف نفسها. وتساءلت نصف حالمة، إذا كانت في نهاية ذلك الوقت ستحتاج إلى شخص آخر، ومن سيكون». وفجأة، تصبح الصورة مشوشة. تتردد المرأة الجديدة المحلقة حرة في منتصف طيرانها، ترتجف في ضوء الشمس الأزرق ذاك، وتسرع عائدة إلى جدران البيت الدافئة).[8]
في هذه القصة عشرون موضعاً من الترميز الخفي في وحي النسوية!
1- فتاة النسوية تبحث بشغف عن هوية فردية لا تقترن بزوج ولا تنحبس في بيت!
ولكن النسوية لا تخبرنا عن النهاية المؤلمة القاتلة لهذه الهوية الفردية بعدما يمضي الشباب وتصبح صاحبة الهوية الفردية كهلة في دور الرعاية لا زوج، ولا ولد، ولا ذو قرابة أو رحم يرحم ضعفها ويؤنس وحشتها! وأحسن منها حظاً امرأة عاشت في بلد تبيح قتلها الرحيم.
2-الطائرة البحرية يجتمع فيها سعة السماء وامتداد البحر في مقابل ضيق البيت.
3-طوال تسعة عشر عاماً ظلت سارة محبوسة بسبب قيامها بدور الأبنة المطيعة.
4-تتعلم الطيران سراً لأن الأهل لن يفتحوا لها أبواب الحرية.
5-الزيارات الاجتماعية هي التي تغيبها عن درس الحرية.
فالنسوية تريد مجتمعاً مفككاً مكوناً من هويات فردية لا تربطهم أسرة ولا قرابة ولا رحم.
6-طبيب متعلم كهل مجرب حكيم ينصحها ويذكرها أنها تقوم بالانتحار.
7-عدم إنصاف الذات الفردانية جريمة أكبر من عدم إرضاء الآخرين.
8-أبوها وأمها هم المقصود بــ(الآخرين) في مقابل ذاتها وهويتها الفردية. فلا مكان في مجتمع النسوية لما أمر الله به أن يوصل من رحمٍ وأقارب وبرٍ بالوالدين.
9-النسوية عاشقة لهنري [مدرس الطيران ] (معلم الحرية) وليس الزوج الذي يحبسها في البيت
10-هنري النسوية جميل ذو طبيعة جيدة!
هذا في خيال النسوية، لكن معلم الطيران في الواقع ليس شرطاً أن يكون جميلاً. وليس شرطاً أن يكون ذا طبيعة جيدة. وليس شرطاً في المقابل أن يكون الزوج والوالد صورة مناقضة لعاشق النسوية.
11-العالم الذي تخرج إليه من بيتها عالم مبتسم لا حدود له!
وهذا أيضًا في خيال النسوية. أما العالم في الواقع فتدل إحصاءات التحرش والعنف والاغتصاب على أن العالم ليس مبتسماً.
12-في الصباح الذي يمثل الأمل بعد سواد الليل والبيت طارت منفردة.
هذا في خيال النسوية، أما في الواقع فقد سقطت النسوية وسقط معها هنريها في ظلمات العدمية.
13-عاشقها هنري لا يحبسها ولا يقترن بها كالزوج بل على العكس يبتعد عنها ويصفق باب القمرة ليتركها وحيدة.
14-وحيدة، وحيدة تماماً، منفردة، حرة.. مفردات تكررت تسع مرات في هذه القصة القصيرة!
15-لحظة مسكرة عندما أصبحت وحيدة.
ولكن ماذا بعد زوال السكرة والعيش في الواقع؟ ألم تنخدع فتيات من بنات المسلمين بسكرة الوحدة والهروب واللجوء إلى بلاد الغرب؟ فما نهاية رحلة الهروب والحرية الموهومة؟
16-الخروج من البيت وحيدة ليس مخيفاً حتى لو كان طيرانا في الطائرة لأول مرة. بل على العكس من ذلك هو شعور مدهش بالكفاءة والقوة والابتسام.
ولكن إلى متى يدوم هذا الشعور بالدهشة والكفاءة؟ ألم تذكر فريدان أن المرأة صارت تشكو مما كان يشكو منه الرجال وحدهم من ضغط الحياة المهنية في العالم الرأسمالي المادي!
يبدو أن النسوية تقضي أمرها وتنقطع وعودها وينتهي تخطيطها وتدبيرها بإخراج المرأة من بيتها. كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) الحشر. (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ) (إبراهيم 22)
17-دور الأم يقتصر على منعها من الحصول على شهادة الطيران والحرية، ويجرها إلى زيارات اجتماعية لا معنى لها! لكن بعد خروجها من البيت حتى أمها لن تستطيع منعها!
18-حتى عاشق النسوية هنري تبقى فيه ذرة من رجولة وذكورية ورغبة في امتلاك المرأة. لكن النسوية ترفض أن يقول لها: أنت فتاتي. فهي لنفسها وهويتها الفردية فقط.
19- النسوية الجديدة لم ترفض الزوج لتصبح ملكاً لرجل آخر ولو كان هنري النسوية. لا، لم تكن فتاة هنري كانت سارة. وكان ذلك كافيا.
20-النسوية من أول لحظات هيامها وعشقها تفكر بشخص آخر. لا لشيء ولا لعيب في هنري بل لمجرد أن تبقى حرة لا تتعلق برجل واحد. لذلك عليها أن تفتش عن رجل جديد مجهول وتتساءل: من سيكون؟
حشد هائل من الترميز الخفي يكثر من الاستخفاء والتستر وهو يمرر السم ويدسه في المرارة!
وفي غفلة من الآباء في التسعينات كانت القنوات الفضائية العربية تبث سيلاً من تلك البرامج والمسلسلات المدبلجة المكسيكية وغيرها. التي تخاطب المراهقات وتشحن في الوعي الباطن نزعة التمرد والفردانية.
تشترك أكثر هذه المسلسلات في قصة واحدة تدور حول فتاة غير شرعية لكنها جميلة رقيقة محبوبة لطيفة ثم تحمل حملاً غير شرعي من عشيقها. ثم تتفاوت المسلسلات في اختراع مكملات لهذه القصة الواحدة.
ومن دون وعي كانت بعض الأمهات تنجذب لقصة الحب وتتعاطف مع هذه اللطيفة التي يضطهدها الأشرار من حولها.
وفي مرحلة بعدها ظهرت مُقَدِّمات البرامج النسوية والمسلسلات الاجتماعية الرمضانية. وظهرتْ القصص والروايات والمقاطع المصورة السريعة التي تؤدي دور الأذرع الإعلامية في الوسوسة الخفية وبرمجة عقول الأجيال بالصور النمطية التي تصنعها النسوية وتستقبح بها صورة الرجل والأم والزوج[9].
ومن وسوسة النسوية في هذه الجهود اقتباس عناوينها من نصوص الآيات والأحاديث, نحو (ما ملكت أيمانكم) (إني وضعتها أنثى) (الجنة تحت أقدام الأمهات) (قوامون على النساء) ..
أما الرجل فيظهر في التصوير النسوي بأنه رجل متسلط، أو ذكوري غيور متهم بجرائم الشرف، أو رجل مريض تنقلب حياة زوجته وبناته إلى ممرضات غير مأجورات، والرجل هو الخائن أو الأناني أو الغائب الذي يظن أنه الهدي المنتظر وفَحْلُ القطيع وعنترة بني عبس[10]
وأما الأمومة فتظهر في التصوير النسوي بأنها مناقضة للصورة التي صنعها المجتمع الأبوي وادعى أنها تفيض بالحنان والعطاء والإيثار, أما الواقع فهو الذي تكشف عنه الروايات وتظهر فيها الأم بصورة الجاهلة الثرثارة النمامة التي لا تتوقف عن الصراخ والأمر والنهي. ولا تحسن إلا العمل الروتيني الذي يبدأ بإزعاج البنات بإيقاظهن للصلاة والبدء بمساعدتها في روتينها اليومي من طبخ وتنظيف. ولا تحسن التعامل مع وسائل التواصل العصرية. وتفضل أبناءها الذكور على الإناث وتهدد البنات دوماً بإخبار الأب عن مخالفات الأدب ونقْص التربية ورفْع الصوت وقول: (لا)..وفي نهاية الأمر تضطر الفتاة للهروب واللجوء إلى جنة الحرية الغربية وحقوق الإنسان[11]
لكن النسوية لا تخبرنا عن النهاية المؤلمة القاتلة لهذه الفتاة الهاربة القوية المستغنية عن الزوج والأب والأخ. ولا تخبرنا عن مستقبل المرأة بعدما يمضي الشباب وتصبح القوية المستغنية كَهْلًة في دور الرعاية لا زوج، ولا ولد، ولا ذو قرابة أو رحم يرحم ضعفها ويؤنس وحشتها! تماما كما واجهت رائدة النسوية سيمون دبفوار مصيرها وخَتَمَتْ حياتها بالإفراط بشرب الخمر وتناول المهدئات وبعض المخدرات.
[1] “بي تي إس”.. فرقة بوب كورية تصدّرت السوق الأميركية وحصدت أرقاما قياسية عالمية | الموسوعة | الجزيرة نت (aljazeera.net)
[2] “Counter cinema” in the mainstream (tandfonline.com)
[3] انظر بدايات اهتمام النسوية بنقد الصورة النمطية للأنثى في السينما وانتقالها إلى إنتاج الصورة النسوية في كتاب النسوية وما بعد النسوية، تأليف سارة جامبل، ترجمة, أحمد الشامي، ص 145- 160المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2002.
[4] وهي كاتبة أمريكية أسست “المنظمة الوطنية للنساء” عام 1966 للمطالبة بحقوق المرأة، وفي عام 1970 نظمت “الإضراب النسوي من أجل المساواة” بين المرأة والرجل في أجور العمل.
وأضافت إلى المكتبة النسوية مؤلفات مشهورة مؤثرة. على رأسها كتاب ( اللغز الأنثوي) و(لقد غيرت حياتي).
[5] اللغز الأنثوي 53
[6] اللغز الأنثوي ص 30
[7] اللغز الأنثوي ص 57
[8] اللغز الأنثوي ص 59
[9] انظر تمثلات العنف الأبوي في الرواية النسوية العربية المعاصرة: نماذج مختارة – Aleph (edinum.org)
نادية بن طاجين وعبد القادر بوزيدة. جامعة الجزائر. 2020م.
[10] انظر رسالة ماجستير عنوانها (صورة الرجل في الرواية النسوية المعاصرة) إعداد الطالبتين ميساء زيغة وسارة العايب. جامعة محمد الصديق بن يحيى0 الجزائر 2021م
صورة الرجل في الرواية النسوية المعاصرة.pdf (univ-jijel.dz)
[11] انظر الأم في الرواية النسوية الخليجية . د أحمد علواني. مجلة كلية الآداب جامعة الفيوم١٤ ، ٢ يوليو ٠٢٢ ٢م.



