مفهوم الرزق في البعد العقدي والسلوكي عند أهل السنة والجماعة
الدكتورة مجد عبدالمجيد قمر
يُعدّ مفهوم “الرزق” من المفاهيم المركزية التي تحتلّ مكانةً بارزة في منظومة العقيدة الإسلامية، لما ينطوي عليه من دلالات عقدية عميقة، وانعكاسات سلوكية مباشرة على حياة الفرد المسلم؛ فهو ليس مجرّد مصطلح اقتصادي يُحيل إلى المال والمكاسب المادية فحسب، بل هو مفهوم متشابك الأبعاد، تمتدّ جذوره في التصور الاعتقادي، وتتفرّع آثاره في السلوك اليومي.
ومن هنا تنشأ جملة من التساؤلات التي تستدعي الوقوف عندها وتحليلها:
فهل يُختزل الرزق في الجانب المادي وحده، أم أنه أوسع دلالةً وأشمل مدلولًا بحيث يتجاوز حدود المال إلى ما هو أبعد منه؟
وهل يصحّ تسمية الحرام رزقًا في ضوء ما قرّره أهل السنة والجماعة؟
وإذا كان للرزق هذا الأساس العقدي المتين، فما الخطوات السلوكية التي ينبغي أن تنبني عليه في حياة المسلم؟
هذه الأسئلة وغيرها تشكّل محاور هذا المقال، الذي يسعى إلى تقديم رؤية تحليلية متكاملة لمفهوم الرزق، تجمع بين البعد العقدي والتطبيق السلوكي، في ضوء منهج أهل السنة والجماعة.
مفهوم الرزق في البعد العقدي
الرزق عند جمهور أهل السنة والجماعة، هو ما يُنتفع به، سواء كان حلالًا أو حرامًا، وسواء وصل إليه بسببه وكسبه أو بغير سببه.
ويترتب على ذلك جملة من الملامح العقدية، يمكن تلخيصها بما يأتي:
أولًا: الرازق هو الله وحده
من أعظم الأصول العقدية التي قررها أهل السنة والجماعة أن الله تعالى هو الرازق وحده لا شريك له، وأنه “الذي خلق الأرزاق والمرتزقة وأوصلها إليهم وخلق لهم أسباب التمتع بها” (الغزالي، المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، ص84).
وقد دلّ على هذا الأصل العظيم نصوص الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]، وقال: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
ويترتب على هذا الاعتقاد آثار عقدية جليلة، منها: أن العبد لا ينتظر الرزق إلا من الله، ولا يتوكل فيه إلا عليه.
ثانيًا: الرزق يشمل الحلال والحرام
من المسائل التي عالجها العلماء مسألة: هل الحرام يسمى رزقًا أم لا؟
وقد قرر أهل السنة والجماعة أنّ الرزق يشمل الحلال والحرام، وأنّ الحرام رزق بمعنى أنه مما ينتفع به العبد ويصل إليه من الله تعالى، وإن كان محرمًا عليه فعله وتناوله، ومن أدلة العلماء على ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، “ وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئًا.” (الرازي، التفسير الكبير، 2/276). وهذا باطل.
ومن السنة: ما رواه صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه عمرو بن قرة فقال: “يا رسول الله، إنّ الله كتب علي الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة”، فقال عليه السلام: “لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله رزقًا طيبًا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله…” أخرجه ابن ماجه في سننه برقم (2613)، فقوله ﷺ: “فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه” صريح في أنّ الرزق قد يكون حرامًا” (الرازي، التفسير الكبير، 2/276).
بينما ذهب المعتزلة إلى أنّ الرزق هو: التمليك والإباحة، فلا يكون الحرام رزقًا، وقد ردّ أهل السنة على المعتزلة بأدلة، منها:
- إجماع الأمة على أن “الطفل مرزوق لما يرتضعه من ثدي أمه، وعلى أنّ البهائم من ولد النعم مرزوقة لما تتغذى به من لبنها… وأنّ البهيمة والطفل لا يملكان ذلك مع كونه رزقًا لهما” (الباقلاني، تمهيد الأوائل، ص204). فلو كان الرزق هو التمليك، لما كان الطفل والبهيمة مرزوقين، لأنهم لا يملكون ما ينتفعون به.
- أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب، “فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظًا ونصيبًا، فوجب أن يكون رزقًا له” (الرازي، التفسير الكبير، 2/276).
وهكذا يتبين أن مذهب أهل السنة والجماعة هو أنّ الرزق أعم من الحلال، فيشمل كل ما ينتفع به العبد، سواء كان حلالًا أو حرامًا، وإن كان الرزق الحلال هو الرزق الممدوح شرعًا الذي ينبغي للعبد أن يسأل الله إياه.
وقد فصّل السعدي في شرحه لاسم الله (الرزاق) هذه المسألة تفصيلًا بديعًا حيث قال:
ورزقه نوعان:
- أحدهما: الرزق النافع الذي لا تبعة فيه وهو موصل للعبد إلى أعلى الغايات، وهو الذي على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بهدايته وإرشاده، وهو نوعان أيضًا:
- رزق القلوب بالعلوم النافعة والإيمان الصحيح….
- وأن يُغني الله عبده بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه…..
- والثاني، وهو إيصال الباري جميع الأقوات التي تتغذي بها المخلوقات برها وفاجرها، المكلفون وغيرهم، فهذا قد يكون من الحرام كما يكون من الحلال، وهذا فصل النزاع في مسألة هل الحرام يسمى رزقاً أم لا، فإن أريد النوع الأول وهو الرزق المطلق الذي لا تبعة فيه، فلا يدخل فيه الحرام فإنّ العبد إذا سأل ربه أن يرزقه فلا يريد به إلا الرزق النافع في الدين والبدن وهو النوع الأول، وإن أريد به مطلق الرزق – وهو النوع الثاني – فهو داخل فيه، فما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها. ومثل هذا يقال في النعمة والرحمة ونحوها” (السعدي، تفسير أسماء الله الحسنى، ص203-204).
وهذا التفصيل يحلّ الإشكال، فإذا سأل العبد ربه الرزق، فإنه لا يريد به إلا الرزق النافع في الدين والبدن، وهو الرزق الحلال. أما إذا نظرنا إلى الرزق بمعنى مطلق ما ينتفع به الحيوان، فإن الحرام داخل فيه.
ثالثًا: الرزق نوعان
- رزقٌ ظاهر وهو الأقوات والأطعمة، وذلك للظواهر وهي الأبدان.
- ورزق باطن وهو المعارف للقلوب. ” وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد.
وثمرة الرزق الظاهر قوة الجسد إلى مدة قريبة الأمد، والله عز وجل هو المتولي لخلق الرزقين والمتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين ” (الغزالي، المقصد الأسنى، ص84).
البعد السلوكي لمفهوم الرزق
أولًا: الأخذ بالأسباب
من الآثار السلوكية المهمة للإيمان بمفهوم الرزق أنّ العبد مطالب بـالأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، فلا ينبغي له أن يتواكل ويدّعي التوكل، بل عليه أن يسعى ويأخذ بالأسباب المشروعة طلبًا للرزق.
قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: 15]، وقال: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10].
ويترتب على هذا البعد السلوكي أمور مهمة هي:
1. العمل والجد والاجتهاد في طلب الرزق الحلال.
2. عدم الاتكال على الآخرين والسؤال بغير حاجة.
3. الرضا بما قسم الله من الرزق، وعدم الحسد أو الطمع فيما عند الآخرين.
4 . القناعة بما أعطاه الله، فقد قال السعدي: “فإذا رزق الله العبد العلم النافع والإيمان الصحيح والرزق الحلال والقناعة بما أعطاه الله منه، فقد تمت أموره واستقامت أحواله الدينية والبدنية” (السعدي، تفسير أسماء الله الحسنى، ص204).
ثانيًا: الرزق مادي ومعنوي
من الأبعاد السلوكية المهمة لمفهوم الرزق أنّ الرزق ليس مقصورًا على المال والمادة، بل يشمل كل ما ينتفع به العبد في دينه ودنياه.
وقد بيّن الشيخ الشعراوي هذا المعنى بيانًا شافيًا فقال: “وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أنّ الرزق هو المال… نقول له: لا، الرزق هو ما ينتفع به. فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتواضع رزق، وكل ما فيه حركة للحياة رزق. فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال، وتتصدق بها على العاجز والمريض. وإن كان عندك حلم، فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك. وإن كان عندك علم أنفقه لتعلم الجاهل. وهكذا نرى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ تستوعب جميع حركة الحياة” (الشعراوي، تفسير الشعراوي، 1/129).
ويترتب على هذا الفهم الشامل للرزق آثار سلوكية عظيمة مثل:
- شكر الله على كل نعمة، فإن الرزق ليس المال فقط، بل الصحة والعلم والعقل والأخلاق والقدرات كلها أرزاق من الله تستوجب الشكر.
- الإنفاق من كل ما رزق الله العبد، فلا يقتصر الإنفاق على المال، بل يشمل إنفاق العلم بتعليم الجاهل، وإنفاق القوة بمساعدة الضعيف، وإنفاق الحلم بكف الأذى، وإنفاق العافية بخدمة المحتاج.
- عدم احتقار أي رزق، فإن الله قد يرزق العبد أشياء كثيرة لا يشعر بها، كالصحة والأمن والعافية والهداية، وهي أعظم من المال.
- التوازن بين طلب الرزق المادي والمعنوي، فلا يشتغل العبد بجمع المال عن طلب العلم والإيمان، ولا يترك السعي في الدنيا بحجة التفرغ للآخرة، بل يوازن بينهما كما أمر الله، وها هنا ملمح آخر، وهو أنّ من أسمائه تعالى (العدل) وتقسيم الأرزاق المادية والمعنوية على العباد بعدله تعالى، فكم من صاحب نعمة مادية ينقصه من الرزق المعنوي ما تقر به عينه، وكم من صاحب صحة قدر عليه رزقه المادي مع تمام صحته، وكلٌّ بقدر عنده سبحانه، لكن عموم نظر الناس إلى مادية الرزق أغفلت رؤيتهم لبقية أنواع الأرزاق التي بها تمام الحياة الدنيا.
الآثار الإيمانية والسلوكية لمفهوم الرزق
أولًا: الآثار الإيمانية
إنّ فهم العبد معنى الرزق وتحقق به، نجم عن فهمه آثار عقدية منها:
1. تحقيق التوحيد: بالإيمان بأنّ الله هو الرازق وحده، فلا يطلب العبد الرزق من غيره، ولا يخاف على رزقه من سواه. قال الغزالي: “أنه لا يستحقه إلا الله عز وجل فلا ينتظر الرزق إلا منه ولا يتوكل فيه إلا عليه” (الغزالي، المقصد الأسنى، ص84). وهذا أثر من آثار توحيده في الأفعال سبحانه وتعالى.
2. الرضا والتسليم: بالقناعة بما قسم الله، واليقين بأن ما عند الله خير وأبقى.
3. حسن الظن بالله: فإنّ الله تعالى تكفّل بأرزاق عباده، فقال: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
4. الإيمان بالقضاء والقدر: فإنّ الرزق مقدر مكتوب، لا يزيد ولا ينقص، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
ثانيًا: الآثار السلوكية
- السعي والعمل: فلا يجوز للعبد أن يعطل الأسباب ويتواكل، بل عليه أن يسعى ويجتهد.
- الإنفاق والتصدق: فإنّ من شُكرِ النعمة الإنفاق منها، وقد وعد الله المنفقين بالخلف: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: 39].
- القناعة والرضا: فقد قال ﷺ: “قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه” [أخرجه مسلم].
- الإحسان إلى الخلق: فإنّ من رزقه الله مالًا أو علمًا أو جاهًا، وجب عليه أن يكون سببًا في وصول الرزق إلى الآخرين، كما قال الغزالي: “ويكون سببًا لوصول الأرزاق الشريفة إلى القلوب بأقواله وأعماله، ووصول الأرزاق إلى الأبدان بأفعاله وأعماله” (الغزالي، المقصد الأسنى، ص85).
وختامًا فإن فهم العبد معنى اسم الله (الرزاق) أراح نفسه من الهم والكدر، وانشغل بما يسره الله له من أسباب السعي، لعمران الحياة، مع راحة قلبه بأنّ ما قدر له من رزقه سيصله وإن اجتمعت الأمة على منعه.



