الاجتهاد بين محمد إقبال وبديع الزمان النورسي…مراجعات ومقاربات
محمد اليوسف
إن المجتمع الإنساني عمومًا، والإسلامي خصوصًا، عاش في الفترات الماضية في حالة من الثبات النسبي، سواء على المستوى المعرفي أو العمراني أو الاجتماعي، حتى جاءت القرون الأخيرة، وخصوصًا الثلاثة الأخيرة منها: الثامن عشر والتاسع عشر والقرن العشرين، فنزلت نوائب ونوازل كثيرة، وحدثت أحداث عظيمة، تفجرت معها ينابيع الفكر الإنساني، وأخذت البشرية تخطو بسرعة هائلة وتنزع نحو منظومة اجتماعية وعمرانية وثقافية ودينية جديدة تمامًا.
ولعل أكثر هذه القرون تأثيرًا في العالم الإسلامي هو القرن العشرين؛ فقد كان فيه سيل من الأحداث والنوائب العظيمة التي ألمت بالمسلمين وفتحت عليهم سيلًا من الأسئلة والمعضلات، فاضطربت الآراء اضطرابًا عظيمًا، وزلت أقدام، وسهت أقلام، واختلطت الأصول بالفروع، والعلل بالحكم.
فأخذ المصلحون والمفكرون والعلماء يبحثون في كيفية الإجابة عن هذه الأسئلة التي حملتها سيول هذه الأحداث الجارفة إلى الحضارة الإسلامية، وكان في مقدمة هذه الأسئلة سؤال التجديد الديني والاجتهاد. واختلفت المشاريع الإصلاحية والتجديدية باختلاف الأقطار والحواضر الإسلامية. ومن أبرز المصلحين والعلماء المجددين في القرن العشرين الذين حاولا الإجابة عن هذه الأسئلة، على بُعد المسافات واختلاف الأقطار وتباين المسالك والمشارب، العلامة محمد إقبال والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي؛ إذ كان كل منهما متفاعلًا مع قضايا الأمة، واعيًا بحجم التحديات التي تواجهها.
فالعلامة محمد إقبال، بحكم واقع البيئة التي نشأ فيها والمرحلة الزمنية الهامة في تاريخ شبه القارة الهندية، كان له موقف مختلف تمامًا عن بديع الزمان سعيد النورسي، الذي نشأ في كنف الدولة العثمانية، وعاين سقوطها واحتلال الحلفاء لعاصمة الخلافة. ومع ذلك، كان بينهما أوجه اتفاق وافتراق، وائتلاف واختلاف. وسنتعرض في هذا المقال لرؤية كل منهما عن الاجتهاد والتقليد والتجديد الديني في ضوء مشروعهما الفكري والديني.
محمد إقبال: مراجعات ومقاربات
إن الناظر في حياة السيد محمد إقبال والمتتبع لسيرته سيجد شيئًا فريدًا جدًا في شخصية الرجل؛ فهو، رغم دراسته الطويلة في صروح الإنجليز التعليمية واحتكاكه بالحضارة الأوروبية، بقي ثابتًا على مبادئه الإسلامية وتصوراته الإيمانية. ولعلي لا أجد وصفًا لهذا الحال العجيب إلا ما قاله هو عن نفسه: «خرجت كما خرج إبراهيم من نار نمرود». لقد جاب الرجل الأقطار، وساح الأمصار، ودرس في أهم الجامعات العالمية، وهي كامبريدج، إلا أن كحل أثمد المدينة حال دون أن يذهب سنا برق العلوم الغربية ببصره، بل فجر في داخله سؤال النهضة وهواجس التجديد.
يرى إقبال أن الاجتهاد يحتل موقعًا مركزيًا في الثقافة الإسلامية، لا سيما في مواجهة تغيرات الحياة، وأن الأصول الشرعية يمكن أن تُفهم وتُفسر تفسيرًا جديدًا في ضوء ما نعيشه من تغيرات.
ولقد طرح إقبال سؤال الاجتهاد والمراجعة للموروث الديني الذي ورثناه عن السلف الصالح. وكان، فيما يظهر لي من قراءة ما كتبه في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، يرى أن الاجتهاد يحتل موقعًا مركزيًا في الثقافة الإسلامية، لا سيما في مواجهة تغيرات الحياة، وأن الأصول الشرعية يمكن أن تُفهم وتُفسر تفسيرًا جديدًا في ضوء ما نعيشه من تغيرات.
«ذلك لأن الأبدي الخالد يثبت أقدامنا في عالم التغير المستمر.» [1، ص. 197]
كما يقول عن الاجتهاد المطلق، الذي يصفه بأنه حق كامل في التشريع، ما نصه:
«مثل هذا الاتجاه يبدو شديد القرابة في نظام يقوم في جوهره على الأسس التي وردت في القرآن الذي يرى أن الحياة في جوهرها متغيرة.» [1، ص. 204]
ويتعدى الأمر أكثر من ذلك، فهو يراه أساس الحركة الإسلامية:
«إذن فما أساس بناء الحركة في الإسلام؟ إن هذا الأساس والمبدأ هو الاجتهاد.» [1، ص. 175]
إذن، مما يستدل به من هذه العبارة وغيرها من العبارات والتصريحات والتعريضات الكثيرة جدًا في كتابه هذا خصوصًا، وكتبه الباقية عمومًا، أن الاجتهاد عند إقبال مبدأ للحركة والتجدد، ومتصل بروح القرآن والرسالية المحمدية، وقادر على التعامل مع المتغيرات الزمانية والحياة السيالة سيلًا إبداعيًا، كما يصفها هو بـ«حركة مبدعة».
وبما أن السيد يرى أن الاجتهاد من مبادئ الحركة والتجدد، فإنه يعود للحديث عن أسباب الركود الفقهي الذي أصاب الأمة في القرون الأخيرة، ويمكن أن نلخص تلك الأسباب، في عرضه، في ثلاثة رئيسية:
أولها: الحركة العقلانية والصراع الفكري الذي أحاط بالحركة التشريعية، وما ترتب عليه من ردود فعل محافظة تجاه بعض الاتجاهات العقلية الجديدة. [1، صص. 203-206]
وثانيها: بعض الأنماط التي غلب عليها التصوف والزهد والابتعاد عن مقتضيات العمل والحياة، والتي ربطها إقبال بسياق من الأحداث الفكرية والفتن السياسية. [1، صص. 203-206]
وثالثها: المصائب والخسارات الكبرى، وخصوصًا سقوط بغداد، وما تركه ذلك من أثر بالغ في البنية العلمية والفكرية للأمة. [1، صص. 203-206]
يرى إقبال أن الاجتهاد يمثل أصلًا حركيًا أصيلًا في الشريعة والفكر الإسلامي، وأنه لابد للأمة من العودة إلى هذا الأصل، لكنه لا يسوغ تحويل الاجتهاد إلى شعار يهدم الضوابط أو يفضي إلى الانحلال الاجتماعي والانحطاط متسترين بعباءة الاجتهاد.
وذكر حضرته أمثلة على هذا التصوف الذي وصفه بأنه مصبوغ بصبغة مباينة لصبغة الإسلام، وضرب بالثوري مثالًا على ذلك. وبغض النظر عن وجاهة هذا الطرح ودقته، فإننا نريد أن نركز في عرضنا لمشروع العلامة على رؤيته الاجتهادية لعصره الذي كان يعيش فيه. وعليك أن تتفطن إلى أن الإنسان لا يكون إلا ابن زمانه؛ فهو، وإن اتصل بماضٍ وتطلع إلى مستقبل، فإنه في نهاية المطاف، في وعاء الحاضر، فاعل ومنفعل معه.
وإذا كانت مصادر التشريع هي القرآن والسنة والإجماع والقياس، فقد تطرق السيد في محاضراته إلى أصول التشريع وطرح رؤيته بخصوصها، سائلًا قبل ذلك سؤالًا لعله قلب بحثه: هل الشريعة الإسلامية قابلة للتطور؟
«ولا ريب عندي أن التعمق في دراسة كتب الفقه والتشريع الهائلة العدد لابد أن ينأى بالناقد عن الرأي السطحي القائل بأن شريعة الإسلام جامدة غير قابلة للتطور.» [1، ص. 189]
وفي ضوء هذه الرؤية تناول الأصل الأول للتشريع، واستخلص الأستاذ العلامة أن مبادئ القرآن التشريعية أبعد ما يكون عن أن تسد طريق البحث والتفكير الإنساني، لكنه، بلا شك، شدد على ضرورة النظر في السابق وعدم إهماله، حيث يقول السيد:
«فليس بوسع أمة أن تتنكر لماضيها تنكرًا تامًا لأن الماضي هو الذي كيّف شخصيتها الحاضرة.» [1، ص. 197]
وتناول السيد، في صدد حديثه عن القرآن، التجربة التركية، ورأى أن الرأي التركي له المسوغات التي تسوغه كل التسويغ، على أنه انتقد بعض الاجتهادات والاتجاهات، وسنعود فيما بعد لنفصل أكثر في دوافع وأسباب السيد التي جعلته يقول بهذا القول.
ولنعد الآن إلى رؤيته عن السنة النبوية والحديث الشريف. لقد فرق السيد العلامة بين الأحاديث التي جاءت في مقام التشريع وبين غيرها من الأحاديث الأخرى التي لا يتعلق بها طابع تشريعي، وكان ينزع إلى أن تمحص وتدقق هذه الأحاديث، ويعاد النظر فيها، لا سيما النوع الذي أراد أن يراجع فيه ما إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله مما يخص الأمة العربية وأحكامها العرفية، أم هو حكم نافذ لا سبيل إلى العدول عنه.
وقد استهدى في خوضه هذا البحر اللجي الخضم بالإسطرلاب الشاه ولي الله الدهلوي، ثم عاد لينظر للمقام ويجلي مقصده بحديثه عن فقه الإمام أبي حنيفة، لا سيما الأحكام الجنائية، واستعان على ذلك بالاستحسان الذي استخدمه حضرة الإمام الأعظم، واستصوب مذهبه ومنهجه، ودعا في ختام حديثه إلى استقصاء تلك الأحوال والنظر في تشريعات وأقضية المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثم انتقل إلى الأصل الثالث، وهو الإجماع. ويرى السيد أن الإجماع من أهم الأفكار التشريعية في الإسلام، كما يذهب إلى أن الإجماع لم يطبق في تاريخ الملة الإسلامية إلا نادرًا، وأرجع أسباب ذلك إلى الأحوال السياسية ومصالح الحكام والملوك الذين رأوا أن قيام جماعة من المجتهدين قد يضر بسلطانهم ويزعزع استقرار ملكهم.
ومما يظهر من كلام السيد أنه وقف موقفًا إيجابيًا من التوجه الجمهوري والإجماع البرلماني، حيث رأى أن انتقال أمر الإجماع من أفراد مجتهدين يمثلون مذاهب إلى هيئة تشريعية برلمانية خطوة عظيمة. وقد تطرق لعدة مسائل، منها إجماع الصحابة، ولا يسعنا في هذه المقالة بسط القول وتمحيص كل ما قاله، على أننا سنعلق في ختام المقال، إن شاء الله تعالى. [1، صص. 212-213]
أما الأصل الأخير الذي ناقشه السيد فهو القياس، ولعله بحكم البيئة التي نشأ فيها والتي ألقى فيها هذه المحاضرات، أفاض في الحديث عن الحنفية ونقاشات السلف التي نقحت الأفكار ووسعت الأنظار، إلى أن تمحص وتنقح معنى الاجتهاد. ولعل حديثه عن القياس تحديدًا كان عرضًا ونقدًا، مع شيء من التحليل قد يوافق عليه وقد يخالف.
وهكذا، فالعلامة يرى أن الاجتهاد يمثل أصلًا حركيًا أصيلًا في الشريعة والفكر الإسلامي، وأنه لابد للأمة من العودة إلى هذا الأصل، لكنه لا يسوغ تحويل الاجتهاد إلى شعار يهدم الضوابط أو يفضي إلى الانحلال الاجتماعي والانحطاط متسترين بعباءة الاجتهاد.
هذا وقد استعرضنا مذهب السيد إقبال ورؤيته عن الاجتهاد في هذا العصر، فلنسافر إلى الأستانة لنرى مذهب الأستاذ بديع الزمان النورسي.
بديع الزمان: فقه الواقع وسد الذرائع
لقد نشأ العلامة بديع الزمان في كنف الخلافة ودولة الإسلام، كما عاين سقوطها وشاهد التحولات الكبرى التي مرت بها، ولا سيما الحرب العالمية الأولى، وخرج وجاهد وأُسر. وفي ظل كل هذه الأحداث، واحتكاكه المستمر وتفاعله مع المجتمع والأمة، خلص الأستاذ إلى أن الأزمة التي أحاطت بالعالم الإسلامي لم تكن أزمة أحكام وتشريعات فحسب، وإنما كانت في أصلها أزمة إيمان وفكر ووعي، وأن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من الأطراف قبل أن يعالج أصل الداء في الإنسان نفسه.
فانطلق إلى ربوع جنات الفرقان الحكيم، يقطف من أزاهيره وبساتينه، ويرشف من معين وحي الرسالة الصافي. وكرس الأستاذ بديع الزمان حياته للدفاع عن الحقائق الإيمانية، مقدمًا هذا المقصد على ما سواه من المقاصد الأخرى. وبما أن هذا كان مشروعه، فقد ضرب صفحًا عن كثير مما عدّه متأخرًا عن أصل الداء، وكتب في «رسالة الاجتهاد» بحثًا في ستة موانع تحول دون الاجتهاد في هذا العصر.
أما المانع الأول فهو دخول أهل البدع والأهواء من باب الاجتهاد، وتشويه الشرائع الإسلامية وهدم الأصول الإيمانية باسم الاجتهاد والتجديد؛ فقد جعلت الأحداث الأخيرة، لا سيما الانهزام الحضاري والاستيلاء المادي على العقل الإسلامي، تربة خصبة لأمثال هؤلاء المخربين. [2، صص. 553-565]
والمانع الثاني هو أن الضروريات الدينية والقطعيات الإيمانية قد أهملت، مما يعني أن هجر الفقه الأكبر، الذي هو أصل الأصول، والانصراف نحو الفقه الأصغر والفروع الجزئية، جناية عظيمة بحق الأمة.
والثالث كثرة المشتتات الفلسفية والسياسية التي جعلت الإنسان المسلم ينصرف عن رضا الله إلى رضا الحزب والفرقة، فلا يؤمن جانب من يتستر بعباءة الاجتهاد.
والرابع أن أغلب المدعين لهذه الدعوة هم الملوثون بالأغراض الدنيوية، المتسترون تحت رداء الاجتهاد.
والخامس الخلط والخبط في تطبيق القواعد، وعدم تمييز العلل من الحكم، وإقامة المصالح مكان العلل. وقد ضرب الأستاذ مثالًا على الخلط بين العلل والحكم:
«تُقصر الصلاة في السفر، فتصلى ركعتان. فالعلة في هذه الرخصة الشرعية السفر. أما حكمتها فهي المشقة. فإذا وجد السفر ولم تكن هناك مشقة، فالصلاة تقصر؛ لأن العلة قائمة، وهي السفر. في حين إن لم يكن هناك سفر، وكانت هناك أضعاف أضعاف المشقة، فلن تكون تلك المشقات علة القصر.» ([2]، الكلمة السابعة والعشرون: رسالة الاجتهاد)
كرس الأستاذ بديع الزمان حياته للدفاع عن الحقائق الإيمانية، مقدمًا هذا المقصد على ما سواه من المقاصد الأخرى.
ولم يقتصر على هذا، بل ضرب مثالًا كذلك عن الغلط في تطبيق القواعد، فقال:
«إن القاعدة الشرعية: «الضرورات تبيح المحظورات» ليست كلية، لأن الضرورة إن لم تكن ناشئة عن طريق الحرام فإنها تتسبب في إِحلال الحرام؛ وإلا فالضرورة التي نشأت عن سوء اختيار الفرد، أو عن وسائل غير مشروعة لن تكون حجة ولا سببًا لإباحة المحظورات ولا مدارًا لأحكام الرخص.» ([2]، الكلمة السابعة والعشرون: رسالة الاجتهاد)
وسادس الموانع وآخرها بُعد أهل العصر عن روح الشريعة وعدم فهمهم لحقائقها، خلاف السلف الصالح الذين نشؤوا وتربوا تربية نقية على أيدي الصحابة. وإذا نظرنا في هذه الموانع التي ذكرها الأستاذ، نستطيع أن نسوغ رأيه كل التسويغ؛ إذ إن الدولة قد ذهبت، والفلسفات المادية والحجب قد أبعدتنا تمام البعد عن فهم روح القرآن وحقائق الشريعة الغراء. وقد فصل الشيخ ما أجمل في هذه الرسالة في كليات رسائل النور. [2، صص. 553-565]
بين إقبال والنورسي: اختلاف السياق واتفاق المقصد
استعرضنا مذهب المصلحين، وقد آن لنا الأوان أن نستخلص الدروس والعبر والنتائج، غير مغفلين دائمًا أننا في كل قراءة وكل بحث في مشاريع المصلحين والمجددين ينبغي ألا نعزل كلامهم عن سياقه، وأن ننظر في دوافعهم ودواعي العصر الذي أنتجوا في ظله مشاريعهم.
وإن كان قد ظهر هناك اختلاف وبون بين الأستاذ والسيد إقبال، فإن بينهما اتفاقات أيضًا. فقد أخذ محمد إقبال شيئًا من الموانع التي ذكرها الأستاذ بعين الاعتبار، ولا سيما عدم مناسبة الزمن واختلاف الحالة الروحانية والإيمانية، إذ نجده يقول في «رموز بي خودي» ما معناه الواضح في هذا الباب:
اجتهادٌ في زمانِ القهقرى
يذهبُ الأقوامَ منه شَذَرَا
اقتداءٌ برسومِ الأولين
هو أولى، لا اجتهادَ الغافلين
لم يُصِبْ آباؤنا بالهوس
طَهُرَتْ أعمالُهم كالأنفُس
فكرُهم كان رقيقًا مُرهفًا
فعلُهم أوفى بشرعِ المصطفى
فكرُ الرازي ونجوى جعفر
أينَ؟ والعربُ هداةُ البشر [3، ص. 92]
ولعله لا يعدو أن يكون الاختلاف ناشئًا، في المقام الأول، من الاختلاف في الوقائع التي عايناها. فبينما كان محمد إقبال رجلًا يؤسس لبناء دولة، ويتطلع إلى نموذج حضاري معين، ويشكل في ظل تحولات العالم الإسلامي رؤية نابعة من قراءته للقرآن والواقع الذي عايشه في الهند، لا يجب أن نغفل نشأة الرجل ودراسته في العالم الغربي التي أثرت في شيء من أفكاره.
والعلامة، فيما أعلم، ألقى هذه المحاضرات في ثلاثة أماكن مختلفة: مدارس، وعليكرة، وحيدر آباد، والجامعة العثمانية. وكانت هذه المؤسسات الثلاث فيها هذا النفس التوفيقي، كما كان يسعى إلى تصدير نموذج إسلامي جديد. فبين رجل يقف على أنقاض خلافة، ورجل يضع حجر أساس لدولة، بلا شك اختلاف لا يمكن القفز عليه.
فمحمد إقبال كان يرى شكلًا جديدًا للعالم الإسلامي، حيث يقول السيد:
«ويخيل لي أن الله جل جلاله يغير السبيل أمامنا تدريجيًا إلى أن الإسلام ليس قومية، ولا فتحًا ولا استعمارًا، وإنما هو رابطة أمم تسلم بما بينها من حدود صناعية وتشعر بما بينها من فوارق جنسية قصد بها تسهيل التعارف بين الشعوب، لا تقييد الأفق الاجتماعي لأعضاء هذه الرابطة.» ([4]، ص. 197؛ انظر أيضًا [5]) [1، ص. 197]
فخلاصة الأمر أن السيد إقبال كان يقرأ هذه التغيرات وينادي بنموذج إسلامي جديد يقوم أساسه على الاجتهاد والتجديد الديني الأصيل النابع من منبع القرآن الكريم، والمستنير بأنوار السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، متتبعًا في ذلك المناهج لا النتائج.
فقه اللحظة: الاجتهاد وسؤال الأولويات
إنني أريد أن أعود إلى وجهة نظر الأستاذ بديع الزمان، والتي لها من الوجاهة والدقة نصيب كبير، ولا سيما في ظل دعوات متزايدة في زماننا إلى الاجتهاد والتحرر؛ بعضها لا يراعي مقتضى الحال، وبعضها يتجاوز حدود البحث العلمي إلى توظيف شعار الاجتهاد في غير موضعه.
فضلًا عن أننا لم نستفرغ الوسع بعد في دراسة القديم السابق لنأتي بجديد محدث، وما زلنا نقرأ تراثنا بأدوات غربية أحيانًا. مضيفًا إلى ذلك أن الاجتهاد ليس الإتيان بشيء جديد لم نسبق إليه، إنما استفراغ الوسع في درك حكم الله.
إن القرنين الماضيين شهدا حربًا شعواء على التراث الإسلامي والأصول الإيمانية، ومن كانت هذه حاله فلن يستطيع أن يعزل النظر عن هذه الهجمة ويتفرغ لبناء الأصول وتشييد أعمدة النظر. ومن يترك هذه الهجمات وراء ظهره وينزع نحو الاجتهاد، فإنه يكرر غلط يوم أحد.
فكما وصف الأستاذ زمانه، أن المذاهب الأربعة كفتنا مؤنة التركيز على الجزئيات، وما فيها كاف، ولابد لنا من التركيز على بناء الأصول الإيمانية وترسيخ دعائم الحقائق الربانية، حتى نسمو ذاك السمو الروحي ونتصل بتلك التجربة الشعورية الراقية التي كانت تهيئ الاستعدادات، وتفجر القدرات، وتزيل الحجب عن الفكر.
غير أننا في هذا الزمان اقتصرنا في تطبيق ديننا على الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، فنحن في معزل عن السير وغيرها من الأبواب الفقهية.
وإذا نظرنا في تاريخ الاجتهاد الإسلامي، الذي كان في أوج عطائه وفي أسمى صوره في القرون المفضلة، لعلمنا، كما يصف العلامة إقبال روح الثقافة والحركة الإسلامية، أن هذه الحركة لم تظهر بهذا الشكل المذهل إلا أثناء توسع رقعة الأمة وانتشار الدين وتأدية الحدود والفرائض والاحتكاك بشعوب أخرى، فكان لابد من إعمال الفكر والنظر ابتغاء مرضاة الله وإقامة شرعه.
إن هذا الاجتهاد كان ثمرة شجرة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وهذه الشجرة بذرة كلمة طيبة، وهذه الكلمة الطيبة لن تخرج إلا بجماع كل خلية من لسان الأمة المتمثلة بالأفراد على أن ينطقوا، وحينئذ تختلف الأصوات باختلاف الاستعدادات، وتظهر مدارس الاجتهاد، وتختلف التفسيرات، وتُجنى الثمرات.
والأمة سابقًا كانت في شبابها وأوج عطائها، فكانت في حركة مستمرة حسًا ومعنى. أما اليوم، وقد ساد الركود، فإن محركات الاجتهاد بذاتها أيضًا توقفت؛ إذ لم يعد هناك فتح إسلامي، والمستجدات لا تطابق أصلًا روح الشريعة، فضلًا عن أن يتكلف لها تأويل أو اجتهاد. والحركة لا تقتصر على الفتوحات والحركات التبليغية، بل تمتد لتشمل العلمية والروحية، ومن رحم هذه الحركات الطاهرة يخرج علينا العز وابن دقيق العيد وابن تيمية والسبكي، ويتحرك وجدانها وجيوشها نحو قبلتها الأولى، فيظهر عبد القادر وابن قدامة كأحد أذكياء العالم.
والمنهج الاجتهادي منهج حر اندفاعي، بعكس روح حياتنا اليوم؛ فإننا منذ القرن العشرين اتخذنا المنهج الدفاعي، فنحن في خط الدفاع وقَفص الاتهام وقاعات المحاكمة.
ولست أقول إننا يجب أن نضرب صفحًا تمامًا عن الاجتهاد الفقهي؛ فإن مراجعات كثيرة قد جرت في القرنين الماضيين في مختلف الأقطار الإسلامية. ودعوى مراجعة الحديث الشريف التي دعا لها السيد إقبال قام بها الشيخ الطاهر بن عاشور خير قيام، كما نهض الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في المغرب، واجتهد في فتواه التي غلب فيها المصلحة وأفتى بإخراج زكاة الفطر نقدًا، مستنبطًا هذا الحكم من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين.
وهذا اجتهاد جزئي محمود. غير أننا إن أردنا الحديث عن الاجتهاد المطلق، فإنني أرى أن هذا الاجتهاد التشريعي لا يكون إلا في ظل حرية إسلامية حقيقية، ورؤية كونية متجسدة في دولة عادلة قائمة بأمر الله.
حينئذ تنفتح مغاليق الفكر بمفتاح ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، فيخرج العلماء الطبيعيون والمبتكرون المتحررون، وتتلاقح الأفكار، ويتخرج الأئمة والأعلام المجتهدون.
ولعلي أقتبس من الأستاذ النورسي قوله:
«إذا ما عاشت الآن هذه الحرية الشرعية العادلة ولم تفسد، فستنـكسر أغلال فكر الإنسان، وتتحطم الموانع الموضوعة أمام استعداده للرقي، فتتوسع ميدان حركته سعة الدنيا كلها. حتى إن قرويًا مثلي يستطيع أن ينظر إلى إدارة الدولة التي هي في أوج العلا كالثريا، ويربط نوى الأماني والاستعدادات هناك. وحيث إن كل فعل وطور يصدر يلقى صداه هناك، لذا ستتعالى همته كالثريا، وتتكامل أخلاقه بالدرجة نفسها، وتتوسع أفكاره بقدر سعة الممالك العثمانية، وسيَسْبق بإذن الله الأفذاذ من أمثال أفلاطون وابن سينا وبسمارك وديكارت والتفتازاني.» ([6]، ص. 470) [4، ص. 470]
إنني لست أنكر آراء العلامة إقبال إنكارًا تامًا، ولست أقول كذلك بإغلاق باب فتحه الله، إلا أنني، فيما أرى، وبما حبانا الله به من هدي الوسطية، بدأت أنحو منحى سويًا وأنهج نهجًا وسطًا قويًا. وإذا نظرنا اليوم إلى حال الأمة الإسلامية في مختلف الأقطار، على ما فيها من الوهن والضعف، إلا أننا نرى ثمارًا لفكرته التي قال بها: إن الإسلام رابطة أمم، كما نرى اتجاهًا حقيقيًا إلى بث روح الإيمان والإصلاح واتباع النظر بالعمل، ولا سيما وقد أيقظت أحداث الطوفان هممًا، ونبهت ضمائر، وأنارت عقولًا.
المراجع والمصادر
1. إقبال، محمد. «تجديد التفكير الديني في الإسلام». ترجمة عباس محمود؛ راجع مقدمة الكتاب والفصل الأول عبد العزيز المراغي، وراجع بقية الكتاب مهدي علام. القاهرة: دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2006. وقد اعتمدت الإحالات في المتن على الصفحات 175، 189، 197، 204، وعلى الصفحات 203-206 فيما يتصل بتفسير إقبال لأسباب الركود، وعلى الصفحات 212-213 فيما يتصل بالإجماع والهيئة التشريعية البرلمانية.
2. النورسي، بديع الزمان سعيد. «الكلمات»، الكلمة السابعة والعشرون: «رسالة الاجتهاد»، ترجمة إحسان قاسم الصالحي. مواضع الاستشهاد بالموانع وأمثلتها في ص. 553 وما بعدها، ولا سيما ص. 565 في مسألة العلة والحكمة وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات».
3. إقبال، محمد. «ديوان الأسرار والرموز». ترجمة عبد الوهاب عزام. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. القصيدة: «في بيان أن التقليد في زمن الانحطاط أولى من الاجتهاد»، ص. 92.
4. النورسي، بديع الزمان سعيد. «صقيل الإسلام»، ترجمة وتحقيق إحسان قاسم الصالحي، ص. 470، في «الحقيقة الثالثة» من خطاب الحرية، في حديثه عن أثر الحرية الشرعية العادلة في توسيع أفق الفكر والاستعداد للرقي.
الكاتب محمد اليوسف


