المقالات

الإسلاموفوبيا في بلاد المسلمين: عن حظر الدولة للحجاب

إبراهيم إسماعيل

باحث في الأديان والفلسفة والتيارات الفكرية

تداول الناس مؤخرًا مقاطع فيديو تُظهر طالبات ومعلمات محجبات مُنعن من دخول المدارس في أذربيجان بموجب تعميم رسمي. والأذريون شعبٌ من الشعوب التركية، وقد سبقتهم تركيا إلى اتخاذ قرار مماثل قبل عقود، ثم طوت هذا الملف بعد سنوات من الإكراه. وقبل أيام وقف زعيم الحزب الذي تبنّى هذه السياسة لينصح الأذريين بعدم سلوك الطريق نفسه، فكانت نصيحةً ممن اقترف الخطأ نفسه بيديه، ثم انكشف له عواره بعد فوات الأوان.

لا تختلف مبررات الحكومة الأذرية عن مبررات العلمنة القسرية في البلدان العربية والإسلامية التي شهدت محاولات من السلطة لإكراه المجتمع على تبنّي الأنماط التي تريدها وتدفع باتجاهها. ومن أبرز هذه المبررات الزعم بأن الحجاب عادة دخيلة على المجتمع.

ليست هذه المبررات جديدة بطبيعة الحال، فقد ترددت على ألسنة كل من سلك هذا الطريق من قبل. وقد لاحظ الصدر الأعظم للدولة العثمانية سعيد حليم باشا أنّ النخبة السياسية العثمانية التي أسست الجمهورية لاحقًا، تتعامل مع المجتمع بطريقةٍ بائسة، إذ تفترض أنه بلا جذور أو هوية أو تاريخ أو أعراف، وكأنه وُلد اليوم، فهو أشبه ما يكون بلقيط لا ذاكرة له. ووفقًا لهذا التصور؛ يُفترض أن يسلّم المجتمع زمام أموره إلى تلك النخبة المتغرّبة، لتخبره بأنّ هويته تبدأ بالتمرد على ماضيه وتاريخه، وأنّ عليه أن يرضى بأن يكون طفيليًا يرضع الوعي الأجنبي، لا في صورته المعرفية والتقنية، وإنما في أنماطه السلوكية كالعلاقات المفتوحة والاستهلاك والفردانية وغير ذلك.

لقد اختُزل التحديث في مثل هذا الواقع في استيراد نموذج ثقافي واجتماعي بعينه، وترتب على ذلك التعامل مع المجتمع المحلي كما لو كان صفحةً بيضاء ينبغي إعادة الكتابة عليها. وبدلًا من أن يكون التحديث عملية تستوعب حاجات المجتمع وتستند إلى تاريخه وخصوصيته؛ فإنه يتحول إلى مشروع لإعادة تشكيله قسرًا، ويغدو التخلي عن الموروث شرطًا للالتحاق بالعالم الحديث!

كتب أحد المعترضين على قرار حظر الحجاب: «إن كان الحجاب عادة مستوردة، فمنذ متى كان التعري جزءًا من ثقافة الشعب؟». يذكر ابن فضلان في رحلته الشهيرة قبل أكثر من ألف سنة أنه مرّ بأقوام من الترك قبل إسلامهم، وأنهم لم يكونوا يعرفون الزنا، وأنّ من ثبت عليه ارتكاب فعل من هذا القبيل شُقّ نصفين، إذ كانوا يربطون قدميه بغصنين ثم يشدّونهما حتى ينشق جسده. ولم يجد ابن فضلان فيما رآه من إباحية بين الروس ما يشبهها بين الأتراك، فهم -حتى قبل إسلامهم- لم يتبنّوا أنماط التعري. وبوجه عام فقد كان الستر فضيلة لدى أغلب شعوب العالم، وكانت معظم الديانات التي يدين بها البشر تحث عليه، وإن اختلفت صوره وتفاصيله.

في التجربة السورية شهدنا محاولات للإكراه على نزع الحجاب، وسُجّلت وقائع تعلقت بخلعه أو بالتمييز ضد المحجبات، ومع أنّ حافظ أسد عدل عن الحرب الصريحة على الحجاب، فإنه لجأ إلى أساليب أكثر نعومة استهدفت التأثير في الوعي العام، من خلال تقديم صورةٍ تربط بين التقدم وبين نزع الحجاب، أو توحي بتعارضه مع الكفاءة والنجاح والمشاركة في الحياة العامة. وقد اضطلعت بعض المسلسلات بهذا الدور بوضوح، فلم يكن الحجاب حاضرًا في مجتمعات النخبة، وإنما كان يُرى في العشوائيات وفي زيّ خادمات المنازل، والغاية من ذلك ربط شكل اللباس بالتقدم الاجتماعي أو التخلف عنه.

ومع ذلك لم تستطع هذه المحاولات إلغاء حضور الحجاب في المجتمع السوري، ولا إقناع الناس بأن تدينهم يتعارض مع التعليم والثقافة والكفاءة. فقد استمرت المحجبات في الحضور في مجالات التعليم والعمل والحياة العامة. وبذلك لم تتمكن سياسات التضييق ولا محاولات التأثير الناعمة من إحداث القطيعة التي أرادها أسد.

فإذا انتهت تجربة من سلك طريق الإكراه العنيف -كما كان الحال في تركيا- أو طريق الأسلوب الناعم -كما كان الحال في سوريا- إلى الفشل في فرض قيم مستوردة على إرادة الشعب؛ فلماذا يسلك البعض اليوم طرقًا مجرّبةً لم تُفضِ نتائجها إلى ما أراده أصحابها من قبل؟!

قبل نحو قرنٍ أو أكثر ساد تصوّر راهن أصحابه على أنّ التحديث سيؤدي تلقائيًا إلى تراجع الدين. لكن هذا الرهان فشل، وقد دفع هذا الفشل باحثين في تاريخ الأديان إلى مراجعة التصورات التي ربطت تقدم المجتمعات حتمًا بانحسار الدين. فالدين ليس ظاهرةً يمكن إزاحتها بقرار سياسي، بل هو جزء من الهوية، ويمدّ الإنسان بتصورات عن نفسه وعن العالم الذي يعيش فيه. ولهذا فإن محاصرته لا تؤدي بالضرورة إلى اختفائه، بل قد تفضي إلى اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وحين تتحول محاربة التدين إلى مواجهةٍ مع ما هو جزء من فطرتهم؛ فإنها تغدو معركة خاسرة، لأنّ مغالب الفطرة مغلوب ولو عاند وجدّف عكس التيار حينًا من الزمن.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى