المقالات

العزلة والخلوة الروحية: بين التكامل النفسي والانعزال المجتمعي

الدكتورة مجد عبد المجيد قمر

يسعى الإنسان في رحلته على هذه المعمورة لتلبية حاجات ثلاث تتكامل لتكوين شخصيته المتوازنة: حاجة الجسد من مأكل وملبس وتناسل… وحاجة العقل للإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تلح عليه باستمرار، وحاجة الروح لتغذيتها بالعبادة والصلة بالخالق.

بهذه المنظومة المتكاملة ينشأ الإنسان القادر على تلبية حاجاته الذاتية، وخدمة المجتمع الصغير الذي يعيش في كنفه،  والإنساني الكبير الذي يحيط به.

غير أن هذه الحاجات ليست ثابتة على وتيرة واحدة، فالروح تهرم كما يهرم الجسد، وتحتاج من وقت إلى آخر إلى غذاء يعيد لها صحتها ونشاطها، لتكون قادرة على العطاء وعمارة الكون من جديد. وهنا يأتي دور الخلوة الروحية، كوسيلة للاستمداد والعطاء بعد ذلك.

الخلوة: وسيلة للبناء والعطاء لا منهج حياة مستمر

الخلوة أو العزلة المؤقتة تعد وسيلة من وسائل الاستمداد الروحي وصفاء النفس وتقوية البصيرة. اعتمدها السلف الصالح – رضوان الله عليهم – كوسيلة استعداد للعطاء والبناء، وأعلى صور الإيجابية في عمارة الكون. إنها محطة شحن للروح، لا مكان إقامة دائم.

ويبين أبو طالب المكي في (قوت القلوب) (1/ 173) أثرَ الخلوة على القلب فيقول: “وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق، وتجمع الهم بأمر الخالق، وتقوي العزم على الثبات، إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية، والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس؛ لفقد مشاهدتها بالأبصار، لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته، وعندها توجد شهواته ولذاته. وقد قال بعض العلماء: من كثرت لحظاته دامت حسراته. والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الاهتمام بها” .

لكن أيهما أفضل؟ العزلة أم المخالطة؟

يذكر البيهقي في (الزهد الكبير)، (ص/ 92).  اختلاف العلماء في هذه المسألة، فيقول: “اختلف العلماء في العزلة والمخالطة: أيتهما أفضل؟ مع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن فوائد وغوائل. وأكثر الزهاد اختاروا العزلة، وممن ذهب إلى اختيار العزلة: سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وداود الطائي والفضيل وبشر الحافي في آخرين. وممن ذهب إلى استحباب المخالطة: سعيد بن المسيب وشريح والشعبي وابن المبارك في آخرين، ولكل طائفة فيما ذهبت إليه حجج” .

ثم يعلق البيهقي تعليقاً دقيقاً: “واعلم أن اختلاف الناس في هذا أيضا كاختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة، وقد ذكر أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص” .

وهذا هو مفتاح الفهم الصحيح للمسألة: الأمر ليس حكماً مطلقاً يصلح للجميع في كل الأزمان، ويشهد المرء ذلك من نفسه، فكثرة الاختلاط مع الناس تورث عبئًا وقد تورث همّا وأثقالًا، حتى تفتقر الروح إلى صلة أقوى بالخالق، وتذكير بالمبدأ والمعاد، والتزود بنصيبها من الصلة مع الباري جل وعلا، لتعود بعد ذلك إلى توازنها، وتخدم المجتمع ويعم نفعها.

وليس الأمر – لا سيما في زماننا هذا-  كما يتوهم البعض، ويختلط الأمر عليه في فهم الخلوة حتى يظن أنها منهج حياة دائم،  ويقوده ذلك للانقطاع الدائم عن الناس والمجتمع.

ولئن وجد في سيرة السلف من انقطع للتعبد في شطر من حياته، فإن ذلك لا ينبغي – إن صلح لشخص بذاته – أن يكون منهج حياة للجميع. وإلا فمن سيعمر الكون إن انقطع الكل في دائم الأزمان؟

بل إن الغزالي في (إحياء علوم الدين) (3/ 403) يحذر من خداع النفس حتى في العزلة، فيقول: “نعم، وقد يترك الرياسة ويؤثر الخلوة والعزلة وهو مع ذلك مغرور، إذ يتطول بذلك على الأغنياء ويخشن معهم الكلام وينظر إليهم بعين الاستحقار، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، ويعجب بعمله، ويتصف بجملة من خبائث القلوب وهو لا يدري، … وكل ذلك خدعة وغرور من الشيطان نعوذ بالله منه” .

هذا تحليل نفسي عميق لخطورة تحويل العزلة إلى غاية، وكيف يمكن أن تتسرب الأمراض القلبية تحت ثوب الزهد.

الاعتدال: بين الانقباض والانبساط

يقدم الغزالي – مستنداً إلى قول للإمام الشافعي – القاعدة الذهبية في هذه المسألة، فيقول: “إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقًا بالتفضيل نفيًا وإثباتًا خطأ، بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله، وإلى الخليط وحاله، وإلى الباعث على مخالطته، وإلى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة، ويقاس الفائت بالحاصل، فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل. وكلام الشافعي رحمه الله هو فصل الخطاب إذ قال: “يا يونس، الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط”. فلذلك يجب الاعتدال في المخالطة والعزلة ويختلف ذلك بالأحوال. وبملاحظة الفوائد والآفات يتبين الأفضل. هذا هو الحق الصراح وكل ما ذكر سوى هذا فهو قاصر، وإنما هو إخبار كل واحد عن حالة خاصة هو فيها ولا يجوز أن يحكم بها على غيره” .

هذا النص يؤصل منهجاً نفسياً واجتماعياً متوازناً: لا عزلة مطلقة تصلح للجميع، ولا مخالطة مطلقة تنفع كل أحد. الأمر يرتبط بالحال والشخص والباعث.

غاية الخلوة الصحيحة

يكشف ابن أبي الدنيا في كتابه (العزلة والانفراد) (ص/ 80) عن غاية  الخلوة النافعة فيقول: “ويهيج من حب الخلوة: القنوع، والتوكل، والرضى بالكفاف، والاستغناء بالعفاف عن الناس….ويهيج من حب الخلوة: الإنصاف للناس، والإقرار بالحق، وإذلال النفس بالتواضع، وترك العدوان”

لاحظ أن ثمرة الخلوة الصحيحة هنا هي “الإنصاف للناس” و”إذلال النفس بالتواضع” و”ترك العدوان”، أي أن مخرجاتها اجتماعية وإيجابية، لا هروب وانعزال.

الغاية الكبرى: عمارة الكون

الغاية الكبرى من العزلة هي ربط القلب بالآخرة، والمساهمة في عمارة الكون، الذي ينبغي أن يكون من أكبر مقاصد العبد:  فقد جاء في كتاب (الذريعة إلى مكارم الشريعة) للراغب الأصفهاني(ص/ 164)  “والأعمال ثلاثة: عمارة الأرض: المعنية بقوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وعبادة الله تعالى: المعنية بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وخلافته: المعنية بقوله تعالى: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) وقوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)” .

فالعبادة والخلافة وعمارة الأرض ثلاثية متكاملة. الخلوة تخدم العبادة وتقويها، ولكن ثمرتها الحقيقية تظهر في الخلافة والعمارة.

لذا يصور لنا أبو طالب المكي النموذج الأمثل للصلة بين الخلوة والعطاء، فيقول في حديثه عن سير الصالحين: “فكان أحدهم إذا انقطع إلى الله تعالى واشتغل به، واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب، وكانوا عنده في الخلوة بين يديه لا يذكرون سواه ولا يشتغلون بغيره، فإذا ظهروا للناس فسألوهم، ألهمهم الله تعالى رشدهم ووفقهم لسديد قولهم، وآتاهم الحكمة ميراثاً لأعمالهم الباطنة عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية…” (قوت القلوب) (1/ 232).

إنها دورة متكاملة: خلوة للاستمداد، ثم ظهور للناس بالعطاء والحكمة.

صورة الخلوة

لا نتحدث هنا عن مجرد الخلوة بين جدران غرفة بعيدًا عن الناس، بل الخلوة تعني الاشتغال بذكر الله والأنس به، والتزود من ذلك للخروج بعدها إلى الناس بهمة عالية وروح لا تتطلع إلى بقايا الدنيا الزائلة.

يقول الحارث المحاسبي في (رسالة المسترشدين) (ص/ 70).: “واستعد الصَّبر لكل موطن والزم الخلوة بالذكر، واصحب النعم بالشكر، واستعن بِاللَّه فِي كل أَمر واستخر الله فِي كل حَال”  فالخلوة هنا مقرونة بالذكر والاستعداد، لا بالهروب والانكفاء.

 وأنّى لهذه النفس التي تزودت لآخرتها أن تظلم أو تفسد أو تعيث في الأرض فسادًا، بل سيكون مقصدها الله، والدار الآخرة، هيأها الله لخدمة خلقه، وعمارة الكون بما يرضيه.

تلك الخلوة تعيد للنفس توازنها في هذا الصخب الذي يحيط بها في عالم كثرت ملهياته وفتنه ، كما تذكر الإنسان بالأسئلة الوجودية الكبرى التي تلح عليه باستمرار، لذا يقول ابن عطاء الله السكندري في (حكمه): “ما نفع القلبَ شيءٌ مثل خلوة يدخل بها ميدان فكرة” . الخلوة إذن ميدان للفكر، ومحطة للتزود، ونافذة يتنفس منها القلب.

إنها أنفاس الروح العميقة، ولكن هذه الروح إن لم تعد لتُحيط جسد المجتمع وتحركه، تبقى روحاً هائمة بلا جسد.. فلتكن خلواتنا محطات نستمد منها الطاقة، لا كهوفاً نختبئ فيها من الحياة.

والله المستعان، وعليه التكلان، والحمد لله رب العالمين.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى