
إيران بين نابين
حين غُلبت الروم، كانت ديانتها نصرانيةً وكان الفرس مجوسًا، ففرح حينذاك مشركو مكة بهزيمة أهل الكتاب ووجدوا في ذلك فألا حسنًا، إذ أسقطوا الواقعة على واقعهم مستبشرين أنهم منتصرون على من صبأ عن دين أجدادهم، لكن القرآن الكريم عاجلهم باستشراف مستقبل قريب يداهمهم ويعكر صفوهم، حين بشر المؤمنينَ أنّ الروم من بعد غلبهم سيغلبون، ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم:4)
وهذه بشرى، لأنّ المؤمنين يحبذون انتصار ملة الإيمان على الشرك في كل زمان ومكان.
ثم بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ها نحن أولاء نشهد حربًا طرفاها رومٌ ويهودٌ لم يعودوا أهلَ كتاب، وفرسٌ لم يبقوا على مجوسيتهم، وقد تبدّلت الظروف والأحوال، وتشابكت آراء الاصطفاف بتعقّد المشهد حتى أمسى الحليم حيرانا.
فمن رأيٍ يرجح الوقوف القلبي – إذْ ليس بالوسع أقصى من ذلك- إلى جانب الجهة التي يُظنُّ أنها ملة الإيمان، على الطرف الظالم جلي الظلم، إلى رأيٍّ على النقيض يرى أنّ ملة الإيمان هذه قد سفكت دماء المسلمين هنا وهناك، وعاثت في الجوار فسادًا في سبيل مدّ نفوذها ونشر عقيدتها، إذ دأبت على حرب جوارها السني ولم تشأ التصالح معه يومًا.
وقد تتقلّب الآراء بين هذا وذاك فيدعو داعٍ بالدعاء المأثور (اللهم أشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين) ولا ضير في ذلك وقد فعلها نوحٌ عليه السلام: ﴿فدعا ربه أني مغلوب فانتصر﴾ (القمر: 10)
فبأي الآراء نأخذ؟ وإلى أين يجب أن تميل قلوبنا؟ وهل إصدار فتاوى شرعية تلزمنا بتأييد أحد طرفي النزاع، يحل الإشكال أم أنّ الأمر أعقد من ذلك؟
تجليات السنن الإلهية
لا تقفُ آيات الروم عند وعدٍ بنصرٍ يغيظ المشركين، بل تتوسع لتأخذ بالقلوب والألباب إلى عوالم أخرى يجب أن يتنبه إليها المؤمنون على الدوام، ولا تقف أذهانهم عند ماجريات بعينها تأسر أفهامهم في نطاقٍ ضيق. ولتتبين ههنا سنةٌ إلهية لا تتبدل منذ أن بدأ التكليف وإلى يوم الوعيد، ألا وهي سنة الله في نصر عباده المؤمنين وخلافتهم للأرض وتمكينهم وتمكين دينه الذي ارتضاه لهم.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47)
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51)
وسنة وجود أعداء الحق على الدوام ليكون هناك تدافعٌ وابتلاءٌ يتميز به الخبيث من الطيب.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 112)
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 251)
إذن لقد انتقلت آيات الروم بقلوب سامعيها من فهم نتائج معركةٍ بين صفّين إلى فهم سننٍ شاملةٍ تسير عليها الحياة لا بدّ للمؤمن من إدراكها حتى تتوضح له سياقات الأحداث والماجريات. فالمعركة الكبرى ما هي إلا بين الحق والباطل، يجد المؤمن نفسه بين ثناياها مبتلىً بأخذ موقفه واختيار اصطفافه حتى لو بدا الباطل براقًا يسحر الألباب، والمؤمن يصدق وعد الله تعالى بنصر ملة الإيمان، فالغلبة للإسلام، والدين الحق ماضٍ لا توقفه أحداث كبرى ولا صغرى، من لحق به فاز ومن ضعف واستكان ومال لملة الكفر فقد خسر.
المؤمن فطنٌ، يدلّه قلبه ورشاده إلى المسلك السليم والمنهاج القويم الذي يحتم عليه المضي فيه، ولا يقع في فخ الهوى ولا ينخدع بالمصطلحات المستحدثة، فهذا المسلك إنما بدأ بآدم ولا ينتهي إلا يوم انتهاء الحياة، فأمام أي حدث أو قارعة تحيط بالمؤمن ما عليه إلا أن يفهم السياق الكلي لوجوده، والغاية من استخلافه، ورسالته الخالدة على الأرض، فهو ليس هنا حكمًا بين متشاجرين، يحتم عليه أن يميل في كل صراعٍ إلى إحدى الطائفتين، إذ ليست كل الصراعات دائرةً بين حقٍ وباطل، بل الكثير منها ليس للمؤمن فيها شأن، طالما لا تخدم رسالته ولا تهددها، فهو له مهمةٌ أسمى وأعظم وهي عمارة الأرض بقيم الإصلاح، كي تعمّر له الجنة.
وتسير آيات الروم بقارئها بنسق يخرجه من التقوقع داخل حادثةٍ محدودةٍ زمانيًا ومكانيًا إلى محيطٍ هائلٍ يطلعُ فيه على ماضيه وحاضره ومستقبله، مستقبله حتى بعد موته.
سنؤكلُ إن أُكلتْ
وهذا رأيٌ وازنٌ معقولٌ، فأعداء الأمة حريصون على تفتيتها وضرب أطرافها ببعضها البعض، وتمزيقها حتى لا يكون هناك خطرٌ لا يأمن الكيان جانبه، ووجود قوى إقليمية موازية إنما يحقق التوازن ويضع أمام أطماع الكيان حدودًا تمنعه من التوسع، ولا يختلف إثنان على أن إضعاف هذه القوى يصبُّ في كفة المعتدي المغتصب، وأنّ زوالها يجعل منه (يسرح ويمرح) كيفما شاء.
لكن، هل كانت هذه القوة الإقليمية حريصةً على وحدة الصف، وحماية البلاد والعباد من شر الطغيان، ووضع الحدود أمام أطماع المعتدي؟ وقد شهد العالم بأسره تغولها واستبدادها وإجرامها في المحيط، حتى نسي الناس طغيان الكيان أمام عنتها. فهل سنؤكل إن أكلت؟
أولم نؤكل بعد؟
إنّ قوةً إقليميةً عاثت فسادًا في بلاد المسلمين لا يمكن أن تكون رادعةً لطغيانٍ يستهدف ملّة الإسلام، وحال المسلمين اليوم بائسة، والابتلاء صعبٌ، في ظل غياب القوة الإسلامية التي يمكن أن تجابه الطغيان، والمسألة يمكن أن تُفهم في نسق التحديات العامة التي تبنى عليها الخطط الاستراتيجية لقوى متصارعة على مصالحها، ربما اتفقت حينا على عدوٍ مشترك، فسامته ألوان العذاب. وإذا كانت القوتان المتصارعتان قد غرزتا خنجرهما في جسد الإسلام والمسلمين عميقًا، فإن الخلاص لا يُرتجى من إحداهما، وإنما يتحقق بامتلاك أسباب القوة، وفهم سنن النصر ودعائمه.
إلى من نميل؟
إذا كانت عقولنا تعمل بطريقة المغالطة الثنائية (False Dilemma) فإننا سنلزم أنفسنا بخيارين وحيدين هما (إما/ أو) وسنلزم الآخرين كذلك بهما بذريعة أنّ المسألة لا تخرج عن هذين الخيارين، فإما أن تميل قلوبنا إلى هذه الجهة التي نظن أنها ملة الإيمان- بدليل أنها تجابه الكيان جليّ الظلم- أو أن نفرح بقصّ أجنحتها وأرجلها وأذرعها بذريعة أنها استخدمتها في الجور على المسلمين، فتميل قلوبنا رغمًا عنا إلى الجهة التي شنّت الحرب وفرضتها بهدف سحق كل قوة قد تنمو وتهدد مصالح الكيان ولو بعد مئة سنة، وإبقاء ما يحيط به هشًا بكل ما لهذه الكلمة من أبعاد.
وللخروج من هذه المغالطة لا بدّ من البحث عن الخيار الثالث والبدائل الممكنة، وإدراك أنّ معظم القضايا الإنسانية ليست ثنائية، بل متعددة الأبعاد، وطرح أسئلة تساعدنا في فتح الآفاق أمام الخيارات المختبئة تحت ركام الصور النمطية والقوالب الجاهزة التي نعتاش عليها، من قبيل:
– هل هناك حلول وسطية أو خيارات أخرى؟
– هل عليّ أن أميل إلى إحدى الطائفتين؟
– ما هي عواقب وتبعات الميل إلى إحداهما؟
ولا بدّ من التفريق هنا بين الشعوب وحكامها في اتخاذ قرار الميل، فالسلطة الحاكمة الجبرية لا تمثل توجه الشعب، والشعب فيه الأخلاط، مسلمون من طوائف شتى وغير مسلمين، بُرآء مما تتهم به سلطتهم، واقعون في الابتلاء، لا يجدر بالمسلم إلا أن يرفع أكفّ الضراعة بأن يكتنفهم اللطف الإلهي وتحتويهم رحمته التي وسعت كلّ شيء، فالشعب شيءٌ والسلطة شيءٌ آخر، لم تجمعهما بوتقةٌ واحدةٌ.
ولا بدّ من الحذر الشديد من أن تتقاذفنا الأهواء والآراء فننقسم على أنفسنا نتيجة صراعٍ هدفه تقسيمنا- نحن المقسمون- وأن نرجع إلى الركيزة الثابتة التي تجمعنا، والرسالة العالمية التي نحملها على أكتافنا، وننظر إلى الأمر في سياق السنن الإلهية، ونراجع مواقعنا من حيث امتلاكنا أسباب النصر، وتراكم أسباب الهزيمة فوق رؤوسنا، لنشحذ الهمم ونجدد النوايا ونلوذ بالصبر أمام هذه المحن، فالله مع الصابرين.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46)
فالأحداث المتقلبة والصراعات المحتدمة ليست إلا تجلياتٍ لسنن الله في خلقه، يبتلي بها عباده ليميز الخبيث من الطيب، ويُظهر صدق الإيمان من زيف الادعاء، وما على المؤمن إلا أن يثبت على رسالته، ويستمسك بحبل الله المتين، ويوقن أنّ النصر وعدٌ إلهي لا يتخلف، وأنّ العاقبة للمتقين.
وبالعود إلى أجواء سورة الروم وسياقها نجدها تربط أحوال الناس بأحداث الحياة، تجمع الماضي بالحاضر والمستقبل، وتبرز السنن الإلهية في خلقه.
وفي ضوء هذا الارتباط فإن كلّ حركةٍ، وحادثةٍ، وكل نصرٍ وهزيمةٍ إنما بقانونٍ دقيقٍ وسنةٍ لا تتبدل.
﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 62)
وأنّ مردّ الأمر كله لله ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾.
وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نضعها نصب أعيننا في سعينا لفهم الأحداث وتقديرها، بوصفها الحقيقة التي تنشأ عنها جميع التصورات والمشاعر والقيم والتقديرات، والتي بدونها لا يستقيم تصورٌ ولا يصحّ تقدير.



