خصائص الحضارة الإسلامية 15
العدل أساس الملك وركيزة العمران
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
في مقالنا هذا سنتحدث عن العدل، فقد أعطى الإسلامُ العدل أهميةً عظمى، فالعدل أساس الملك، ومِلاك الأمر كلِّه، وجِماع الخير ورأس الفضيلة، وعليه تتوقف السعادة والطمأنينة في المجتمعات، وبه يأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. والحضارات التي قامت على العدل عمّرت ودامت.
يقول ابن تيمية رحمه الله:«إنَّ اللهَ يُقيم الدولةَ العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الدولةَ الظالمة وإن كانت مسلمة». فالعدل لازمٌ لقيام الأوطان وبقائها، يقول ابن خلدون في مقدمته: «إنَّ الظلم مؤذنٌ بخراب العمران». فالعدل في الإسلام سِمته الرئيسة، ومبتغاه لتحقيق العدالة الكليّة.
العدل في القرآن الكريم
عبّر القرآن الكريم عن العدل بثلاث كلمات: العدل، والقسط، والميزان، ووردت هذه الألفاظ في القرآن الكريم تسعًا وخمسين مرة، فالعدلُ فريضةٌ شرعيةٌ وواجبٌ على كل من أُوكلت إليه المسؤولية، وهذا كتاب الله يخاطب نبيَّه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الشورى: 15]
فالعدل مأمورٌ به الانبياء ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحديد (25)
وأمر الله تعالى بإقامته في كل الأمور، فقال سبحانه: ﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: 9].
وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
والعدل مطلوبٌ من الرعية فيما بينهم ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: 135)
العدل في الإسلام شامل: مع النفس، مع الآخرين، مع المخالفين، ومع الرعية، وهو أساس قيام الحضارات واستقرار المجتمعات.
والعدل مطلوبٌ مع المخالف لك أيًا كان مسلمًا أو غير مسلمٍ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]
ومطلوبٌ من الراعي مع رعيته فيكون بذلك أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله، كما في الحديث: «إمامٌ عادلٌ…» [متفق عليه].
العدل في السنة الشريفة
والعدلُ مطلوبٌ من الآباء مع أولادهم، والأزواج مع زوجاتهم، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اعدلوا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البرّ واللطف» [رواه البخاري ومسلم ].
وهو أيضًا مطلوبٌ من كلِّ راعٍٍ مع رعيته، وكلّ وليٍّ مع من ولاّه الله أمره، مهما عظمت هذه الولاية أو صغرت، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.
العدل في وجه الظلم
وبالمقابل إذا حثّت الشريعة على العدل فقد حذّرت من الظلم وبيّنت عاقبة الظلم، ففى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة» [رواه مسلم].
وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ» [رواه البخاري ومسلم )].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من طلب قضاءَ المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار» [رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].
أثرالعدل في بناء الحضارة
أوضح النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عظمة العدل، حين شفع في المرأة المخزومية التي سرقت، فقال: «أتشفع في حدٍ من حدود الله؟!… وايم الله، لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» [متفق عليه: البخاري، ومسلم ].
وكان صلى الله عليه وسلم يحثّ على العدل كثيرًا، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» [رواه مسلم].
وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: «لا تُقدس أمة لا يُقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع» [رواه الطبراني في الكبير ،وصححه الألباني].
أقوالٌ مأثورةٌ لسلف الأمة ومواقف خالدة في العدل
قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: «لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل». وقال سعيد بن سويد بحمص في خطبته: «أيها الناس، إنّ للإسلام حائطًا منيعّا وبابًا وثيقًا؛ فحائط الإسلام الحقّ، وبابه العدل. ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتدّ السلطان، وليست شدته قتلاً بالسيف ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاءً بالحق وأخذًا بالعدل».
وقال ابن حزم رحمه الله: «أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبّه، وعلى الحق وإيثاره».
وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إليه بعض عمّاله يقول: «إنّ مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لها مالًا يرمّها به فعل»، فكتب إليه عمر:«قد فهمتُ كتابك، وما ذكرت أنّ مدينتكم قد خربت، فإذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل، ونقِّ طرقها من الظلم، فإنها مرمّتها، والسلام».
وكتب إليه واليه على خراسان يقول: «إنّ أهل خراسان قومٌ ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك»، فكتب إليه عمر: «أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه أنّ أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم، والسلام».
خاتمة
فالعدل في الإسلام ركيزةٌ عظيمةٌ، وبه تستقيم الحياة وتدوم الحضارة، وسنتحدث في المقالات القادمة بإذن الله عن العدل الربّاني والعدل الجنائي والعدل الاجتماعي ولا يسعنى فى نهاية المقال الا أن ندعوا بهذا الدعاء:
(اللهم اجعلنا من أهل العدل والإنصاف، ولا تجعل في قلوبنا ميلًا عن الحق أو ميلًا إلى الهوى، اللهم كما أمرتنا بالعدل فوفقنا إليه قولًا وعملًا، واجعلنا ممن يعدلون في أهليهم ومن ولّيتنا في أمرهم ، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وارزقهم قادةً عادلين، وأنزل على قلوبنا السكينة، والطمأنينة، والهداية).
اللهم آمين. والحمد لله ربّ العالمين.



