
صناعة الحَمَلة والمصلحين لبنة النهضة الحقيقية للأمة!
أمل الشيخ
مقدمة
إنّ الأمّة الإسلامية التي كانت يومًا عزيزة، ومنارةً للعلم والعمل والفكر
والقيم والأخلاق؛ تواجه اليوم تحدّيات معقّدةً تهدّد قدرتها على حمل الهمّ والقيام من جديد وتحقيق نهضتها المنشودة، فضلًا عن مواجهة سياسات الحروب والدمار الممنهجة عليها، وانتشار التفاهات بين الشباب خاصّة، ومحاربة المصلحين، وتغييب كثير من قادات الإصلاح والتربية؛ كلّ ذلك يسهم في توسيع الفجوة بينها تقدّمها، وتحول بينها وبين سبيل عزّتها ومواجهة أهل الشرّ.
وعليه فإنّ
صناعة الحَمَلة والمصلحين ليست رفاهيةً فكريةً، بل مركزيّةٌ من أهمّ مركزيات الإصلاح، وضرورةٌ عمليةٌ وشرعيّةٌ لنهضة الأمة واستعادة قوتها.
ولنتأمل وحي السّماء لمّا قال على لسان زكريا عليه السلام: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مريم 5،6
فإنه لمّا أدرك أنّ التغيير يحتاج حملةً حقيقيّين قال: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا- يكون ممن يصطفيهم الله تعالى لحمل دينه- ومَن يظنّ أنّ التغيير يمكن أن يقوم من غير حملةٍ برَرة مخلصين يحملون الهمّ ويسعون للعمل؛ فهو واهمٌ. هؤلاء الأفراد يحملون شعلة التغيير، لا التأثير فحسب، ينشرون الوعي، ويصحّحون مسار المجتمع وفق القيم الشرعيّة والأخلاقيّة، وهمُ الطرف الأهم في سنّة النصر من جهة الأسباب بإذن الله.
فما هي أسباب الحاجة للمصلحين؟
وما هي الصفات التي يجب أن يتحلّوا بها، وما هي سبُل إعدادهم بطريقة عمليّة تحقّق أثرًا فعليًّا في المجتمع.
الحاجة لصناعة الحمَلة والمصلحين:
إنّ من أولى الأوّليات اليوم؛ العمل على صناعة المصلحين، ثم العمل على تفعيلهم لسدّ ثغور الأمة وتلبية احتياجاتها المختلفة. ونحن إذْ نقول “أولى الأوّليات” ففي هذا إشارة لقلّة من ينطبق عليهم هذا الوصف في زماننا، والله المستعان.
فتأمّل معي أيها القارئ الكريم الواقع المعاصر للأمة، ستجد ملامح ظاهرةً له، منها: كثرة الانشغال بالدنيا، اختلال ميزان المركزيات، انتشار التفاهات وسفاسف الأمور، الشهوات والشبهات، ضعف البنية الشرعية والفكرية التي تقوّم صاحبها وتزيده يقينا، وضعف المبادرات الفردية والمجتمعية مما أدى إلى فراغ قيادي واضح وضعف القدرة على التوجيه والتغيير فضلًا عن التأثير.
وكذلك نجد ملامحَ كانت نتيجةً لسياساتٍ ممنهجةٍ على الشباب خاصةً، منها:
- انغماس الشاب في دوّامة مشاكله الذاتية التي فرضها عليه المجتمع حتى لا يلتفت لغيرها.
- وعلى نقيض هذا النموذج؛ نجد نوعًا آخر منغمسٌ في الملذّات والترفيه ومواطن الراحة حتى فتنته وأشغلته وصرفته عن التفكير بحال أمّته الجريحة!
- وكذلك، الاضطرابات المعاصرة: الانقسام السياسي والاجتماعي، وضغط الإعلام وتزييفهم للحقائق، والتأثّر بثقافات الغرب والخطاب المدني، والقائمة تطول.
كل هذه الأسباب أدّت إلى إبعاد الحَمَلة عن المشهد، وهم أساس الأمر ومبدؤه!
صفات الحَمَلة والمصلحين:
بعد الإقرار بمركزيّة مرجعية الوحي عمومًا وفي الإصلاح خصوصًا؛ نجد بعد التتبُّع أنّه قد دلّنا على صفاتٍ للحَمَلة. نحو قوله تعالى:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ آل عمران 79
وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُ﴾ الأحقاف 35
وقوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ﴾ القصص 26
وغيرها من الآيات الهادية لمرادنا..
إذن فللحَمَلة صفاتٌ، وقبل أن نتعرّف عليها لا يفوتنا أن نشير إلى كتابٍ جوهريّ أساسيّ في موضوعنا، وهو كتاب «بوصلة المُصلح» للداعية أحمد السيّد، وقد فصّل فيه الطريق بدقّة، هو نورٌ بإذن الله للعاملين الساعين للبذل، ونقتطف من الكتاب مصادر معرفة صفات المصلحين، وهي إجمالًا:
– الوَحيين؛ القرآن والسُّنة.
– سِيَر المصلحين وقراءتها قراءة متطلّبة للاقتداء والاهتداء والتأسّي.
– التجارب الإصلاحية التاريخية والمعاصرة.
– القراءة الجيّدة للواقع، ومعرفة إشكالاته وتحدّياته وموازين القوى المؤثرة فيه، ولغة التأثير المتصلة به والفرص المتاحة. لنقُل معرفة بخارطة الواقع عمومًا.
وذكرَ الداعية كذلك سبعةَ عشر صفة للمصلحين، هي:
العبودية لله عز وجل، التسليم لمرجعية الوحي والانطلاق منها، اليقين، الصبر، التزكية وحياة القلب، العلم، العمل، القوة، الوعي، الحكمة، الدُّربة والتجربة والخبرة، المسؤولية، العزّة، الرحمة بالمؤمنين واللين معهم والرفق بهم، العدل، الربانية، وأخيرًا؛ الصدِّق.
وأنصح في هذا المحور ثانيةً بالرجوع إلى هذا الكتاب، والسلسلة المرئية المرفوعة على الشبكة بنفس الاسم للداعية نفسه، فإن أُسّست يومًا ما مدرسةً للإصلاح؛ فسيكون هذا الكتاب بلا شكّ من أهمّ مقرراتها وموادها، نظرًا لما احتواه من شمولية في الطرح، وتوفيقٍ واضحٍ كبيرٍ بحمد الله.
سُبل إعداد الحَمَلة والمُصلحين:
تأمّل عزيزي القارئ هذا المشهد:
(امرأةٌ جديدةٌ عهدٍ بالإسلام لم يسعفها الوقت لتأخذ منه وتنهل؛ تُعذَّب على أيدي أقوى الأقوياء من بني قومها بأشدّ الطرق وأفظعها؛ محاولين ثنيَها عن هذا الدين فأبَت، حتى أفضت الروح إلى بارئها لتُصبح أول شهيدة في الإسلام!)
معلوماتنا الشرعية ربّما تكون أكثر من التي تعرفها سُميَّة رضي الله عنها، لكن كيف صَبَرتْ أمام تلك الفِتنة العظيمة، وما الذي ثبّتها؟ هل كان الأمرُ خاصًّا بسُميَّة؟ أم هي المعاني التي حملتها سُميَّة؟
وهنا مربط الفرس. فصِناعة الحَملة لا تكون إلا بتربية استثنائية على منهاج النبوّة؛ يُبنى فيها المسلم على صفات المصلحين التي بيّنها الله في كتابه، وربّى عليها أنبياؤه أصحابَهم وحواريّيهم، فيخرج جيل التجديد على منهاج النبوة، كما تخرّج من قبلهم جيلُ الحَملة الأمناء على منهاج النبوة!
وهذه التربيّة النبوية تبدأ من تعليم الإيمان والتزكية وبثّ اليقين للنشء الذي سيكون لهم عدّة وزادًا على طول الطريق وعند الشدائد.
في حديث جندب قال: «كنّا مع النبي ﷺ ونحن فتيان حزاورة، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا».
ثم بعد الإيمان يأتي الاستهداء بالقرآن والسنة وتحكيمهما والإقرار بمرجعيّتهما في التربية.
وحسبُك أنّ تتأمّل معي أوّل شيءٍ وجّه ليحيى عليه السلام: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ مريم 12
ولذلك لا يوجد مصلح ليس لديه انطلاقٌ حقيقيٌ من الوحي ومحبّةٌ له وتحكيمٌ لهذه المرجعيّة.
وهذه التربية المنشودة لن تحصل إلا بعونٍ من المولى وتوفيقه، ثمّ اتخاذ السبل العمليّة لذلك، منها:
– مقاومة التفاهة.
– مركزة المركزيات.
– الاهتمام بالعلم النافع لا سيّما التاريخ والسنن الإلهية. فالتاريخ يتكرّر، والسنن تُخرج المرء من ضيق الأزمة إلى سعة الحكمة، وتكون دافعة بعد ذلك للعمل والثبات.
– الاهتمام بالمحاضن التربوية والإكثار منها على نهجه ﷺ.
– العناية بالشباب ومشكلات أوساطهم، وسُبُل جذبهم وتحفيزهم، وتفعيل أدوارهم في العمل للإسلام والمجتمع، وربطهم بالواقع.
– التوجيه والقدوة، وهذه المساحة واسعة، والأعلام كثُر والحمد لله.
– المشاركة في الأعمال والمشاريع التطوّعية؛ الواقعية والإلكترونية – وهي البديل المناسب مع التضييق الحاصل في واقعنا اليوم- ودمجهم مع الواقع ومشكلاته، وتمكين الطاقات والمواهب الكامنة فيهم؛ كلٌّ بما فتح الله له.
دور الفرد والمجتمع:
إننا اليوم بحاجة ماسة لتكاملٍ إصلاحيٍ حتى نرى ثمرةً تسرّنا بحول الله، ولن يحصل التكامل إلا بالفرد الواحد والمجتمع ككلّ.
فالفرد في نفسه عليه مسؤولية؛ من تربية ذاتية، ودوام تزكية، وحرص على ما ينفع، وتعليم مَن يعول، ومبادرة صادقة ليكون جزءًا من هذه المشروع الإصلاحي الكبير.
أمّا المجتمع؛ فهو مجموع الأفراد نفسها، يتعاونون على دعم المصلحين بالمال والتشجيع، والمشاركة وتوفير الفرص، كلٌّ حسب استطاعته.
فهذا التكامل -بإذن الله- نأمل أن يخلق مجتمعًا واعيًا متماسكًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر وتحقيق نتائج ملموسة ونهضة حقيقية.
خاتمة
إن كنّا نرجو النصر حقًّا، فلا يجب أن نهوّن من هذا الأمر الذي هو أهم ركيزة كما أسلفنا، والطرف الأهم في سنة النصر من جهة الأسباب، بل هو الطريق لاستعادة العزّة والقوّة التي سلبوها. وعلى كلٍّ منا أن يستعين بالله ويبدأ بنفسه وإصلاحها، ثمّ مَن حوله؛ لنكون جميعًا جزءًا من هذا البناء الصالح.
ولنكن على يقين أنّ هذا الدين منصورٌ، ولكنه شرف؛ يختار الله له من يشاء، وأيّ شرفٍ أفضل من أن يختاركَ الله لتقوم بدينه وترفع لواءَه وتسعى لعزّة أمّة نبيّه؟ فاحتسب وسل الله السداد والتوفيق.
وأقتبس في خاتمة هذا المقال نصيحة الداعية أحمد السيّد، ختم بها كتابَه «إلى الجيل الصاعد». قال:
«لا يستهيننَّ أحدٌ منكم بنفسه، ولا يتركنّ حِمل مسؤولية الأمّة لغَيره، وابدؤوا من اليوم بالعناية بأنفسكم؛ فالأيام تمضي، والمستقبل قريب، والعمر قصير، والأمّة تنتظركم!».


