
الحضارة الإسلامية وإنسانية النزعة
تكريم الإنسان في ضوء القرآن والسنة
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرف الأنبياء والمرسلين.
تحدَّثنا في المقالات السابقة عن إنسانيّة الإنسان، واليوم نتحدث عن إنسانيّة التكريم، إنّ إنسانية التكريم في الإسلام ليست شعارًا بل منظومة متكاملة من القيم والتشريعات والسلوك، ووضع الإسلام من التشريعات ما يضمن كرامة الإنسان ليعيش حرًا كريمًا بغضِّ النظر عن دينه ولونه وجنسه، فهذا الحق سبحانه وتعالى يوم قرَّر خلق آدم عليه السلام أخبر ملائكته بأن سيخلق بشرًا من صلصالٍ من حمأٍ مسنون، وأنه تبارك وتعالى سينفخ فيه من روحه، وأنّ على الملائكة الكرام السجود لآدم عليه السلام.
أولًا- صور تكريم الله تعالى لآدم عليه السلام؟
1.الإخبار بخلق آدم وتكريمه قبل وجوده
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)﴾ [سورة الحجر].
إنّ هذا احتفاءٌ عظيمٌ بخَلق آدم قبل أن يخلق، وكان التكريم الأول لآدم عليه السلام
2. خلق آدم بيد الله تعالى
أمّا التكريم الثاني فهو أنّ الله سبحانه خلق آدم بيده، وهذا أعظم تكريمٍ لآدم عليه السلام:
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [سورة ص: 75].
3. سجود الملائكة لآدم
أما التكريم الثالث فهو سجود الملائكة لآدم عليه السلام:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].
4. تعليم آدم الأسماء كلها
والتكريم الرابع أنّ الله علَّم آدم الأسماء كلها:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَـٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾ [البقرة: 31].
5. إسكان آدم الجنة
والتكريم الخامس هو إنزال أبينا آدم الجنة مع أمنا حواء:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 35].
ثانيًا- تكريم عام لبني آدم على سائر المخلوقات
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
فقد ميّز الله تعالى البشرَ عن سائر المخلوقات بالعقل، وهو مناط التكليف بالشريعة الإسلامية، كما خلقه في أحسن صورة، ذو قوامٍ منتصبٍ عن بقية سائر المخلوقات:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ [الانفطار]،
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، وعلمه الكلام والبيان:
﴿ٱلرَّحْمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ ٤﴾ [الرحمن].
وقد كرَّمت الشريعة الإسلامية الإنسان في حياته وبعد مماته.
ثالثًا- صور من تكريم الإنسان في حياته
من صور تكريم الإنسان في حياته:
- أن حرّم قتل النفس، فجعل جريمة القتل من أشد الجرائم التي توعّد الله فاعلها بأشدّ العذاب في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]،
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33]،
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ)
وقال: (لاَ يَزَالُ الْمُسلم فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا)
وقال: (كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى أَنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ إِلاَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا بِهِ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ).
- كما حرَّمت الشريعة الإسلامية على الإنسان التعدي على نفسه بإزهاق روحه، فجعل ذلك حرامًا عليه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 129].
وفي الحديث: (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَماتَ، فَإِنَّهُ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا أَبَدًا…).
- وذكرنا أنّ مما كَرَّمَ الله به الإنسان العقل،
- فالعقل في الإسلام مناط التكليف، وهو وسيلة التمييز بين الحق والباطل، وهو شرطٌ رئيسي للقيام بالواجبات الشرعية كالصلاة والصيام وغيرها،
قال رسول الله ﷺ: (رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (رواه أبو داود والترمذي). وهذا أعظم دليلٍ على أنّ العقل شرط التكليف. وقال ﷺ: (لا دين لمن لا عقل له) (رواه الطبراني).
لذلك حرَّم الإسلام كل ما يُفسد العقل (كالخمر والمخدرات)، فالخمر محرَّمة نصًّا من القرآن، والسنة شدَّدت على تحريمها ولعن كل من يشارك فيها، وهي من الكبائر، بل وصفها النبي ﷺ بأنها (أم الخبائث)
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].
وقال رسول الله ﷺ: (كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرام) (رواه مسلم)
وقال ﷺ: (ما أسكرَ كثيرُه فقليله حرام) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني)
وقال ﷺ: (الخمر أم الخبائث) (رواه النسائي وصححه ابن حبان).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (لعنَ اللهُ الخمرَ وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) (رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الألباني).
وقال ﷺ: (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها، حُرمها في الآخرة) (رواه البخاري ومسلم).
رابعًا- صور من تكريم الإنسان بعد مماته
كرَّمت الشريعة الإنسانَ بعد مماته، فأمرت بغسله وتكفينه واتباع جنازته ومواراته في التراب
والدعاء له بعد موته، والصدقة عنه، ومن صور هذا التكريم في الحديث الذي رواه عبد الله بن جابر رضي الله عنهما: (مرَّ بنا جنازة فقام لها النبي ﷺ فقمنا معه، فقلنا: يا رسول الله! إنها جنازة يهودي؟ قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا).
- كما حرم الاعتداء عليه بعد وفاته، قال النبي ﷺ: (كسر عظم الميت ككسره حيًا) (رواه أبو داود).
- كما حرم الإسلام التمثيل بجثث الموتى حتى لو كانوا أعداء، ونهى عن التعرض للموتى بسوء.
بهذا الاستعراض ندرك كيف كرّم الإسلامُ الإنسانَ وأعلى من قدره وشأنه قبل خلْقه ومع خلْقه وبعد خلْقه وبعد مماته، إنّها شريعة الله التي جعلها رحمة للعالمين، والحمد لله رب العالمين.



