المقالات

في وجع السّؤال وقلق الانتماء.. لماذا صار سؤال الدولة قَدَرًا؟

في ليلة دمشقية هاربة من جحيم الاستبداد، ساخنةٍ كجراحها، لطيفةٍ كأحلامها، مع ثلة من الشّباب على شرفة هادئة تطلّ على قاسيون؛ كان هواء المساء ممزوجًا برائحة الغبار والحريّة، وكانت المدينة تشبه جريحًا يبتسم رغم النزف، وكنّا نحاول أن نفرح، لكن كلّما انطلقت ضحكة، عادت الأسئلة المكلومة لتكتمها.

قال أحدهم بصوت متهدج: “تحرّرنا من الاستبداد، لكنّني ما زلت لا أعرف إن كانت الدّولة تحبّنا كما نحبّها”

قال آخر وهو يضرب أصابعه على سور الشرفة: “أريد أن أشعر أن الدّولة ليست سجنًا من جديد؛ ألا أخاف عندما أرى شرطيًا وألا أفزع عندما أرى سيّارة أمن؛ أريد أن أنتمي كما ينتمي الجذر إلى تربته، دون أن يُنتزع عنوةً من عمق روحه”

لم يكن الشباب حينها يفصحون عما في أعماقهم من سؤال الدولة بوصفه تنظيرًا فكريًا أو بحثًا فلسفيًا أو توصيفًا سياسيًا، بل بوصفه جرحًا يوميًا، وقلقًا وجوديًا، وصراعًا بين الحلم والخذلان.

من هنا تبدأ الحكاية، ومن هنا يبدأ السؤال؛ لماذا يطرح الشباب سؤال الدولة؟ ولماذا يعيشونه هاجسًا مؤرّقًا؟ ولماذا غدا قَدَرًا لا يفارق أرواحهم وعقولهم؟

جرح التجربة وخيانة الوعد

ما الذي يجعل جيلًا كاملًا من الشباب يقف كل ليلة أمام مرآة الوطن، ليرى وجهه الحقيقي وقد كسره انعكاس الدولة؟ إنه جرح التجربة، وخيانة الوعد.

لقد حمل الشباب في وعيهم إرثًا من الخيبات اسمه الدولة، دولة غائبة حين يحتاجونها؛ غائبة حين يتضور الفقراء جوعًا في المخيمات، غائبة حين يئنّ الجرحى في أقبية المستشفيات البائسة، غائبة حين تحترق حقول القمح، وحين تغرق القرى بالوحول، وحين تسقط الأحلام في البحر.

وحين تعود الدّولة إلى المشهد، تعود فقط بوجهها البارد؛ جابيًا للضرائب، جلادًا في الساحات، قيدًا على حرية التنفّس والكلام.

هكذا تحوّلت الدولة، في مخيّلة الشباب، إلى غولٍ بلا قلب، وآلةٍ ضخمةٍ تلتهم أرواح الناس وأحلامهم لتنتفخ وتكبر، ثم تدوسهم ثانية بأقدامها الثّقيلة.

إنّ هؤلاء الشباب لم يتعلّموا على مقاعد المدارس حبّ الدّولة بل حبّ القائد وتمجيده، ولم يرثوا من آبائهم قصص المجد الوطني فآباؤهم كانوا يكفرون بتلك الدول التي اختطفها فرعون وحوّلها إلى مزرعة خاصة له ولعائلته.

لقد كان الوطن في كتب القراءة في المرحلة الابتدائيّة وردةً وحلمًا؛ ثم لما كبروا وجدوه في قفصًا صدئًا وقيدًا يخنقهم ويكبّلهم؛ ولهذا يعيش الشباب اليوم هذا السؤال الملحّ: لماذا تخون الدولة وعدَها؟ لماذا يصبح المواطن غريبًا في وطنه؟

أليس الوطن هو حيث يشعر الإنسان أنه ليس غريبًا؟ لكن، في ظل دولةٍ بلا قلب، يجد المواطن نفسه غريبًا حتى عن بيته، حتى عن اسمه، حتى عن ذاته.

لهذا تتولّد الحسرة، ولهذا يُلحّ سؤال الدولة على جيلٍ كامل: هل الدولة التي تحكمنا لنا؟ أم ضدنا؟ هل هي ضامنة لحريّتنا؟ أم سجّانة لنا؟

إنّ من أكثر ما يخشاه الشباب أن يتحوّل الوطن إلى جثّة، وأن تتحول الدّولة إلى مقبرة، وأن يصبح الشعب مجرّد أرقامٍ في دفاتر إحصاءٍ لا روح لها.

إن الدّولة التي تغلق أفق الحلم أمام الشباب، وتجعل الانتماء إليها ضربًا من الانتحار البطيء، تفقد معناها الأسمى بوصفها كيانًا لحماية الكرامة الإنسانية.

فالكرامة لا تمنحها الأرض وحدها، ولا الاسم ولا الشّعار ولا العلم ولا النشيد؛ الكرامة يصونها أن يشعر المواطن أن الدولة تحبّه كما يحبّها، وأنها تعرف عنه أكثر مما تعرف عنه أوراق ثبوتيته.

إن الدولة لم تُكتب في الدّساتير فقط؛ بل في قلوب الناس أولًا، وحين لا يجد المواطن مكانًا له في قلب الدّولة، لا يجد الدّولة في قلبه.

وهنا يكمن جرحُ التّجربة؛ أن الدّولة في بلادنا ظلّت تقول للمواطنين: أنتم لنا، لكنّها في كلّ مفترق خذلتهم، وتركتهم في وجه الريح.

وهنا تكمن خيانة الوعد؛ أنّ الدولة التي وُعد بها الجيل الجديد دولة الحرية والمساواة والعدالة؛ لم تكن سوى نسخة جديدة من القيد، بل أشدّ وطأة من أيّ احتلال خارجي.

وهكذا صار سؤال الدولة عند الشباب سؤال وجود: هل يمكن حقًا أن نبني دولة تشبهنا؟ أن نحيا في ظلّ دولة لا تقتل أحلامنا؟ وهل يمكن أن نجد دولةً نثق بها كما تثق الأم بولدها؟ وهل يمكن أن نستردّ وطننا من بين أنياب الدّولة التي خانت وعدها؟

لهذا لا يكفّ الشّباب عن طرح السّؤال، ولا يكفّ هذا السّؤال عن النّزيف في ضمائرهم؛ لأنّ الجرح مفتوح، ولأنّ الوعد ما زال مخذولًا، ولأنّ الدّولة التي لا تحمل شعبها في قلبها تسقط في النهاية من قلوب الناس.

حين تكون الدّولة أداة قهر فقط، تفقد مشروعيتها، وتتحول إلى خطر يهدّد المجتمع بدلًا من أن يحميه، ومن هنا نفهم لماذا لا يستطيع الشباب، حتى في أقسى الظروف وأكثرها قتامة، أن يتخلّوا عن سؤال الدّولة؛ إنّهم يرون في الدّولة أفقًا لمستقبلهم، حلمًا ضروريًّا لمداواة انكساراتهم.

الدّولة بوصفها أفق المستقبل.. حلم الحرية ومأوى الكرامة

في رؤيته العميقة للعمران البشري، رأى ابن خلدون أنّ الدولة هي الضّرورة التي يفرضها الاجتماع الإنساني لصون العمران وحفظ الدّين والدنيا معًا، فالدّولة عنده ليست مجرّد سلطان مستبدّ، ولا عصبيةً غالبةً فحسب، بل هي كيان اجتماعيّ تُنبِتُه العصبية لتؤمن للناس حياتهم وتدافع عنهم، لكنها إن لم تُبْنَ على العدل انهارت بسرعة فإنّ “المُلك لا يتمّ عزّه إلّا بالشّريعة والقيام للَّه بطاعته والتّصرّف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشّريعة إلّا بالمُلك، ولا عزّ للمُلك إلّا بالرّجال، ولا قوام للرّجال إلّا بالمال، ولا سبيل للمال إلّا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلّا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرّبّ وجعل له قيّما وهو الملك” و”الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمّال”، كما ينقل في المقدمة.

من هنا نفهم أنّ الدّولة في أصلها عند ابن خلدون ليست حائطًا يجثم بالإكراه على قلوب الناس، وإنما سياج يُقام لحماية العمران وصيانته بالعدل.

على هذا المعنى يتجاوب الفكر الهيغلي الحديث، وإن بلغة أخرى وفلسفة أخرى؛ ففي فلسفة هيغل، الدولة ليست مجرد أداة قهر، ولا جهازًا تقنيًا لتسيير شؤون الرعية، ولا مجرد تعاقد بارد لحفظ المصالح، بل الدولة ـــ كما يصفها في مبادئ فلسفة الحق ــ هي “الوجود الفعلي للحرية”، أي اللّحظة التي تبلغ فيها الرّوح الإنسانيّة وعيها الكامل بذاتها، فتنتظم إرادات الأفراد في كيان جماعي واعٍ، يحقّق العدالة والمساواة وينظم الحرية لا ليمحقها، بل ليحميها ويضمن استمرارها.

هكذا تلتقي الحكمة الخلدونية والرؤية الهيغلية على أن الدّولة لا معنى لها إن لم تكن وسيلة لحماية العمران الإنسانيّ، وضمان حريّته وعدالته واستمراره.

فحين تكون الدّولة أداة قهر فقط، تفقد مشروعيتها، وتتحول إلى خطر يهدّد المجتمع بدلًا من أن يحميه، ومن هنا نفهم لماذا لا يستطيع الشباب، حتى في أقسى الظروف وأكثرها قتامة، أن يتخلّوا عن سؤال الدّولة؛ إنّهم يرون في الدّولة أفقًا لمستقبلهم، حلمًا ضروريًّا لمداواة انكساراتهم.

لأن الدّولة ليست فقط إدارة أو حاكمًا أو دستورًا، بل هي سقف الطّموح الجماعي، هي تجسيد الإمكانات الكبرى لمجتمع يريد أن يعيش بكرامة وعدالة وأمل.

حين يسأل الشباب عن الدّولة فهم في الحقيقة يسألون عن أنفسهم؛ عن حقوقهم الضائعة، عن مستقبل أبنائهم، عن معنى وجودهم في وطنٍ لا يعترف بإنسانيتهم.

إنهم يسألون عن الدّولة لأنهم يرفضون أن يكونوا مجرّد أفراد متروكين في العراء، يواجهون وحدهم شراسة السّوق وجشع الأقوياء واستبداد الحكام.

الشباب لا يريدون دولةً تصادر أصواتهم، بل دولةً تصغي لهم، وتمنحهم الحقّ في أن يشاركوا في تقرير مصيرهم.

يحلمون بدولة تقيم ميزان العدالة بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، بين المركز والهامش.

يحلمون بدولة لا يتساوى فيها الظالم والمظلوم أمام القانون لأن لا أحد يُظلم أصلًا.

يحلمون بدولة تجعل من كرامة الإنسان مركز سياستها، ومن العدالة الاجتماعية بوصلتها، ومن الحرية فضاءها.

الدّولة التي يحلم بها الشّباب ليست الدّولة التي يرثونها بفسادها ودمويتها ولامبالاتها، بل الدولة التي يصنعونها بأنفسهم؛ دولة تختلف عن الشّكل الكاريكاتيري الذي عايشوه؛ دولة لا تبتلعهم في بيروقراطياتها ولا تسحقهم في عجلة الضرائب والجهاز الأمني، بل تفتح لهم المجال ليكونوا مواطنين أحرارًا فاعلين.

ولهذا يظل سؤال الدولة ملحًّا عليهم؛ لأنهم يعرفون في أعماقهم أن سقوط الدّولة العادلة لا يعوّضه شيء؛ فالقبيلة لا تعوّض الوطن، والسوق لا تعوّض المجتمع، والطغيان لا يعوّض الأمن، والفوضى لا تعوّض الحرية.

الدولة العادلة هي الإطار الوحيد الذي يضمن للبشر أن يعيشوا معًا من دون أن يفتك بعضهم ببعض، ومن دون أن يستبدّ أحدهم بالبقيّة.

إن جرح التّجربة المرير مع الدولة كما ورثوه، وخيانة الوعد الذي بشّرتهم به الدولة كما عرفوها، لا يمنعهم من أن يتمسكوا بالمعنى الذي لأجله وُجدت الدولة أصلًا؛ ففي كل شاب يسأل عن الدولة ثمّة جملة تقول: لا نريد أن نصبح فرائس في غابة، ولا عبيدًا في قصر، بل مواطنين في وطن، وهذا هو بالضبط أفق الدولة بوصفه حلمًا، وواجبًا، وأداةً لتحقيق العدالة والكرامة والحرية.

من الدولة بوصفها جلاّدًا.. إلى الدولة بوصفها بيتًا

في الوعي الجمعي، غدت الدولة أشبه بجسدٍ ضخم بلا روح، وسوطٍ مرفوع على الدّوام، بينما تفتقد إلى الوجه الإنساني الذي يجعل منها كيانًا يليق بأن يسمى وطنًا.

إن خيانة الدولة لكرامة مواطنيها ليست خيانة لهم فحسب، بل هي خيانة لفكرتها هي، ولجوهر وجودها ذاته، فالدولة إن لم تكن بيتًا لمواطنيها، صارت سجنًا لهم؛ وإن لم تكن ضامنًا لحقوقهم، صارت هي المعتدي عليهم.

والوعي الذاتي لا ينشأ في ظل الخوف، ولا يمكن لشبابٍ يعيشون على فتات الحقوق أن يحققوا وعيهم الذاتي الحر في دولة تسلبهم صوتهم وتكسر ظهورهم تحت ثقل الامتيازات غير المستحقة.

ولعل أبرز ما يجعل الشباب يعيشون هاجس الدولة أنهم يرون أنفسهم أسرى بين خيارين أحلاهما مرّ؛ إما أن يبقوا ويخضعوا لدولة لا تحميهم ولا تمثلهم، وإما أن يرحلوا إلى المجهول. وكلا الخيارين إدانة للدولة بصيغتها الراهنة.

ولقد عبّر محمد الماغوط بسخريته المعهودة عن هذا المعنى في آخر إصداراته الذي جاء صرخة بعنوان “سأخون وطني” إذ يقول: “ومع ذلك، ما ان يغيب أحدنا عن هذا الوطن أسبوعًا أو أسبوعين حتى ينام والدّموع تغطي وسادته حنينًا وشوقًا اليه؛ ما العمل يا سيّدي؟ لا أستطيع البقاء فيه دقيقةً واحدةً، ولا أستطيع الحياة خارجه دقيقةً واحدةً؛ هل أقضي بقية حياتي في قاعة الترانزيت؟!”

هنا يتبادر إلى الذّهن قول جان جاك روسو في مستهلّ “العقد الاجتماعي”: “يولد الإنسان حرًّا، ولكنّه في كلّ مكان يجرّ بسلاسل الاستعباد”، وهذه الأغلال هي تجسيد للدولة حين تتحول إلى أداة قهر بدل أن تكون حارسًا للحريّة والكرامة.

إن الدولة البيت ليست طوباوية ولا ضربًا من الخيال، بل هي مطلب مشروع وأفق ممكن، شرط أن تتصالح الدولة مع فكرة العدل بوصفه جوهر وجودها، والكرامة بوصفها سبب مشروعيتها، والحرية بوصفها أساس عقدها الاجتماعي، ومن هنا، يبقى السؤال الذي يثقل ليل الشباب ونهارهم: متى تصبح الدولة بيتًا؟ ومتى تكف عن أن تكون جلاّدًا؟

إنّ من أعمق الأخطاء أن يحلم الشباب بدولة فاضلة بين عشية وضحاها، فبناء الدولة عقد طويل، متدرج، يحتاج إلى حكمة في ترتيب الأولويات، والمطلوب هو أن يتحركوا في حدود الممكن السياسي، ويصوغوا ميثاقًا وطنيًا مرحليًا، ثم يدافعوا عنه بندًا بندًا، حتى يستكمل البناء.

بين حلم المدينة الفاضلة وكابوس الدولة الفاشلة

يحلم الشباب بدولة فاضلة تشبه في خيالهم مدينة أفلاطون؛ دولة يحكمها العدل بوصفه قانونًا أزليًّا، تتوزع فيها الواجبات بحسب الكفاءة لا بحسب النّسب والولاءات للعائلة أو الجماعة الحاكمة، ويشعر فيها كل فرد أن صوته مسموع وكرامته مصونة؛ دولة؛ كما تخيّلها الفلاسفة، لا تميّز بين مواطنيها إلا بمقدار ما يقدّمونه للخير العام، وفي أذهان هؤلاء الشّباب الدولة العادلة ليست فقط قانونًا موضوعيًا، بل أيضًا روحًا تسري في المجتمع بأسره، تمنح الجميع شعور الانتماء والطمأنينة.

لكن الواقع يأبى إلا أن يصفعهم؛ فالذي يعيشونه يشبه كابوسَ الدولة الفاشلة؛ دولة أسيرة للطائفية والعشائرية وعصبيّات الجماعة أو العائلة الحاكمة، تلتهم ثروات شعبها باسم المصلحة الوطنية، وتطحنه في أتون المحسوبية والفساد؛ دولة تغرق في مستنقع البيروقراطية الثّقيلة، فيما تتسرّب مواردها وأحلام أبنائها إلى جيوب ضيّقة وعروش هشّة.

هنا، تتبدّى المفارقة المؤلمة؛ فإنّ ما بين الحلم الفلسفي والواقع البائس فجوة لا يمكن ردمها بسهولة؛ وفي كل محاولة لتجاوز الفوضى، تبدو الدولة أقرب إلى غابة من القوانين المتناقضة، وأشبه بكائن ضخم فاقد السيطرة على أطرافه، عندها يتساءل الشباب بمرارة: هل كتب علينا أن نظل مواطنين في دولة بلا مواطنة؟ هل يمكن أن نعيد للدّولة روحها العادلة؟ أم أننا محكومون بقدر تاريخي لا يرحم؟

هذا السؤال في جوهره ليس سؤالًا عن نظام الحكم فقط، بل عن معنى الدّولة ذاتها؛ أهي أداة لتحقيق مصالح نخبويّة وعائليّة أم كيان لتحقيق العدالة الجماعية؟ أهي مجرد جهاز إداري يدير الأزمات أم روح مدنية تجمع الشّتات؟

إن سؤال الدّولة، كما يعايشه هؤلاء الشباب، لا يتعلق بمجرد إصلاح سياسات أو تغيير حكومات، بل يتعلق بتفكيك بنية الدّولة المستبدة وإعادة بنائها من جديد، على أساس عقد اجتماعي أصيل، يحدد بوضوح: من يحكم؟ ولماذا يحكم؟ ولمن يحكم؟

يتساءلون: هل نحن مواطنون حقًا أم مجرد رعايا؟ هل نحن شركاء في صياغة حاضرنا مستقبلنا أم مجرد أدوات لشرعية زائفة؟

هكذا يتحوّل سؤال الدّولة إلى سؤال عن الحرية والمساواة والعدالة والكرامة والهوية في آن واحد، ولأنه سؤال بهذه السّعة وبهذا الثّقل فإنه لا يغيب عن أذهان الشباب لحظة واحدة؛ فهو يرافقهم في تفاصيل حياتهم اليومية، يتبدّى في صمتهم وغضبهم، في احتجاجاتهم ومطالباتهم، حتى في هجرتهم وصمتهم الإجباري.

في النّهاية، يدرك هؤلاء أن الحلم بالدّولة الفاضلة لا ينبغي أن يموت في نفوسهم، لأنّ موته يعني موت الإيمان بإمكان التغيير، لكنهم يدركون أيضًا أنّ أي حلم لا بدّ له أن يواجه الواقع بوعيٍ نقديّ، وأنّ أية دولة عادلة لا يمكن أن تولد إلّا حين يدرك مواطنوها أن العدالة ليست منحة من الحاكم، بل حق ينتزعونه بأنفسهم.

وهكذا يبقى سؤال الدولة قائمًا، كجرح مفتوح لا يلتئم، وأمل لا يخبو، ومثل حلم يظل يداعب مخيلة الأجيال مهما اشتد الظلام.

كيف يتحول السؤال إلى مشروع؟ بين الحلم والإنجاز

إن أصعب ما في سؤال الدّولة عند الشباب أنه غالبًا بلا جواب جاهز، وأثقل ما فيه أنه لا يحتمل التأجيل، ذلك أن الدّولة لا تنتظر حتى نكتمل فكريًا لنطالبها بالعدالة، ولا تمهلنا حتى ننضج لنصارحها بأننا نريدها بيتًا لا سجنًا.

ولهذا، فإن طرح السؤال هو بحد ذاته بداية الطّريق، ولكن السؤال وحده لا يبني دولة، إنه يحتاج إلى أن يتحول إلى مشروع، وأن ينزل من فضاء الحلم إلى أرض التّدبير.

وهنا تظهر مسؤولية الشباب في أن يحوّلوا سؤالهم من صرخة في الظلام إلى خارطة طريق؛ ولكن كيف؟

التأصيل الفكري للسؤال: قبل أي شيء، ينبغي على الشباب أن يحرروا مفهوم الدولة في أذهانهم من الرواسب التي علقها الاستبداد، أن يدرسوا الدولة كما هي في الشريعة والفلسفة والسياسة والتاريخ؛ بوصفها أداة لتنظيم الحرية لا لمحوها، ووسيطًا للعدالة لا للاستغلال، ومرآةً للجماعة الوطنية لا لعصبة ضيقة، وإنّ إعادة تعريف الدولة في وعي الشباب هو شرط أن لا يبقوا أسرى النماذج الفاسدة التي عايشوها.

على كل شاب أن يسأل نفسه: أي دولة أريد؟ ثم يبحث عن التجارب المقارنة، ويتعلم من إخفاقات دولته ومكاسب الدول الأخرى، وينسج النموذج الذي يليق بوطنه وواقعه.

تحويل السؤال إلى خطاب عام؛ لا يكفي أن يبقى السّؤال حبيس الجلسات الخاصة أو المقالات الفكرية، بل يجب أن يصبح سؤالًا اجتماعيًا عامًا، وحاضرًا في الخطاب السياسي، وفي الفنون، والصحافة، وفي منصات الشباب؛ وكلما ازداد السؤال حضورًا في الوعي الجماعي، زاد ضغطه على النّخب السياسية، وأصبح من الصّعب على الدولة تجاهله أو قمعه.

وإنّ من حق الشباب أن يفرضوا سؤال الدولة على الأجندة الوطنية؛ في الانتخابات، والدستور، وفي النقاشات العامة.

المأسسة.. من الحلم إلى المبادرة؛ ينبغي أن يدرك الشباب أن بناء الدولة ليس مهمة نظرية محضة، بل يتطلب مبادرات ملموسة؛ مثل تأسيس أندية ومنتديات حوار شبابية تطرح تصورات للدولة التي يحلمون بها، وإطلاق حملات مدنيّة لتثقيف المجتمع بأهمية العقد الاجتماعي العادل، والانخراط في النقابات والبرلمانات والمجالس المحلية لتجريب التغيير من الداخل، وإنشاء مراكز أبحاث مستقلة تصوغ أوراق سياسات ودراسات معمّقة عن إصلاح مؤسسات الدولة، وهكذا يتحول سؤال الدّولة من مجرد “رغبة” إلى “رؤية” ومن الرؤية إلى “خطة عمل”.

الوعي بالممكن والمرحلي؛ فإنّ من أعمق الأخطاء أن يحلم الشباب بدولة فاضلة بين عشية وضحاها، فبناء الدولة عقد طويل، متدرج، يحتاج إلى حكمة في ترتيب الأولويات، والمطلوب هو أن يتحركوا في حدود الممكن السياسي، ويصوغوا ميثاقًا وطنيًا مرحليًا، ثم يدافعوا عنه بندًا بندًا، حتى يستكمل البناء.

إن إدراك الشّباب أنّ الدّولة ليست كتلة صلبة بل بناء حيّ يمكن إصلاحه، هو ما يمنح السؤال طاقة الاستمرار والصبر على الطريق الطويل.

تجذير السؤال في الأخلاق؛ ينبغي على الشباب أن يدركوا أنّ الدولة التي يحلمون بها لن تكون أرقى أخلاقيًا من مواطنيها؛ فلا معنى لبناء دولة عادلة إن لم يؤمن المجتمع كله بقيمة العدالة، ولا معنى لدولة حامية للحريات إن كان الناس أنفسهم لا يصونون حرية بعضهم البعض، وإنّ ربط سؤال الدّولة بمنظومة الأخلاق العامة للمجتمع يضمن أن تكون الدولة تجسيدًا للقيم لا مجرّد جهاز سلطة.

بهذه الخطوات، يصبح سؤال الدّولة ليس مجرد وجع، ولا محض احتجاج رمزي، بل مشروعًا جماعيًا للبناء؛ مشروعًا يبدأ بالوعي، ويترجم بالخطاب، ويتجسد بالمبادرات، ويتدرج في الإصلاح، ويتجذر في الأخلاق الوطنية، وما لم يتحوّل سؤال الدّولة إلى مشروع على هذا النحو، سيبقى مجرد صدى في الفراغ.

أما حين يصبح مشروعًا، فإنه يصنع وطنًا جديدًا، ويثمرُ دولة على صورة مواطنيها، لا على صورة جلاديها.

وإلى أن يجد هؤلاء الشّباب الجواب، سيظل سؤال الدولة يؤرّقهم كل ليلة، لا لأنه ترف فكريّ، ولا لأنه مجرّد حُلْم مؤجَّل، بل لأنه سؤال الحياة ذاتها؛ سؤال عن معنى الكرامة، ومعنى أن يكون للإنسان وطن لا يشعر أنّه فيه غريبٌ ولا مهزومٌ ولا عارٍ من حقوقه.

في تلك الليلة الدمشقية، على تلك الشرفة، كنت أرى في وجوههم وهم يغادرون أن كل واحد منهم كان يحمل هذا السّؤال في صدره كما يحمل الجنديّ جرحَه في قلب المعركة، لأنّه يعلم أن الجرح هو الدّليل على أنه حيّ.

وإلى أن يجيء الجواب، سيظلون يطرقون أبواب المستقبل، لأنّ في داخل كل واحد منهم يقينًا عنيدًا بأن الدولة العادلة ليست مشروعًا مستحيلًا، بل استحقاقًا لا يُنتزع إلا بوعيٍ مرّ وصبرٍ طويل وصوتٍ لا يصمت. هكذا يظلّ سؤال الدولة هو سؤال الحياة في جوهرها العاري؛ سؤال الكرامة التي تأبى أن تنحني للطّغيان، وسؤال الوجود الذي يرفض أن يُبتلع في هاوية الفناء؛ إنه سؤال محفور في صميم أرواحهم، لا يملكون التفريط فيه، لأن التفريط فيه ليس سوى خيانة لأنفسهم، وانطفاء آخر شمعة من إنسانيتهم.

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

محمد خير موسى

كاتب وباحث متخصص في قضايا الفكر الإسلامي ومشكلات الشباب والتيارات الفكرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى