المقالات

العلاقات الدولية في الدولة الإسلامية الأولى

تُعد المرحلة النبوية من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي، إذ تمثل المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، فهي المرحلة التي تجسدت فيها المبادئ الإسلامية واقعًا حيًّا، وتُرجم فيها التشريع إلى ممارسات سياسية واجتماعية وإنسانية متكاملة. وعند التأمل في السيرة النبوية، نكتشف أنها حافلة بالمواقف والأحداث ذات الأبعاد العميقة في العلاقات الدولية، والتي تنسجم بوضوح مع طبيعة النظام الدولي آنذاك، مما يجعلها مرجعًا واقعيًا لصياغة النظرية الإسلامية للعلاقات بين الدول.

ومن أهم الأحداث في هذه المرحلة التي ترسم خطوط عريضة للعلاقات الدولية، وتشكل التعبير الدقيق عن كيف يرى الإسلام العلاقات الدولية، وماذا يجب أن تكون مخرجاتها ، هنا اتحدث عن صلح الحديبية، وعندما تقوم بتحليل هذا الصلح كممارسة سياسية واستراتيجية، تلاحظ أنه غير مسبوق في تلك المرحلة الزمنية، التي تتسم فيها الصراعات السياسية والقبلية بالرغبة الجامحة لإثبات القوة والدفاع عن العصبيات القبلية والعنتريات الشخصية، ولو أدت إلى كوارث على الطرفين المتصارعين.

لذلك يبدو هذا الصلح اختراق سياسي لجو متوتر ومدمر لكل الأطراف، يحتاج إلى قراءة سياسية حكيمة للواقع وللحلول المتاحة، ويمكن من خلاله للمسلمين أن يتعلموا الكثير في التفاوض الدولي، والعلاقات الدولية، وقيمها، وأهدافها.

من أهم ما يميز هذا الصلح أنه حقق مكاسب هائلة استراتيجيا، وفرت الأرضية الحقيقية لنهوض الإسلام، ولكي يصل إلى ما وصل إليه اليوم من قوة حضارية ودولية، لم يعد ممكنا القضاء عليه، ففي بنود هذا الصلح اعترفت قريش بالمسلمين كقوة مساوية لقوتها، دون أن تدرك أنها تفتح الباب لها لتكون القوة الصاعدة نحو قمة القوى الدولية أنداك.

بالمقابل استطاعت هذه الرؤية البعيدة النظر في إدارة ملف دولي لقوة ناشئة حكيمة، أن تنقذ هذه القوة الصغيرة وان تدفع بها لتصبح أعظم قوة خلال فترة قصيرة، وقد ظهرت نتائجها بشكل عاجل، حيث أنها فتحت الباب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعقد اتفاقيات مع القبائل الأخرى، واعطائه فرصة لنشر المشروع والفكرة الإسلامية بصورة أكثر أمنا ومرونة.

لقد انطوى صلح الحديبية على دلالة دبلوماسية واضحة، فقد حمل في طياته اعترافا ضمنيا من المشركين بالدولة الناشئة للإسلام، وهو اعتراف غير مسبوق به من قريش بأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعد ثائراً أو متمردا على نظام العلاقات بين القبائل آنذاك – كما كانت تدعي -، ونظام العلاقات بين القبائل يقابله نظام العلاقات الدولية بالمعنى المعاصر، لأن الصلح لا يعقد بين الدولة والثائرين عليها، وإنما يعقد بين هيئتين لهما شخصية قائمة، وهذا أول نصر لدولة الإسلام من حيث كيانها السياسي وقوامها الدولي [1]

صلح الحديبية بهذا الشكل يمثل نموذجا مميزا لإدارة الأزمات الدولية بطريقة مبدعة، تحصد الكثير من الأهداف في وقت واحد، ولم يكن صلح الحديبية وحده النموذج في العلاقات الدولية في المرحلة النبوية، بل كان أيضا اللجوء إلى الحبشة، والنجاح الكبير في توطيد علاقات لمجموعة ملاحقة مطاردة مع دولة قوية، كانت هذه العلاقة كافية لحماية أفراد الدعوة الإسلامية الناشئة، بل والحفاظ على حملة الدعوة من الفناء.

لقد كان هؤلاء السفراء المسلمين سفراء لقيم الإسلام قبل أن يكونوا مجرد ناقلين للرسائل، إذ تشربوا تعاليم دينهم في مجتمعاتهم وسلوكهم اليومي، فانعكست تلك القيم في ممارساتهم الدبلوماسية، مما أكسبهم هيبة ومصداقية أمام الملوك والحكام. لقد كان في سلوكهم ما يُرهب الخصوم ويثير إعجابهم في الوقت ذاته، لا بقوة السلاح، بل بقوة الأخلاق ووضوح الرسالة.

أيضا الرسائل التي كان يرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القبائل في الجزيرة العربية، أو في المرحلة اللاحقة إلى قيصر الروم أو كسرى الفرس، من الشواهد البارزة على عبقرية التواصل السياسي والدولي في العهد النبوي، تلك الرسائل التي بعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى القبائل العربية داخل الجزيرة، ثم لاحقًا إلى ملوك وأباطرة العالم آنذاك، مثل هرقل قيصر الروم، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس حاكم مصر، والنجاشي ملك الحبشة. هذه الرسائل لم تكن مجرد دعوات إلى الإسلام فحسب، بل كانت نماذج ناضجة للتواصل السياسي والدبلوماسي الراقي، تنطلق من قيم الإسلام الراسخة وتستبطن رؤيته للعلاقات الدولية.

لقد عبّرت تلك الرسائل عن وضوح الرؤية السياسية الإسلامية، التي جمعت بين الثبات على المبادئ واحترام الآخر، وبين الثقة بالنفس والاعتراف بالواقع الدولي القائم. لم تكن الرسالة النبوية تصدر عن دولة هامشية أو جماعة تبحث عن الاعتراف، بل كانت تعبّر عن كيان ناشئ يحمل مشروعًا عالميًا متكاملاً، مبنيًا على الرحمة والعدل والكرامة الإنسانية.

وما يلفت النظر أن هذه الرسائل، عبر لغتها المنضبطة، كانت تحمل دلالات عميقة؛ فكل لفظ فيها كان مدروسًا، وكل عبارة كانت تحمل بُعدًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد. ومما زاد من أثرها أنها حملت توقيع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وأُرسلت مع سفراء من أصحابه عُرفوا بسمو الخلق والتمثيل الصادق لقيم الإسلام، أمثال دحية الكلبي الذي أُرسل إلى قيصر الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي الذي أُرسل إلى كسرى الفرس.

لقد كان هؤلاء السفراء المسلمين سفراء لقيم الإسلام قبل أن يكونوا مجرد ناقلين للرسائل، إذ تشربوا تعاليم دينهم في مجتمعاتهم وسلوكهم اليومي، فانعكست تلك القيم في ممارساتهم الدبلوماسية، مما أكسبهم هيبة ومصداقية أمام الملوك والحكام. لقد كان في سلوكهم ما يُرهب الخصوم ويثير إعجابهم في الوقت ذاته، لا بقوة السلاح، بل بقوة الأخلاق ووضوح الرسالة.

إن هذه المرحلة من التواصل السياسي النبوي تشكل جزءًا مهمًا من بناء النظرية الإسلامية في العلاقات الدولية، حيث تلتقي الدعوة مع السياسة، وتندمج الرسالة الأخلاقية مع الوسائل الواقعية للتأثير في محيط دولي متغير.

الخاتمة

العلاقات الدولية في المنظور الإسلامي تبدو مفعمة بالمفاهيم والسلوكيات المغايرة للمفاهيم والسلوكيات التي تمارسها الدول الكبرى اليوم، التي تركت ممارستها جراحا ثقيلة في جبهات العالم ككل، في كل منطقة في العالم وعلى كل صعيد ، ولذا فإن البحث عن بديل أصبح مشروعا بل ومطلوبا، وأن الإسلام بما يحمله من قيم عميقة لم تختبر في الواقع المعاصر بعد ، لأن الدول المسلمة الآن تعتمد في علاقاتها الدولية على قيم وممارسات الدول الكبرى في العلاقات الدولية، يجعلنا نتسأل هل يمكن أن نقدم نموذجا قيميا وفقا للرؤية الإسلامية للعلاقات الدولية؟  أم أن هذا يصعب بسبب أن العلاقات الدولية لها حقلها الواقعي والذي تفرضه القوى الكبرى، أزعم أن الفعل التأصيلي للعلاقات الدولية يمكنه أن يترك أثرا مهما على شكل هذه العلاقات، وعلى الباحثين المسلمين الشباب أن، يشمروا عن سواعدهم، ذلك أن التنظير في مجال العلاقات الدولية يمكنه أن يحقن الكثير من دماء المسلمين، خاصة إذما تم هذا الفعل التأصيلي قد أنجز بشكل تكاملي، ودفعت به قوى ثقافية وسياسية فاعلة إلى الواقع.


[1] سعد حقي توفيق، 2009: تاريخ العلاقات الدولية، جامعة بغداد، كلية العلوم السياسية، ص 23.

د. مكارم بديع الفتحي

باحث في علم النفس السياسي دكتوراة في العلاقات الدولية في جامعة كاربوك في تركيا ماجستير بعنوان الاستراتيجية الأمريكية تجاه الإسلام السياسي في المنطقة العربية وأفغانستان من جامعة كاربوك في تركيا معني بتوظيف علم النفس السياسي في تحليل وفهم السلوك السياسي في المنطقة العربية. عمل مدير لبرنامج الصحة النفسية والحماية الإنسانية ومدير تنفيذي في المنظمات الإنسانية. لديه العديد من التدريبات حول صناعة الخطاب السياسي وبناء فرق حل النزاعات لديه العديد من المشاركات في الفضائيات العربية في قضايا نفسية وسياسية.

د. مكارم بديع الفتحي

باحث في علم النفس السياسي دكتوراة في العلاقات الدولية في جامعة كاربوك في تركيا ماجستير… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى