المقالات البحثية

سيكولوجية الأمة المهزومة  

دراسة في بنية الوعي الجمعي وآليات الدفاع النفسي  

الكاتب: عبد الناصر عبد المولى 

-“أمةٌ في جحر الضب”!!… 

يقول النبي الكريم: “لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُموه، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، اليَهودَ والنَّصارى؟ قال: فمَن؟”([1])  

المقدمة 

إنَّ أقـسـى ما تعانيه الأمة هو هذا الانتقال السريع من الازهار والنمو إلى النُّكوص والقفر والفقر العلمي والاقتصادي والعسكري، بل وفقر الوعي وهذه الهزيمة الحضارية تعدُّ من أكثر الظواهر تعقيدًا في دراسة المجتمعات؛ إذ لا تقف آثارُها عند حدود الانكسار العسكري أو السياسي، والاقتصادي وإنما تمتدُّ إلى تشكيل البُنيةِ النفسية والثقافية للأمة، فتنعكس على رؤيتها لذاتها، وقدرتها على الفعل، وأنماط استجابتها للتحديات. ولعلَّ أخطر صور الهزيمة هي تلك التي تستقر في الوعي الجمعي، فتتحول إلى منظومة من المعتقدات والاتجاهات والسلوكيات التي تعيد إنتاج التخلف جيلاً بعد جيل. 

وقد تنبّه عددٌ من المفكرين المسلمين إلى هذه الحقيقة، وإن اختلفت منطلقاتهم ومصطلحاتهم؛ فصاغ ابن خلدون قانونه الشهير “المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شِعَارِه وزَيِّهِ ونحلتهِ وسائر أحواله وعوائده والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب “[2]. 

 وبلور مالك بن نبي مفهوم “القابلية للاستعمار” وأثره المؤدي إلى الشعور بالدونية وضعف الانضباط وتعطيل النهضة وما يحدث الآن في الأمة من فقدان الوعي الجمعي والتشظي الاجتماعي والانقياد إلى التقليد الأعمى والتشبث بتوافهِ الأمور جعل الأمة تختزل انتصارها في الانتصار في كرة القدم أو الصعود لكأس العالم أو انتاج فيلم أو أغنية هابطة أو مسلسل تاريخي مُزيف أو بناء ناطحة سحاب أو شاطئ سياحي كل ذلك يُعدُّ من آليات الدفاع والحيل النفسية التي تنبئُ عن مرض الأمة وانتكاستها وهو ما يحقق في مجمله حالة (القابلية للاستعمار) فكل ذلك ولد ضعف الانتماء وغياب الهدف وانعدام المعنى في الحياة فصارت أهداف الشعوب هالات من الزيف التي تحيكها عوام الرياضة/ الموضة /الفن /الأسطورة… 

ومن جهةٍ أخرى، قدّم علم النفس الحديث تفسيرًا لآليات مواجهة الأفراد والجماعات للأزمات من خلال ما يعرف بآليات الدفاع النفسي، كما عرضتها آنا فرويد، ثم توسعت الدراسات النفسية والاجتماعية في بيان إمكان انتقال بعض هذه الآليات من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي، بما يفسـر ظواهر مثل الإنكار، والإسقاط، والتعويض، والتبرير، والتماهي، وغيرها. 

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة لتفسير ظاهرة الهزيمة الحضارية بوصفها بنيةً نفسيةً واجتماعيةً، ومحاولة الكشف عن صورها في الفكر الإسلامي الحديث وربطها بالمفاهيم النفسية المعاصرة. 

 إشكالية البحث 

تنطلق الدراسة من التساؤل الرئيس: 

كيف فسـَّرَ المفكرون المسلمون البُنية النفسية للأمة المهزومة؟ وإلى أي مدى يمكن تحليل هذه البنية في ضوء نظريات الوعي الجمعي وآليات الدفاع النفسي في علم النفس الحديث؟ 

ويتفرع عنه الأسئلة: 

1. ما المقصود بسيكولوجية الأمة المهزومة؟ 

2. كيف عالج ابن خلدون ظاهرة الانهزام النفسي؟ 

3. ماهية مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي؟ 

4. كيف فسـر مفكرو النهضة أسباب التخلف الحضاري؟ 

6. هل يمكن تطبيق آليات الدفاع النفسي على الجماعات والمجتمعات؟ 

7. ما أبرز صور الدفاع النفسي التي تظهر في المجتمعات المهزومة؟ 

8. ما السبل الحضارية والنفسية للتحرر من هذه البنية؟ 

 أهداف البحث 

يسعى البحث إلى: 

  • تأصيل مفهوم سيكولوجية الأمة المهزومة. 
  • بيان العلاقة بين الهزيمة الحضارية والبنية النفسية للمجتمع. 
  • تحليل مفهوم القابلية للاستعمار بوصفه تفسيرًا نفسيًا واجتماعيًا للتخلف. 
  • المقارنة بين رؤى عدد من مفكري النهضة الإسلامية. 
  • توظيف مفاهيم علم النفس الاجتماعي والتحليل النفسـي في تفسير الظواهر الحضارية. 
  • تفسير أمراض الأمة وفقًا لآليات الدفاع النفسي في الوعي الجمعي. 

أهمية البحث 

 أولًا: الأهمية العلمية 

 يربط بين الفكر الإسلامي وعلم النفس الاجتماعي. 

 يقدم معالجة بينية (Interdisciplinary) تجمع عدة تخصصات. 

 يعيد قراءة مفاهيم النهضة الإسلامية بمنظور نفسي. 

 يثري الدراسات العربية في سيكولوجية المجتمعات. 

 ثانيًا: الأهمية التطبيقية 

 الإفادة في الدراسات الحضارية. 

 توجيه برامج بناء الوعي الفردي والجمعي. 

 دعم التربية المعتمدة على الصحوة وقراءة التاريخ. 

 تقديم إطار (نفسي واجتماعي) لتحليل الخطاب الثقافي والإعلامي. 

 منهج البحث 

يعتمد البحث على: المنهج الوصفي التحليلي. 

حدود البحث 

الموضوعية: دراسة سيكولوجية الأمة المهزومة وآليات الدفاع النفسي في ضوء الفكر الحضاري الإسلامي. 

البشرية: ابن خلدون، مالك بن نبي، وطه عبد الرحمن والغزالي سيد قطب، محمود شاكر (أبو فهر) رشدي فكار وغيرهم من مفكري النهضة ومشخـصي الأزمة، والتركيز على مصطلح القابلية للاستعمار. 

تمهيد 

المفاهيم الأساسية للدراسة 

 السيكولوجيا. 

تعرف السيكولوجيا بأنها: «العلم الذي يدرس السلوك والعمليات العقلية دراسة علمية، بهدف فهمها وتفسيرها والتنبؤ بها وضبطها». ويشمل ذلك السلوك الظاهر والعمليات العقلية الداخلية كالانتباه والإدراك، والتفكير، والانفعال، والدافعية.([3]) 

 الأمة 

“الأُمَّةُ: الجَماعةُ من النّاسِ. والكَثِيرُ من كُلِّ شيءٍ “.([4]) 

“وأهل الدين الواحد ” قال أبو إسحق في قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، أي كانوا على دين واحد.”([5]) 

ويحدّد ناصيف نصّار ورود لفظة “الأمة” في آيات القرآن، بصيغة المفرد، أكثر من 50 مرة، وقد حملت معانٍ عديدةً أهمها: (1) الطريقة المتّبعة. (2) جماعة من الناس. (3) الجماعة المتَّفقة على دين واحد. وهذا المعنى الأخير هو ما يعتقد الطبري بـأرجحيته على سائر المعاني.([6]) 

ويشير أحمد مختار عمر إلى أنَّ “الأمة جمع أمم: جيل جامعة من الناس يعيشون في وطن واحد وتجمعهم رغبة في الحياة المشتركة، وعناصر أخرى كاللغة والدين والعرق” ([7]) 

ويعرف ساطع الحصــري الأمة بأنها: «جماعة من الناس تجمعها وحدة اللغة ووحدة التاريخ، وتنشأ بين أفرادها رابطة معنوية تجعلهم يشعرون بأنهم أمة واحدة، وإن تفرقوا سياسيًا».([8]) 

 الهزيمة الحضارية والقابلية للاستعمار 

يرى مالك بن نبي أنَّ الهزيمة الحضارية ليست مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية، وإنما هي حالة نفسية وثقافية يفقد فيها المجتمع فاعليته الحضارية، ويستسلم للتبعية الفكرية، ويعجز عن إنتاج الحضارة، فينشأ لديه شعور بالدونية تجاه الآخر، فيقول : إنّ الاستعمار لا يتصرف في طاقتنا الاجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء، فنحن لا نتصور إلى أي حد يحتال لكي يجعل منا أبواقاً يتحدث فيها، وأقلاماً يكتب بها، إنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له، بعلمه، وجهلنا. 

والحق أننا لم ندرس بعدُ الاستعمارَ دراسة علمية، كما درَسَنا هو، حتى أصبح يتصرف في بعض مواقفنا الوطنية، وحتى الدينية، من حيث نشعر أو لا نشعر “([9]) 

الوعي الجمعي. 

يعرف عالم الاجتماع إميل دوركايم الوعي (أو الضمير) الجمعي بأنه: «مجموعة المعتقدات والمشاعر المشتركة بين متوسط أفراد المجتمع، والتي تشكل نسقًا مستقلًا له حياته الخاصة، ويعمل على حفظ تماسك المجتمع»([10]) 

 اللاوعي الجمعي. 

عرف (كارل غوستاف يونغ) اللاوعي الجمعي بأنه: «مستوى من اللاوعي لا يكتسبه الفرد من خبراته الشخصية، وإنما يرثه، ويشتمل على الصور الأولية (Archetypes) المشتركة بين البشر جميعًا».([11]) 

 آليات الدفاع النفسي. 

يعرف سيغموند فرويد آليات الدفاع النفسي بأنها عمليات لا شعورية يستخدمها الأنا لحماية الفرد من القلق والصراع النفسي، بينما قامت آنا فرويد بتصنيف هذه الآليات وشرح وظائفها، مثل: الكبت، والإسقاط، والتبرير، والتكوين العكسي، والتسامي.([12]) 

 -ومن الحيل الدفاعية المدروسة في البحث: (الإنكار/ الإسقاط/التعويض/التبرير/ التماهي/التوحد بالمعتدي/الانسحاب/النكوص /تكوين رد الفعل / الإزاحة) 

القابلية للاستعمار” (La colonisabilite). 

القابلية للاستعمار او معامل الاستعمار هو مفهم صاغة مالك بن نبي (1905– 1973)” وهو مفكر جزائري مسلم، معتدل، عقلاني، نشر معظم كتبه تحت شعار: مشكلات الحضارة والثقافة، باعتبارها العامل الأساسي في تطور المجتمعات أو تأخرها وقد شخص عوامل التقدم والتأخر ، ورأي أن المعامل الاستعماري” هو عامل خارجي يفرض على الكائن المغلوب على أمره الذي يسميه المستعمِر “الأهلي” نموذجا محددًا من الحياة والفكر والحركة، وحين يكتمل خلق هذا النموذج يظهر من باطن الفرد “معامل القابلية للاستعمار” وهو معامل يجعل الفرد يستبطن مفاهيم المستعمِر عنه ويقبل بالحدود التي رسمها لشخصيته هذا المستعمِر، وليس هذا فحسب بل يصبح يدافع عنها ويكافح ضد إزالتها.. فعامل القابلية للاستعمار كما يشرحه مالك بن نبي هنا هو العامل الداخلي المستجيب للعامل الخارجي، إنه رضوخ داخلي عميق لعامل الاستعمار يُرَسِّخُ الاستعمار ويجعل التخلص منه مستحيلا..”([13]) 

 النهضة الحضارية. 

مفهوم الحضارة عند سيد قطب، يقوم على العقيدة الإسلامية التي تعمل على التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، وتوجد الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع، وذلك عن طريق تحقيق الحاكمية العليا في المجتمع لله وحده. 

… وتحقيق العبودية لله وحده، والتجمع على أساس هذه العقيدة، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان، لا حيوانيته وتقيم الخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه، ويمكن أن تتخذ الحضارة أشكالاً متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة لأنها هي مقومات الحضارة.([14]) 

ويقول مالك بن نبي في حديثه عن النجاة من الاستعمار: “لن يتحرر شعبٌ من الاستعمار ما لم يتحرر داخله من قبول ذلِّ المستعمِر”.  
والحديث النبوي الشريف -في اتباع سنن الأمم الكافرة-لا يقتصـر على التحذير من مجرد التشبه بالأمم السابقة، وإنما يكشف عن قانون نفسـي وحضاري يتكرر كلما ضَعُفت الأمة وفقدت ثقتها بذاتها؛ فالاتباع هنا ليس سببًا للهزيمة، وإنما هو أحد أبرز أعراضها النفسية. ومن ثم فإن التقليد الأعمى (Blind imitation) يمثل المرحلة التي تنتقل فيها الهزيمة من ساحات الصـراع إلى أعماق الوعي، فيغدو المنتصـر معيارًا للحقيقة والجمال والتقدم، بينما تتراجع ثقة الأمة بمرجعيتها الحضارية وقدرتها على الإبداع. 

ولعل ما قرره ابن خلدون في تفسير ولع المغلوب بالاقتداء بالغالب يلتقي بصورة لافتة مع عدد من النظريات النفسية الحديثة؛ فالنمذجة عند باندورا، والهوية الاجتماعية عند (تاجفيل)، والشعور بالنقص عند (أدلر)، جميعها تقدم آليات تفسيرية للسلوك الذي وصفه ابن خلدون قبل قرون. غير أنَّ الرؤية الإسلامية تضيف بُعدًا أعمق يتمثل في أن الأزمة ليست نفسية فحسب، بل هي أزمة إيمانية وقيمية وحضارية، تجعل التقليد يتحول من وسيلة للتعلم إلى صورة من صور الذوبان وفقدان الهوية. 

ويرى الباحث أنَّ أخطر ما تفرزه سيكولوجية الأمة المهزومة ليس انتقال بعض العادات أو المظاهر، وإنما انتقال مركز المرجعية؛ إذ تصبح معايير التفوق والنجاح والجمال مستمدة من الآخر، فينشأ جيل يقيس ذاته بميزان غيره، ويستهلك منجزاته دون أن يمتلك القدرة على إنتاج بديل حضاري. ومن هنا فإنَّ التحرر الحقيقي يبدأ باستعادة الثقة بالذات الحضارية، وإعادة بناء الوعي على أساسٍ من الإيمان والاعتزاز بالهوية والانفتاح الواعي، الذي يميز بين الإفادة من خبرات الأمم وبين الذوبان في نماذجها. وبهذا يغدو الاتباع الأعمى مقدمةً لما سيبلوره مالك بن نبي لاحقًا في مفهوم القابلية للاستعمار؛ حيث تنتقل الهزيمة من مجرد تقليد الغالب إلى استعداد داخلي دائم لقبول هيمنته الفكرية والحضارية. 

 
المبحث الأول 

 سيكولوجية الأمة المهزومة في الفكر الحضاري الإسلامي (الاتباع والتقليد) 

يقول النبي الكريم:”لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بشِبرٍ، وذِراعًا بذِراعٍ، حتَّى لو سَلَكوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُموه، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، اليَهودَ والنَّصارى؟ قال: فمَن؟”([15])  

لا يقتصر إعجاز هذا الحديث النبوي على الإخبار بوقوع حدث مستقبلي-قد حدث بالفعل-، وإنما يكشف عن قانون نفسي واجتماعي يحكم سلوك الأمم عند تعرضها لحالة من الضعف الحضاري والهزيمة النفسية. فقد أخبر النبي ﷺ بأنَّ طائفة من أمته ستسلك سبيل الأمم السابقة، وهو ما تجلت آثاره في مراحل متعددة من التاريخ الإسلامي، حين اتجه بعض المسلمين إلى تقليد الأمم الغالبة في أنماط حياتها، وعاداتها، وتقاليدها، وقيمها، بل وفي بعض شعائرها واحتفالاتها و(موضتها)، متجاوزين حدود التفاعل الحضاري المشروع إلى حالة من التبعية النفسية والثقافية. ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بوصفها مجرد انتقال للعادات، وإنما هي انعكاس لحالة من الانبهار بالمنتصر، وتراجع الثقة بالذات الحضارية، وهو ما سبق ابن خلدون إلى تشخيصه بقوله: «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب»، إذ يرى أنّ الهزيمة لا تنتهي بانقضاء المعركة، بل تترك أثرًا عميقًا في البنية النفسية للمغلوب، فيغدو الغالب في وعيه نموذجًا للكمال والتقدم، فيسعى إلى محاكاته في مظهره وفكره وقيمه، ظنًا أن سر قوته يكمن في تلك المظاهر. ومن هذا المنطلق، يقدم الحديث النبوي تفسيرًا مبكرًا لسيكولوجية الأمة المهزومة، التي تبدأ بفقدان الثقة بالذات، ثم تتطور إلى الإعجاب بالآخر، وتنتهي بالتماهي معه وتقليده، بما يهدد استقلال الشخصية الحضارية ويُضعف قدرتها على استئناف دورها الحضاري.  

يقول ابن خلدون: “إنَّ النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، وإنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادًا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، وذلك هو الاقتداء، أو لما تراه -والله أعلم- أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحل من العوائد والمذاهب، تغالط أيضًا بذلك عن الغلب، وهذا راجع إلى الأول؛ ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه وشعاره، بل وفي سائر أحواله.”([16]) 

 ومن هذه العبارة تتضح رؤية ابن خلدون في أنّ الهزيمة العسكرية لا تقف عند حدود فقدان الأرض أو السلطة، وإنما تمتد إلى بنية الشخصية، إذ تنشأ لدى المغلوب قناعة لا شعورية بأن المنتصر يمتلك صفات الكمال، فيتحول التقليد من سلوك اختياري إلى حاجة نفسية. 

وتتكون هذه العملية عبر أربع مراحل: 

  • الشعور بالعجز. 
  • الإعجاب بالغالب. 
  • إضفاء الكمال عليه. 
  • محاكاته في المظهر والفكر والقيم. 

ويري (روبرت باندورا) أن الإنسان يكتسب السلوك من خلال النمذجة والمحاكاة، وأن الأفراد يقلدون الأشخاص الذين يملكون القوة أو المكانة أو النجاح. 

وهو ما يتطابق مع ما قاله ابن خلدون حيث نجد أن: 

  • الغالب = النموذج الأعلى. 
  • المغلوب = المتعلم. 
  • الغلبة = مصدر المكانة الاجتماعية.([17]) 

لكن ابن خلدون يضيف عنصرًا لم يتحدث عنه باندورا، وهو الانكسار النفسي الناتج عن الهزيمة وهو ما يوازي (معامل القابلية للاستعمار) الذي بلوره مالك بن نبي. 

ويرى تاجفيل (Henri Tajfel) أن الفرد يستمد جزءًا كبيرًا من تقديره لذاته من الجماعة التي ينتمي إليها. 

وعندما تنهزم الجماعة يحدث التالي: 

  1. “ينخفض تقدير الذات الجمعي. 
  2. يبحث الأفراد عن الانتماء إلى الجماعة الأقوى. 
  3. يبدأ التقليد الثقافي.”([18]) 

وهذا يفسر انتقال المغلوب إلى تبني لغة المنتصر وقيمه ويتتبعه في سائر خطواته. 

وكل ما نراها من مظاهر الفرح الهستيري من شعوب الامة نتيجة لفوزٍ رياضي، أو مهرجان فني، أو مغنٍ جديد، أو لاعب مجيد إنما هو من قبيل الحيل الدفاعية المرضية ومنها حيل النكوص والتعويض 

ويرى (ألفريد أدلر ) أنَّ السلوك الإنساني تحركه مشاعر النقص. 

وعندما يشعر الفرد بالدونية فإنَّه يحاول التخلص منها بإحدى طريقتين: (التعويض الإيجابي/أو التعويض الزائف) وفي حالة الأمة المهزومة يتحول التقليد إلى تعويض زائف. فالمغلوب لا يبني قوته الذاتية، وإنما يستعير صورة الغالب: (اللغة الأجنبية/الأزياء/الألعاب/الأفكار/أنماط الحياة/الموضة -قصات الشعر- حتى في حداثية الكتابة الأدبية بأنماط غربية) ومن هنا تصبح رموزًا لتعويض الشعور بالنقص”([19]) وهذا ينسجم بصورة واضحة مع وصف ابن خلدون للأمة المهزومة وللهدي النبوي في الحديث السابق. 

المبحث الثاني 

سيكولوجية الهزيمة عند مالك بن نبي (القابلية للاستعمار) 

“أخْرِجوا المستعمِرَ مِن أنْفُسِكُم يَخرُجُ مِن أرضِكُم” 

استشهد مالك بن نبي بهذه المقولة ليعبرَ بها عن صياغته لمصطلح القابلية للاستعمار وهو ما يمكن أن نسميه استعمارَ الوعي قبل استعمار الأرض. 

وقد انبثق مفهوم القابلية للاستعمار من رؤية مالك بن نبي النقدية للتاريخ الإسلامي الحديث، ورفضه إرجاع التخلف إلى المؤامرات الخارجية وحدها. فقد رأى أنَّ الاحتلال الخارجي ليس إلا نتيجةً لانهيار داخلي سبق وقوعه، وأنَّ كل استعمار ناجح سبقه ضعف في البناء النفسي والاجتماعي للأمة. 

وقد تأثر في بناء هذا التصور بالملاحظة الخلدونية الشهيرة: 

“المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب” 

وتراث النهضة الإسلامي بداية من الأمير عبد القادر وابن باديس إلى جمال الدين الأفغاني… 

فبينما وصف ابن خلدون الأثر النفسي للهزيمة، سعى مالك بن نبي إلى تفسير أسبابها الحضارية، فانتقل بالمفهوم من وصف السلوك إلى تحليل البنية الداخلية التي تجعل الأمة مستعدة لقبول التبعية. 

كما تأثر برؤيته للحضارة القائمة على معادلة: 

الإنسان + التراب + الوقت + الفكرة الدينية 

فإذا اختل الإنسان، تعطلت عناصر الحضارة جميعها. 

ويؤكد مالك بن نبي أنَّ الاستعمار لا يستطيع أن يفرض نفسه على مجتمع حي يمتلك إرادته الحضارية، وإنما يجد طريقه إلى المجتمعات التي أصابها الانحطاط، وفقدت ثقتها بنفسها، وتعطلت فيها عوامل النهضة.([20]) 

ويعد مفهوم القابلية للاستعمار من أبرز المفاهيم التي صاغها مالك بن نبي لتفسير أسباب التخلف الحضاري في العالم الإسلامي، ويقصد به الحالة النفسية والاجتماعية والثقافية التي تجعل المجتمع مهيأً لقبول السيطرة الأجنبية، أو عاجزًا عن مقاومتها، نتيجة فقدانه عناصر الفاعلية الحضارية. فالمشكلة في نظره لا تبدأ بوجود المستعمِر، وإنما تبدأ عندما يفقد المجتمع مناعته الداخلية، فيصبح الاستعمار نتيجةً لأزمة داخلية أكثر منه سببًا لها. 

ويرى مالك بن نبي أن الاستعمار لا يستطيع أن يفرض نفسه على مجتمع حي يمتلك إرادته الحضارية، وإنما يجد طريقه إلى المجتمعات التي أصابها الانحطاط، وفقدت ثقتها بنفسها، وتعطلت فيها عوامل النهضة. 

يقول مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة: “إن الاستعمار لا يتصـرف في طاقتنا الاجتماعية إلا لأنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها موطن الضعف، فسخرنا لما يريد، كصواريخ موجهة، يصيب بها من يشاء، فنحن لا نتصور إلى أي حد يحتال لكي يجعل منا أبواقاً يتحدث فيها، وأقلاماً يكتب بها، إنه يسخرنا وأقلامنا لأغراضه، يسخرنا له، بعلمه، وجهلنا. 

والحق أننا لم ندرس بعدُ الاستعمارَ دراسة علمية، كما درَسَنا هو، حتى أصبح يتصرف في بعض مواقفنا الوطنية، وحتى الدينية، من حيث نشعر أو لا نشعر”([21]) 

وينقل مالك بن نبي قول الكاتب الاجتماعي بورك: “إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها”([22]) 

فمالك بن نبي في صياغته لمصطلح القابلية للاستعمار يشخص مرض الأمة في: غياب الوعي وغياب الأطر الموحدة للدين والسياسة والاقتصاد والفن وغيرها والتي -بسبب غيابها -تحولت الأمة إلى أمة تابعة ذليلة خاضعة ترى في الآخر(الغربي) المثال الناصح والثوب الأنقى الذي يجب أن ترتديه فتتحول الثقافة إلى استعمال رطانة الغربي والوعي إلى تبني أفكاره والدين على تقليد قيمه والفن إلى تلبس نظرياته وملابسه… 

وخطورة هذه الحال التي وصلت إليها الأمة أنها تؤهل الشعوب لتقبل كل نوعٍ من أنواع الاستعمار (السياسي-الاقتصادي -الثقافي-العسكري). 

فحالة التبعية أيضاً كما يراها قطب حيث يرى:” إن الأمة المسلمة لا تستمد تصوراتها، ولا قيمها، ولا موازينها، ولا نظمها، ولا شرائعها إلا من الله وحده، فإذا استمدت شيئًا من ذلك من غير هذا المصدر فقد خرجت عن منهج الله. ويرى -أيضًا- أن اختلاف الناس سنة إلهية اقتضتها طبيعة الاستخلاف في الأرض، لما يترتب عليه من تنوع في المواهب والوظائف والاستعدادات، غير أن هذا التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى صراع أو تفرق، بل ينبغي أن ينتظم في إطار المرجعية الإيمانية التي يمثلها الوحي؛ إذ إن الكتاب الذي أنزله الله هو الميزان العادل الذي تُحسم إليه الخلافات، وتُستمد منه القيم والتصورات والأحكام، وبذلك يتحقق استقرار المجتمع ووحدته. “([23]) 

ومن حيث الفلسفة العلمية المنهجية لتكوين نظرية تربوية إسلامية يرى أيضًا طه عبد الرحمن أن استيراد مفاهيم الحداثة أو منجزاتها لا يكون مشـروعًا إلا إذا أُعيد تأصيلها داخل المرجعية الإيمانية والأخلاقية للأمة، بحيث لا تكون مجرد نقلٍ للمنتج الحضاري الغربي، بل إعادة بناء له في ضوء القيم الإسلامية. ومن ثم فإن كل منقول حداثي يفقد مشـروعيته إذا انفصل عن الحقيقة الإيمانية التي تمنحه معناه ووظيفته الحضارية ويقرر أن كل منقول حداثي مُعترضٌ عليه حتى تُعاد صلته بالحقيقة الدينية”.([24]) 

فعلى المستوى الاقتصادي فالمجتمع المتأخر حضاريًا تتحول اهتماماته من الكيف إلى الكم ويصير عبدًا (للعولمة الاستهلاكية)، فيصبح النجاح مرهونًا بالأرقام والإحصاءات لا بجودة الإنتاج أو فاعلية الإنسان. ويعد هذا التحول مؤشرًا على فقدان الحيوية الحضارية، إذ ينصرف الاهتمام إلى المظاهر الخارجية بدلًا من بناء الإنسان المُنتج حيث يتحول الهدف من النشاط الاجتماعي هنا إلى ما يعرف بالكم والعدد… وكل ما هو كمي بدلًا من الكيف والنوعية. 

ويميز بن نبي بين: 

  • إنسان ما قبل الحضارة: لم يدخل دورة الحضارة بعد، وما يزال يملك الاستعداد لبنائها. 
  • إنسان ما بعد الحضارة: عاش الحضارة ثم فقدها، فأصبح عاجزًا عن إنتاجها إلا إذا أعاد بناء جذوره الحضارية. 

 ويشبه بن نبي ذلك بالماء قبل دخوله السد وبعد خروجه منه؛ فالماء قبل السد يمتلك طاقة كامنة، أما بعد خروجه فقد استنفد طاقته ولا يستعيدها إلا بالعودة إلى مصدرها.”([25]) 

والإنسان المسلم- كما يرى طه عبد الرحمن-إما أن يكون إنسانًا كوثرًا يستمدُّ قيمه ومعاييره من معتقده وتراثه متصلاً بروح العصـر أو يكون إنسانًا منبتًا ابترًا  

فالإنسان الأبتر هو الإنسان الذي لا يستثمر من قواه، ولا يحقق من إمكاناته إلا قدراً ضئيلا، إما لتعطل بعض قدراته واستعداداته، أو لصرفها كلها في وجهة مخصوصة، أو لوجود ضيق في تصوره المكونات الإنسان الواسعة، ويبدو أن العصر الحديث حصل تقدمه المادي بفضل هذا الإنسان الأبتر؛ حيث يختص كل فرد بإنتاجية محدودة يصرف إليها كل طاقاته”([26]) 

يتبين من خلال البحث أنّ مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي ليس مجرد تفسير سياسي لظاهرة الاحتلال، بل هو تشخيص سيكولوجي وحضاري لأزمة الإنسان المسلم حين يفقد مناعته الداخلية، فيتحول من فاعلٍ في التاريخ إلى مفعولٍ به. فالهزيمة في حقيقتها لا تبدأ بدخول الجيوش إلى الأرض، وإنما تبدأ بدخول الشعور بالنقص إلى النفس، وبفقدان الثقة في الذات الحضارية، وبالانفصال عن المنظومة القيمية التي تمنح الأمة قدرتها على الإبداع والتجدد. 

ويرى الباحث أنَّ هذا المفهوم يتجاوز سياقه التاريخي ليصبح إطارًا تفسيريًا صالحًا لفهم صور الاستعمار المعاصر؛ إذ لم يعد الاحتلال مقتصرًا على السيطرة العسكرية، بل أصبح أكثر حضورًا في الهيمنة الفكرية والثقافية والاقتصادية والإعلامية، حيث تُستلب العقول قبل الأوطان، وتُعاد صياغة الوعي وفقَ نماذجَ وافدة تجعل الأمة تستهلك أفكار غيرها أكثر مما تنتج أفكارها. ومن هنا تتجلى أهمية الربط بين رؤية مالك بن نبي ورؤية طه عبد الرحمن؛ فالأول شخّص الداء في صورة القابلية للاستعمار، بينما سعى الثاني إلى بناء الإنسان القادر على مقاومة هذا الداء من خلال نموذج الإنسان الكوثر، الذي يستمد فاعليته من مرجعيته الإيمانية والأخلاقية، في مقابل الإنسان الأبتر الذي ينفصل عن أصوله فيغدو تابعًا لغيره وإن امتلك أدوات التقدم المادي. 

ومن ثمَّ يخلص الباحث إلى أنَّ النهضة الحضارية لا تتحقق بمجرد استيراد منجزات الآخرين، ولا بالاكتفاء برفض الاستعمار الخارجي، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان نفسيًا وفكريًا وأخلاقيًا، وإحياء ثقته برسالته، وإعادة وصل المعرفة بالقيم، والحرية بالمسؤولية، والعلم بالإيمان. فكل مشـروع للتحرر لا يبدأ بتحرير الوعي من قابلية الهزيمة سيظل مشروعًا ناقصًا، كما أنّ كل مشـروع حضاري ينجح في صناعة الإنسان الفاعل، الواعي، المنتج، هو وحده القادر على إسقاط أسباب الاستعمار من الداخل قبل إسقاط مظاهره من الخارج. 

المبحث الثالث: 

آليات الدفاع النفسي في الوعي الجمعي 

الاستدراج نحو الهزيمة: 

لا تُولد الهزيمة الحضارية دفعةً واحدة، ولا تنتهي بانتهاء معركة أو زوال احتلال، وإنما تمر بمراحل متعاقبة تتدرج من الحدث الخارجي إلى البنية النفسية الداخلية، حتى تستقر في الوعي الجمعي وتصبح جزءًا من طريقة التفكير والاستجابة للواقع. فالهزيمة في بدايتها صدمةٌ تهز صورة الأمة عن ذاتها، ثم تتحول إلى انكسار نفسي يضعف الثقة بالهوية الحضارية، ويُفضي إلى تضخيم صورة الغالب والإعجاب به، ثم إلى محاكاته والتماهي معه (التوحد بالمعتدي)، حتى تنشأ حالة من الاستلاب الحضاري تجعل التبعية تبدو خيارًا طبيعيًا لا مفرَّ منه. وفي هذه المراحل تنشط مجموعة من آليات الدفاع النفسي، كالإنكار، والتبرير، والإسقاط، والتعويض، والنكوص، والتماهي مع الغالب، بوصفها استجابات تهدف إلى تخفيف وطأة الشعور بالعجز، إلا أنها قد تُسهم في ترسيخ الهزيمة وإعادة إنتاجها إذا تحولت من استجابات مؤقتة إلى أنماط راسخة في الوعي الجمعي. ومن ثم فإنَّ الباحث لا ينظر إلى هذه الآليات بوصفها تشخيصًا مرضيًا للمجتمعات، وإنما يتناولها بوصفها إطارًا تفسيريًا يساعد على فهم الكيفية التي تنتقل بها الهزيمة من ساحة الواقع إلى بنية الوعي، مستفيدًا في ذلك من معطيات علم النفس الحديث.. 

فالانهزام الحضاري ليس مجرد موقف فكري، بل هو منظومة من آليات الدفاع النفسي تعمل داخل الوعي الجمعي. لذا ينطلق الباحث في هذا المبحث من أن آليات الدفاع النفسي صيغت ابتداءً في إطار التحليل النفسي لتفسير استجابات الفرد تجاه القلق والصراع الداخلي، ولا يُقصد بتطبيقها على المجتمعات تشخيص الشعوب بوصفها كيانات مريضة، أو وصف جميع أفرادها بسمات نفسية واحدة، وإنما تُستخدم بوصفها نماذج تفسيرية تساعد على فهم بعض أنماط السلوك الجمعي التي قد تظهر في المجتمعات التي تتعرض للهزيمة الحضارية أو الأزمات الممتدة. 

فلجوء الشعوب إلى التباهي بحضارات وأحداث قديمة أو بائدة في ظل تأخر حضاري في العصر الحديث يمثل نكوصًا مرضيًا لفترة سابقة تمثل راحة نفسية لدى الإنسان العربي القلق من تدهوره حضاريا وهي حيلة النكوص (Regression) … 

وإسناده لكل مظاهر تأخره على نظرية المؤامرة يمثل حيلة دافعية وهي التبرير (Rationalization) وقيام المتدين بادعاء أننا مازلنا في حالة من التحضر والنبوغ هو نوع من (الإنكارDenial) إنكار الواقع وإزاحته 
 ومن ثمَّ فإن ما يورده الباحث من أمثلة هو من قبيل الظواهر الاجتماعية القابلة للملاحظة والتحليل، لا الأحكام المطلقة أو التعميمات اللازمة، مع مراعاة اختلاف المجتمعات في درجة ظهور هذه الأنماط تبعًا لاختلاف ظروفها التاريخية والثقافية والسياسية. 

ومن هذه الحيل المرضية: 

  1.  الإنكار (Denial) 

تعرف الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) الإنكار بأنه: «آلية دفاع يرفض فيها الفرد الاعتراف بجوانب مؤلمة من الواقع أو الخبرة، على الرغم من توافر الأدلة عليها، وذلك لحماية نفسه من القلق أو الألم النفسي» ([27]) 

وعلى المستوى الجمعي قد يتجلى الإنكار في رفض الاعتراف بأسباب التخلف الحضاري الداخلية، وإرجاع جميع مظاهر الضعف إلى المؤامرات الخارجية وحدها، مع إهمال عوامل القصور في التعليم والإدارة وبناء الإنسان، فيتحول الإنكار إلى عائق يحول دون المراجعة والإصلاح فلازالت الامة تفتقر إلى نظام تربوي موحدٍ يقوم على أسس حضارية إسلامية رغم أن التراث الإسلامي في هذا المجال قد أسس لمثل هذا النظام التربوي وصولًا إلى مفكري العصر الحديث أمثال (مالك بن نبي -طه عبد الرحمن -مقداد يالجن -محمد الغزالي-وغيرهم). 

  •  التبرير (Rationalization) 

يُعرف التبرير بأنه: «آلية دفاع يقدم فيها الفرد تفسيرات تبدو منطقية أو مقبولة لتبرير سلوك أو فشل تكون دوافعه الحقيقية غير مقبولة أو مثيرة للقلق»([28]). 

وعلى المستوى الحضاري قد يظهر التبرير في تفسير الإخفاقات السياسية أو الاقتصادية أو العلمية بأسباب خارجية أو قدرية، وهي حيلة يتبناها المبررون للقادة والمسؤولين في فشلهم على كل المستويات دون مراجعة مواطن الخلل الذاتية، الأمر الذي يحافظ على صورة الجماعة عن نفسها، لكنه يؤخر عملية الإصلاح بل ويستبعدها تمامًا، وتتبنى هذه الحيلة ايضًا بعض الفرق الإسلامية كالمدخلية وبعض المتصوفة من باب أنَّ الحاكم أو المسئول هو ظل الله في أرضه ولا يصح الاعتراض عليـه و أنَّ: (الله يؤتي ملكه من يشاء) فلولا مُراد الله ما كان هذا المسئول أو الحاكم ومن ثَمَّ فالاعتراض عليه إذًا هو اعتراض على مراد الله 

وهكذا فــ”حين تتعثر المشاريع النهضوية في مجتمعٍ ما، تتوجه سهام الاتهام في غالب الأحيان نحو العوامل الخارجية كالاستعمار، والأنظمة، والفساد، أو التدخلات. وهي اتهامات مريحة تحمل عن كاهل المسؤولين أعباء الفشل، وهي بحكم دوام وجودها تمثل المشجب الذي نعلق عليه كل خيباتنا. غير أنّ مالك بن نبي يكشف زيف ادعاءاتنا، حين يحدد لنا أخطر عامل يسبب تعثر مشاريعنا الحضارية، إنه الإنسان نفسه، لا بوصفه فاعلًا، بل بوصفه غائبًا، وإن وجد فإنه غير مكتمل الوجود.”([29]) 

  • الإسقاط (Projection) 

يعرف الإسقاط بأنه: «آلية دفاع ينسب فيها الفرد أفكاره أو دوافعه أو مشاعره غير المقبولة إلى أشخاص آخرين» ([30]) 

وعندما ينتقل هذا النمط إلى الوعي الجمعي قد يظهر في تحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن جميع الأزمات، مع التقليل من أثر العوامل الداخلية، دون إنكار وجود الضغوط الخارجية ذاتها. 

  • التعويض (Compensation) 

يرى (ألفريد أدلر) أن التعويض هو محاولة الفرد التغلب على شعوره بالنقص بتنمية قدرات أخرى أو تحقيق نجاح بديل “([31]) 

وفي المجتمعات المهزومة قد يتحول التعويض إلى صورة زائفة تتمثل في المبالغة في الاحتفاء بالإنجازات الرياضيةكـ (الصعود لكأس العالم وغيره) أو الفنية (تقديم العروض الفنية والفنون الشعبية وغيرها)، أو الاكتفاء بالافتخار بالماضي الحضاري، والزهو الكاذب بهويتها متفرقة كـ (الكيميتية-الأقيال-الآشورية -الفرعونية وغيرها) بدلًا من بناء عناصر القوة الحضارية المترابطة في الحاضر. 

  • النكوص (Regression) 

يعرف النكوص بأنه: «العودة إلى أنماط سلوكية تنتمي إلى مراحل نمائية سابقة عند التعرض لضغوط أو صراعات نفسية» ([32]) 

وقد يتجلى ذلك جمعيًا في اللجوء إلى التفكير العاطفي أو الأسطوري، أو استدعاء الماضي بوصفه ملاذًا نفسيًا يعوض عن عجز الحاضر، بدلًا من استلهام عناصر القوة فيه لبناء المستقبل. فلا زالت الامة تتباهى بماضيها الناصع وهذا لا عيب فيه لو كان مقرونًا بحاضرٍ مزدهرٍ يتماشى مع خيرية الأمة وتفردها بمنهج رباني يمثل دستورًا كاملاً وإطارًا عامًا لتحقيق نهضة كبرى. 

  • الانسحاب (Withdrawal) 

يشير الانسحاب إلى ميل الفرد إلى تجنب المواقف المثيرة للقلق أو الإحباط عن طريق الابتعاد عنها نفسيًا أو اجتماعيًا “([33]) 

وعلى المستوى الجمعي قد يتمثل في انتشار اللامبالاة، وضعف المشاركة المجتمعية، والعزوف عن تحمل المسؤولية، أو البحث عن الخلاص الفردي بالهجرة أو الانعزال وهو الغالب على شعوب الأمة. 

  • التماهي مع الغالب (Identification with the Aggressor) 

قدم هذا المفهوم (ساندور فيرينتس) ثم طورت آنا فرويد هذا المفهوم، ويعني أن الفرد يتبنى خصائص الطرف الأقوى أو المعتدي لتخفيف شعوره بالعجز والخوف.([34]) وهو ما تم رصده في سجون النازية من ان المسجونين القدامى أصبحوا هم من يعذبون السجون الجدد ويقلدون السجانين في كل تصرفاتهم.. 

ويتلاقى ذلك مع مقولة (فانون) “الاستلاب الرمزي هو أخطر أنواع الاستعمار، لأنه يستبطن القهر في اللاوعي، ويجعل الضحية تتماهى مع الجلاد”([35]). 

وعلى مستوى المجتمعات المهزومة يتجلى ذلك في التقليد غير النقدي للغالب في اللغة والقيم وأنماط الحياة، وهو ما يلتقي مع مقولة ابن خلدون: «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب»، كما يمثل الأساس النفسي لمفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي. 

  • تكوين رد الفعل (Reaction Formation) 

يعرف تكوين رد الفعل بأنه: «تحويل الدافع أو الشعور غير المقبول إلى سلوك أو موقف مضاد له تمامًا» ([36]) 

وقد يظهر جمعيًا في المبالغة في الشعارات الحضارية أو الوطنية والأغاني والاناشيد الوطنية والاحتفاء بالأعلام والرايات والموسيقى العسكرية والعروض، مع استمرار أنماط التبعية الفكرية أو الاقتصادية التي تناقض تلك الشعارات. 

  • الإزاحة (Displacement) 

تعرف الإزاحة بأنها: «تحويل الانفعال من موضوعه الحقيقي إلى موضوع آخر أقل تهديدًا» ([37]) 

وعلى المستوى الجمعي قد تتجسد في توجيه الغضب نحو قضايا أو فئات هامشية، كـ(اللاجئين مثلًا وأثرهم على الاقتصاد-الجماعات الحركية -والمعارضة) بدلًا من مواجهة الأسباب البنيوية للأزمة الحضارية. 

  1. الإدمان بوصفه سلوكًا دفاعيًا 

لا يعد الإدمان من آليات الدفاع الكلاسيكية، لكنه قد يؤدي وظيفة دفاعية من خلال الهروب من القلق أو الإحباط عبر الاعتماد القهري على مادة أو نشاط معين ([38]) 

وفي المجتمعات التي تعيش أزمات حضارية ممتدة قد تزداد بعض أنماط الإدمان، مثل إدمان المخدرات أو الوسائط الرقمية أو الترفيه المفرط (إدمان الكحوليات والجنس)، بوصفها وسائل للهروب من الشعور بالعجز وفقدان الفاعلية، دون أن يعد ذلك سمة لازمة لجميع أفراد المجتمع. 

وإذا كان الغرب -المتحضـر! – سياسيا وقانونيا وعسكريًا وصناعيًا يفقد للأخلاق والروحانية التي تحفظ هذه الجوانب الحضارية المادية من التدهور أو الاستخدام المُدِّمر فإنَّ المجتمعات الإسلامية دخلت ايضًا في جحر الضب من ناحية الأمراض الأخلاقية والإدمان. 

وفي مقالة عن”جان بول سارتر” في كلمة قالها وهو يحتضر ونشرتها صحف” الإكسبرس” و” الأبزرفاتور” باللغة الفرنسية.. فعندما قال له محرر الإكسبرس: أراك حزينا، أين نحن من فلسفة التمرد والعبث والغثيان؟ رد عليه: قادتني فلسفتي في النهاية إلى الهزيمة النكراء. 

 ويروى أنه قال: “ائتوني بقس”.([39]) 

ويرى الدكتور رشدي فكَّار أنّ:”السبب وراء توجه العلوم الغربية نحو استئصال جذور الروحانية وتصفية الحسابات مع الدين يعود بشكل أساسي إلى كونها “هموم غربية” تزينت بزي المشروعية الكونية نظرًا لتفوق الحضارة الغربية وتسلطها وسطوتها، حيث تبلورت هذه الهموم في بعض مراحلها في شكل مؤامرة تسعى لتعرية العالم الثالث المتمحور حول الأمة العربية والإسلامية إنسانيًا وروحيًا بعد أن عرته من خيراته الطبيعية، أما المسلمون فليست هذه همومهم وليس لدى الإسلام أزمة كما يزعم صانعوها من الجاهلين به أو المعادين له.”([40]) 

المبحث الرابع 

سيكولوجية التحرر الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر 

إذا كانت الهزيمة الحضارية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكون عبر مسار نفسي واجتماعي طويل، فإن تجاوزها كذلك لا يتحقق بمجرد زوال الاحتلال أو تغير موازين القوة، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، واسترداد فاعليته الحضارية، وتجديد ثقته بذاته وهويته. ومن هنا اتجه عدد من مفكري النهضة الإسلامية إلى تشخيص الداء واقتراح سبل العلاج، كلٌّ من زاويته الفكرية ومنطلقاته المنهجية، إلا أنهم التقوا عند حقيقة واحدة، وهي أن النهضة تبدأ بإصلاح الإنسان قبل العمران المادي، وإحياء الوعي قبل بناء المؤسسات، وأن تحرير الإرادة والعقل شرط لتحرير الأرض واستئناف الدور الحضاري. وفي هذا المبحث يعرض الباحث أبرز معالم مشروع التحرر الحضاري. 

أولًا: استعادة الثقة بالحضارة الإسلامية: 

الثقة بالذات الحضارية وهو ما يسميه باندورا بالكفاءة الجمعية (Collective Efficacy) بأنها: «اعتقاد الجماعة المشترك بقدرتها على تنظيم أفعالها وتنفيذها لتحقيق مستويات معينة من الإنجاز» (Bandura, 2000, p. 75)([41]). وتُعد الثقة بالذات الحضارية الأساس النفسي الذي تقوم عليه جميع مشروعات النهضة، إذ لا يمكن لأمة فقدت إيمانها بنفسها أن تمتلك القدرة على البناء أو المنافسة أو الإبداع. ومن ثم أولى مفكرو الحضارة الإسلامية عناية خاصة بإعادة بناء صورة الأمة عن ذاتها، مؤكدين أن التخلص من الشعور بالدونية والانبهار بالغالب يمثل الخطوة الأولى في طريق التحرر من الهزيمة الحضارية. 

ويرى ابن خلدون أنَّ العصبية ليست تعصبًا أعمى أو انحيازًا قبليًا، وإنما هي رابطة اجتماعية تقوم على التضامن والتناصر والتعاون، تمنح الجماعة القدرة على الدفاع عن وجودها وتحقيق مقاصدها. يقول: «العصبية هي الحامية والمدافعة والمطالبة، وبها تكون المغالبة لكل أمر يُدافع عنه»([42]). وهذا يدل على أن قوة الأمة لا تتحدد بعدد أفرادها أو بما تمتلكه من موارد، بل بقدرتها على توحيد إرادتها وتحويلها إلى فعل جماعي منظم. 

ومن هذا المنطلق، فإن استعادة العصبية تمثل عند ابن خلدون أولى خطوات التعافي من الهزيمة؛ لأن الأمة المهزومة تعاني تفككًا في روابطها الاجتماعية، وضعفًا في روح الانتماء، وانشغالًا بالمصالح الفردية على حساب المصلحة العامة. فإذا استعادت الجماعة تماسكها، ونهضت قيم التعاون والتكافل والمسؤولية المشتركة، استعادت معها قدرتها على الفعل الحضاري. 

ولا تقف رؤية ابن خلدون عند حدود التضامن الاجتماعي، بل تمتد إلى الفاعلية الاجتماعية؛ إذ يؤكد أن العمران لا يقوم إلا بتكامل الجهود وتقسيم الأعمال، وأن الحضارة ثمرة للعمل المشترك لا للبطولات الفردية. ومن ثم فإن علاج الهزيمة يقتضي الانتقال من حالة السلبية والاعتماد على الآخرين إلى حالة المبادرة والمشاركة وتحمل المسؤولية، وهو ما يمكن تسميته في لغة علم النفس المعاصر باستعادة الكفاءة الجمعية (Collective Efficacy)، أي إيمان الجماعة بقدرتها على تحقيق أهدافها من خلال العمل المنظم. 

ويخلص الباحث إلى أنّ ابن خلدون يقدم علاجًا نفسيًا واجتماعيًا للهزيمة قبل أن يقدم علاجًا سياسيًا؛ فإعادة بناء العصبية الإيجابية تعني إعادة بناء الثقة المتبادلة، وتعزيز الهوية المشتركة، وإحياء روح المبادرة والعمل الجماعي والانحياز للأمة تراثًا وتاريخًا، وهي كلها مرتكزات لازمة لاستعادة الفاعلية الحضارية واستئناف مسيرة النهضة وهو ما عبر عنه مالك ابن نبي باسم الفاعلية الحضارية.  

ثانيًا: بناء الإنسان الفاعل 

يرى مالك بن نبي أنَّ أزمة الأمة الإسلامية ليست في قلة الموارد أو الإمكانات، وإنما في تراجع فاعلية الإنسان وعجزه عن توظيف ما يمتلكه من عناصر الحضارة. فالهزيمة في نظره تبدأ عندما يفقد الإنسان إرادته، ويستسلم للتبعية، ويتحول من صانع للتاريخ إلى متلقٍ له. ومن هنا جعل مشروعه الإصلاحي قائمًا على إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء العمران، وعدَّ إصلاح الفرد نفسيًا وفكريًا وأخلاقيًا المدخل الحقيقي لاستئناف النهضة الحضارية. 

انطلق مالك بن نبي من معادلته الشهيرة للحضارة، التي تقوم على تفاعل الإنسان، والتراب، والوقت في ظل الفكرة الدينية، مؤكدًا أنَّ الإنسان هو العنصر المحوري الذي يمنح بقية العناصر قيمتها الحضارية. فالموارد الطبيعية والوقت لا يصنعان حضارة ما لم يوجد الإنسان الواعي القادر على استثمارها وتوجيهها نحو البناء والإنتاج. 

 فمالك ابن نبي يؤكد على أهمية بناء الإنسان الفاعل حتى لا يتحول هذا الإنسان إلى صانع للفشل فـ” أثر هذا الإنسان على النهضة بالغ الخطورة فهو صانع الفشل الصامت، إنه لا يُهاجم النهضة صراحة، بل يُعيقها من الداخل، لا يحارب المشاريع، بل يتسلل إليها بثقافته الكسولة، فيُفرغها من المعنى”[43] . 

ولهذا رفض بن نبي تفسير التخلف بردِّه إلى الاستعمار وحده، وعدَّ الأزمة الحقيقية كامنة في ضعف الإنسان نفسه، وما يصاحبه من فقدان روح المبادرة، وتعطل الإرادة، وسيادة الاتكالية، وهي المظاهر التي عبَّر عنها بمفهوم القابلية للاستعمار. ومن ثم فإن التحرر من الهزيمة لا يبدأ بطرد المستعمِر، وإنما بإزالة أسباب القابلية له من داخل النفس، وهو ما لخَّصه بالقول: «أخرجوا المستعمِر من أنفسكم يخرج من أرضكم».([44]) 

ويؤكد مالك بن نبي أنّ بناء الإنسان الفاعل يقتضي إعادة تشكيل منظومته النفسية والأخلاقية؛ فيتحول من مستهلك للأفكار إلى منتج لها، ومن متلقٍ للحضارة إلى مشارك في صناعتها، ومن الاهتمام بالأشياء إلى الاهتمام بالأفكار والقيم. كما يربط الفاعلية بحسن استثمار الوقت، والانضباط، والعمل الجماعي، والشعور بالمسؤولية، لأن النهضة في نظره ليست تراكمًا للأشياء، وإنما هي ثمرة لتكوين الإنسان الذي يحسن توظيفها. 

ومن منظور سيكولوجي، فإن مشروع مالك بن نبي يهدف إلى إعادة بناء الشعور بالكفاءة والفاعلية لدى الفرد والمجتمع، بحيث يستعيد الإنسان ثقته بقدرته على التغيير، ويتجاوز مشاعر العجز والاستلاب التي كرستها الهزيمة الحضارية. فكلما ازدادت فاعلية الإنسان، تراجعت قابلية المجتمع للتبعية، وتهيأت شروط النهوض الحضاري. 

يتضح للباحث أن مالك بن نبي نقل مشروع النهضة من مستوى إصلاح الأنظمة إلى مستوى إصلاح البنية النفسية للإنسان؛ فالهزيمة في تصوره ليست فقدان الأرض فحسب، وإنما فقدان القدرة على الفعل. ولذلك فإن بناء الإنسان الفاعل يمثل العلاج الجذري لسيكولوجية الهزيمة، لأنه يعيد للإنسان ثقته بنفسه، ويحرره من عقلية التبعية، ويغرس فيه روح المبادرة والإنتاج، فتتحول الأمة من الاستهلاك إلى الإبداع، ومن انتظار النهضة إلى صناعتها.. 

ثالثًا: التحرر من الاستلاب الحضاري 

لا يكفي رفض التبعية لإزالة آثارها، بل لا بد من تحرير العقل والوجدان من هيمنة النموذج الغالب، حتى يستعيد الإنسان استقلاله الفكري وقدرته على التمييز والنقد. ولهذا انشغل طه عبد الرحمن بإعادة تأسيس العلاقة مع الحداثة على أساس من الوعي والأخلاق، رافضًا التقليد الأعمى كما يرفض الانغلاق، وداعيًا إلى تفاعل حضاري يقوم على الائتمان لا على الاستلاب. 

رابعًا: الاستعلاء الإيماني واستقلال المرجعية 

تجاوز الهزيمة الحضارية حدود الضعف المادي لتصل إلى أخطر صورها، وهي فقدان الأمة استقلالها المرجعي، بحيث تستمد معاييرها في التفكير والحكم والتقويم من خارج منظومتها العقدية والحضارية. ومن هنا أولى عدد من مفكري النهضة الإسلامية عناية خاصة بإعادة بناء المرجعية الإيمانية، وعدُّوها المدخل الأساس لتحرير الإنسان من التبعية النفسية والفكرية، واستعادة ثقته بذاته الحضارية.  

يرى سيد قطب أنَّ الهزيمة النفسية تبدأ عندما يفقد المسلم استقلاله العقدي، ويستمد تصوره للحياة وقيمه من غير الإسلام. ومن هنا صاغ مفهوم الاستعلاء الإيماني، الذي لا يعني التعالي على الناس، وإنما يعني التحرر من الخضوع الفكري والنفسي لغير الله، واستمداد الموازين والقيم من الوحي وحده. فالإنسان المؤمن يستمد كرامته من عقيدته، فلا يذوب في ثقافة الغالب ولا يشعر بالدونية أمامه، لأنّ مرجعيته مستقلة عن موازين القوة المادية.([45]) 

ويعمق طه عبد الرحمن هذا المعنى من خلال مشروعه الفلسفي، إذ يرى أن النهضة لا تتحقق بمجرد نقل منجزات الحداثة، وإنما بإعادة تأسيسها في إطار المرجعية الإيمانية والأخلاقية. فالإنسان في تصوره كائن مؤتمن، لا يكتمل وجوده إلا إذا جمع بين العقل والأخلاق والإيمان. ومن ثم فإن كل منقول حضاري يفقد قيمته إذا انفصل عن الحقيقة الإيمانية التي تمنحه معناه ووظيفته، ولهذا يرفض التقليد الحداثي كما يرفض الانغلاق، ويدعو إلى ممارسة نقد حضاري يميز بين الأخذ الواعي والاستلاب الثقافي.([46]) 

يتبين من خلال هذه الرؤى أنّ الاستعلاء الإيماني واستقلال المرجعية لا يعنيان الانغلاق أو رفض الإفادة من منجزات الحضارات الأخرى، وإنما يعنيان امتلاك معيار ذاتي يحكم عملية الأخذ والعطاء. فالأمة الواثقة بمرجعيتها لا تقلد الغالب تقليدًا أعمى، ولا تنغلق على ذاتها، بل تنفتح انفتاحًا نقديًا يحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة. ومن ثم فإن تحرير المرجعية يمثل في نظر الباحث أحد أهم المداخل النفسية لعلاج الهزيمة الحضارية؛ لأنه يعيد بناء الثقة بالذات، ويحرر الإنسان من الشعور بالدونية، وينقل العلاقة مع الآخر من التبعية إلى الحوار، ومن المحاكاة إلى الإبداع.  

وعلى هذا يرى الباحث أنّ العجز عن بناء فلسفة تربوية موحدة، أو نظرية أدبية معيارية، أو وحدة اقتصادية، أو عسكرية كله نتاج ضعف اعتبار الذات الإنسانية الجمعية وتوقع الفشل ورفض مغامرة التصرف بعيدًا عن السيد الأبيض(الغرب). 

خامسًا: التربية على الوعي الحضاري 

لا تُبنى النهضة بالخطابات المجردة، وإنما بالتربية التي تعيد تشكيل العقل والسلوك، وتنقل الإنسان من السلبية إلى المسؤولية. ومن هذا المنطلق ركز محمد الغزالي على إصلاح الفكر وتجديد الوعي الديني، وعدَّ التربية الواعية وسيلة لإحياء روح المبادرة، وربط الإيمان بالعمل، وإعداد الإنسان القادر على حمل رسالة الحضارة. 

يقول الغزالي -صاحب الإحياء-:” وأما فضيلة التعليم والتعلم فظاهرة مما ذكرناه فإن العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلمه طلباً للأفضل فكان تعليمه إفادة للأفضل وبيانه أن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة وهي الآلة الموصلة إلى الله عز وجل لمن اتخذها آلة ومنزلاً لمن يتخذها مستقراً ووطناً وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين”([47]) 

ويدعو الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين إلى ضرورة” المزج بين العلوم العقلية والعلوم الدينية وبين الحاجة لكل منهما، ويقرر انه لا غنى بالسماع عن العقل، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فإياك أن تكون من أحد الفريقين فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالدواء والشخص المريض يستضر بالغذاء متى فاته الدواء، فكذلك أمراض القلوب، لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة”([48]) 

سادسًا: الانتقال من عقلية رد الفعل إلى الفعل الحضاري 

من أبرز مظاهر الهزيمة الحضارية أن تتحول الأمة إلى كيان يستجيب للأحداث ولا يصنعها، وينشغل بردود الأفعال أكثر من انشغاله ببناء المبادرات. لذلك يؤكد الفكر الحضاري الإسلامي أن التعافي الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الأمة زمام المبادرة، فتنتقل من التلقي إلى الإنتاج، ومن الاستهلاك إلى الإبداع، ومن انتظار التغيير إلى صناعته. 

فمن” مظاهر التخلف انشغال الأمة بإلقاء تبعة أزماتها على الآخرين، مع إهمال النقد الذاتي وإصلاح الداخل، ويؤكد أن الإسلام يربي الإنسان على المبادرة والعمل، ويجعل تغيير الواقع مرهونًا بتغيير النفس والفكر والسلوك، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].([49]) 

ولله درُّ القائل([50]): 

ويحَ العروبة كان الكونُ مسرحها 

 فأصبَحت تتوارى في زواياه 

أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلد 

  تجدْهُ كالطير مقصوصاً جناحاه 

كم صرفَتْنَا يدٌ كنّا نُصـرِّفها 

  وبات يملكنا شعبٌ ملكناه 

سابعًا: إعادة بناء الوعي الجمعي: 

تكشف الرؤى السابقة، على اختلاف منطلقاتها، عن خيط ناظم يجمعها، يتمثل في أن النهضة ليست مشروعًا اقتصاديًا أو سياسيًا فحسب، وإنما هي -قبل ذلك- مشروع لإعادة بناء الوعي الجمعي. وانطلاقًا من ذلك يحاول الباحث صياغة رؤية تكاملية تستفيد من إسهامات المفكرين محل الدراسة، وتربط بين معطيات علم النفس والفكر الحضاري الإسلامي، وصولًا إلى نموذج يفسر مسار التعافي من الهزيمة الحضارية، ويبين أنَّ إصلاح الإنسان هو المدخل الحقيقي لإصلاح الأمة واستعادة دورها الحضاري. 

يرى (فرانز فانون) في كتابة معذبو الأرض أن “الإنسان يولد مستعمَراً في جسده، ويستمر في الحياة وهو يحاول أن ينتزع عن نفسه جلد المهانة.”ليجد نفسه ينادي بعدها لأمثاله: يجب أن نلبس جلدًا جديدًا، وأن ننشئ فكرًا جديدًا وأن نحاول خلق إنسانٍ جديد ([51])  

ويقول مالك بن نبي: «إنّ الذي يردّ إلى العالم شبابه لا بد أن يكون إنسانًا جديدًا، قادرًا على حمل مسؤوليات وجوده ماديًّا وروحيًّا، كممثّل وشاهدٍ، وإنسان ما بعد الموحّدين إنسان هَرِم في طريقه إلى الفناء، ولكن العالم الإسلامي على الرغم من ذلك لديه قدر كبير من هذا الشباب الضروري»”([52]) 

الخاتمة 

تكشف هذه الدراسة أنَّ الهزيمة الحضارية ليست حادثةً عابرةً تقتصر على فقدان الأرض أو السلطة إنما هي فقدان للذات الفاعلة وللوعي الجمعي اليقظ، وإنما هي بنية نفسية وثقافية تتشكل داخل الوعي الجمعي، فتؤثر في منظومة القيم، وأنماط التفكير، وآليات الاستجابة للواقع. وقد بينت الدراسة أنَّ التراث الإسلامي سبق كثيرًا من الطروحات النفسية والاجتماعية الحديثة في تشخيص هذه الظاهرة. 

كما أظهرت الدراسة إمكان الإفادة من مفاهيم علم النفس الاجتماعي والتحليل النفسي، ولا سيما الوعي الجمعي وآليات الدفاع النفسي، في تفسير بعض الظواهر الحضارية، شريطة توظيفها بوصفها نماذج تفسيرية لا أحكامًا قطعية على المجتمعات. وأسفر الربط بين الفكر الحضاري الإسلامي والنظريات النفسية الحديثة عن بناء إطار تفسيري يوضح كيف تنتقل الهزيمة من الواقع الخارجي إلى البنية الداخلية للإنسان، ثم يعرض السبل الكفيلة باستعادة الفاعلية الحضارية. 

وتخلص الدراسة إلى أنَّ النهضة الحقيقية لا تبدأ بإصلاح الأنظمة والمؤسسات فحسب، وإنما تبدأ بإصلاح الإنسان، وإعادة بناء الوعي، واستقلال المرجعية، واستعادة الثقة بالذات الحضارية، وربط المعرفة بالقيم، حتى تستعيد الأمة قدرتها على الإبداع والمبادرة وصناعة الحضارة. 

ومن نتائج الدراسة ما يلي: 

  • الهزيمة الحضارية ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية قبل أن تكون ظاهرة سياسية أو عسكرية. 
  • يمثل تفسير ابن خلدون لمقولة “المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب” أساسًا مبكرًا لسيكولوجية الانهزام الحضاري. 
  • يعد مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي امتدادًا حضاريًا وتحليليًا لرؤية ابن خلدون، مع التركيز على البنية الداخلية للمجتمع. 
  • آليات الدفاع النفسي تقدم تشخيصًا للتنويم الذاتي للشعوب، وتصلح كنماذج تفسيرية للسلوك الجمعي. 
  • يعد التماهي مع الغالب، والتبرير، والإنكار، والإسقاط، والتعويض، والنكوص من أبرز الآليات التي قد تسهم في إعادة إنتاج الهزيمة الحضارية. 
  • ترتبط قابلية الاستعمار ارتباطًا وثيقًا بفقدان الثقة بالذات الحضارية، واضطراب الهوية، وغياب الفاعلية. 
  • يؤكد الفكر الحضاري الإسلامي أن النهضة تبدأ بإصلاح الإنسان قبل العمران، وبناء الوعي قبل بناء المؤسسات. 
  • يمثل الاستعلاء الإيماني واستقلال المرجعية أساسًا نفسيًا وفكريًا للتحرر من التبعية الحضارية. 
  • تتكامل رؤى ابن خلدون ومالك بن نبي وسيد قطب ومحمد الغزالي وطه عبد الرحمن في بناء مشروع حضاري يعيد للإنسان المسلم فاعليته التاريخية. 
  • يثبت البحث أهمية الدراسات البينية التي تجمع بين الفكر الإسلامي وعلم النفس الاجتماعي في تفسير قضايا النهضة والتخلف. 

مصادر ومراجع الدراسة 

 المصادر  

  • القرآن الكريم 
  • البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. 

أولًا: المراجع العربية 

  • ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2004). مقدمة ابن خلدون (تحقيق: عبد الله محمد الدرويش). دمشق: دار يعرب. 
  • أحمد مختار عمر، أ. ع. ح. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب. 
  • الحصري، ساطع. (1985). ما هي القومية؟ بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 
  • حسنة، ع. ع. (1988). فقه الدعوة: ملامح وآفاق (ج1، كتاب الأمة، العدد 8). الدوحة: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، إدارة الشؤون الإسلامية. 
  • الزيات، فتحي عبد الرحمن. (2001). علم النفس: الأسس المعرفية. القاهرة: دار النشر للجامعات. 
  • سيد قطب. (2003). في ظلال القرآن. القاهرة: دار الشروق. 
  • سيد قطب. (2003). معالم في الطريق. القاهرة: دار الشروق. 
  • عبد الستار، إبراهيم. (1998). الإدمان: أنواعه، مراحله، وعلاجه. الكويت: عالم المعرفة. 
  • عبد الرحمن، طه. (2017). من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب. 
  • الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت.). إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة. 
  • الغزالي، محمد. (2005). جدد حياتك. القاهرة: دار الشروق. 
  • فانون، فرانز. (2004). بشرة سوداء، أقنعة بيضاء (ترجمة أحمد خليل). بيروت: دار الفارابي. 
  • فانون، فرانز. (2014). معذبو الأرض (ترجمة سامي الدروبي). القاهرة: دار الفاروق. 
  • فرويد، آنا. (1986). الأنا وآليات الدفاع (ترجمة مصطفى صفوان). بيروت: دار الطليعة. 
  • غنيم، محمود. (1993). الأعمال الكاملة (المجلد الأول). مصر: دار الغد العربي. 
  • مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة (ترجمة عبد الصبور شاهين). دمشق: دار الفكر. 
  • مالك بن نبي. (1986). ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية (ترجمة عبد الصبور شاهين). دمشق: دار الفكر. 
  • مالك بن نبي. (1991). تأملات (ط5). الجزائر: دار الفكر. 
  • مجمع اللغة العربية بالقاهرة. (د.ت.). المعجم الكبير. القاهرة: مجمع اللغة العربية. 
  • ناصيف نصار. (2003). مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ: دراسة في مدلول الأمة في التراث العربي الإسلامي (ط5). بيروت: دار الطليعة. 

ثانيًا: المراجع الأجنبية 

  • Adler, A. (1927). Understanding Human Nature. Garden City Publishing. 
  • American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Publishing. 
  • American Psychological Association. (2023). APA Dictionary of Psychology. 
  • Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall. 
  • Bandura, A. (2000). Exercise of human agency through collective efficacy. Current Directions in Psychological Science, 9(3), 75–78. 
  • Cramer, P. (2006). Protecting the Self: Defense Mechanisms in Action. Guilford Press. 
  • Freud, A. (1936). The Ego and the Mechanisms of Defence. Hogarth Press. 
  • Freud, S. (1957). The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (Vol. 14). Hogarth Press. (Original work published 1917). 
  • Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious. Princeton University Press. 
  • Tajfel, H., & Turner, J. C. (1986). The Social Identity Theory of Intergroup Behavior. In S. Worchel & W. G. Austin (Eds.), Psychology of Intergroup Relations (2nd ed.). Nelson-Hall. 
  • Yemor-Smith, C. (2009). Encyclopedia of Anthropology. (Arabic translation published by the National Center for Translation). 

ثالثًا: المقالات والمواقع الإلكترونية 

([1]) صحيح البخاري, الصفحة أو الرقم: 3456  

[2] ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2004). مقدمة ابن خلدون. وهي الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)  تحقيق: عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب، ص 54 

([3]) الزيات، فتحي عبد الرحمن. (2001). علم النفس: الأسس المعرفية. القاهرة: دار النشر للجامعات. 

([4]) ينظر: لمعجم الكبير لمجمع اللغة العربية بالقاهرة،ج1,ص21 

([5]) لسان العرب، مرجع سابق ادة (قوم)، ج12، ص23. 

([6]) مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ: دراسة في مدلول الأمة في التراث العربي الإسلامي، ناصيف نصّار، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الخامسة، 2003م، ص17 

([7]) معجم اللغة العربية المعاصرة ’ أحمد مختار عبد الحميد عمر (المتوفى: 1424ه) عالم الكتب الطبعة: الأولى، 1429 ه – 2008 م  

([8]) الحصري، ساطع. (1985). ما هي القومية؟. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 

([9]) مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة. دمشق :ت: عبدالصبور شاهين: دار الفكر,بيروت .ص155. 

([10]) يمور-سميث، شارلوت. (2009). موسوعة علم الإنسان. ترجمة مجموعة من الباحثين. القاهرة: المركز القومي للترجمة. 

([11]) Jung, C. G. (1969). The Archetypes and the Collective Unconscious. Princeton University Press. 

([12]) Freud, A. (1936). The Ego and the Mechanisms of Defence. 

([13]) محمد شاويش، مالك بن نبي والوضع الراهن. (دمشق: دار الفكر، ط 1، 2008)، ص 12 -15. 

([14]) ينظر: معالم الطريق : سيد قطب، ط دار الشروق ، بدون رقم طبعة، ص107ص،108،ص120 

([15]) صحيح البخاري, الصفحة أو الرقم: 3456  

([16]) ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، ج2، ص669–671 

([17]) Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall. 

([18]) Tajfel, H., & Turner, J. (1986). The Social Identity Theory. 

([19]) Adler, A. (1927). Understanding Human Nature. 

([20]) ينظر: مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة. دمشق :ت: عبدالصبور شاهين: دار الفكر 

([21]) مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة. دمشق :ت: عبدالصبور شاهين: دار الفكر.ص155. 

([22]) السابق ص:31 نقلا عن كتاب الرجل السياسي. 

([23]) سيد قطب، في ظلال القرآن ، دار الشروق-بتصرف-، 

([24]) طه عبد الرحمن، من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016، ص:35 

([25]) بن نبي، مالك. ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية. ترجمة: عبد الصبور شاهين. دمشق: دار الفكر، 1986. 

([26]) عبد الرحمن، ط. (2017). من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر. المؤسسة العربية للفكر والإبداع ص:18. 

([27]) Adler, A. (1927). Understanding Human Nature. Garden City Publishing. 

([28]) American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). 

([29]) عماد كوسا: (عوامل تكوين الحضارة في فكر مالك بن نبي(مقال)، موقع غراس للإنتاج الفكري، اطُلع عليه بتاريخ :27/7/2026 
https://ghirascenter.org/2026/06/%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%D9%84-%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9/ 

([30]) American Psychological Association. (2023). APA Dictionary of Psychology. https://dictionary.apa.org 

([31]) Cramer, P. (2006). Protecting the Self: Defense Mechanisms in Action. Guilford Press. 

([32]) Freud, 1917/1966؛ American Psychological Association, 2023 

([33]) Freud, S. (1957). The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud (Vol. (14). Hogarth Press. (Original work published 1915) 

([34]) فرويد، آنا. (1986). الأنا وآليات الدفاع (ترجمة مصطفى صفوان). بيروت: دار الطليعة. 

([35]) فانون، ف. (2014). معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي. القاهرة: دار الفاروق,ص:105. 

([36]) American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). 

([37]) فرويد، آنا. (1986). الأنا وآليات الدفاع (ترجمة مصطفى صفوان). بيروت، لبنان: دار الطليعة. 

([38]) عبد الستار، إبراهيم. (1998). الإدمان: أنواعه، مراحله، وعلاجه. الكويت: عالم المعرفة. 

([39]) حسنة، ع. ع. (1988). فقه الدعوة: ملامح وآفاق (ج. 1، كتاب الأمة، العدد 8). الدوحة، قطر: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، إدارة الشؤون الإسلامية. 

([40]) عبد الجواد، ي. (2024، 4 ديسمبر). د. رشدي فكار ومواجهة الانهزامية الحضارية. مركز خُطوة للتوثيق والدراسات. مركز خُطوة للتوثيق والدراسات 

([41]) Bandura, A. (2000). Exercise of human agency through collective efficacy. Current Directions in Psychological Science, 9(3), 75–78. 

([42]) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2004). مقدمة ابن خلدون. تحقيق: عبد الله محمد الدرويش. دمشق: دار يعرب، ص 126–133  

[43] عماد كوسا: (عوامل تكوين الحضارة في فكر مالك بن نبي(مقال)، موقع غراس للإنتاج الفكري، اطُلع عليه بتاريخ :27/7/2026 

([44]) بن نبي، مالك. (1986). شروط النهضة. دمشق: دار الفكر. 

([45]) قطب، س. (2003). معالم في الطريق. القاهرة: دار الشروق، ص 19–34. 

([46]) ينظر: عبد الرحمن، ط. (2017). من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر. الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، ص 44–52. 

([47]) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت.). إحياء علوم الدين (ج. 1). بيروت: دار المعرفة. ص12 

([48]) الغزالي، أ. ح. محمد بن محمد. (د.ت.). إحياء علوم الدين (ج. 3). بيروت دار المعرفة. ص17 

([49]) ينظر: الغزالي، م. (2005). جدد حياتك. القاهرة: دار الشروق، ص 21–46. 

([50]) غنيم ,الشاعر محمود غنيم(1993) الأعمال الكاملة قصيدة وقفة على طلل ص79,المجلد الأول دار الغد العربي، مصر. 

([51]) فانون , فرانز(2004): بشرة سوداء ، أقنعة بيضاء, ت:أحمد خليل, دار الفارابي, بيروت ,لبنان.ص152. 

([52]) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، بيروت، لبنان: دار الفكر، الطبعة الثانية، 1970، ص192. 

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى