
كيف صاغت فلسفة الدولة الحديثة عقل الجماعات المسجدية المنسحبة من المجال السياسي؟
أ. محمد خير موسى
تدخل الدولة الحديثة إلى المجال الديني وفي يدها هندسةٌ خفيّةٌ للمعاني؛ فهي تدرك أنّ الدين حين يبقى قوّةً حاكمةً للضمير والحياة معًا يصير مصدرًا للمعيار والمساءلة، وحين ينكمش داخل المسجد يتحوّل إلى طاقةٍ روحيةٍ نافعةٍ في تهدئة الناس وتلطيف قسوة الواقع، ولهذا تتجاوز حاجتها إخراج المتدين من المسجد إلى إقناعه بأنّ المسجد مملكته الأخيرة وأنّ السلامة في ملازمة الحِلَق والعبادات والذكر وأنّ الشأن العام بحرٌ مضطربٌ يُفسد القلوب ويُبعثر الإخلاص؛ فإذا تمّ لها ذلك أخذت من الدّين سيفَه وأبقت له مسبحته، وأخذت منه ميزانه في الحكم والمال والظلم والكرامة وأبقت له صوته النديّ في المواعظ والأذكار والآداب الفردية.
وقد نشأت في أطرافٍ واسعةٍ من عالمنا جماعاتٌ مسجديةٌ دعويةٌ تتوزع بين مدارس الدعوة والتبليغ، وبعض المدارس السلفية العلمية التقليدية، وجماعاتٍ صوفيةٍ علميةٍ مسجديةٍ في بلاد الشام، وطرائق صوفيةٍ معتدلةٍ في بعضها في بلدانٍ آسيويةٍ وإفريقيةٍ متعددة، يجمع بينها الحرص على الصلاة والذكر وتعليم السنة وتزكية السلوك وربط العامة بالمسجد والقرآن ومجالس العلم، وهذه أبوابٌ كريمةٌ من أبواب الدين غير أنّ الخلل يبدأ يوم تتحول هذه الأبواب إلى أسوار، ويوم يصير الصلاح الفردي نهاية الطريق، ويوم يتربى المسلم على إتقان حضوره في الصف الأول ثم يخرج إلى عالمٍ تصوغه الدولة والسوق والإعلام والقانون بلا بصيرةٍ تكشف موضع الشريعة من هذه القوى التي تمسك بعقله ورزقه وكرامته ومصير أبنائه.
لقد استطاعت فلسفة الدولة الحديثة أن تصنع في هذا النمط الدعوي عقلًا مسجدّيًا يرى الدين نورًا داخليًا يربّي القلب ثم يعجز عن رؤيته ميزانًا عامًا يزن السلطة والمال والتعليم والولاء والعدالة؛ فيتسع الكلام عن آداب الصلاة وفضل الجماعة وحسن الخلق وبر الوالدين وخطر الغيبة، ثم يضيق الكلام عند المال العام والاستبداد وحرمة الدم واستقلال الأمة والقانون الذي يحكم الناس والإعلام الذي يربّي الشهوات والاقتصاد الذي يصنع الفقراء والسياسات التي تبيع القرار، فينشأ متدينٌ طيبٌ في عبادته وعذبٌ في سمته ومأنوسٌ في مجلسه ثم إذا خرج من عالم المسجد إلى عالمٍ تصوغه الدولة والسوق والإعلام والقانون بدا كحامل سراجٍ تعلّم طويلًا كيف يصون زجاجه ويزيّن مقبضه ويختار زيته النقي ثم عجز عن رفعه في وجه العتمة؛ فيبقى السراج عنده زينةً للطمأنينة الخاصة ويعجز عن أن يصير بصيرةً منيرةً في الطريق العام.
وقد نبّه جيمس سكوت إلى أنّ الدولة الحديثة تسعى إلى جعل المجتمع مقروءًا قابلا للضبط والإدارة، وأنّ فنّ الحكم يحتاج إلى تبسيط الواقع كي يسهل قياسه والتحكم فيه، كما قرّر في كتابه “أن ترى كالدولة” في الصفحات الأولى من مقدمته، وهذا المعنى يفسّر سرّ ارتياح الدولة إلى جماعةٍ مسجديةٍ واضحة المكان ومعلومة النشاط ومأمونة السقف، تُربّي الناس على العبادة والسكينة وتترك المجال العام لأجهزته ومؤسساته، فهي جماعةٌ قابلةٌ للتصنيف والتأطير؛ مسجدٌ، درسٌ، خروجٌ دعوي، شيخٌ، أدعيةٌ، سمْتٌ صالح، وخطابٌ يحرص على السلامة، وبهذه القابلية تدخل الجماعة في هندسة الدولة من حيث تظن أنها خارجةٌ منها.
نبّه جيمس سكوت إلى أنّ الدولة الحديثة تسعى إلى جعل المجتمع مقروءًا قابلا للضبط والإدارة، وأنّ فنّ الحكم يحتاج إلى تبسيط الواقع كي يسهل قياسه والتحكم فيه
وهنا تظهر المفارقة؛ فالانسحاب من السياسة يصبح موقفًا سياسيًا كامل الأثر لأنّ الفراغ الذي يتركه الدين في المجال العام يملؤه صاحب السلطة، وتحذير الناس من كل شأنٍ عامٍّ يترك القرار العام لمن يملك أدوات القوة، وتعليم الشباب أنّ السياسة تُذهب صفاءَ القلب يهب السياسة لمن يلوثون القلب والحياة معًا فيصير خطاب السلامة طريقًا إلى تسليم الواقع لغير ميزان الشريعة وتصير العزلة المسجدية مشاركةً صامتةً في تثبيت النظام القائم؛ إذ يكفي النظام أن يجد حوله تدينًا يملأ القلوب بالسكينة ويصرفها عن سؤال مصدر الألم، ويجعل المظلوم مشغولًا بتهذيب احتماله وتصبّره بدل أن يبصر اليد التي صنعت ظلمه.
وقد كان لفظ الفتنة من أكثر الألفاظ قابليةً للتوظيف داخل هذا العقل المسجدّي؛ إذ يتحول من مفهومٍ شرعيٍّ دقيقٍ يرشد الناس عند اضطراب الحقائق واختلاط الدماء إلى ستارٍ واسعٍ تُغطّى به كل مطالبةٍ بالعدل وكل صوتٍ يسأل عن المال العام وكل محاولةٍ لكشف الاستبداد، فيصير طلبُ الحق فتنةً والسكوتُ حكمةً والخوفُ ورعًا، وتغدو الجماعة قادرةً على تهدئة الضمير باسم النصوص مع أن النصوص نفسها جاءت لتقيم القسط وتمنع الظلم وتحرس الإنسان من عبودية الخوف.
من صور هذه القولبة أن يتحول الوعظ إلى بلسمٍ موضوعٍ فوق الجرح مع بقاء السكين في مكانها؛ فيُستحضر الصبر طويلًا وتمضي العبارة بعيدًا عن اسم الظالم، ويحضر الزهد بصفائه الروحي بينما يغيب نهب المال العام عن الميزان، وتُستدعى طاعة وليّ الأمر بإلحاح فيندفع العدل والنصح وكفّ الأذى إلى الهامش، ويتصدر التحذير من الفتن مجالس الوعظ بينما تمضي صناعة الفتنة خلف ستارٍ كثيف؛ فتعمل الكلمات الصالحة في غير موضعها وتتحول الفضائل إلى أدوات تهدئة ويصير التدين تدريبًا للناس على احتمال ما كان ينبغي أن يوقظ فيهم واجب الإنكار والإصلاح.
ومع أنّ هذه الجماعات كثيرًا ما تفرّ من السياسة باسم حفظ الدين فإنها تقدم في الواقع تجسيدًا عمليًا للفصل بين الدين والحياة؛ فالعلمانية الخشنة تطلب من الدين مغادرة المجال العام بلسانٍ صريح وهذه الصيغة المسجدية تدفعه إلى المغادرة بلسان الورع والخوف من الفتنة، فتمنحه الصلاة والذكر والأخلاق الشخصية ثم توزّع بقية الحياة على الدولة التي تصوغ التعليم والسوق الذي يصوغ الشهوة والإعلام الذي يصوغ الخيال والقانون الذي يصوغ العلاقات والسياسة التي تصوغ الولاء ووالبراء ومواطن العداء؛ وبذلك تتحقق العلمنة في صورةٍ متدينةٍ هادئة يتلو صاحبها القرآن في المسجد ثم يترك نظم الحياة تتشكل بعيدًا عن سلطان القرآن.
يمكن أن تتحقق العلمنة في صورةٍ متدينةٍ هادئة؛ يتلو صاحبها القرآن في المسجد ثم يترك نظم الحياة تتشكل بعيدًا عن سلطان القرآن.
وقد راجع خوسيه كازانوفا أطروحة حبس الدين في المجال الخاص، وتحدث عن عودة الدين إلى المجال العام في كتابه “الأديان العامة في العالم الحديث”؛ ومن خلال هذا المعنى يظهر مأزق الجماعات المسجدية بوضوح فهي قبلت طوعًا بخصخصةٍ واسعةٍ للدين، فجعلت حضوره العام حضورًا وعظيًا يتوجه إلى الفرد، ثم توقفت عند أبواب القرار والسلطة والاقتصاد والإعلام، مع أن الدين الذي ينزل إلى القلب كي يطهّره يجب أن ينزل كذلك إلى الحياة كي يقيمها على العدل، والإيمان الذي يمنح الإنسان بصيرةً في العبادة هو الذي يمنحه أيضًا بصيرةً في العالم الذي يحيط بعبادته.
وحتى حين تتجاوز هذه الجماعات حدود الدرس المسجدّي إلى دروسٍ خاصةٍ بالتجار في فقه البيوع والمعاملات، أو لقاءاتٍ موجهةٍ للأطباء في فقه المهنة وأحكام العلاج، أو إشرافٍ على جمعياتٍ خيريةٍ تكفل اليتيم وتطعم الفقير وتداوي المحتاج فإنها تقدم جهدًا مشكورًا من أبواب الخير وتفتح للدين نوافذ نافعةً على حياة الناس غير أنّ هذا الخروج يبقى في كثيرٍ من صوره داخل القالب الذي رسمته الدولة الحديثة للدين؛ حضورٌ مهنيٌّ جزئيٌّ يعلّم التاجر تطهير عقدِه الفردي، ويعلّم الطبيب مراعاة الحكم الشرعيّ داخل حدود عيادته، ويحثّ المحسن على سكب رحمته في سلة الفقير، ثم يظل أصل الفقر وقوانين السوق ونظام الصحة وبنية القرار العام في الظل، فتتحول الرحمة الفردية إلى بديلٍ دائمٍ عن العدل المؤسسي، ويظهر الفرق بين دينٍ يدخل بعض المهن ليهذب أطرافها وسلوكياتها وتعاملاتها الفرديّة ودينٍ يدخل الحياة ليعيد بناء ميزانها وأصولها وجذورها؛ ففقه التاجر والطبيب والجمعية الخيرية إذا انفصل عن فقه الدولة والسوق والسيادة والمال العام صار ترميمًا صالحًا في جدارٍ متصدع يلمس الشقوق الظاهرة ويترك أساس البناء تحت سلطان الفلسفة التي صنعت التصدع
تتحول الرحمة الفردية إلى بديلٍ دائمٍ عن العدل المؤسسي، فيبقى فقه المهن ترميمًا صالحًا في جدارٍ متصدع يلمس الشقوق الظاهرة ويترك أساس البناء تحت سلطان الفلسفة التي صنعت التصدع.
والمسألة هنا أبعد من تصنيف الجماعات وأسمائها وأعمق من محاكمة النيات؛ فكثيرٌ من الدعاة والمنتسبين إلى هذه البيئات أصحاب صدقٍ وعبادةٍ وبذل وحرص على إعزاز الدّين وأهله، وقد حفظوا للناس أبوابًا من الخير وقرّبوهم من المساجد والقرآن والسنة، غير أنّ صدق النية يحتاج بصيرةً بموقع الفعل داخل الخريطة الكبرى؛ فقد يخدم الإنسان مشروعًا واسعًا وهو يظن أنه يتحرك خارجه، وقد تسهم الجماعة في هندسة السكون العام وهي تحسب نفسها مشتغلةً بالهداية المجردة، وقد يغدو الدرس المسجدّي صمام أمانٍ للنظام السياسي الحاكم حين يربّي الناس على فضائل احتمال الأذى والظلم ويترك أسباب الألم في أيدي صانعيها.
وقد أشار الفيلسوف طه عبد الرحمن في “سؤال الأخلاق” إلى مركزية الأخلاق في بناء الإنسان والعمران إذ يجعل الأخلاق أصلًا في قيام العمل الإنساني؛ وهذا المعنى يكشف عطب اختزال الأخلاق في الفرد، فالصدق خلقٌ في كلام الشخص وخلقٌ في إعلام الدولة أيضًا، والأمانة فضيلةٌ في يد البائع وميزانٌ في المال العام، والرحمة خلقٌ في الأسرة ومعيارٌ في السياسة كذلك، والعدل قيمةٌ في الخصومة الفردية وهو أيضًا أصلٌ في القضاء والحكم وتوزيع الثروة، فإذا حُبست الأخلاق في السلوك الشخصي صار الدين أدبًا خاصًا وخرج العمران من منظومة الهداية.
والجماعات المسجدية اليوم تحتاج إلى مراجعة معنى تجنب السياسة؛ فترك الصراع الحزبي الضيق شأنٌ وترك الشهادة على الظلم شأنٌ آخر، وتزكية القلب من شهوة السلطة معنى كريم أما تسليم الحياة للسلطة كي تصوغها بمعزلٍ عن الميزان الشرعي فمعنى مختلف، وحماية الدعوة من التوظيف الحزبي مقصد معتبر أما تحويلها إلى منطقةٍ معقمةٍ من أسئلة المال والدم والكرامة والقانون فانسحابٌ من واجب الشهادة، والمسجد الذي يصنع صفاء الروح يبلغ رسالته حين يمنح صاحبه بصيرةً في المدينة التي تُدار حوله بمنطقٍ آخر.
إنّ المسجد في الإسلام موضع سجودٍ وبصيرة ومحراب عبادةٍ ومنبع شهادة ومدرسة قلبٍ ومفتاح حياة؛ فمنه يتعلم الإنسان أنه عبدٌ لله وحده وهذا المعنى إذا صدق في القلب امتد إلى كل سلطانٍ يحاول أن يأخذ موضع الإله في التشريع والرزق والخوف والولاء، ومنه يتعلم الإنسان أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمنكر في الحياة العامة أشد خطرًا حين يلبس ثوب قانونٍ أو سياسةٍ أو مؤسسة، ومنه يتعلم الذاكر أن ذكر الله يفتح عين القلب على نعم الله وحقوق عباده، فيصير صوته في الحياة أثرًا من آثار سجوده.
والمخرج من هذا أنْ تستعيد هذه الجماعات إلى بنيتها الفكريّة وحدةَ الدين والحياة، وأن تبقى مخلصةً للعبادة والتزكية مع توسيع معناهما ليشمل كل شؤون الحياة العامة والسياسة في مقدمتها، وأن تجعل تعليم الصلاة بدايةً لفهم العبودية الشاملة، وتعليم السنة بدايةً لفهم موقع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الإنسان والأمة، وتعليم الأخلاق بدايةً لفهم العدل في المجتمع والدولة، وأن تدرك أن الجماعة التي تحذر أتباعها من كل عملٍ عامٍّ تصنع أناسًا صالحين للصف الأول في المسجد ثم تترك الصفوف الأولى في الحياة لمن يكتب المناهج ويملك المال ويصوغ القانون ويقرر صورة الإنسان.
يتوجب على الجماعات المسجدية أن تستعيد وحدة الدين والحياة؛ فتعليم الصلاة بداية لفهم العبودية الشاملة، وتعليم السنة بداية لفهم موقع النبي في بناء الأمة، وتعليم الأخلاق بداية لفهم العدل في المجتمع والدولة.
فالدين الذي يبقى داخل المسجد وحده يصير جزءًا من تصميم الدولة الحديثة للمجال العام أما الدين الذي يخرج من المسجد بصيرةً وعدلًا ورحمةً وشهادةً بالقسط؛ فإنه يعيد وصل القلب بالحياة ويجعل السجود بداية التحرر من كل سلطانٍ ينازع سلطان الله تعالى، ويحوّل الجماعة الدعوية من ملاذٍ روحيٍّ آمن إلى منبع إنسانٍ عابدٍ بصير يحمل نور المسجد إلى السوق والمدرسة والمحكمة والإعلام والسياسة ويشهد أن الوحي جاء ليقود الحياة كلها ويملأ زواياها الهادئة وساحاتها الصاخبة بنور الله تعالى وميزانه.



