
التربية عند الغزالي بين تهذيب النفس وبناء العقل
قراءة في المضامين التربوية لرسالة (أيها الولد)
عبدالناصر عبدالمولى أحمد
لعلَّ وجودَ نظريةٍ تربويةٍ إسلاميةٍ تنبع أصولُها من دوحةِ الدين ومن معينِ الروح العربية غايةٌ طال التشوّقُ إليها من التربويين وأولياء الأمور والمهتمين بالتربية الإسلامية، بعد عقودٍ من تجريب نُظُمٍ تربويةٍ غربيةٍ أو شرقية، آثارُها ناتئةٌ في وجوه طلابنا -إلا من رحم الله- كالثآليل البغيضة التي تظهر في ضعف التحصيل، وضحالة الفكر، وخمود الوعي، وسطحية الأهداف.
ولعلَّ ما آلت إليه حالُ التعليم في مجتمعاتنا، وجرائرُ هذه الحال، ظاهرٌ على مكوّنات العملية التربوية بأسرها، وكأنَّه تخريبٌ ممنهجٌ لعماد نهضة الأمة، وهو التعليم الجيد.
فهل وجود نظرية تربوية إسلامية متكاملة… هو هدف مستحيل؟
أيها الولد
تُعدّ رسالة (أيها الولد) للإمام الغزالي من أهم النصوص التربوية في التراث الإسلامي، إذْ لم تكن مجردَ رسالة وعظيةٍ موجّهة إلى أحد طلابه، بل جاءت بمثابة مشروعٍ تربوي متكامل يسعى إلى بناء الإنسان من الداخل، وتشكيل شخصيته أخلاقيًا وروحيًا وعلميًا. وقد انطلق الغزالي في رؤيته التربوية من تصور إسلامي عميق للإنسان، بوصفه كائنًا قابلًا للتربية والتهذيب والتزكية، يحتاج إلى رعايةٍ مستمرةٍ حتى يبلغ كماله الإنساني والأخلاقي.
ولم ينظر الغزالي إلى التربية باعتبارها تلقينًا للمعارف أو حفظًا للمعلومات، وإنما عدّها عملية إصلاح شاملة للنفس والعقل والسلوك، ولهذا احتلت التربية مكانةً مركزيةً في مشروعه الفكري. وقد انعكس ذلك بوضوحٍ في كتاباته المختلفة، ولا سيّما في «إحياء علوم الدين» ورسالة «أيها الولد»، حيث تناول العبادات والعادات والمهلكات وقضايا العلم والعمل، وصفات المربي، وآداب المتعلم، وتهذيب النفس، والتربية الروحية والأخلاقية.
و الغزالي-رحمه الله- لم يكن منشغلًا بالتصوف والعلوم الدينية -وحدها- بمعزل عن قضايا الحياة والتعليم، بل كان يرى أنَّ العلوم المختلفة ضرورة لاستقامة العمران الإنساني، ولذلك يقول: « ولا ينبغي أن يفتر رأيك في طلب العلوم الدنيوية بما حكيناه عن طريق الصوفية؛ فإنهم لا يعتقدون حقارة العلوم؛ بل يعتقد كل مسلمٍ حرمتها وعظمتها، وما ذكروه إنما أوردوه بالإضافة إلى مرتبة الأنبياء والأولياء. »[1]. كما يقرر أنّ الله تعالى «حبّب علم الفقه والنحو والطب والرياضة إلى الناس لصلاح العالم»[2]، وهو ما يكشف عن وعي حضاري بأهمية العلوم في بناء المجتمع.
مفهوم التربية عند الغزالي
ترتكز التربية عند الغزالي على فكرة الإصلاح والتهذيب، وهي فكرةٌ نابعةٌ من توجهه الصوفي، فهو يشبّه المربي بالفلاح الذي يرعى زرعه ويزيل عنه ما يفسده حتى ينمو نموًا صحيحًا، وفي ذلك يقول: «ومعنى التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه»[3]. ويكشف هذا الفهم عن نظرةٍ عميقةٍ إلى الإنسان باعتباره قابلًا للتقويم والتشكيل، وأنّ مهمة التربية تتمثل في تنقية النفس من الرذائل وغرس الفضائل وتطوير سُبل التعلم.
كما ربط الغزالي بين التربية والعمل، وعدّ العلم المُجرّد من التطبيق علمًا ناقصًا لا يحقق الغاية الحقيقية من التعلم، ولذلك يقول: «العلم بلا عملٍ جنون، والعمل بغير علم لا يكون»[4]. ويؤكد هذا المعنى بقوله: “أيها الولد المحب: “فلو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وتعلمها ولم يعمل بها لا تفيده إلا بالعمل”[5] ومن هنا فإنّ التربية عند الغزالي ليست عملية ذهنية خالصة، بل هي بناء عملي للسلوك الإنساني، فهو يرفض الفصل بين العلم والعمل أو التطبيق وهذا الأمر أقصد الانصراف عن التطبيق هو آفة العمل البحثي في مجتمعاتنا؛ فكم تحتشد الأبحاث في أرفف المكتبات ومراكز البحوث بلا تطبيق لضعف إرادة صناع القرار في محاولة تحويل هذه البحوث إلى واقع تجريبي.
وفي هذه الرؤية نرى الغزالي قد سبق الكثير من الاتجاهات التربوية الحديثة التي تؤكد أهمية الخبرة العملية والتعلم بالممارسة، فالمعرفة عنده لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى سلوكٍ وأخلاق. كما أنّ النفس الإنسانية -في نظره- تحمل استعدادًا فطريًا للمعرفة والخير، لكنه استعدادٌ يحتاج إلى الرعاية والتوجيه، ولذلك يرى أنّ «النفس الإنسانية معدن للعلم والحكمة ومنبع لها»[6].
إذن فالتربية هي “مجموعةٌ من التصورات والمفاهيم والأفكار والأهداف والأحكام والقيم ذات الحد الأقصى من التجريد والعمومية، المنظمة والمرتبطة منطقيًا بموضوع إعداد الإنسان المسلم حسب الأصول الإسلامية وفي ضوئها، ويمكن تفسير العمليات التربوية الإسلامية الهادفة وتبريرها وتقويمها وتوجيهها وترشيدها إلى الافضل والأحسن باستمرار.”[7]
التربية الأخلاقية والروحية عند الغزالي
تُعد التربية الأخلاقية جوهر المشروع التربوي عند الغزالي، إذ يرى أنّ الغاية الكبرى من العلم هي إصلاح النفس وتقويم السلوك. ولذلك ركز على تطهير النفس من الصفات المذمومة كالكبر والحسد والرياء، وغرس الفضائل كالصبر والتواضع والإخلاص والزهد.
وقد جعل الغزالي مجاهدة النفس أساسًا للتربية الحقيقية، فقال: « اجعل الهمة في الروح، والهزيمة في النفس، والموت في البدن، لأنّ منزلك القبر، وأهل المقابر ينتظرونك في كل لحظة متى تصل إليهم، إياك إياك أن تصل إليهم بلا زاد. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: هذه الأجساد قفص الطيور، وإصطبل الدواب، فتفكّر في نفسك من أيهما أنت؟ إن كنت من الطيور العلوية، فحين تسمع طنين طبل: {ارجعي إلى ربك} تطير صاعدًا إلى أن تقعد في أعالي بروج الجنان،»[8]. كما أكد أنّ المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا بعد تهذيب النفس وتطهير القلب، فقال: « واعلم أنّ اللسان المطلق والقلب المطبق المملوء بالغفلة والشهوة علامة الشقاوة، حتى لا تقتل النفس بصدق المجاهدة لن يحيى قلبك بأنوار المعرفة.
واعلم أنّ بعض مسائلك التي سألتني عنها لا يستقيم جوابها بالكتابة والقول، إن تبلغ تلك الحالة تعرف ما هي! وإلا فعلمها من المستحيلات؛ لأنها ذوقية، وكل ما يكون ذوقيًا، لا يستقيم وصفه بالقول، كحلاوة الحلو ومرارة المر، لا تعرف إلا بالذوق، »[9]. ومن هنا تبدو التربية عنده مرتبطة بتزكية النفس أكثر من ارتباطها بحفظ المعلومات.
ويرى الغزالي أنّ الفضائل الإنسانية تقوم على عنصرين أساسين:
- جودة العقل
- وحسن الخلق.
فالعقلُ يساعد الإنسان على إدراك الحق وتمييز الخير من الشر، بينما يؤدي حسن الخلق إلى التخلص من العادات السيئة واكتساب العادات الحسنة. ولهذا كانت التربية الأخلاقية عنده وسيلة لبناء الإنسان المتوازن نفسيًا وروحيًا واجتماعيًا.[10]
كما اهتم الغزالي بالتربية الروحية وعدّها جزءًا لا ينفصل عن التربية الأخلاقية، فصلاح القلب عنده أساسٌ لصلاح الإنسان كله. ولذلك دعا إلى الإخلاص والعبادة ومراقبة الله، وربط التربية بالغاية الوجودية الكبرى وهي عبادة الله تعالى، فقال: «خلاصة العلم: أن تعلم أنّ الطاعة والعبادة ما هي؟». ثم يوضح مفهوم العبادة بقوله: «الطاعة والعبادة متابعة الشارع في الأوامر والنواهي بالقول والفعل، يعني: كل ما تقول وتفعل، وتترك قوله وفعله يكون باقتداء الشرع، كما لو صمت في يوم العيد وأيام التشريق تكون عاصيا، أو صليت في ثوب مغصوب ـ وإن كانت صورته عبادة ـ تأثم.»[11].
ولم تكن التربية الروحية عند الغزالي انعزالًا عن الحياة، بل كانت وسيلة لتحقيق التوازن النفسي والأخلاقي، ولذلك أكد أهمية قيام الليل والذكر والاستغفار في تهذيب النفس، فقال: «واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس”[12]. وهي نصائح تجعل المتعلم أكثر قدرة على مواجهة شهواته وأهوائه، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤولياته الأخلاقية والاجتماعية.
دور المعلم والمتعلم في بناء الإنسان
احتل المعلم مكانةً عظيمةً في الفكر التربوي عند الغزالي، إذ عدّه عنصرًا أساسيًا في تشكيل شخصية المتعلم. ولذلك لم يكتفِ بالحديث عن العلم، بل ركز على صفات المربي وآدابه، وجعل القدوة العملية أساسًا للعملية التربوية.
وقد وصف الغزالي المربي الكامل بقوله: « وإني أبيّن لك بعض علاماته على سبيل الإجمال؛ حتى لا يدّعي كل أحدٍ أنه مرشد فنقول: من يعرض عن حب الدنيا وحب الجاه، وكان قد تابع شيخًا بصيرًا تتسلسل متابعته الى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان محسنًا رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم وكثرة الصلوات والصدقة والصوم»[13]. ثم قال: «وكان جاعلًا محاسن الأخلاق له سيرة: كالصبر والشكر والتوكل واليقين والسخاء والقناعة والحلم والتواضع». ويدل هذا الوصف عن أنّ المربي عند الغزالي ليس ناقلًا للمعلومات فقط، بل نموذجٌ أخلاقي وسلوكي يؤثر في المتعلمين بأفعاله قبل أقواله وهو ما يعرف بالتربية بالقدوة، فالمعلم عند الغزالي يجب أن يكون متسقًا روحيًا ونفسيًا وسلوكيًا مع التعاليم التي يغرسها لتحقق الفائدة المرجوة وتحفز المتعلمين على الاقتداء به قولًا وفعلا…
وهو ما تؤيده الدراسات الحديثة حيث “تشير الاتجاهات التربوية الحديثة إلى أنّ المعلم لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه ناقلًا للمعلومات فحسب، بل بوصفه موجهًا ومرشدًا تربويًا يسهم في بناء شخصية المتعلم وتنمية وعيه”[14]
كما أكد ضرورة أن يعمل المعلم بعلمه، لأن فاقد التطبيق لا يستطيع التأثير في طلابه. ولهذا يستشهد الكثير من التربويين وغيرهم بقول الشاعر:
«يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم»[15]
وهي فكرة تؤكد أهمية التربية بالقدوة، إذ يرى الغزالي أنّ الطفل والمتعلم يتأثران بالسلوك العملي أكثر من الكلام النظري.
وفي المقابل اهتم الغزالي بآداب المتعلم، فدعا إلى التواضع واحترام المعلم والصبر على طلب العلم، وحذّر من الجدل والتكبر، لأنّ العلم -في نظره- لا يؤتي ثماره إلا إذا اقترن بالأدب والأخلاق. كما أكد أهمية التدرج في طلب العلم، وأن يبدأ الطالب بفهم أصول العلوم قبل الخوض في الخلافات والجدل.
فقال:” فأحدها: ألا تناظر أحدا في مسألة ما استطعت لأنّ فيها آفات كثيرة، فإثمها أكبر من نفعها، إذ هي منبع كل خلق ذميم كالرياء والحسد والكبر والحقد والعداوة والمباهاة وغيرها.
نعم لو وقعت مسألة بينك وبين شخص أو أقوام، وكانت إرادتك فيها أن تظهر الحق ولا يضيع، جاز البحث، لكن لتلك الإرادة علامتان:
إحداهما: ألا تفرّق بين أن ينكشف الحق على لسانك أو على لسان غيرك.
والثانية: أن يكون البحث في الخلاء أحبّ إليك من أن يكون في الملأ.
واسمع أني أذكر ههنا فائدة، واعلم أن السؤال عن المشكلات عرض مرض القلب الى الطبيب، والجواب له سعي لإصلاح مرضه.”[16]
فهو ينبه ألا يكون العلم لمجرد المناظرة والجدل والمباهاة ,بل لطلب الحقية والمعرفة نقيةً خالصة بعيدة عن التحيز الأعمى والجمود والتصلب الفكري..
ويرى طه عبدالباقي سرور أنّ الغزالي “قد وضع دستورًا شاملًا للآداب والأخلاق والمبادئ الواجبة على المتعلم والمعلِّم وطرق التعليم ووسائله، فيرى أن على المتعلم واجبات، أهمها: ألَّا يبدأ دراسته في علمٍ ما بتعلُّم الاختلاف الواقع بين أصحاب هذا العلم؛ لأنَّ ذلك يفتر عزمه، ويضعف إيمانه فيما يتعلم.
وألَّا يدع فنًّا من فنون العلم ونوعًا من أنواعه إلا وينظر فيه نظرًا يطَّلع به على غايته ومقصده وطريقه، ثم يتخصص بعد ذلك؛ لأنَّ العلوم جميعها متعاونة، يفيد بعضها بعضًا، وحتى لا يكون معاديًا لعلم ما بسبب جهله له؛ فإنّ الناس أعداء ما جهلوا،[17] قال تعالى: “وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ.”[18]
أثر الفكر التربوي للغزالي
ترك الغزالي أثرًا عميقًا في الفكر التربوي الإسلامي، وأصبحت آراؤه مرجعًا مهمًا في قضايا التربية والأخلاق والسلوك. كما أنّ كثيرًا من أفكاره تتقاطع مع الاتجاهات التربوية الحديثة، خاصة ما يتعلق بمراعاة الفروق الفردية، وأهمية البيئة والقدوة، ودور الجوانب النفسية والأخلاقية في بناء الشخصية.
وتبدو أهمية فكر الغزالي اليوم في قدرته على معالجة كثير من الأزمات التربوية المعاصرة، مثل انفصال العلم عن القيم، وضعف التربية الأخلاقية، وتراجع البعد الروحي في التعليم. فالتربية عنده ليست إعدادًا مهنيًا فقط، بل بناء متكامل للإنسان عقلًا وروحًا وخلقًا.
حجر الشحذ!
تطبيق العلم والتهذيب على النفس..
روى ابن عساكر أنّ الغزالي أقام بالشام نحوًا من عشر سنين، ونقل الذهبي أنه صادف دخوله يومًا المدرسة الأمينية فوجد المدرس يقول: قال الغزالي: فخشي الغزالي على نفسه العجب، ففارق دمشق، وأخذ يجول في البلاد، فدخل منها إلى مصر، وتوجه منها إلى الإسكندرية، فأقام بها مدةً، وقيل: إنه عزم على المضي إلى السلطان يوسف بن تاشفين سلطان الغرب؛ لما بلغه من عدله، فبلغه موته، واستمر يجول في البلدان، ويتردد إلى المشاهد، ويطوف على الترب والمساجد، ويأوي القفار، ويروض نفسه ويجاهدها جهاد الأبرار، ويكلفها مشاق العبادات، ويبلوها بأنواع القرب والطاعات، إلى أن صار قطب الوجود والبركة العامة لكل موجود، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، والسبيل المنصوب إلى مركز الإيمان .
ثم رجع إلى بغداد، وعقد بها مجلس الوعظ، وتكلم على لسان أهل الحقيقة، وحدث بكتاب الإحياء، ورأيت في بعض المجامع أنّ سبب سياحته وزهده أنه كان يومًا يعظ الناس فدخل عليه أخوه أحمد، فأنشده:
أخذت بأعضادهم إذ ونوا
وخلفك الجهد إذ أسرعوا
وأصبحت تَهْدِي ولا تهتدي
وتسمع وعظًا ولا تَسمَعُ
فيا حجر الشحذ حتى متى
تسن الحديد ولا تقطعُ!…
فكان ذلك سببًا لتركه علائق الدنيا .[19]
يقول الدكتور محمد رجب البيومي -رحمه الله- تعليقًا على هذه القصة-” هذه المعاني الرائعة قد صادفت قلبًا تواقًا نزّاعًا إلى المناجاة كان يقدم رجلًا ويؤخر أخرى في طريق التجرد”[20]
وهذه القصة تمثل مرحلةً انتقاليةً من مراحل ترقي الغزالي في مدارج السالكين لطريق الحق ومكاشفة الحقيقة حيث انصرف لمدة كبيرة للخلوة والعبادة، وفيها إشارة إلى أن المربي لابد أن يكون له وقت ينشغل فيه بإصلاح نفسه والتفرغ لتهذيبها وترقيتها وعدم الركون لمدح المادحين وتقرب المتزلفين فيكون ذلك حجابًا على عقل وقلب المربي فلا يطور من نفسه ويقف عند درجة وصلها ولا يزيد…
خاتمة
اتضح من هذا المقال دور الغزالي التأسيسـي في إنشاء مبادئ تربوية توضح دور المعلم والمتعلم وعلاقتهما ببعضهما والخصال والمضامين التربوية التي تُستقى من رسالة (أيها الولد) التي تنتظم مع جهود التربويين المسلمين قديمًا وحديثًا لتأسيس نظرية تربوية إسلامية ترتكز على الأصول الإسلامية وتفيد من تطور العصـر وتطور النظم التربوية و”تؤكد التربية الإسلامية على أهمية القدوة والوسط الاجتماعي في تنشئة الفرد. واهتمت بتكوين العادات الحسنة منذ النشأة الأولى للطفل لمخالطته للنماذج الطيبة وإبعاده عن قرناء السوء، فمثل الجليس الصالح والجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير. كما اهتمت أيضًا بالوسط الأسري الاجتماعي كعامل هام في تربية الفرد، فالإنسان يولد على الفطرة وأبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
إنّ من أهم الأسس التي تقوم عليها علاقة الفرد بالمجتمع في الإسلام هو أنّ الاتصال الصحيح للفرد بذاته هو الاتصال الصحيح بالآخرين.”[21]
وتكشف رسالة (أيها الولد) عن رؤيةٍ تربويةٍ متكاملةٍ عند الإمام الغزالي، تقوم على تهذيب النفس وربط العلم بالعمل وبناء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا وعقليًا. وقد استطاع الغزالي أن يقدم تصورًا تربويًا يجمع بين التربية الأخلاقية والروحية والعقلية، ويجعل من الإنسان محور العملية التربوية وغايتها الكبرى.
كما أنّ أفكاره التربوية لا تزال تحتفظ بقيمتها وبريقها حتى اليوم، لما تتضمنه من دعوة إلى إصلاح النفس، وربط العلم بالأخلاق، والاهتمام بالبعد الإنساني في التربية. ولذلك يبقى الفكر التربوي عند الغزالي واحدًا من أهم النماذج التي يمكن الإفادة منها في بناء رؤية تربوية معاصرة تستند إلى القيم والإنسانية والتوازن النفسي والأخلاقي.
وفي ضوء ما قدمه الإمام الغزالي من رؤيةٍ تربوية متكاملة تجمع بين تهذيب النفس وبناء العقل وتقويم السلوك، يمكن اقتراح عدد من التوصيات والرؤى الاستشرافية التي تسهم في الإفادة من الفكر التربوي الإسلامي في معالجة أزمات التربية المعاصرة:
- ضرورة إعادة قراءة التراث التربوي الإسلامي، ولا سيما مؤلفات الإمام الغزالي، قراءةً علميةً نقديةً تستخرج مضامينه التربوية وتربطها باحتياجات الواقع المعاصر.
- تعزيز التربية الأخلاقية والروحية داخل المؤسسات التعليمية، وعدم الاقتصار على الجوانب المعرفية والمهارية فقط، لما لذلك من أثرٍ في بناء شخصيةٍ متوازنةٍ نفسيًا وسلوكيًا.
- إعادة الاعتبار لدور المعلم بوصفه مربيًا وقدوةً أخلاقية، لا مجرد ناقلٍ للمعلومات، مع تطوير برامج إعداد المعلمين بما يجمع بين الكفاءة العلمية والتكوين القيمي والإنساني.
- الإفادة من رؤية الغزالي في الربط بين العلم والعمل، وذلك من خلال تطوير المناهج التعليمية لتكون أكثر اتصالًا بالواقع والسلوك والتطبيق العملي وتنشيط الجوانب التطبيقية للعلوم.
- توجيه الدراسات التربوية الحديثة نحو بناء نظريةٍ تربويةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ تستند إلى أصول التراث الإسلامي، وتستفيد في الوقت نفسه من منجزات التربية الحديثة.
- العناية بالتربية النفسية والوجدانية للمتعلمين وتحصينهم من الثقافات الوافدة رقميًا التي تصنع منهم مسوخًا عن طريق تشويه الهويات أو استبدالها بالهويات الرقمية وتجعلهم فرائس للقلق والاغتراب والتفكك القيمي، ومحاولة إصلاح ذلك عبر إحياء مفاهيم التزكية ومحاسبة النفس والاتزان الروحي.
- تشجيع البحوث المقارنة بين الفكر التربوي الإسلامي والنظريات التربوية الغربية الحديثة، للكشف عن مواطن الالتقاء والاختلاف، وإبراز إسهام العلماء المسلمين في بناء الفكر التربوي الإنساني.
- استشراف نموذج تربوي مستقبلي يوازن بين التقدم العلمي والقيم الأخلاقية، بحيث يُبنى الإنسان المعاصر بناءً متكاملًا يجمع بين المعرفة والضمير، وبين العقل والروح، وهو ما سعى إليه الغزالي في مشروعه التربوي.
[1] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت). إحياء علوم الدين (ج1، ص17). بيروت: دار المعرفة.
[2] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت). ميزان العمل (ص339). بيروت: دار الكتب العلمية.
[3] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:128.
[4] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص: 108
[5] السابق.ص:99.
[6] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. (د.ت). ميزان العمل (ص334). بيروت: دار الكتب العلمية.
[7] يالجن، مقداد. (1991). *معالم بناء نظرية التربية الإسلامية* (ط2، ص19). الرياض: دار عالم الكتب.
[8] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:109.
[9] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:118.
[10] سرور، طه عبد الباقي. (2020). الغزالي. القاهرة: مؤسسة هنداوي، ص56.
[11] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:117.
[12] رواه الطبراني في الأوسط-الغزالي، السبابق ص:118.
[13] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:129.
[14] Department of Childhood, Education. (2024). The teacher as mediator between the student and the world. DIVA Portal, p. 30.
[15] الليثي، المتوكل. (ديوان)(د.ت). تحقيق يحيى الجبوري. بغداد: مكتبة الأندلس، ص283.
[16] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي. (2010). أيها الولد, تحقيق علي محيي الدين علي القرة داغي،ط4, بيروت .لبنان. دار البشائر الإسلامية.ص:136
[17] سرور، طه عبد الباقي. (2020). الغزالي. القاهرة: مؤسسة هنداوي، ص64.
[18] سورة الأحقاف آية 11
[19] الذهبي,شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج19، مؤسسة الرسالة، ص339 وما بعدها.
[20] محمد رجب البيومي، أشواق العارفين: صفحات من تاريخ الصوفية، ج2، القاهرة: هدية مجلة الأزهر، ص142.
[21] مرسي، محمد منير. (2005). *التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية* (ط مزيدة ومنقحة). القاهرة: عالم الكتب.ص69.



