الدّولة الإسلاميّة.. نشأة المفهوم، والتّحوّل؛ والمأزق المعرفي
المصطلحات لا تُولد في فراغ، ومفاهيم السلطة والسياسة لا تنمو خارج التاريخ، وحين نقف أمام عبارة “الدولة الإسلامية” فإننا لا نتأمل تعبيرًا عابرًا ولكنّنا ندخل إلى ميدان اصطلاحي معقّد تشكّلت طبقاته من تفاعل نصوص الوحي مع حركية الاجتماع، ومن احتكاك التراث مع مقتضيات الواقع، ثم أُعيد تشكيله في العصر الحديث تحت وطأة التحدي الغربي ومساجلات الداخل.
هذا المقال لا يقتصر على تتبع ظهور الاصطلاح في كتابات القرن العشرين ولكنّه يسعى إلى تفكيك السياقات المعرفية والسياسية التي أنتجته، وتحليل المسارات التي تقاطعت فيها مفاهيم “الخلافة“، و”الإمامة“، و”الولاية“، مع فكرة “الدولة” كما نشأت في الفضاء الأوروبي وانتهت إلى توليفة حملت الاسم دون أن تملك الجوهر.
أولًا: بين المصر والدّار والدولة.. ملامح التصور السياسي في العقل الفقهي الإسلامي
في مسار التاريخ الإسلامي لم تكن “الدولة” كما نعرفها اليوم ــ بوصفها كيانًا سياديًا مركزيًا مُمأسسًا يضبط الاجتماع ويصوغ الوعي ويحتكر التشريع ــ من المفردات الحاكمة في القاموس الفقهي الأول، ولا من الأدوات المفهومية المؤسسة لتأمل الاجتماع السياسي عند المسلمين. بل إنّ اللغة نفسها كانت تشي ببنية مغايرة للفهم، إذ تلوّنت المفاهيم السياسية الأولى بألوان الوحي والواقع معًا فتجنّبت الاستعارات الإمبراطورية، وتحرّزت من الانزلاق نحو المأسسة السلطوية المغلقة.
في مسار التاريخ الإسلامي لم تكن “الدولة” كما نعرفها اليوم ــ بوصفها كيانًا سياديًا مركزيًا مُمأسسًا يضبط الاجتماع ويصوغ الوعي ويحتكر التشريع
حين نظر الفقهاء الأوائل إلى الجغرافيا لم يروا “ترابًا سياديًّا” على هيئة خريطة مرسومة تُدار بالحدود والمعابر ولكنّهم رأوا “الإقليم” بوصفه موضع إقامة، و”المِصر” باعتباره مركز عمران ومرجعية صلاة وجُمعة، وحين أداروا النظر في الاجتماع السياسي لم تكن “الدّولة” هي المصطلح الحاكم بل توزّع الوعي بين “الخلافة” بوصفها حاملًا للمشروع النبوي، و”الإمامة” باعتبارها تنزيلًا عمليًّا للولاية، و”دار الإسلام” إطارًا جامعًا لمجتمع التكليف.
والملفت أنّ التعبير القرآني عن “الدولة” جاء في سياقٍ ماليٍّ صرف: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ حيث يُفهم المعنى في إطار المداولة والتحوّل والتداول الاجتماعي لا كتشكلٍ مؤسسيٍّ دائم يُنتج نظامًا مطلقًا أو جهازًا مركزيًا يحتكر السيادة والتأريخ والقرار.
هذا الغياب لم يكن نقصًا معرفيًا أو فراغًا تنظيميًا ولكنّه كان تعبيرًا عن رؤية للعالم تنبع من الوحي وتُنظّم الاجتماع على قاعدة التكليف وعلى منطق الخلافة وعلى تصور الأمة بوصفها جماعةً مُكلّفةً لا جهازًا إداريًّا يبتلع المجتمع داخل مؤسسة واحدة تُدير كل شيء وتُعرّف كل شيء وتُنجز المعنى.
فحين تشكّلت المذاهب الفقهية الكبرى وأنتجت تأصيلاتها للسلطة والبيعة والقضاء والصلح والجباية والعقوبات لم تكن “الدولة” هي الإطار الحاكم لهذا الفقه بل كانت الخلفية الناظمة هي “الأمة المؤمنة” و”السلطة المؤتمنة” التي تستمد شرعيتها من اتساقها مع الوحي وليس من احتكارها للمجال العام أو فرضها لأنماط موحدة من الطاعة والهوية.
وحين أطلق المسلمون مصطلح “دار الإسلام” فإنما أرادوا به فضاءً تُقام فيه أحكام الشريعة وتُصان فيه الجماعة وتُؤدى فيه الحقوق والواجبات وليس بنية مركزية تحتكر المعنى والمكان.
أما مصطلح “المِصر” فقد دلّ على مركز من مراكز العمران تُقام فيه الجمعة وتُعقد فيه السلطة ويُضبط به القضاء دون أن يتماهى مع مفهوم “الدولة” الحديثة التي تُذيب الفوارق وتُعيد إنتاج الإنسان المواطن عبر مؤسسات التأديب والتقويم الشامل.
في هذا السياق لم تكن “الدولة” غائبة فحسب بل كان حضورها مرفوضًا ضمنيًّا لأنّ التصور النبوي والراشدي للسلطة لم يُرِدْ بناء جهازٍ مفارقٍ للجماعة ولكنّه أراد أن تكون السلطة جزءًا من نسيج الأمة، خادمةً لمقاصدها، متعيّنة بالشرع لا بالقوة، ومفتوحةً على التناصح لا مغلقة على الإذعان.
لم يُنتج الفقه الإسلامي في قرونه الأولى تصورًا عن “الدولة” بمعناها المركّب وإطارها الممأسس ولكنّه أنتج إطارًا عامًا ونظامًا يقوم على مركزية الوحي ومرجعية الأمة وتكامل السلطات في ظل مشروع الخلافة
ولذلك حين جاء المؤرخون المتأخرون ليُدخلوا مصطلح “الدولة” في الحديث عن التنظيمات السياسية الكبرى فإنما فعلوا ذلك بعد أن تراجعت مركزية الخلافة وبدأت تتحوّل إلى سلطنة تتجسّد في العائلة والقبيلة والسيف فصار من الممكن حينئذ الحديث عن “دولة بني فلان” بوصفها تعبيرًا عن قوة قبلية متغلبة تُسيطر على أدوات الحكم وليست دلالة على مشروع الهداية؛ وهنا تسرّب المصطلح من اللغة إلى الفقه، ومن السياسة إلى العقيدة، فتحوّلت مفردة الدولة إلى قدرٍ تاريخي، ومساحة يتداخل فيها الفقهي بالاعتقاديّ.
في الخلاصة لم يُنتج الفقه الإسلامي في قرونه الأولى تصورًا عن “الدولة” بمعناها المركّب وإطارها الممأسس ولكنّه أنتج إطارًا عامًا ونظامًا يقوم على مركزية الوحي ومرجعية الأمة وتكامل السلطات في ظل مشروع الخلافة، وهو المشروع الذي لا يكتمل بقياسه على مفاهيم الحداثة السياسية وإنما يُعاد بناؤه من خلال استحضار مقاصده وتحرير أدواته من التمركز السلطوي لتبقى الأمة هي الأصل والسلطة في خدمتها لا في مصادرة إرادتها.
ثانيًا: متى وُلدت الدولة؟ إشكال التعريف قبل الإقرار
حين بدأت تتشكّل معالم الوعي السياسي الحديث في النصف الأول من القرن العشرين وأخذت الحركات الإسلامية تفتّش في تراثها عن مفاتيح استئناف المشروع الرسالي في وجه التغريب والاستعمار؛ ظهرت على السطح تعبيرات جديدة تُحاول أن تُعبّر عن هذا الهمّ السياسي بلغة العصر فكان من أبرزها مصطلح “الدّولة الإسلاميّة”.
جاء هذا التعبير في كتابات عبد الوهاب خلاف ضمن إطار تدريسي مبكر، ثم وجد له حضورًا أوسع في نصوص عبد القادر عودة، وتجلّى بشدة في مشروع الإمام حسن البنّا، وبلغ ذروته في خطاب سيد قطب؛ ومع تواتر الاستعمال بدأ المصطلح يتحوّل من مفهوم إجرائي إلى تعبير وجداني ومن مصطلح توصيفي إلى شعار تعبويّ، ومع مرور الزمن لم يعُد مجرد صيغة نظرية بل صار حاملًا لهمٍّ حضاري شامل ومفتاحًا لمعركة هويّة في مواجهة سرديات الدولة الحديثة ومفاهيمها الوافدة.
غير أنّ المعضلة الكبرى لم تكن في توقيت الاستخدام أو سياقه ولكنّها كانت في غياب الجهد التأسيسي المفاهيمي الذي يُفكّك المصطلح ويعيد بناءه من مرجعيته الأصلية؛ الوحي والفقه السياسي الإسلامي، فالمصطلح ــ كما تَكوَّن ــ جاء مُحمّلاً بإرث “الإمامة والخلافة” من جهة ومُشبَعًا بمفاهيم الدولة الحديثة من جهة ثانية دون بيان للفوارق البنيوية بينهما، ودون انتباه إلى الفجوة المعرفية والمنهجية التي تفصل التصور النبوي عن النموذج الحداثي للدولة.
لقد تسرّب المصطلح إلى الخطاب الإسلامي في لحظة شعورية دفاعية كان همّها الأكبر هو إثبات أن الإسلام ليس دينًا روحانيًا منزويًا بل يحمل مشروعًا سياسيًا متكاملًا يمكنه أن يقيم دولة، ويُنظّم مجتمعًا، ويُشرف على القوانين والمؤسسات، وهذا الدافع وإن كان مفهومًا في سياقه التاريخي إلا أنه أوقع الخطاب الإسلامي في مأزق التعريف لأنّه استعجل الإقرار بوجود “دولة إسلامية” دون أن يُعرّف ما هي “الدولة” أصلًا وكيف تختلف بنيويًا عن “الخلافة” أو “الإمامة” أو حتى عن “دار الإسلام”.
فهل الدولة هنا تُفهم بوصفها كيانًا سياديًّا مركزيًّا ممأسسًا وفق نموذج ويستفالي غربي؟ وهل مؤسسات الدولة هي التي تُنتج المعنى أم إن الشرع هو الذي يضبط حدود السلطة وآلياتها؟ وهل المرجعية هنا للوحي أم لتوازنات القوى أم لعقدٍ اجتماعي مدنيّ تُعرّف فيه الأمة ذاتها من دون مرجعية متجاوزة؟
لم يكن السؤال الأهم متى ظهرت الدولة الإسلامية كمصطلح؟ بل هل جرى تعريفها حقًا قبل أن يتم تبنّيها؟ وهل استُحضرت منظومتها المفاهيمية من داخل النص القرآني والفقه السياسي الإسلامي أم أعيد إنتاجها من قوالب الدولة الحديثة الغربية؟
لقد بقي المصطلح ــ رغم اجتهادات بعض المفكرين ــ غائمًا، مُلتبسًا، مهجوسًا بالمقايسة مع “الدولة القومية الحديثة” دون تفكيك للسياق المعرفي الذي أنتج هذه الدولة ولا للمنطق الذي بُنيت عليه؛ فوقع الخطاب الإسلامي في ارتباك تركيبي يُزاوج بين مقولات الإمامة والبيعة والشورى ومفردات السيادة والدستور والمواطنة دون بيان للمرجعية الضابطة لهذا التوليف ودون تفصيل يُبيّن الفوارق الجوهرية بين المرجعيتين.
ولذلك فإن السؤال الأهم لم يكن: متى ظهرت الدولة الإسلامية كمصطلح؟ بل: هل جرى تعريفها حقًا قبل أن يتم تبنّيها؟ وهل استُحضرت منظومتها المفاهيمية من داخل النص القرآني والفقه السياسي الإسلامي أم أعيد إنتاجها من قوالب الدولة الحديثة وحقولها النظرية الغربية؟
إنّ إعادة طرح هذا السؤال لا تنبع من موقف رافض لمفهوم “الدولة الإسلامية” بذاته وإنما من شعورٍ بأن استخدام هذا المصطلح قبل تحرير معناه هو شكلٌ من الإقرار الضمني بالدولة الحديثة بوصفها الإطار المرجعي الوحيد الممكن ثم محاولة “أسلمة” هذا الإطار شكليًا بإدخال الشريعة إلى دستوره أو تبديل الألفاظ مع بقاء البنية كما هي.
أما المشروع الفكري المنطلق من مرجعية الوحي فيجب أن يُقارب هذا المصطلح بوصفه سؤالًا مفتوحًا وليس نتيجة جاهزة ويجب أن يُعيد بناء المفاهيم من داخل التكوين القرآني لا من خلال التلفيق بين مصطلحات وافدة ومفاهيم تراثية؛ فـ”الدولة” في هذا السياق ليست معطًى بديهيًّا بل هي نتيجة لمعادلة معرفية حضارية لا بد من فحص أسسها أولًا قبل تقرير إمكان التلاؤم أو استحالة التوفيق بين “مرجعية الوحي” و”بنية الدولة الحديثة”.
ثالثًا: من الخلافة إلى الدولة.. تحوّل الوظيفة وتبدّل اللغة
حين كانت الخلافة تعمل بوصفها المركز الروحي والسياسي للجماعة المؤمنة لم تكن مجرد جهاز حكم ولا مقرًا إداريًّا ينتج القوانين ويراقب الحدود؛ كانت إطارًا جامعًا يُعيد وصل الأمة بوظيفتها الوجودية وهي الشهادة على الناس، والقيام بمشروع العدل، وصيانة مرجعية الوحي. كانت الخلافة ــ في أصلها القرآني والنبوي ــ امتدادًا لرسالة ولم تكن انعكاسًا لقوة وكانت مظلةً تحفظ وحدة المقصد قبل وحدة الإقليم وتجمع بين الأمة والسلطة ضمن عقدٍ تكليفي وليس ضمن تعاقدٍ مدنيّ.
ومع تراجع هذا النموذج وتحوّل الخلافة التاريخية إلى أثر باقٍ في الوجدان دون حضور فعّال في الواقع ومع تفكّك المجال السياسي للإسلام عبر قرون الامتداد والضعف ظهر فراغ هائل في اللغة السياسية؛ فالمصطلحات التي كانت تضبط العلاقة بين الأمة والسلطة، والبيعة والشورى، والإمامة والولاية؛ بدأت تفقد قدرتها على تفسير الواقع الجديد وتراجعت بقدْر ما تقدّمت الدولة الحديثة بـلغتها ومفاهيمها وأدواتها.
في هذا السياق لم يكن استعمال عبارة “الدولة الإسلامية” مجرد تحديث في المفردات ولكنّه كان شكلًا من أشكال البحث عن معادل رمزي يعيد للإسلام حضوره السياسي بعد سقوط الخلافة، وهكذا تحوّل التعبير من محاولة وصفٍ لواقعٍ مأمول إلى محاولة ترميم لهوية سياسية مهتزّة وإعادة بناء للذات في مواجهة التحدّي الكولونيالي ثم في مواجهة النموذج القومي والوطني الذي أعاد تشكيل الخرائط والنفوس معًا.
الدولة ــ في نسختها الحديثة ــ نتاج سياق معرفي مختلف يقوم على فكرة السيادة المتمركزة في الكيان السياسي، وعلى منطق الحدود، وعلى مركزية الجهاز البيروقراطي، وعلى تعريف الإنسان بوصفه مواطنًا وليس عضواً في جماعة رسالية.
إلا أنّ هذا الانتقال لم يكن سلسًا؛ فالمفهوم الجديد حمل معه توتّرًا بنيويًا عميقًا فالخلافة كانت تقوم على مقصدية تكليفية تُحدّد وظيفة السلطة من الوحي وتربط الاجتماع الإنساني بمصيره الأخروي وتبني شرعية الحكم على موقع الأمة وليس على شكل الجهاز.
أمّا الدولة ــ في نسختها الحديثة ــ فهي نتاج سياق معرفي مختلف يقوم على فكرة السيادة المتمركزة في الكيان السياسي، وعلى منطق الحدود، وعلى مركزية الجهاز البيروقراطي، وعلى تعريف الإنسان بوصفه مواطنًا داخل إطار قانوني وليس عضواً في جماعة رسالية.
حين حاول الخطاب الإسلامي الجمع بين المفهومين وجد نفسه أمام سؤالٍ مُرجأ وهو هل يمكن للّغة القديمة أن تُسكب في البنية الحديثة دون أن تفقد معناها؟ وهل يمكن لبنية الدولة الحديثة ــ بكامل أدواتها ومفاهيمها وإطاراتها الإجرائية ــ أن تستوعب مقصدية الوحي دون أن تُعيد تشكيلها بما ينسجم مع منطق السيادة الحديثة؟
لم يكن التحدّي في الدمج بين مصطلحين ولكنّه كان في المسافة المعرفية بين بنيتين: الخلافة قائمة على أفق غائي ممتد نحو الآخرة، والدولة الحديثة قائمة على أفق زمني مغلق داخل حدود الإقليم، والخلافة ترى السلطة تكليفًا والدولة الحديثة تراها احتكارًا مشروعًا للقوة، والخلافة تُعيد تحديد السياسة داخل منظومة الشريعة والدولة الحديثة تُعيد تعريف الشريعة داخل منظومة القانون.
ومع ذلك لم تكن محاولات إعادة صياغة مفهوم “الدولة الإسلامية” تعبيرًا عن استلاب مفاهيمي ولكنّها كانت كانت سعيًا لإعادة بناء الحضور السياسي للإسلام في زمن تغيرت فيه اللغة، وتحولت فيه أدوات التنظيم، وانقلبت فيه خرائط القوة؛ وكان التيار الإسلامي في لحظته التاريخية تلك يحاول أن يُعيد وصل ما انقطع؛ أن يردّ السياسة إلى أخلاقيّتها وأن يُعيد للعالم معنى الغاية وأن يحفظ مكان الوحي في قلب الفعل الإنساني عبر استحضار الدولة إطارًا عمليًا لتنزيل الفكرة.
غير أن السؤال الجوهري ما زال قائمًا:
هل يكفي أن نُحمّل الدولة الحديثة مضمونًا إسلاميًا لنقول إنّها أصبحت “دولة إسلامية”؟ أم إنّ المشروع يتطلّب إعادة بناء المفهوم من جذوره واستدعاء الخلافة بوصفها رؤية تكليفية تُعيد تعريف السلطة والمجتمع والإنسان وليست شكلاً سياسيًا تاريخيًا.
رابعًا: ازدواج المرجعية.. حين تتنازع المفاهيم مقاصدها
إنّ أحد أبرز الإشكالات المفاهيمية في مقولة “الدّولة الإسلامية” يكمن في تداخل مرجعيتين معرفيتين متباينتين في البناء والتأسيس؛ مرجعية الوحي بما تحمله من مفهوم الشريعة ومقاصد الخلافة، ومرجعية الحداثة السياسية التي انبثقت عن فلسفات وضعية أنتجت مفاهيم السيادة الشعبية والسلطة التشريعية والشرعية الدستورية.
لقد كان المفكرون النهضويون الذين تبنّوا خطاب “الدولة الإسلامية” يتحركون غالبًا في فضاء فكري مشطور بين استدعاء المخزون التراثي واستبطان البنية المفاهيمية للدولة الحديثة، وهذا ما يُفسّر تحوّل “الخليفة” في بعض كتاباتهم إلى “رئيس”، و”أهل الحل والعقد” إلى “الشعب”، و”دار الإسلام” إلى “وحدة جغرافية ذات سيادة”، و”البيعة” إلى “الانتخاب”، و”الشورى” إلى “المجالس النيابية”؛ لقد تمّ هذا التحول دون تأسيس فلسفي ناضج يُعيد ربط المفاهيم بأصولها الشرعية أو يجسر الهوّة بين النظام المعرفي الذي نشأت فيه تلك المصطلحات التراثية والنظام الحديث الذي تُسكب فيه.
هذا الازدواج المرجعي لم يكن تراكبًا معرفيًا واضحًا ولكنّه جاء غالبًا من باب الحاجة العملية لمواجهة منظومات الخصوم السياسية والفكرية، ومن محاولة بناء خطاب إسلامي بديل يمكنه منافسة النموذج الليبرالي أو القومي السائد؛ ولكن الخطورة الكبرى في هذا التراكب لم تكن في استخدام مفردات “حديثة” وحسب بل في استبطان تصوراتها الفلسفية دون محاكمة حتى صارت “الدولة الإسلامية” في أذهان بعض المفكرين مزيجًا من الهيبة الرمزية للخلافة والفاعلية التنظيمية للدولة الحديثة.
وفي سبيل مواجهة هذه الإشكالية لجأ كثير من الكتّاب إلى إعادة توظيف مفاهيم السياسة الشرعية كما وردت في تراث الأحكام السلطانية ولكن تحت عناوين الحداثة السياسية ومقولات السيادة والشرعية القانونية فتم تكييف مبدأ الشورى ليأخذ صورة البرلمان وأُعيد تعريف سلطة الخليفة ضمن أطر الرئاسة التنفيذية الحديثة وكأن الغاية هي “تصنيع” صورة مألوفة للدولة الإسلامية تُشبه الدولة الحديثة ولكن بلباس شرعي.
وقد أدّى هذا إلى مفارقة معرفية خطيرة إذ بات الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ــ في بعض تعبيراته ــ أسيرًا لمحاولات “الترقيع” بين بنيتين متنازعتين؛ بنية الشريعة التي تنطلق من الوحي وتفهم الاجتماع الإنساني في ضوء العبودية لله تعالى، وبنية الدولة الحديثة التي تنطلق من الإنسان بوصفه مصدرًا للسيادة ومحتكرًا للشرعية.
وبين هاتين المرجعيتين لم يُحسم التوتر ولم تُبنَ نظرية سياسية نابعة من الوحي ناظرة إلى الواقع قابلة للتطبيق ومتماسكة في منطقها بل بقي الخطاب حائرًا بين استعادة صور الماضي أو اجتزاء مفاهيم الحاضر دون أن يمتلك أدوات تحرير المفاهيم من أسر السياقات التي وُلدت فيها.
وقد يكون هذا التوتر مبرّرًا في لحظات النهضة الأولى حيث تكون الرغبة في الردّ والاحتجاج أقوى من القدرة على البناء والتأصيل غير أن استمراره إلى اليوم يجعلنا بحاجة ملحة إلى مراجعةٍ لا تُبطل قيمة المقولة ولا تنحاز لخصومها ولكن تُنقّيها من التناقضات المفاهيمية وتُعيد وصلها بجذورها المنبثقة من الوحي وتحررها من قوالب الدولة الحديثة التي حُقنت فيها دون فحص.
إنّ التفكير في “الدولة الإسلامية” ينبغي أن يكون امتدادًا لمقاصد الخلافة الربانية وليس اجترارًا لعناوين حداثية مسكونة بمفاهيم السيادة المنفصلة عن الوحي، فليست القضية في الشكل المؤسسي أو النظام الإداري أو العناوين السياسية وإنّما في المرجعية التي تُنتج التصوّر وتضبط الوظيفة وتُحَدّد الغاية.
بهذا الوعي المتجذّر في مرجعية الوحي يمكن لمفهوم الدولة أن يتحرر من ارتباك الهوية ويكفّ عن التذبذب بين تراثٍ لم يُستأنف وحداثةٍ لم تُفهم ويبدأ في صياغة مشروعه من داخل المنظومة الإسلامية ذاتها وليس من استيراد التصنيفات الغربية وتطعيمها بألفاظ شرعية.
خامسًا: المشروع قبل البنية.. من الدولة بوصفها غاية إلى الدولة باعتبارها أداة
ظلّ الوعي السياسي الإحيائي الذي تبلورت ملامحه في كتابات البنّا وقطب وعودة يتحرك داخل أفقٍ يرى الدولة امتدادًا طبيعيًا للمشروع الإسلامي ويرى إقامة الحكم بوصفه ذروة سننية لمسارٍ يبدأ بالإصلاح التربوي وينتهي بتمكين الشريعة؛ في هذا التصور تتراجع الدولة إلى الخلفية بوصفها نتيجة وتتصدر الرسالة بوصفها المحرك، وهكذا صيغ الخطاب في مناخٍ مشدود إلى هاجس الإنجاز فيغدو الشكل السياسي مجرد وعاء بينما تتقدّم وظيفة “تحقيق شريعة الله تعالى” باعتبارها تعريف الدولة وغايـتها ومقصدها الأسمى.
هذا التركيز على الوظيفة جعل الدولة عند الإحيائيين رمزًا أكثر من كونها بنية وغايةً قبل أن تكون تركيبًا مؤسسيًا؛ فالدولة ــ في وعيهم ــ لا تُقرأ في ضوء نظريات السيادة أو نماذج الفصل بين السلطات أو هندسة المؤسسة السياسية، وإنما تُفهم ــ ابتداءً ــ بوصفها تجلّيًا أرضيًا لمقصد السماء. ومن هنا تمّ تجاوز التحليل البنيوي للدولة، لأنّ الأهمية القصوى كانت تُمنح للقدرة على حمل المشروع وليس لطبيعة الحامل ذاته، وهذا واقـع يمكن إدراكه في خطاب البنّا حول “إقامة حكومة قرآنية”، وفي تصوير قطب للدولة باعتبارها منصة “لحاكمية الله” وفي معالجة عودة للدستور بما هو تجسيد لروح الشريعة.
في الضفة المقابلة حاول التيار الإصلاحي ــ والذي يمثله رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرون ــ أن يتعامل مع الدولة بوصفها مؤسسة تُعاد صياغة وظائفها في ضوء متطلبات العصر وتحديات الاجتماع السياسي، ولم ينظر الإصلاحيون إلى الدولة باعتبارها خصمًا للهوية ولا تهديدًا للمقاصد وإنما أداةً تُعاد هندستها لتحمل عبء العمران وتُفعّل في إدارتها مفاهيم العدل والمصلحة والحرية المنظمة، ومع ذلك بقي التحليل الإصلاحي أسير الواقع المباشر يسعى إلى تعديل الوظائف دون أن يتناول الجذر الفلسفي للدولة الحديثة أو يُعيد النظر في مفهوم السيادة ذاتها.
إنّ الفجوة الكبرى في الخطابين الإحيائي والإصلاحي تتمثل في عدم تناول الدولة الحديثة باعتبارها بنية معرفية لها فلسفتها الخاصة في السيادة والتشريع والزمن والإنسان
وهكذا وجد المشروعان ــ الإحيائي والإصلاحي ــ نفسيهما أمام سؤال لا يكتمل من دون تفكيكٍ معرفيٍّ عميق: ما الدولة؟ وكيف تشكّلت؟ وما موقعها داخل النسق الوجودي الذي يصنعه الوحي؟ هل الدولة كيان ينشأ من ضرورات الاجتماع؟ أم أنها جهاز يستمد شرعيته من مقاصد التكليف؟ أم أنها صياغة بشرية يمكن إعادة تركيبها لتلائم روح الشريعة؟
غياب هذا التفكيك جعل جهود الفريقين تبقى في مساحة التعامل مع الدولة بوصفها معطى جاهزًا؛ الإحيائي ينظر إليها باعتبارها منصة للمشروع، والإصلاحي يراها آلية للإصلاح، بينما تحتاج المقاربة المستندة إلى الوحي إلى صياغة رؤية تجعل الدولة جزءًا من العمران الرسالي نفسه ونتاجًا لمقاصد الشرع قبل أن تكون بناءً مؤسسيًا أو هيكلًا فنيًا.
إنّ الفجوة الكبرى في الخطابين تتمثل في عدم تناول الدولة الحديثة باعتبارها بنية معرفية لها فلسفتها الخاصة في السيادة والتشريع والزمن والإنسان؛ فالمؤسسات الحديثة تُدار وفق تصور للإنسان بوصفه ذاتًا مكتفية وللزمن بوصفه منظومة إنتاج وللتشريع بوصفه إرادة جمعية وهذه مكونات لا تنسجم تلقائيًا مع بنية الوحي التي ترى الإنسان عبدًا والزمن رسالة والشريعة خطابًا من علٍ.
ومع غياب هذا التحليل بقيت الكثير من الكتابات تنقل مفردات الحداثة إلى الخطاب الإسلامي دون غربلتها وتستحضر مفاهيم الخلافة دون تفعيلها فتتولد حالة من التراكم غير المنسجم حيث يصبح المشروع أوسع من البنية والبنية أضيق من المقصد والدولة إطارًا بلا فلسفة تحمله.
إنّ التجديد الحقيقي في مقولة “الدولة الإسلامية” لا يتحقق عبر تعديل الألقاب أو إعادة تعريف المصطلحات وإنما يتحقق حين يستعيد الخطاب السياسي الإسلامي جوهره الرباني ويعيد ترتيب العلاقة بين المشروع والبنية؛ فالدولة ليست تاجًا يُوضع على رأس المشروع ولا غاية تؤسس لها الدعوة ولكنّها أداة من أدوات العمران الرباني تتحدد قيمتها بقدر ما تفتحه من مساحات للعدل وما تحمله من روح التكليف وما تُفعّله من مقاصد الخلافة في الأرض.
بهذا الوعي تتحول الدولة من شعار إلى رؤية ومن نظام إلى مقصد ومن بنية إلى مسؤولية تُوزن بميزان الوحي وليس بمقاييس الحداثة التي صنعت دولًا مكتفية بذواتها مغلقة على تصورها للإنسان والعالم.
سادسًا: غياب المفهوم أم تغييب السؤال؟
إن الإشكال في مفهوم “الدولة الإسلامية” لا يُختزل في افتقاد تعريفٍ جامع مانع ولا ينحصر في تردّد الحركات الإسلامية بين قاموس التراث ولغة الحداثة ولكنّه ينهض من غياب الجدل الفلسفي العميق حول طبيعة الدولة ذاتها باعتبارها كيانًا وجوديًا وتشكيلاً معرفيًا وسياقًا تاريخيًا؛ فالسؤال الجوهري لم يكن ما شكل الدولة التي نريد؟ وإنما ما حقيقة الدولة؟ وهل هي ضرورة فطرية أم صناعة سياقية؟ وما علاقتها بالوحي من حيث الغاية والحدّ؟
لقد تمّ تجاوز هذا السؤال في كثير من المحاولات الإسلامية الحديثة لصالح انشغال شديد بالمآلات السياسية أو برغبة في ملء الفراغ الذي خلّفه غياب الخلافة فتمّت استعارة نموذج الدولة الحديثة دون محاكمته تأصيليًّا ثم سُكبت فيه بعض الرموز الإسلامية في محاولة توفيقية بين بنيتين معرفيتين تتنازعان الإنسان والزمن والمصير.
وما غاب في هذا المسار أنّ “الدولة” في السياق الحديث ليست مجرد أداةٍ لتنظيم الاجتماع وإنما تجسيدٌ لرؤية مخصوصة حول الإنسان واحتكارٌ شرعيٌّ للزمن وتحديدٌ مسبق لمعنى الغاية؛ فمنشأ الدولة الحديثة لم يكن جوابًا على فقه المقاصد بل ثمرة مسار فلسفي تمحور حول الفرد المكتفي والسيادة المكتنزة والعلمنة المُمأسسة والتاريخ المفصول عن البعث.
وهذا الغياب لمفهوم الدولة في التنظير الإسلامي لم يكن مجرد ثغرة ولكنّه جاء انعكاسًا لتغييب أعمق للأسئلة المؤسِّسة للوعي الحضاري: ما مرجعية التنظيم السياسي؟ ما حدود السلطة في ضوء الغيب؟ ما وظيفة الدولة في مشروع الخلافة؟ هل الدولة ضرورة قَصْدية أم وسيلة تكيّفية؟ وهل تتسق بنيتها المعاصرة مع التصور القرآني عن الاستخلاف أم تتعارض جذريًا معه من حيث المنشأ والمقصد؟
وبغياب هذا الاشتباك وُلدت نماذجٌ مهزوزة ترفع شعارات الشريعة وتُدار بعقيدة السيادة الحديثة تستلهم البعث وتُبرمج على النموّ، تَعد بالخلافة وتُعيد إنتاج المركزية القومية، تتكلم بلسان الأمة وتُخطّط بعقل النخبة البيروقراطية، وهكذا يُفرّغ الدين من تكليفه ويُقزَّم الإنسان في إحصاءاته وتُختزل الدولة في هياكلها وليس في مقاصدها.
إنّ تفكيك الدولة لا يكون بالقطيعة العاطفية معها وإنما بإعادة تأسيسها على ضوء التوحيد وتأصيلها في منطق العبودية وتحكيمها بمنطق الاستخلاف ورؤية الإنسان فيها كائنًا مكلّفًا لا محض رقم في جدول السياسات.
إنّ “الدولة الإسلامية” ليست كلمة تُحشد في عنوان ولا نموذجًا جاهزًا تُضفى عليه زخارف دينية وإنما هي مشروعٌ مركّبٌ يتطلّب مراجعةً فلسفيةً عميقةً لمعنى الدولة وموقعها من الغاية الكبرى ومصدر مشروعيتها وبنيتها في الزمان والمكان وانبثاقها من الوحي وليس من سياقات الانفصال التاريخي عن السماء.
وهذا المسار التأصيلي لا يتعارض مع واقع الحاجة إلى التنظيم السياسي لكنه يُعيد تعريف هذا التنظيم ليكون منبثقًا من مرجعية الوحي وليس مستوردًا من سياقات غربية مغايرة، فالسؤال لم يعد هل نقيم دولة؟ وإنما أيّ دولة تلك التي تُعين على تحقيق الغاية وتُعيد الزمن إلى معناه والسلطة إلى وظيفتها والإنسان إلى تكليفه؟
خاتمة: من استعادة المفهوم إلى بعث المشروع
إنّ الحديث عن “الدولة الإسلامية” لم يكن في يومٍ من الأيام شأنًا لغويًّا أو تنظيريًّا مجرّدًا ولكنّه كان وما يزال تجلّيًا لبحث الإنسان المسلم عن صيغةٍ سياسيةٍ تُحقّق عبوديته لله تعالى في الفضاء العام وتُعيد للوحي حقّ السيادة في العمران وتمنح الشريعة ميدانًا حقيقيًّا لتُنبت فيه عدلها ورحمتها، ومن هنا فإنّ اختزال المصطلح في شعار حزبي أو تكراره في أدبيات حركية دون إعادة تأصيله هو تعطيلٌ لطاقته الحضارية وليس تفعيلًا لها.
إنّ “الدولة الإسلامية” ليست كلمة تُحشد في عنوان ولا ديكورًا يُركّب على هندسة مستوردة ولا نموذجًا جاهزًا تُضفى عليه زخارف دينية وإنما هي مشروعٌ مركّبٌ يتطلّب مراجعةً فلسفيةً عميقةً لمعنى الدولة وموقعها من الغاية الكبرى ومصدر مشروعيتها وبنيتها في الزمان والمكان وانبثاقها من الوحي وليس من سياقات الانفصال التاريخي عن السماء.
وإذا كان العقل الإسلامي في طور التأسيس قد بنى تصورًا للسلطة في ضوء الاستخلاف والبيعة والتكليف فإنّ العقل المعاصر مطالبٌ بإعادة وصل هذا التصور بمفاهيم العدل والكرامة والعمران دون استسلامٍ للمعايير الليبرالية ودون ارتدادٍ إلى أنماط سلطوية تُعيد إنتاج الاستبداد تحت راية الشريعة؛ فالمطلوب ليس نحتَ شكلٍ جديد وإنما بعثُ روحٍ قادرة على النفخ في المؤسسات لتكون خادمة للوحي، ناظمةً للناس وليست متسلطةً عليهم.
إنّ غاية المشروع الإسلامي في لحظة التشوّه التاريخي المعاصر لا تكمن في التمسك بوجود الدولة الإسلامية باعتبارها حقيقة مادية أو شعارًا سياسيًّا وإنما في استئناف الجهد الرسالي لتحقيق معناها بوصفها تجليًا لعقيدة التوحيد في العمران وامتدادًا للنبوة في نظم الاجتماع. فالمعركة لم تعُد معركة إثباتٍ وجودي لمصطلح ولكن معركة تفكيكٍ تأصيلي للتشوهات التي طرأت على بنيته حين جرى اختزالها في مزيج هجين من الحداثة القومية والوظيفة الشرعية وحين صارت “الدولة” مسرحًا للتوظيف الأيديولوجي دون وعيٍ بجذورها الفلسفية أو انحرافها الغائي.
فلا يمكن الوصول إلى مآلات ربانية بمفاهيم منبتّة عن الوحي ولا يُنتج التكليف هيئة سياسية تُختزل في البيروقراطية والسلطة والحدود؛ الدولة في مشروع الإسلام هي أداة إنفاذ للعهد الرباني وليست إطارًا لاحتكار السيادة باسم الشعب أو الحزب أو القانون، فلا بد من تفكيك الازدواج الذي كرّسته الحداثة في جسد الدولة الإسلامية بين الشكل والمقصد، بين اللغة الموروثة والمحتوى المستعار، بين الانفعال التعبوي والوعي المنهاجي.
بهذا الانقلاب المعرفي يتحوّل مفهوم الدولة الإسلامية من مجرّد شعار فوق اللافتات إلى منارة معرفية تهدي الطريق ومن أداة حزبية إلى بنية إنشائية توصل الإنسان بربّه في الفضاء العام. فالدولة التي يتصوّرها الوحي ليست استمرارًا للحداثة من داخلها ولا تنكّرًا للمصلحة من خارجها إنما هي مشروع إنساني عبوديّ يتجاوز نموذج الدولة القومية الحديثة ويحرّر الاجتماع السياسي من قبضة المرجعية الإنسانوية.



