مدونة غراس

انسلاخ الهوية ملاحظات حول الإنسان في السياق العربي المعاصرة

بقلم: إسلام المهدي أحمد عبد الرحيم رضوان

مقدمة

إنّ النظر بعينٍ البصيرة في حال أمتنا اليوم يدفعنا إلى طرح تساؤلاتٍ وجوديةٍ عميقة، لا تدور حول السياسة السطحية أو الاقتصاد العابر، بل تغوص في صميم بنية الإنسان العربي نفسه، وفي علاقته بذاته، بتاريخه، وبمنظومته القيمية، لاسيما مع استحداث تحدياتٍ جديدة في عصر ما بعد الحداثة، ومنها دعوات “المواطنة العالمية” المستمرة أو ما يسمى (Global citizenship)، والتي تنطوي في ثناياها على مفهوم التحرر من الذات ومن الهوية، والأسوأ هو أن ما نشهده ليس مجرد “أزمة هويةٍ عابرة” بالمعنى الساذج الذي يُطرح في وسائل الإعلام، بل هو ظاهرة أكثر تركيبًا وخطورة أُسميها “انسلاخ الهوية”؛

انسلاخ الهوية تعني نزع الذات لجلدها الحضاري طواعيةً أو كرهًا، لتظل كائنًا هلاميًا، هشًّا، عاريًا، مشوّهًا، قابلًا لإعادة التشكيل والقولبة من الخارج.

وأرى أن هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه شبابنا العربي حاليًا، وما يعززه هو التخلف الحضاري، ونبرة اليأس التي أصبحت سائدة في مجتمعاتنا، ومقرونة بأحداثٍ سياسيةٍ فجّة جعلتنا مغلوبين على أمرنا، مقيّدين، بالإضافة إلى الدعوات “الحداثية” المستمرة للعبث بالمفاهيم، وتلميع المفاهيم المغلوطة التي تخالف المنطق القويم، فتراهم يدعون إلى التحرر من أي قيود، وكأن الهوية أمست قيدًا وعارًا وعبئًا على صاحبها. وهذه الظاهرة لا بد لها من وقفةٍ جادّة صادقة قبل تفاقم الأمور.

لفهم هذه الظاهرة، يجب أولًا أن نفكّك مفهوم “الهُويّة” نفسه. الهُويّة ليست كيانًا ثابتًا أو جوهرًا صلبًا متجمّدًا في التاريخ، كما يتصوّر البعض. إنّها علاقة جدليّة مستمرّة بين الذات وماضيها، وبين الفرد وجماعته، وبين الثابت (القِيَم الكبرى والنماذج المعرفيّة) والمتغيّر (مستجدّات العصر وتحدّياته). الهُويّة هي ذاكرة حيّة ومنظومة قِيَميّة تمنح الإنسان إحساسًا بالانتماء والغاية والكرامة.

وما يحدث اليوم هو تفكيك لهذه العلاقة الجدليّة. لقد تحوّلت الهُويّة في الخطاب السائد من كونها “نموذجًا معرفيًّا مركّبًا”، يجمع بين المادّي والروحي، وبين الخاصّ والعامّ، إلى مجرّد “نموذج مادّي اختزالي”. هذا النموذج يختزل الإنسان في بُعدٍ واحد: البُعد النَّفعي، الاستهلاكي، الأَدائي. يُصبح الإنسان العربي، في ظلّ هذا النموذج، شيئًا مُجرّدًا من الفكر الروحي والأخلاق التي ميّزته عن غيره من المخلوقات، وصارت تُقاس قيمته بما يملك وما يستهلك، لا بما يُؤمن به وما يُبدعه. ومع الوقت، ضعفت عضلة الإبداع لديه نتيجة إهماله تمرينها، فأمسى الإنسان العربي أداةً مُستهلكة، ولازم هذا تدهور الحضارة العربيّة تدريجيًّا.

إنّ عمليّة الانسلاخ هذه تتمّ عبر آليّاتٍ متعدّدة، يمكن رصدها في واقعنا المعاصر، وهي كالتالي:

أولًا: العلمنة الشاملة لا الجزئية

إنّ ما يُميّز الحداثة الغربية في نُسختها المُتطرّفة هو ما يُسمّى “العلمانية الشاملة”، وهي ليست مجرد فصل الدين عن الدولة (علمنة جزئية)، بل هي عملية نزع القداسة عن كلّ شيء: عن الإنسان، والطبيعة، والقيم. هذا النموذج، الذي يتم تصديره عالميًا، يتسرّب إلى وعينا فيجعل من كلّ ما هو غيبيّ أو قِيَميّ أو روحيّ شيئًا متخلّفًا يجب التخلّص منه.

في المقابل، يتم تقديس كلّ ما هو مادّي: المال، الجسد، اللذّة الفورية. هذا يُؤدّي إلى حالةٍ من “الجفاف الروحي”، حيث تفقد الحياة معناها الأعمق، وتُصبح مجرد سباقٍ محموم نحو الإشباع المادّي اللحظي واللذّة الوهمية.

ثانيًا: هيمنة النموذج الاستهلاكي

 لقد لقد تحوّل العالم إلى سوقٍ كبير، وتحوّل المواطن إلى مستهلك. الإعلانات ووسائل الإعلام لا تبيعنا منتجاتٍ فحسب، بل تبيعنا رؤيةً كاملةً للوجود. إنّها تخلق فينا رغباتٍ لا تنتهي، وتُعرّف لنا السعادة بأنّها امتلاك المزيد.

في هذا السياق، تُصبح الهُويّات التقليديّة (الدينيّة، الوطنيّة، القوميّة) عائقًا أمام السوق الكونيّ المُوحّد. فالسوق يُريد مستهلكًا بلا ذاكرة، بلا ولاءاتٍ عميقة، يُغيّر هُويّته كما يُغيّر علامته التجاريّة المُفضّلة، ويُعيد تعريف قِيَم الإنسان وفق أَجندته، وبما يتوافق مع مصلحته المادّيّة ويَضمن استمراريّته.

وهذا هو جوهرُ الانسلاخ: أن تُصبح هُويّتك مجرّد سلعةٍ قابلةٍ للتبديل.

ثالثًا: تفكيك الذاكرة التاريخي

لا يمكن لأُمّةٍ أن تُحافظ على هُويّتها دون ذاكرةٍ حيّة. وما نَشهده هو عمليّةٌ مُمنهَجة لتزويرِ التاريخ، بل وتزويرِ الحاضر أيضًا، عبرَ اختلاقِ أكاذيبَ وتَكرارِها باستمرار، دون وجودِ ردودٍ كافيةٍ شافيةٍ لردعِ هذه الأكاذيب.

وبالتزامن مع ذلك، هناك محاولاتٌ جادّة لتسطيحِ التاريخ واختزالِه في صُوَرٍ نمطيّةٍ مُشوّهة. إمّا أن يُقدَّم التاريخ بوصفِه سلسلةً من الهزائمِ والإخفاقاتِ التي يجب الخجلُ منها وقطعُ الصِّلةِ بها، أو يُقدَّم بصورةٍ فولكلوريّةٍ سياحيّة، مُجرّد “أرابيسك” جميل، لكنّه فارغٌ من أيّ مضمونٍ قِيَميّ أو معرفيّ.

عندما تُقطَع صِلةُ الأجيالِ الجديدة بتاريخِها الحقيقي، المُركّب والمُعقّد، فإنّها تَفقِد إحساسَها بالامتدادِ الحضاريّ، وتُصبح فريسةً سهلةً لأيّ غزوٍ ثقافيّ.

رابعًا: عبادة “الحداثة” كصنم

          هناك هناك خلطٌ شائعٌ ومُضلّل بين “التحديث” و”الحداثة”. التحديث هو عمليّة اكتساب أدواتِ العصر من علومٍ وتقنياتٍ وإدارة، وهو أمرٌ ضروريّ ومطلوبٌ بلا شكّ لمواكبةِ الزمن، ومحاولةُ التقليل من تبِعاتِ الاضمحلالِ الحضاريّ الذي نَشهده منذ عقود.

أمّا الحداثة، فهي رؤيةٌ فلسفيّةٌ شاملةٌ للكونِ والإنسان، نَشأت في سياقٍ غربيٍّ محدّد، وتَحمل في طيّاتها قِيَمًا قد تتعارض جوهريًّا مع منظومتِنا الحضاريّة.

إنّ الانسلاخَ يَحدث حينما نَتَبنّى “الحداثة” كحُزمةٍ واحدةٍ غير قابلةٍ للتجزئة، فنَستورد مع التقنيةِ قِيَمَها المادّيّة والفرديّة المُتطرّفة، ونتخلّى عن تراثِنا وقِيَمِنا الخاصّة بدعوى أنّها “تقليديّة” أو “مُعيقة للتقدّم”.

إنّ هذا الانسلاخَ لا يَقودنا إلى هُويّةٍ غربيّةٍ أصيلة، فهذا مُستحيل، بل يَقودنا إلى حالةٍ من “المَسخِ الهُويّاتي”، بحيث نُصبح كائناتٍ هَجينة، لا هي شرقيّةٌ عزيزة، ولا هي غربيّة، مَقطوعةَ الجذور، تَعيش على هامشِ الحضارةِ الإنسانيّة، تَستهلك منتجاتِ غيرِها وأفكارَ غيرِها.

وهذا هو الإنسانُ الذي تُريده المنظومةُ العالميّةُ الجديدة: إنسانٌ هَشٌّ بلا مقاومةٍ داخليّة، بلا منظومةٍ قِيَميّةٍ صُلبة، إنسانٌ شفاف، سهلُ الاختراقِ والتوجيه.

والخروجُ من هذا النفقِ المُظلِم لا يكون بالانغلاقِ على الذاتِ ورفضِ التطوّرِ والتجدّدِ ومواكبةِ العصر، فهذا انتحارٌ حضاريّ. كما لا يكون بالذوبانِ الكاملِ في الآخر، فهذا هو الانسلاخُ بعينه.

الحلّ يَكمن في استعادةِ قدرتِنا على “الفَرزِ والتركيب”. أن نَمتلك الشجاعةَ المعرفيّةَ والصّلابةَ الأخلاقيّةَ لنَفرز ما في الحداثةِ الغربيّةِ من أدواتٍ نافعةٍ ومن قِيَمٍ مُدمّرة، ثم نَأخذ منها ما صَفا، ونَدع ما كَدَر، وبعد ذلك نُعيد تركيبَ نموذجِنا الحضاريّ الخاصّ، الذي يَجمع بين الإيمانِ والعقل، وبين الأصالةِ والمعاصرة، وبين المادّيّ والرّوحيّ، مع الاعتزازِ بتراثِنا وهُويّتنا وعدمِ التخلي عنها.

علينا أن نُدرك أنّ الهُويّة ليست دِرعًا نَحتمي به من العالم، بل هي بوصلةٌ تُوجّهنا في خضمّ أمواجِه المُتلاطمة.

وبدون هذه البوصلة، سنظلّ نَتخبّط في ظلماتِ الانسلاخ، ونَسير نحو مصيرٍ لا نُريده، ونحو إنسانيّةٍ منقوصةٍ لا تليق بنا ولا بتاريخِنا.

المصادر:

-المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. دار الشروق، 2002

-المسيري، عبد الوهاب. الحداثة وما بعد الحداثة. دار الفكر، 2003

-المسيري، عبد الوهاب. دفاع عن الإنسان. دار الشروق، 2009

-علي عزت، محمد يوسف and عبد الوهاب محمد   الإسلام بين الشرق والغرب علي عزت بيجوفيتش؛ ترجمة محمد يوسف عدس؛ تقديم عبد الوهاب المسيري. القاهرة: دار الشروق،2013

-Scott, R. (2017) Why being a global citizen is the wrong way to change the world, Medium. Available at: https://medium.com/@robynscott/why-being-a-global-citizen-is-the-wrong-way-to-change-the-world-ab1a4bfb9062 (Accessed: 15 August 2025).

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة، تأسست في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2023 ، والموافق ربيع الأول 1445 للهجرة.

غراس للإنتاج الفكري

مركز غراس للإنتاج الفكر ي هو مؤسسة غير ربحية معنية بتحرير وتناول القضايا الفكرية والاجتماعية… المزيد »

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى