المقالات

“لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه” كيف أصبحت اللغةُ العربيةُ الفصحى أداة للهيمنة سياسياً؟

ظهرت هيمنةُ اللغة العربية الفصحى سياسيًا بعد هيمنتها دينياً منذ نشأة الدولة الإسلامية، إذ أدت دورًا مركزيًا في توحيد الشعوب والقبائل المختلفة تحت سلطةٍ واحدةٍ، وكانت أداةً فاعلةً لتثبيت السلطة بوصفها لغة الإدارة، والقوانين، والرسائل والمراسلات الرسمية والدبلوماسية، بين الحاكم والرعية من جهةٍ، وبينه وبين الممالك والدول الأخرى من جهةٍ ثانية.
كيف فُرضت العربية الفصحى في العصور المتقدمة لغةً رسميةً للدولة؟
اعتمادُ اللغة العربية الفصحى في الدولة الإسلامية المبكرة لغةً رسميةً منحها سلطةً سياسيةً، وهيمنةً على المستويات المحلية والدولية. فهي لغة المراسلات بين الخليفة وولاته، وبينهم وبين الرعية، وبذا كانت وسيلة نقل الأوامر والتشريعات وعقد الاتفاقات والتحالفات. وقد ساعد هذا التوحيد اللغوي في ترسيخ السلطة المركزية، ومنع الفوضى اللغوية التي قد تحدث عند استخدام لغاتٍ ولهجات متعددة.
هيمنة اللغة العربية الفصحى في العهدين الراشدي والأموي سياسياً
بعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية وما حولها، وامتداد رقعة الدولة بالفتوح الإسلامية، والإقبال على الدخول في الإسلام من القبائل العربية المنتشرة في بقاعٍ مختلفةٍ، وبعد دخول أعدادٍ كبيرةٍ من غير العرب في الإسلام، نشأت دولة إسلامية تضاهي الإمبراطوريات العالمية آنذاك، لا سيّما في العهد الأموي بعد أن رست دعائم الدولة وصارت كياناً يشبه في سمته العام كبرى الممالك، ويهدّد وجودها ونفوذها بالفتوح والتوسع، وفرض النفوذ الإسلامي الذي اتّشح بصفة العروبة في ذلك الوقت.
أهمية اللغة والبيان في قضايا الدعوة الدينية والسياسية
لنا في قول سيدنا موسى عليه السلام أكبر دليلٍ على أهمية الفصاحة في الدعوة إلى الدين والتأثير في الناس، ففي قوله تعالى في سورة القصص/ 34 على لسان موسى حين قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾؛ تأكيدٌ على أهمية الطلاقة في اللغة والإبانة، فالدعوة إلى الدين حينذاك كانت أشبه بالدعوات السياسية اليوم أيضاً، فاتّباع موسى يعني بالضرورة الانقلاب على حكم فرعون ومن وَالاه. يقول ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: “وذلك أنّ موسى عليه السلام كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير”. وقال ابن إسحاق: “أي يبين لهم عني ما أكلمهم به”.
وكذلك الأمر حين بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو إلى الحق ودين الإسلام، ويُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وإن كان أُمّياً لا يُجيد القراءة والكتابة، لكنه وُهب فصاحة اللسان وبلاغته بمصداق قوله عليه الصلاة والسلام: “إنّما أوتيت جوامع الكلم”؛ والمقصود بجوامع الكلم فصاحة التعبير وبلاغته؛ أي التعبير عن المعنى الكبير العميق بكلماتٍ قليلةٍ جامعةٍ مانعةٍ شاملةٍ دالةٍ معبرةٍ، لا يأتيها الشّك من يمين أو شمال.
وبالحديث عن العهد الراشدي عُرف الخلفاء الأربعة بفصاحتهم وطلاقة اللسان، وكذلك كان الحال في العصر الأموي، فقد عُرف خلفاء المسلمين عامّةً بفصاحتهم وبيانهم وحرصهم على اللغة العربية الفصحى، وفرضها لغةً رسميةً للخلافة والدولة الإسلامية.

ما علاقةٌ فصاحةُ الخلفاءِ والوُلاةِ بهيمنةٍ اللغةِ العربيّةِ الفُصحى؟
لسانُ الفتى نِصفٌ ونِصفٌ فُؤادُهُ … فلمْ يَبقَ إلّا صورة اللّحمِ والدّمِ
كانتْ الفصاحةُ منْ شروط الخلافةِ والولايةِ، كما كانَ إتقان العربيّةِ الفُصحى شرطًا أساسيًّا لكلِّ منْ يرغبُ بمنصبٍ إداريٍّ في الدولةِ، وقد عُرِفَ عنْ كثيرٍ منَ الخلفاءِ والوُلاةِ قولُهمْ الشعرَ وتغنّيهمْ واستشهادُهمْ بهِ، وتشجيعُهمْ للشعراءِ والأدباءِ ومجالستُهمْ والاستماعُ إليهمْ، وكانتْ الفصاحةُ ممّا يُوصَفُ بهِ الخليفةُ إلى جانب الشجاعةِ والكرمِ والحِلمِ ورجاحةِ العقلِ، والشواهدُ على ذلكَ كثيرةٌ، نذكرُ منها قولًا شاعرًا منَ الشعراءِ مادحًا أحدَ الخلفاءِ:
لكَ البلاغةُ ميدانٌ نشأتَ بهِ
وسحر لَفظِكَ لِلأَلبابِ يَختَطِفُ
فكَيفَ نُدرِكُ شَأوًا قَد خصّصتَ بهِ
وكلُّنا بقصورٍ عنكَ نعترفُ
مهدٌ ليَ العذرُ في نظمٍ بعثتَ بهِ
منْ عندهُ الدرُّ لا يُهدى لهُ الصدفُ
منَ المعلومِ أنْ فصاحة المرءِ وطلاقة لسانِهِ وجميل بيانِهِ وبلاغتهُ تُضفي على شخصِهِ هيبةً وجلالًا في نفوسِ المستمعينَ إليهِ. وقدْ استعذبَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ في أحدِ الأيامِ كلامًا فصيحًا سمعَهُ منْ عمِّهِ العبّاسِ فعَبّرَ عنْ إعجابهِ فقالَ: “باركَ اللهُ لكَ يا عمُّ في جمالِكَ. أيْ فصاحتِكَ”.
والفصاحةُ كما جاءَ عرّفَها فخرُ الدين الرازيُّ صاحبُ التفسير الكبيرِ: “هيَ خُلوص الكلامِ منَ التعقيدِ”، والبلاغةُ: “بُلوغ الرجلِ بعبارتهِ كُنهَ ما في قلبهِ مع الاحترازِ عن الإيجازِ المُخلِّ والتطويلِ المُملِّ”.
وفي مدح الفصاحةِ قالَ محمَّد بنُ سِيرينَ: “ما رأيتُ على رجُلٍ أجمَلَ منْ فصاحةٍ”.
وقال يحيى بنُ خالدٍ البرمكيُّ، كاتبُ هارونَ الرشيدِ، مُعبّرًا عنْ هذهِ الفكرةِ: “ما رأيتُ رجلًا قطُّ إلّا هِبْتُهُ حتى يتكلّمَ، فإنْ كانَ فصيحًا عَظُمَ في صدرِي، وإنْ قصّرَ سقطَ منْ عينِي”.
وجاءَ في الأخبارِ عنِ الشعبيِّ أنَّهُ قالَ: “كنتُ أُحدّثُ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ وهوَ يأكلُ فيُحبِسُ اللقمةَ، فأقولُ: أجزْها أصلحَكَ اللهُ، فإنَّ الحديثَ منْ وراءِ ذلكَ، فيقولُ: واللهِ لحديثكَ أحبُّ إليّ منها”.
وتعالوا ننظرْ معًا إلى بديعٍ قولِ الحجاجِ بنِ يوسفَ الثقفيِّ وبلاغتِهِ مُخاطبًا أهلَ الشامِ:
“يا أهلَ الشامِ، أنا لكم كالظّليمِ الرامحِ عنْ فراخِهِ، ينفى عنها المدرَ، ويُباعدُ عنها الفجرَ، ويكنُّها منَ المطرِ؛ ويحميها منَ الضّبابِ، ويحرسُها منَ الذئابِ؛ يا أهلَ الشامِ، أنتمُ الجنّةُ والرّداءُ، وأنتمُ العدّةُ والحذاءُ”.
فما بالكَ –أيّها القارئُ– بمجتمعٍ يُعطي سِياسِيُّوهُ للّغةِ والفصاحةِ والبلاغةِ كلَّ هذهِ الأهميّةِ، فيتلذّذونَ بسماعِ البيانِ، وعلى ألسنتِهمْ تنتظمُ دررُهُ ولآلئُهُ، ويُقرّبونَ الشّعراءَ، ويهتمّونَ بالأدباءِ، ويتخيّرونَ منَ الكُتّابِ وزراءَ لهمْ، ويحرصونَ في أنفسِهمْ على بلاغةِ القولِ بتخيّرِ الألفاظِ وإصابةِ المعاني.
أليسَ حَرِيًّا بمجتمعاتِنا اليومَ أنْ تنتهجَ ما كانَ عليهِ الأَوَّلونَ منْ إعلاءِ شأنِ لغتِنا العربيّةِ الفُصحى والحفاظِ عليها بوصفِها تجليًا منْ تجلّياتِ الهويّةِ وعنصرًا أساسيًّا منْ عناصرِها؟
يقولُ ابنُ المباركِ:
وهذا اللسانُ بريد الفؤادِ … يدلُّ الرجالَ على عقلِه
تعريب الدواوين في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان
اعتمدتِ الدولةُ الإسلاميّةُ في العهدِ الراشديِّ بدايةً على عناصرَ أجنبيّةٍ في تسييرِ شؤونِ الدواوينِ الرسميّةِ، وبسببِ انشغالِهمْ بتوسيعِ الدولةِ والفتوحاتِ لمْ تنلْ مثل هذهِ الأمورِ الإداريّةِ كثيرًا منَ اهتمامِهمْ، إذْ يُقالُ إنَّ ديوانَ الخراجِ في العراقِ كانَ يُكتبُ باللغةِ الفارسيّةِ، وفي الشّامِ باللغةِ الرّومانيّةِ، على أنَّ الخليفةَ عمرَ بنَ الخطّابِ فكّرَ بتعريبِ العملةِ، وفي العهدِ الأُمويِّ حاولَ الخليفةُ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ إضفاءَ الطّابعِ العربيِّ على مفاصلِ الدولةِ الإداريّةِ، وبلغتْ تلكَ الرّغباتُ ذروةَ التّحقيقِ في عهدِ الخليفةِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ الذي عملَ في عامِ ٨٧هـ الموافقِ لـ ٧٠٥م، على تعريبِ دواوينِ الدولةِ كلّها، أيْ تحويلِ اللغةِ المستخدمةِ في السّجلاتِ الحكوميّةِ منَ اللغاتِ المحليّةِ إلى اللغةِ العربيّةِ الفُصحى، وبذا لمْ يَبقَ لأيِّ لغةٍ أُخرى مكانٌ في الشّؤونِ الإداريّةِ للدولةِ، ولمْ تَعُدِ الدواوينُ بحاجةً لمنْ يُتقنُ تلكَ اللغاتِ منَ العربِ والمسلمينَ والأجانبِ! ومنعَ بذلكَ أيَّ شكلٍ منْ أشكالِ التّحايلِ الإداريِّ أو الاقتصاديِّ، لا سيّما في مسألةِ جمعِ الجزيةِ والضّرائبِ.
كما أمرَ عبدُ الملكِ بنُ مروانَ بِسَكِّ النّقدِ، فصارَ لديهمْ عملةٌ عربيّةُ الطّابعِ، خاصّةٌ بالدولةِ الإسلاميّةِ. كانَ هذا القرارُ خطوةً مهمّةً لتوحيدِ الإدارةِ والسّياسةِ في الدولةِ الإسلاميّةِ، ما ساعدَ في تعزيزِ السّلطةِ المركزيّةِ وتسهيلِ التّواصلِ بينَ مختلفِ المناطقِ، وأدّى إلى فرضِ العربيّةِ الفُصحى على المسلمينَ منْ غيرِ العربِ إنْ أرادوا أنْ يتبوّؤوا مناصبَ، أو يعملوا في دواوينِ الدولةِ ومنشآتها، فازدادَ الإقبالُ على تعلُّمِ العربيّةِ الفُصحى، بدافعٍ سياسيٍّ سُلطويٍّ بحتٍ.
ونلحظُ في قراءةٍ تاريخيّةٍ خاطفةٍ أنَّ الخلفاءَ في العهدِ الراشديِّ والأُمويِّ منْ بعدِهِ خاصّةً حرصوا عندَ اختيارِ الوُلاةِ على انتقاءِ الفُصحاءِ منهمْ كالحجّاجِ بنِ يوسفَ الثّقفيِّ وزيادِ بنِ أبيهِ؛ لما للّغةِ منْ تأثيرٍ كبيرٍ في الرّعيّةِ عندَ مخاطبتِهمْ، وفي السّلكِ الدّبلوماسيِّ والمراسلاتِ الدّوليّةِ أيضًا.
وبفضلِ تعريبِ الدواوينِ نشأتْ طبقةٌ منَ الموظّفينَ المُثقّفينَ الذينَ نَبغوا في الكتابةِ والآدابِ العربيّةِ، وخيرُ مثالٍ على ذلكَ الكاتبُ المشهورُ بعبدِ الحميدِ الكاتبِ في العصرِ العبّاسيِّ.
اللغة العربية الفصحى رمزاً للسلطة والوحدة
إنَّ امتدادَ سُلطةِ اللغةِ العربيّةِ الفُصحى على بُقاعٍ الأرضِ التي ضمّتْها الدولةُ الإسلاميّةُ مكّنَها منْ خلقِ هُويّةٍ موحّدةٍ للمسلمينَ، فاتّفاقٌ اللغةِ والدّينِ والوَلاءِ منْ عناصرَ الهُويّةِ الأساسيّةِ، وقدْ شملَ ذلكَ جميعَ المسلمينَ على اختلافٍ أعراقِهمْ وثقافاتِهمْ، وهذا ما جعلَ العربيّةَ الفُصحى رمزًا سياسيًّا للانتماءِ إلى الدولةِ. وبذا صارتِ اللغةُ عاملًا رئيسًا منْ عواملِ تثبيتِ الحُكمِ والنّظامِ السياسيِّ، وأيُّ محاولةٍ للغَضِّ منها تعني تحدّيًا للسّلطةِ نفسها، فاستخدامُ اللغةِ العربيّةِ الفُصحى في الخُطاباتِ الرسميّةِ والرّسائلِ الدّبلوماسيّةِ كانَ وسيلةً لتعزيزِ الهُويّةِ السياسيّةِ والثقافيّةِ للدولةِ الإسلاميّةِ. وهكذا صارتِ اللغةُ الفُصحى رمزًا للوَحدةِ والانتماءِ، وأسهمتْ في تقويةِ الرّوابطِ بينَ الشّعوبِ المختلفةِ تحتَ رايةِ الإسلامِ.
اللغةُ العربيّةُ الفُصحى ما بينَ السّياسةِ والدّينِ والتّعليمِ
لمْ يكنْ منَ الممكنِ الفَصلُ بينَ التّعليمِ والدّينِ في العصورِ الإسلاميّةِ المُبكّرةِ، فمعظمُ دورِ التّعليمِ كانتِ الجوامعَ والمساجدَ نفسها، وأهمُّ العلومِ التي يسعى لها الطّلابُ والمُتعلّمونَ بعدَ إتقانٍ القراءةِ والكتابةِ هيَ العلومُ الإسلاميّةُ منْ تفسيرٍ وفقهٍ وحديثٍ. والسّياسةُ آنذاكَ كانتْ إسلاميّةَ الصّبغةِ، تعتمدُ على الفقهِ الإسلاميِّ في الحقوقِ والمعاملاتِ، فكانَ التّعليمُ السياسيُّ والدّينيُّ مُتداخلًا، واُستخدمتِ الفُصحى لتعليمِ القانونِ الإسلاميِّ والفقهِ، وبذا صارتِ العربيّةُ الفُصحى هيَ لغةَ الدّينِ والعِلمِ والسّياسةِ على حدٍّ سواءٍ، ما جعلَها أداةً للسّيطرةِ الثقافيّةِ والسّياسيّةِ في آنٍ واحدٍ.
متى تَهيمنُ اللغةُ سياسيًّا على المجتمعِ عامّةً؟
ببساطةٍ حينَ تكونُ اللغةُ الرسميّةَ للبلادِ.
لكنْ هلْ يَكفي هذا السّببُ لفرضِ لغةٍ ما على مجتمعٍ بأكملهِ؟
بحسبِ الواقعِ وباستقراءٍ سريعٍ لتاريخِ الشّعوبِ نجدُ أنّهُ سببٌ كبيرٌ ومؤثّرٌ لكنّهُ لا يَكفي، فإذا فُرضتْ لغةٌ دخيلةٌ ما على المجتمعاتِ قاومَها السّكانُ المحليّونَ بالتمسّكِ بلهجاتِهمْ، وأصرّوا على إبقائِها خارجَ جُدرانِ البيوتِ، بعيدةً عنْ تفاصيلِهمْ ومعاملاتِهمْ اليوميّةِ؛ وخيرُ مثالٍ على ذلكَ بلادُ المشرقِ العربيِّ، فعلى الرّغمِ منْ فرضِ الاحتلالِ الفرنسيِّ والإنكليزيِّ لغتَهُ في مناطقَ متنوّعةٍ منهُ، حافظوا على لغتِهمْ العربيّةِ الفُصحى ولهجاتِهمْ المحليّةِ حاضرةً في ثنايا الحياةِ كلّها.
غيرَ أنَّ الحالَ في القارّةِ الأفريقيّةِ كانَ مُغايرًا، فقدْ مَنعَ الاستعمارُ السُّكّانَ الأصليّينَ منَ التّحدّثِ بلغتِهمُ الأمِّ، وفَرضَ لغتَهُ عليهمْ بوصفِها اللّغةَ الرّسميّةَ للبلادِ، والنّاظرُ في حالِها اليومَ يُدركُ كيفَ استطاعَ الاستعمارُ الأوروبيُّ فَرضَ لغتِهِ فَرضًا تلاشى معهُ وجودُ كثيرٍ منَ اللّغاتِ المحلّيّةِ، ونشأتْ بسببِ ذلكَ لغاتٌ مُستحدثةٌ كاللّغاتِ الكِريوليّةِ؛ وهيَ عبارةٌ عنْ مَزيجٍ منَ اللّغاتِ الأوروبيّةِ والأفريقيّةِ، ويُقصَدُ بها اللّغةُ المُولَّدةُ والخَليطُ اللّغويُّ النّاتجُ منْ لغةِ السُّكّانِ الأمِّ ولغةِ المُستَعمِرِ، حتى صارتْ لغةً طبيعيّةً مَقبولةً ومُعتمدةً منَ السُّكّانِ المحلّيّينَ. ناهيكَ عنْ انتشارِ اللّغاتِ الأوروبيّةِ كالإنجليزيّةِ والفرنسيّةِ انتشارَ النّارِ في الهشيمِ، إذْ يُتحدَّثُ بها في نِطاقٍ واسعٍ منَ المناطقِ في قارّةِ أفريقيا.
وإذا ما تَحدّثنا عنْ بلادِ المغربِ العربيِّ فسنجدَ أنَّ لغةَ الاستعمارِ كانتْ ذاتَ تأثيرٍ سَلبيٍّ في اللّغةِ الأصليّةِ، فقدْ فَرضتْ فرنسا لغتَها بوصفِها اللّغةَ الرّسميّةَ والتّعليميّةَ، واستمرَّ احتلالُها للجزائرِ كما نعلمُ منْ ١٨٣٠ إلى ١٩٦٢م. فتخيَّلْ! ونحنُ في هذا العصرِ بما فيهِ منْ شَتاتٍ وفُرقةٍ، ما معنى أنْ تكونَ لغةُ التّعليمِ مُختلفةً عنِ اللّغةِ الأمِّ! لعلَّ كثيرًا منّا يُعاينُ ذلكَ اليومَ في أطفالِهِ ومحيطِهِ، وما تزالُ الفرنسيّةُ حاضرةً في بلادِ المغربِ بجوارِ العربيّةِ والأمازيغيّةِ، لكنّها استطاعتْ وفقًا لمنطقِها صَبغَ كثيرٍ منَ القوالبِ اللّغويّةِ العربيّةِ والأمازيغيّةِ بصِبغتِها.

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

د. إيناس بوبس

أستاذة جامعية وكاتبة متخصصة بالأدب والنقد ومعنيّة بقضايا اللغة العربية والمجتمع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى