خصائص الحضارة الإسلامية 10 – الخاصية الثانية: إنسانية النزعة
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين.
تتمَّةُ حديثِنا عن إنسانيَّةِ الإنسان، والتي هي جزءٌ من إنسانيَّةِ النزعة. ففي المقال السابق تحدَّثنا عن المساواة، وفي هذا المقال سنتحدَّث عن الحريَّة.
أولاً: حرية الاعتقاد
إنَّ الإسلامَ كفَل حريةَ الاعتقاد، وحريةَ التفكير، والحريةَ الشخصيَّة، واعتبر الحريةَ حقًّا من أهمِّ حقوقِ الإنسان وجزءًا من إنسانيته. فهي ليست منَّةً من أحدٍ يهبها إليه، بل هي تعبيرٌ عن كرامته، كما قال عمرُ الفاروق رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟».
وفي القرآن الكريم آياتٌ عظيمةٌ تتحدَّث عن الحرية. ففي حرية المعتقد يقول الله تعالى:
**﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].وتأمَّلْ معي سببَ نزول هذه الآية؛ فقد وردت مجموعةٌ من الروايات في ذلك، لكن جميعَها تجمع على أمرٍ واحد، وهو عدمُ إكراه الآخرين على دين الإسلام، ولو كانوا أقربَ المقرَّبين، مثل الولد.
وننقل لك، أخي القارئ، إحدى هذه الروايات: قال مسروق: كان لرجلٍ من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان، فتنصَّرا قبل أن يُبعث النبي ﷺ، ثم قدما المدينةَ في نفرٍ من النصارى يحملون الطعام، فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: والله لا أدعكما حتى تُسلِما. فأبيا أن يُسلما. فاختصموا إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، أيَدخُل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ فخلَّى سبيلهما.
فمن الواضح أن هذه الآية دعوةٌ إلى حرية المعتقد، وأن الإسلام بنصِّ القرآن كفل هذه الحرية.وقال تعالى:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
ومعنى هذه الآية جليٌّ واضح، وهو خطابٌ إلى الرسول ﷺ بأنَّه غيرُ مكلَّفٍ بدخول الناس جميعًا في دين الله؛ فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. أما الرسول ﷺ فما عليه إلا البلاغ. إنها منتهى الحرية العقدية، حين يأتي الخطاب من ربِّ العزة إلى نبيِّه شفقةً عليه ورأفةً به؛ كي لا يُجهد نفسَه حرصًا على دخول الناس جميعًا في دين الله:﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] يقول الطبري في تفسيره: لعلك يا محمد قاتلٌ نفسَك ومُهلِكُها إن لم يؤمن قومُك بك، ويُصدِّقوك على ما جئتهم به.
ثانيًا: حرية التفكير
وأمّا ما يتعلَّق بحرية التفكير، فقد دعا الإسلامُ إلى التحرُّر من كل فكرٍ يُكبِّل الإنسانَ ويمنعُه من أن يكون حرًّا في تفكيره، كما قال تعالى:**﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157].فـيضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم تعني أن الإسلام دعا إلى تحرير العقل البشري من الخرافات والأساطير، ومن كل فكرٍ يقيّده ويحوِّله إلى مجرَّد متلقٍّ دون أن يُمحِّصه بعقله وبصيرته، ليعرف الصحيحَ من السقيم.
لقد وهب اللهُ الإنسانَ العقلَ والبصيرةَ ليمتاز بها عن سائر المخلوقات. لكنَّنا نجد أن جميع الأمم حين جاءتها الرسلُ رفضت أن تتحرَّر ممّا عندها من تصوُّراتٍ وموروثات، واكتفت بما ورثته عن آبائها، دون استعدادٍ للنظر في أي دعوةٍ جديدة، كما قال تعالى:﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].وهكذا كانت التبعيَّة العمياء سببًا في رفض دعوة الحق.إن إرسال الله للرسل لا يتعارض مع حرية الفكر، بل هو صميمها؛ إذ ترك الإسلامُ للإنسان حريةَ الاختيار بعد بيان الطريق والدلالة على الصواب، كما قال تعالى:﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].ولهذا جاء الإسلامُ وحرَّر العقلَ العربيَّ ممّا كان عليه من عقائد باطلة وأوهامٍ وخرافات، وترك له حريةَ المعتقد. فأخرج جيلًا أدرك معنى العبودية والحرية الفكرية.
وهذا ربعيّ بن عامر رضي الله عنه يُعلنها مدويَّة: «جئنا لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد». نعم، جاء الإسلام لتحرير الإنسانية من العبودية بأشكالها المختلفة،كما أن الإسلام دعا العقلَ البشريَّ إلى التأمّل والتفكّر في النفس البشريّة، وفي ملكوت السماوات والأرض، ليؤمن الإنسان عن قناعةٍ ويقين، فيسلم وجهه لله عن وعيٍ وبصيرة.قال تعالى:﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الروم: 8].﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20].﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].إن الإسلام دعا إلى التفكّر في الكون والخلق، ليزداد المؤمن إيمانًا، كما قال تعالى:﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].وبهذا ندرك عظمة هذا الدين، حين دعا إلى الحرية العقدية والفكرية. ويبقى لدينا لاستكمال موضوع الحرية: الحرية الشخصية، وسنستكمل الحديث عنها في المقال القادم بإذن الله تعالى



